عهد قديم

الإصحاح الحادي والثلاثون



الإصحاح الحادي والثلاثون]]>الإصحاح الحادي والثلاثون

 

فيهيشهد أيوب لنفسه بالبر ويدافع عن نفسه من كل الجرائم التي نسبها له أصحابه ظلماً(مثال للإتهامات 6:22) وفي تبريره لنفسه كان يطلب أن يعاقبه الله بعقوبة مريرة لوكان قد فعل أي خطية من التي ينكر أنه فعلها. بل هو دافع عن نفسه بأن حتي لم يفعلخطايا سرية، أي خطايا لم يشهد أحد عليه أنه فعلها وبالتالي لا يستطيع أحد أنيحاسبه، ويذكر السبب أنه كان يخشي الخطية وهو أنه يخشي الله.

الأيات1-12:- عهداً قطعته لعينى فكيف أتطلع فى عذراء. وما هى قسمة الله من فوقونصيب القدير من الأعالى. أليس البوار لعامل الشر والنكر لفاعلى الإثم. أليس هوينظر طرقى ويحصى جميع خطواتى. إن كنت قد سلكت مع الكذب أو أسرعت رجلى إلى الغش.ليَزِنِى فى ميزان الحق فيعرف الله كمالى. إن حادت خطواتى عن الطريق وذهب قلبىوراء عينى أو لصق عيب بكفى. أزرع وغيرى يأكل وفروعى تستأصل. إن غوى قلبى على إمرأةأو كمنت على باب قريبى. فلتطحن إمرأتى لآخر ولينحنى عليها آخرون. لأن هذه رذيلةوهى إثم يعرض للقضاة. لأنها نار تأكل حتى إلى الهلاك وتستأصل كل محصولى.

فيالآية (1) “عهدا قطعت لعيني فكيف اتطلع في عذراء”. شهوة الجسد ومحبة العالم هما صخرتان يسقط عليهما الكثيرين وهنا يدافعأيوب عن نفسه أنه لم يسقط منهما. وفي هذه الآية يدافع عن نفسه في أنه لم يشتهإمرأة قريبه، ولا أي إمرأة، بلكان أميناً لزوجته. وهوحافظ علي نفسه من أول خطوات الخطية وهي النظرة، فمن يريد أن يحفظ قلبه طاهراًفليحفظ عينيه أولاً فهي الطريق والمدخل إلي القلب. ونلاحظ أن أيوب كان يتكلم هنابروح العهد الجديد وتعاليم السيد المسيح من نظر إلي إمرأة ليشتهيهافقد زني بها في قلبه”. وأيوب أمسك عينيه عن أن تنظرا لتشتهيا حتي لا يضرم شهوات قلبه وفي (2) “و ما هي قسمة الله من فوقونصيب القدير من الاعالي”. يقول لماذا فضل أنيعيش طاهراً، ومنع نفسه من التطلع في عذراء، لأنه عرف أن كل خطية تغضب الله تمنععنه بركات السماء. وما هي قسمه الله من فوق= أي ماذا يتوقعالخاطئ من بركات السماء، الخاطئ لا ينتظر بركات سواء أرضية أو سماوية بعد الموت.

وفي(3) “اليسالبوار لعامل الشر والنكر لفاعلي الاثم”. هناإجابة السؤال ما هي قسمة الله من فوق (آية 2) والأجابة البوار عوضاً عن البركة. وقد يستهتر الخاطئ بنتائج الخطية ولكن نصيب سدوموعمورة تشهد بأن الخطية نتائجها مرعبة. وفي (4)”اليس هو ينظر طرقي ويحصي جميع خطواتي“.هو يشعر بأن الله عينه عليه دائماً ولا يخفي عليه شئ، وهكذا كان يوسف (تك 9:39).هنا أيوب يعلن إيمانه بالله الذي لا يخفي عليه شئ، أي أن معرفته غير محدودة. وهو يحصيجميع خطواتي= أي أن الله يزن كل عمل من أعمالي، ويحاسبني علي ما هو صالح أو ماهو الشرير.

وفيي(5) “انكنت قد سلكت مع الكذب او اسرعت رجلي الى الغش”. يبرئأيوب نفسه من أنه حصل علي أي ثروة بالغش أو الكذب. فهو يؤمن أن كل ما حصل عليهبالغش لابد وسيضيع. وفي (6) “ليزني في ميزان الحق فيعرف الله كمالي“.من ثقته في أمانته يود لو وزن الله كل خطواته ليعلن بره ويكون له هذا كرامة. هناهو يستشهد الله علي صدق قوله وهذا يعني ضمناً أن الله قد ظلمه إذ أتي عليه بهذهالألام. وفي (7) “ان حادت خطواتي عن الطريق وذهب قلبي وراء عيني او لصق عيب بكفي”. يقول أنه لم يحد عن طريق الأمانة بل ربط نفسه بطريق البر، وقلبه لميسير وراء شهوة عينيه، ولم يشتهي ما لغيره. ولم يلطخ يديه بأي شئ خاطئ، أي لم يحصلعلي شئ بعدم أمانة، ولم يحتفظ بشئ ليس له، ولم يلطخ يديه بأجرة عبيده الذين لميظلمهم، وكان يدفع أجرتهم ولم يحجزها عنهم. ولاحظ قوله ذهب قلبي وراء عيني=أخلاقيات أيوب علي مستوي العهد الجديد. فهو لا يحسب الخطايا التي ينفذها فقط أنهاخطايا، بل يحسب علي نفسه ما فكر فيه في قلبه أيضاً. وفي (8) “ازرع وغيري ياكل وفروعي تستاصل“.يقول أنه لو كان قد فعل أي خطية فليعاقبه الله بأن يخسر كل شئ.

وفي(9) “انغوي قلبي على امراة او كمنت على باب قريبي”. إن غوي قلبي إمرأة= نري أن كل الخطايا منبعها قلب مخدوع. ولم يكمن علي باب قريبه=أي لم يدبر للزنا مع زوجته. فلتطحن إمرأتي لآخر= أي تصير عبدة لسيد أخر،والعبدة أو الجارية هي سرية لسيدها، له الحق أن يضطجع معها ولينحن عليها أخرون=أي إذا كنت فعلت هذا مع إمراة قريبي فليفعل هذا مع إمرأتي. وفي (11) “لان هذه رذيلة وهي اثم يعرضللقضاة”. في نظر أيوب أن الزنا جريمة حقيرةفهي تغيظ الله وتأتي علي الإنسان بالخراب (روحياً وجسدياً). ولنري الخراب الذي أتيعلي بيت داود بسبب الزنا مع بثشبع. وهذه الجريمة تميت الضمير وتحرم الإنسان جميعالأفراح الطبيعية وتبعده عن الله. وفي (12) “لأنها نار تاكل حتى الىالهلاك وتستاصل كل محصولي”. نراه يصورالزنا علي أنه نار تأكل حتي الخراب النهائى. والشهوة نار للروح تحرق من تسيطر عليهم وتتحكم فيهم، وتذهب كلتعزياتهم تماماً، بل هي تشعل نار غضب الله الذي يؤدي لخراب النفس الأبدي. فالشهواتالمشتعلة تأتي بالأحكام النارية ضد الإنسان (سدوم وعمورة).

الأيات13-23:-إن كنت رفضت حق عبدى وأمتى فى دعواهما علىَ. فماذا كنت أصنع حينيقوم الله وإذا إفتقد فبماذا أجيب. أوَليس صانعى فى البطن صانعه وقد صورنا واحد فىالرحم. إن كنت منعت المساكين عن مرادهم أو أفنيت عينى الأرملة. أو أكلت لقمتى وحدىفما أكل منها اليتيم. بل منذ صباى كبر عندى كأب ومن بطن أمى هديتها. إن كنت رأيتهالكاً لعد اللبس أو فقيراً بلا كسوة. إن لم تباركنى حقواه وقد إستدفأ بجزة غنمى.إن كنت قد هززت يدى على اليتيم لما رأيت عونى فى الباب. فلتسقط عضدى من كتفىولتنكسر ذراعى من قصبتها. لأن البوار من الله رعب علىَ ومن جلاله لم أستطع.

 في(13) “انكنت رفضت حق عبدي وامتي في دعواهما علي”. نجدهينصف عبيده ويعطيهم حقوقهم، حتي لو إشتكوا منه هو. فهو لم يعتبر عبيده مجرد شئيقتنيه وفي (14) “فماذا كنت اصنع حين يقوم الله واذا افتقد فبماذا اجيبه”. نجد عدله مع عبيده راجع لخوفه من الله وفي (15) “اوليس صانعي في البطن صانعهوقد صورنا واحد في الرحم”. هنا نظرة مسيحيةلنظام العبيد، فهو وعبيده لهم سيد واحد هو الله. إذاًهم جميعاً، هو وعبيده إخوة. أما العهد القديم فقد أباح العبودية، ومن قول أيوب هذانفهم أن نظام العبودية ليس بحسب قصد الله حين خلق الإنسان، فها هو إنسان من العهدالقديم وقبل الناموس ويتكلم كلاماً فيه الفكر الصحيح عن العبيد وعلاقتهم مع سادتهموأنهم إخوة (غل 28:3). بل هوصنع له أصدقاء بمال الظلم وفي (16) “ان كنت منعت المساكين عن مرادهم او افنيت عينيالارملة”. يدافع عن نفسه فيما قاله أليفاز،فقد إتهمه أليفاز بأنه يظلم المساكين والأرامل، ويقول أنه كان يلبي لهم رغباتهم= لميمنع مرادهم.

أوأفنيت عيني الأرملة= لم يكن ينتظرالأرملة أن تطلب منه، بل كان يفهم من نظرة عينيها إحتياجها ويلبيه، أو لم يكنيتركها تنتظر عبثاً. وفي (17) “او اكلت لقمتي وحدي فما اكل منها اليتيم”. كان يأكل مع اليتامي وفي (18) “بل منذ صباي كبر عندي كابومن بطن امي هديتها”. نجده يربي اليتامي كأبلهم. ومن بطن أمي هديتها= المقصود أنه تعلم أعمال الرحمة علياليتامي والأرامل من بطن أمه، هو مولود بها، منسوجة في طبيعته.

وفي(20، 19) “ان كنت رايت هالكا لعدم اللبس او فقيرا بلا كسوة، ان لم تباركنيحقواه وقد استدفا بجزة غنمي”. لم يترك عارياًإلا وكساه، وحينما إستدفأت حقواه باركه الفقير أي دعا له بالبركة. وفي (21) “ان كنت قد هززت يدي علىاليتيم لما رايت عوني في الباب”. هززت يدي علي اليتيم= اي لم أظلم يتيم، أو رفعت يدي عليه لأؤذيه أيام مجدي= لما رأيتعوني في الباب= حينما كان القضاة يلتفون حولي والكل يتمني رضائي، لم أستغلمعارفي في ظلم أحد. وفي (22) “فلتسقط عضدي من كتفي ولتنكسر ذراعي من قصبتها”.لو كان قد إضطهد أرملة أو يتيم لتصبه أمراض صعبة فلتسقطعضدي= يتعفن لحمي علي عظامي.

وتنكسرعظامي= وأيوب رأي أنه من العدل أن الذراع الذي إرتفع عليمسكين يكسر. وفي (23) “لان البوار من الله رعب علي ومن جلاله لم استطع“. هو لم يظلم أحد لخوفه من الله وعقوباته علي الظالم. فالظالميتصور أنه لا يوجد من هو أعظم منه ليحاسبه، أما أيوب فيشعر أن عيني الله عليه كلاليوم

الأيات24-25:-إن كنت قد جعلت الذهب عمدتى أو قلت للإبريز أنت متكلى. إن كنت قدفرحت إذ كثرت ثروتى ولأن يدى وجدت كثيراً.

 في(24) “انكنت قد جعلت الذهب عمدتي او قلت للابريز انت متكلي”. أيوب كان عنده أموال كثيرة، لكنه لم يكن يتكل عليها. وهذه الآية هي نفستعليم السيد المسيح (مر 24:10). أما من يتكل علي أمواله فهوعابد وثن، ولا يمكن لأحد أن يعبد سيدين الله والمال. (راجع كو 5:3) وبنفس المفهومفي (25) “ان كنت قد فرحت اذ كثرت ثروتي ولان يدي وجدت كثيرا“. كان أيوب لا يفرح بزيادة أمواله.

وفيالأيات (26-28) “ان كنت قد نظرت الى النور حين ضاء او الى القمر يسير بالبهاء، وغوي قلبي سرا ولثم يديفمي، فهذا ايضا اثم يعرض للقضاة لاني اكون قد جحدت الله من فوق “.

 ينفيعن نفسه تهمة الوثنية. وأنه لم يمارس أي طقوس وثنية ولا إنحراف قلبه وراءها يوماً.وكانت عبادة الشمس والقمر منتشرة أيام أيوب والإغراءات كثيرة في أمثال هذهالعبادات. أما أيوب فلم يكن ينظر للشمس ولا للقمر كألهة يبهر بها بل كمخلوقاتالله. فهو ينظر لخالقهم ويسبحه علي أعماله العظيمة. [عبادة الأجرام السماوية هيأقدم عبادة، والأجرام السماوية يسمونها tsaba ومنها عبادة الأجرام السماوية sabaism وكرد علي هذه العبادات أطلقاليهود علي الله رب الصباؤوت فهي خليقته وهو ربها وخالقها]

لثميدي فمي= علامة وثنية كانت منتشرة لتوقير الشمس والقمر. [وربمانشأت من أن الوثنيين كانوا يقبلون العجول هو 2:13 + 1مل 18:19. ولأن الإنسان لنيصل للشمس والقمر فكان يقبل يده عوضاً عن تقبيل آلهته الشمس والقمر] وأيوب يري أنمن يفعل ذلك يستحق حكم علني من القضاة (آية 28)”فهذا ايضا اثم يعرض للقضاة لأني اكون قد جحدتالله من فوق”. ليرتدع الجميع.

الأيات29-40:- “ان كنت قد فرحت ببلية مبغضي او شمت حين اصابه سوء، بل لم ادعحنكي يخطئ في طلب نفسه بلعنة، ان كان اهل خيمتي لم يقولوا من ياتي باحد لم يشبع منطعامه، غريب لم يبت في الخارج فتحت للمسافر ابوابي، ان كنت قد كتمت كالناس ذنبيلاخفاء اثمي في حضني، اذ رهبت جمهورا غفيرا وروعتني اهانة العشائر فكففت ولم اخرجمن الباب، من لي بمن يسمعني هوذا امضائي ليجبني القدير ومن لي بشكوى كتبها خصمي، فكنتاحملها على كتفي كنت اعصبها تاجا لي، كنت اخبره بعدد خطواتي وادنو منه كشريف، انكانت ارضي قد صرخت علي وتباكت اتلامها جميعا، ان كنت قد اكلت غلتها بلا فضة اواطفات انفس اصحابها، فعوض الحنطة لينبت شوك وبدل الشعير زوان تمت اقوال ايوب”.

 أيوبلم يكن ينتقم من أعدائه، وكان لا يشمت فيهم إن أصابتهم بلية وهذا ما قيل في أم17:24، 18 + 21:25. من يشمت بعدوه يلحقه بالخراب. اما في العهد الجديد فالمسيح طلب”أحبوا أعدائكم”. وكان فكر أيوب بذلك أرقي من فكر الفريسيين الذين نادوابأن “حب قريبك وإكره عدوك مت 43:5. وفي (30) ” لم يطلب أي لعنة تصيب أحد أعدائه. وفي (31) نري مثلاً كيف يربحإنسان أصدقاء بمال الظلم. وفي (32)نجد أن إضافة الغرباء التي عملها إبراهيم ولوط وأوصي بها معلمنا بطرس في العهدالجديد، قام بها أيوب (1بط 9:4) وفي (33) يدفع عن نفسه تهمة الرياء، فهو لميظهر غير ما يبطن. وهذا ما إتهمه به صوفر 12:20. وفي (34) يدفع عن نفسهتهمة الجبن، فهو لم يرهب أحداً مهما كانوا جمهوراً. وأنه لمن الجبن أن نخفي الحق،أو نكتم شهادة الحق حين يجب أن نعلنها، أو لا نعطي المظلوم حقه خوفاً من الجمهور.فأيوب كان يخاف الله ولا يخاف صياح الظالمين. وروعتني إهانة العشائر= هو لميرهب إهاناتهم بل شهد للحق حتي وإن أزعجهم ذلك فأهانوه وفي (35) يرفع أيوبقضيته لله. فهو عرض كل قضيته وأثبت براءته. هوذا إمضائي كأنه يوضع علي طلبرفع الدعوي أمام الله، وينتظر إجابة منه= ليجبني القدير.

وفي(36) لو وجد شكوي كتبها خصم له، أيلو أدانه أحد بأي خطية أحملها علي كتفي أي أتحملكل نتائجها وعقوباتها، أما لو ظهرت برائتي من هذه الشكوي= كنت أعصبها تاجاً لي=تاج يكلل كل أعمال بري. لقد بالغ أيوب في كماله وكان هذا رداً علي أصحابه الذينبالغوا في إدانته. وفي (37) من تأكده من براءته وكماله كان مستعداً أن يعