اللاهوت الدفاعي

الفصل الثالث عشر



الفصل الثالث عشر

الفصل الثالث عشر

شهادة القرآن لوجود
التوراة بين يدي المسيح وأنه جاء مصدقاً لها

 

وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ
مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ

وَآتَيْنَاهُ
الْأِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ
” (المائدة: 46).

 

 يزعم البعض اعتمادا على ما جاء في كتب النقاد وما جاء في كتب
الديانات القديمة، خاصة السومرية والبابلية، على أن التوراة الأصلية فقدت بعد موسى
النبي، وأن التوراة الحالية ما هي إلا مجرد نقل عن هذه الأساطير وليست كتاباً من
عند الله!!!!! ويزعمون أن كتابتها تمت قبل الميلاد بحوالي 400 سنة!!!

 وهذا
الكلام أن قاله الملحدين فلا لوم عليهم وعلينا أن نثبت لهم العكس، أما أن يقوله
الكتاب من الأخوة المسلمين فهذا غير منطقي لسبب بسيط جداً وهو أن القرآن شهد لصحة
التوراة التي كانت بين يدي المسيح، كما شهد للتوراة التي كانت موجودة مع اليهود
أيام نبي المسلمين، بل وأكد القرآن أنه جاء مصدقا لما بين يدي اليهود والمسيحيين
من التوراة والإنجيل!!!

 ولو
افترضنا صحة هذا الإدعاء فماذا ستكون النتيجة؟؟!! أعتقد أن النتيجة لن تكون مقبولة
بالمرة ولن تُرضي المسيحيين والمسلمين. لأنه إذا كانت التوراة التي كانت بين يدي
المسيح وبين يدي نبي المسلمين وبين يدي اليهود في أيامه ليست هي التوراة الحقيقة،
فعن ماذا شهد المسيح والقرآن، كما يقول كل من الإنجيل والقرآن؟؟!! هل شهدا وصدقا
على كتاب مزور؟؟!! وعن ماذا شهد وصدق القرآن، هل صدق بكتاب مزور هو مجرد أساطير الشعوب
وليس كتاب الله؟؟!! والإجابة كلا ومستحيل فقد أكد المسيح لصحة كل حرف وكلمة وجملة
وفقرة في التوراة وبقية كل أسفار العهد القديم وكل الأحداث التي وردت بها، كما
بينا، كما أكد القرآن أنه، المسيح، جاء مصدقا لما بين يديه من التوراة وأن الله هو
الذي علمها له كما علمه الإنجيل ” وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ
وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ
” (آل عمران: 48)، فهل
علمه توراة مزيفة؟! وهل جاء مصدقاً لتوراة محرفة؟! والإجابة كلا ومستحيل!!

 وردت كلمة
التوراة في القرآن 18 مرة
(ù) وكلها تشهد
لصحة التوراة وأنها منزلة

من عند الله
وأنها كانت موجودة ككلمة الله الموحى بها أيام المسيح وأن الله هو الذي علمها له
وأنه جاء مصدقاً لها، وأنها كانت كذلك أيام نبي المسلمين كالكلمة الموحى بها
والمنزلة من عند الله وأنها كانت كاملة وسليمة بدون نقص أو زيادة وليس بها أي شبهة
لأنها كتاب الله.

 وفيما يلي
شهادة القرآن ومفسرو القرآن على أن التوراة والمزامير وكتب الأنبياء المنزلة
وعلومهم وسننهم وقضاءهم كانت بين يدي المسيح وأنه جاء مصدقاً لها وحافظاً لكل ما
جاء فيها عن ظهر قلب، بل ومتمما لما جاء فيها فقد تنبأت بمجيئه وأعلنت عن صفاته،
بل ويقول المفسرون أنه تعلمها من الله أو أن الله هو الذي علمه إياها منذ كان في
بطن أمه وكشف له ما بها من أسرار، كما علمه الكتابة والحكمة والعلوم الشرعية
والفقهية والعقلية والعلوية والسنّة التي كان يتكلم بها

الأنبياء
وأحكام الشرائع:

1 الله يعلم المسيح الحكمة والتوراة وكتب
الأنبياء:

¯ وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ
وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ
(آل عمران:
48).

¯ ” إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ
نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ
تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ
وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ
وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ
الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً
بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ
الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ
بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ
مُبِينٌ ” (المائدة: 110).

& جاء في جامع البيان للطبري:
” القول في تأويل قوله تعالى: ” ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة
والإنجيل ” فيعلمه الكتاب، وهو الخط الذي يخطه بيده، والحكمة: وهي السنة
التي نوحيها إليه في غير
كتاب، والتوراة: وهي التوراة التي أنزلت
على موسى،
كانت فيهم
من عهد موسى
، والإنجيل: إنجيل عيسى، ولم يكن قبله، ولكن الله
أخبر مريم قبل خلق عيسى أنه موحيه إليه، وإنما أخبرها بذلك، فسماه لها، لأنها
قد كانت علمت فيما نزل من الكتب أن الله باعث نبيا يوحى إليه كتابا اسمه الإنجيل

“.

& قال الرازي: ” المراد
من الكتاب تعليم الخط والكتابة، ثم المراد بالحكمة تعليم العلوم وتهذيب الأخلاق
لأن كمال الإنسان في أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به ومجموعهما هو المسمى
بالحكمة، ثم بعد أن صار عالماً بالخط والكتابة، ومحيطاً بالعلوم العقلية والشرعية،
يعلمه التوراة، وإنما أخر تعليم التوراة عن تعليم الخط والحكمة، لأن التوراة
كتاب إلٰهي، وفيه أسرار عظيمة،
والإنسان ما لم يتعلم العلوم الكثيرة لا
يمكنه أن يخوض في البحث على أسرار الكتب الإلٰهية، ثم قال في المرتبة
الرابعة والإنجيل، وإنما أخر ذكر الإنجيل عن ذكر التوراة لأن من تعلم الخط، ثم
تعلم علوم الحق، ثم أحاط بأسرار الكتاب الذي أنزله الله تعالى على من قبله من الأنبياء
فقد عظمت درجته في العلم فإذا أنزل الله تعالى عليه بعد ذلك كتاباً آخر وأوقفه على
أسراره فذلك هو الغاية القصوى، والمرتبة العليا في العلم، والفهم والإحاطة
بالأسرار العقلية والشرعية، والاطلاع على الحكم العلوية والسفلية، فهذا ما عندي في
ترتيب هذه الألفاظ الأربعة
“.

& وجاء في ابن كثير: ” إن
الله يعلمه ” ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ “، الظاهر أن
المراد بالكتاب ههنا الكتابة، والحكمة تقدم الكلام على تفسيرها في سورة البقرة، و
” ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنجِيلَ “، فالتوراة هو الكتاب
الذي أنزله على موسى بن عمران، والإنجيل الذي أنزله الله على عيسى بن مريم عليهما
السلام. وقد كان عيسى عليه السلام يحفظ هذا وهذا
.

& وقال ابن عباس في تفسيره:
” وَيُعَلِّمُهُ ٱلْكِتَابَ ” كتب الأنبياء ويقال الكتابة ”
وَٱلْحِكْمَةَ ” الحلال والحرام ويقال حكمة الأنبياء قبله
وَٱلتَّوْرَاةَ ” في بطن أمه
” وَٱلإِنْجِيلَ
” بعد خروجه من بطن أمه “.

& وقال السمرقندي: ”
وَيُعَلّمُهُ ٱلْكِتَٰبَ ” قرأ نافع وعاصم ” وَيُعَلّمُهُ
” بالياء يعني أن الله يعلمه، وقرأ الباقون بالنون، ومعناه أن الله يقول
ونعلمه ” ٱلْكِتَٰبِ ” يعني كتب الأنبياء. وهذا قول
الكلبي. وقال مقاتل: يعني الخط والكتابة، فعلّمه الله بالوحي والإلهام ”
وَٱلْحِكْمَةِ ” يعني الفقه ” وَٱلتَّوْرَاةَ
وَٱلإِنجِيلَ ” يعني يحفظ التوراة عن ظهر قلبه. وقال بعضهم: وهو عالم
بالتوراة. وقال بعضهم: ألهمه الله بعدما كبر حتى تعلم في مدة يسيرة
“.

& وقال البغوي: ”
وَيُعَلِّمُهُ … ٱلْكِتَابَ ” أي الكتابة والخط ”
وَٱلْحِكْمَةَ ” العلم والفقه ” وَٱلتَّوْرَاةَ
وَٱلإِنْجِيلَ ” علمه الله التوارة والإِنجيل
“.

& وقال ابن عطية: ”
الكتاب ” هو الخط باليد فهو مصدر كتب يكتب … وأما ” الحكمة “،
فهي السنة التي يتكلم بها الأنبياء، في الشرعيات، والمواعظ … وأما ما كان من
حكمة عيسى الخاصة به فإنما يقال فيها يعلمه على معنى يهيئ غريزته لها ويقدره
ويجعله يتمرن في استخراجها ويجري ذهنه إلى ذلك، و “ التوراة ” هي
المنزلة على موسى عليه السلام، ويروى أن عيسى كان يستظهر التوراة وكان أعمل الناس
بما فيها، ويروى أنه لم يحفظها عن ظهر قلب
إلا أربعة، موسى ويوشع بن نون وعزير
وعيسى عليهم السلام
“.

& وقال النسفي: ”
وَيُعَلِّمُهُ … الكتابة وكان أحسن الناس خطاً في زمانه. وقيل: كتب الله
” والحكمَةَ ” بيان الحلال والحرام أو الكتاب الخط باليد. والحكمة:
البيان باللسان ” وَٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنجِيلَ
“.

& وقال الخازن: ” ويعلمه
الكتاب ” يعني الكتابة والخط باليد ” والحكمة ” يعني العلم
والسنة وأحكام الشرائع ” والتوراة ” يعني التي أنزلت على موسى

” والإنجيل ” يعني الذي أنزل عليه وهذا إخبار من الله تعالى لمريم ما هو
فاعل بالولد الذي بشرها به من الكرامة وعلو المنزلة “.

& وقال ابو حيان: ”
وَيُعَلّمُهُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَاةَ
وَٱلإِنجِيلَ ” الكتاب: هنا مصدر، أي: يعلمه الخط باليد، قاله ابن
عباس، وابن جريج وجماعة وقيل: الكتاب هو كتاب غير معلوم، علمه الله عيسى مع
التوراة والإنجيل وقيل: كتب الله المنزلة
. والألف واللام للجنس وقيل:
هو التوراة والإنجيل. قالوا: وتكون الواو في: والتوراة، مقحمة، والكتاب
عبارة عن
المكتوب، وتعليمه إياها قيل: بالإلهام، وقيل: بالوحي، وقيل: بالتوفيق
والهداية للتعلم والحكمة. تقدم تفسيرها، وفسرت هنا: بسنن الأنبياء، وبما شرعه من
الدين، وبالنبوة
، وبالصواب في القول والعمل وبالعقل، وبأنواع العلم. وبمجموع
ما تقدم أقوال سبعة. روي أن عيسى كان يستظهر التوراة، ويقال لم يحفظها عن
ظهر قلب غير: موسى، ويوشع، وعزير، وعيسى
. وذكر الإنجيل لمريم وهو لم ينزل
بعد لأنه كان كتاباً مذكوراً عند الأنبياء والعلماء، وأنه سينزل “.

& وجاء في مختصر ابن
كثير للصابوني: ” إن اللّه يعلمِّه الكتاب والحكمة، الظاهر أن المراد بالكتاب
ههنا الكتابة، والحكمة تقدم تفسيرها في سورة البقرة، والتوراة والإنجيل. فالتوراة
هو الكتاب الذي أنزل على موسى بن عمران، والإنجيل الذي أنزل على عيسى بن مريم
عليهما السلام، وقد كان عيسى عليه السلام يحفظ هذا
“.

2 التوراة كانت مع المسيح وبين يديه وأنه
جاء مصدقاً لها:

¯ َمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنْ
التَّوْرَاةِ وَلأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ
بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِي
” (آل
عمران: 50(.

& قال القرطبي: ” قوله
تعالى: ” وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل … إني رسول الله إليكم
” أي بالإنجيل. ” مصدقا لما بين يدي من التوراة
لأن في
التوراة صفتي، وأني لم آتكم بشيء
يخالف التوراة فتنفروا عني
“.

& وقال الطبري: ” قيل:
” وَمُصَدّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ ” لأن
عيسى صلوات الله عليه كان مؤمناً بالتوراة مقرّاً بها، وأنها من عند الله،
وكذلك الأنبياء كلهم يصدّقون بكل ما كان قبلهم من كتب الله ورسله، وإن اختلف بعض
شرائع أحكامهم لمخالفة الله بينهم في ذلك، مع أن عيسى كان فيما بلغنا عاملاً
بالتوراة، لم يخالف شيئاً من أحكامها إلا ما خفف الله عن أهلها في الإنجيل مما كان
مشدّداً عليهم فيها
“.

& وقال الطبرسي: ” ومصدقا
لما بين يدي ” أي: لما أنزل قبلي ” من التوراة “، وما فيه
البشارة بي ومن أرسل قبلي من الأنبياء
” ولأحل لكم بعض الذي حرم
عليكم ” هذا معطوف على معنى قوله ” مصدقا ” وتقديره: ولأصدق
ما بين يدي من التوراة
“.

& وقال الرازي: ” إنه يجب
على كل نبي أن يكون مصدقاً لجميع الأنبياء عليهم السلام، لأن الطريق إلى ثبوت
نبوتهم هو المعجزة، فكل من حصل له المعجز، وجب الاعتراف بنبوته، فلهذا قلنا: بأن
عيسى عليه السلام يجب أن يكون مصدقاً لموسى بالتوراة، ولعلّ من جملة الأغراض في
بعثة عيسى عليه السلام إليهم تقرير التوراة
وإزالة شبهات المنكرين
وتحريفات الجاهلين … لأن التصديق بالتوراة لا معنى له إلا اعتقاد أن كل ما
فيها فهو حق وصواب
، وإذا لم يكن الثاني مذكوراً في التوراة لم يكن حكم
عيسى بتحليل ما كان محرماً فيها، مناقضاً لكونه مصدقاً بالتوراة، وأيضاً إذا
كانت البشارة بعيسى عليه السلام موجودة في التوراة لم يكن مجيء عيسى عليه السلام
وشرعه مناقضاً للتوراة
“.

& وجاء في تفسير ابن كثير:
وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ
وَلاُِحِلَّ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ … ” أي:
مقرراً لها ومثبتاً
“.

& وقال القرطبي: ” وإنما
قيل: “
ومصدقا
لما بين يدي من التوراة
لأن عيسى صلوات الله عليه كان مؤمنا
بالتوراة مقرا بها، وأنها من عند الله،
وكذلك الأنبياء كلهم يصدقون
بكل ما كان
قبلهم من كتب الله ورسله، وإن اختلف بعض شرائع أحكامهم لمخالفة الله بينهم في ذلك،
مع أن عيسى كان فيما بلغنا عاملا بالتوراة، لم يخالف شيئا من أحكامها إلا ما
خفف الله عن أهلها في الإنجيل مما كان مشددا عليهم
فيها
“.

¯ وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ
مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ
الإِنجِيلَ فِيهِ

هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ التَّوْرَاةِ
وَهُدًى
وَمَوْعِظَةً
لِلْمُتَّقِينَ
” (المائدة: 46).

¯ ” وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ
مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ
الْأِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ
التَّوْرَاةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ” (المائدة: 46).

& جاء في الجامع لأحكام القرآن
للقرطبي: ” مصدقا لما بين يديه ” يعني التوراة ؛ فإنه رأى التوراة
حقا، ورأى وجوب العمل بها
“.

& وجاء في مختصر تفسير ابن
كثير: ” وقفينا ” أي اتبعنا على آثارهم يعني أنبياء بني إسرائيل ”
بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة “، أي
مؤمنا
بها حاكماً بما فيها
، ” وآتيناه الإنجيل فيه هدى
ونور ” أي هدى إلى الحق ونور يستضاء به في إزالة الشبهات وحل المشكلات ”
ومصدقا لما بين يديه من التوراةأي متبعاً لها غير مخالف لما
فيها إلا في القليل مما بين لبني إسرائيل بعض ما كانوا
يختلفون
فيه
“.

& جاء في الكشاف للزمخشري:
قيل: إن عيسى عليه السلام كان متعبداً بما في التوراة من الأحكام ؛
لأن الإنجيل مواعظ وزواجر والأحكام فيه قليلة “.

& وقال الطبرسي: ” مصدقا
لما بين يديه ” أي: لما مضى ” من التوراة ” التي أنزلت على موسى،
صدق بها وآمن بها، وإنما قال لما مضى قبله لما بين يديه، لأنه إذا كان يأتي بعده
خلفه، فالذي مضى قبله يكون قدامه، وبين يديه
” … ومصدقا
لما بين يديه من التوراة ” يعني الإنجيل يصدق بالتوراة لان فيه أن التوراة حق

“.

& وقال الرازي: ” معنى
كون عيسى مصدقاً للتوراة أنه أقر بأنه كتاب منزّل من عند الله، وأنه كان حقاً واجب
العمل به قبل ورود النسخ. السؤال الثاني: لم كرر قوله ” مُصَدّقاً لّمَا
بَيْنَ يَدَيْهِ ” والجواب: ليس فيه تكرار لأن في الأول: أن المسيح يصدق
التوراة، وفي الثاني: الإنجيل يصدق التوراة
.

& وقال ابن كثير: ”
مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَوْرَاةِ ” أي:
مؤمناً بها، حاكماً بما فيها
… “ وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ
يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ ” أي: متبعاً لها، غير مخالف لما فيها، إلا
في القليل مما بين لبني إسرائيل بعض ما كانوا يختلفون فيه
“.

& وجاء في تفسير فتح القدير
للشوكاني:
وقوله: ” وَمُصَدّقًا ”
معطوف على محل ” فِيهِ هُدًى ” أي: أن الإنجيل أوتيه عيسى حال كونه
مشتملاً على الهدى والنور ومصدقاً لما بين يديه من التوراة ؛ وقيل إن مصدّقاً
معطوف على مصدّقاً الأوّل، فيكون حالا من عيسى مؤكداً للحال الأول ومقرّراً له.
والأوّل أولى ؛ لأن التأسيس خير من التأكيد. قوله: ” وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ
لّلْمُتَّقِينَ ” عطف على مصدّقاً داخل تحت حكمه منضماً إليه: أي مصدقاً
وهادياً وواعظاً للمتقين
“.

& وجاء في تفسير ابن عباس:
” وَقَفَّيْنَا ” أتبعنا وأردفنا ” عَلَىٰ آثَارِهِم
بِعَيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً ” موافقاً ” لِّمَا
بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَوْرَاةِ ” بالتوحيد وبعض الشرائع

” وَآتَيْنَاهُ ” أعطيناه ” ٱلإِنجِيلَ فِيهِ ” في
الإنجيل ” هُدًى ” من الضلالة ” وَنُورٌ ” بيان الرجم ” وَمُصَدِّقاً
” موافقاً ” لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ ”
بالتوحيد والرجم
“.

& وقال ابن الجوزي ” مُصدّقاً
” أي: بعثناه مُصدّقاً ” لما بين يديه ” ” وآتيناه الإِنجيل
فيه هدىً ونورٌ ومُصدّقاً ” ليس هذا تكراراً للأول، لأن الأول لعيسى،
والثاني: للإنجيل، لأن عيسى كان يدعو إِلى التصديق بالتوراة، والإِنجيل أُنزِلَ
وفيه ذكر التصديق بالتوراة
“.

& وجاء في تفسير الخازن:
وقفينا على آثارهم … بعيسى ابن مريم مصدقاً لما بين يديه من التوراة
يعني أن عيسى عليه السلام كان مصدقا بأن التوراة منزلة من عند الله
عزّ وجل وكان العمل بها واجباً قبل ورود النسخ عليها فإن عيسى عليه السلام نسخ بعض
أحكام التوراة وخالفها ” وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ” يعني فيه هدى
من الجهالة وضياء من عمى البصيرة ” ومصدقاً لما بين يديه من التوراة ”
هذا ليس بتكرار للأول لأن في الأول الإخبار بأن عيسى مصدق لما بين يديه من
التوراة. وفي الثاني: الإخبار بأن الإنجيل مصدق للتوراة
“.

& وجاء في تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان للقمي
النيسابوري: ” مصدّقاً لما بين يديه ” أي مقراً بأن التوراة كتاب
منزل من عند الله تعالى وأنه كان حقاً واجب العمل به قبل ورود ناسخه وهو الإنجيل
المصدق أيضاً
“.

& وقال البقاعي: “
ومصدقاً ” أي الإنجيل بكماله ” لما بين يديه ” ولما كان الذي
نزل قبله كثيراً، عين المراد بقوله: ” من التوراة ” فالأول صفة لعيسى
عليه السلام، والثاني صفة لكتابه، بمعنى أنه هو والتوراة والإنجيل متصادقون، فكل
من الكتابين يصدق الآخر وهو يصدقهما، لم يتخالفوا في شيء، بل هو متخلق بجميع ما
أتى به
“.

¯ ” وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي
إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ
مِنَ التَّوْرَاةِ
” (الصف: 6).

& قال القرطبي: مصدقا
لما بين يدي من التوراة ” لأن في التوراة صفتي، وأني لم آتكم بشيء يخالف
التوراة فتنفروا عني
“.

& وجاء في مختصر ابن كثير
” مصدقاً لما بين يديَّ من التوراة … يعني التوراة، وقد بشرت بي وأنا
مصدق ما أخبرت عنه
“.

& وقال الرازيقوله:
” إِنّى رَسُولُ ٱللَّهِ ” أي اذكروا أني رسول الله أرسلت
إليكم بالوصف الذي وصفت به في التوراة ومصدقاً بالتوراة وبكتب الله وبأنبيائه
جميعاً ممن تقدم وتأخر
.

& وقال ابن كثير: ” يعني:
التوراة، قد بشرت بي، وأنا مصداق ما أخبرت عنه
“.

& وقال الشوكاني: ” مُّصَدّقاً
لّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ ” أي: إني رسول الله إليكم
بالإنجيل مصدّقاً لما بين يديّ من التوراة لأني لم آتكم بشيء يخالف التوراة، بل هي
مشتملة على التبشير بي، فكيف تنفرون عني وتخالفونني
“.

 وهكذا يؤكد
لنا القرآن والمفسرون وعلماء الإسلام أن التوراة وكتب الأنبياء كانت كما هي، مثلما
نزلت على موسى النبي والأنبياء، فقد كانت مع المسيح وبين يديه، كما كانت مع موسى
ويشوع وعزرا، وكان حافظاً لها ومتمسكاً بها ومتمماً لما جاء بها عنه. وأنه من المستحيل
أن تكون قد فقدت أو ضاعت أو أنها غير التي كتبها موسى النبي والأنبياء، لأنها كانت
مع المسيح وبين يديه وأنه كان هو وموسى ويشوع وعزرا حافظين لها لذا فمن المستحيل
أن تكون قد فقدت أو تغيرت أو تبدلت فيما بين موسى والمسيح!!!



(ù)
(1) ” نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ
يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ ” (آل عمران:3).

(2) ” وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ
” (آل عمران:50).

(3) ” يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ
وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْأِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا
تَعْقِلُونَ ” (آل عمران:65).

(4و5) ” كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائيلَ إِلَّا
مَا حَرَّمَ إِسْرائيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ
التَّوْرَاةُ
قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ
صَادِقِينَ ” (آل عمران:93).

(6) ” وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ
فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ
” (المائدة:43).

(7) ” إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً
وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا
وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ
وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ” (المائدة:44).

(8 و9) ” وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ
مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ
الْأِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ
وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ” (المائدة:46).

(10) ” وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ
وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ ” (المائدة:66).

(11) ” قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى
تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ
رَبِّكُمْ ” (المائدة:68).

(12) ” الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ
الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ
” (لأعراف:157).

(13) ” إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ
وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ
وَالْأِنْجِيلِ ” (التوبة:111).

(14) ” سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ
مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ
أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ ” (الفتح:29).

(15) ” وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرائيلَ
إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ
” (الصف:6).

(16) “مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ
يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً “(الجمعة:5).

(17) ” وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ
وَالْأِنْجِيلَ ” (آل عمران:48).

(18) ” إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ
نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ
تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ
وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ ” (المائدة:110)

 

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى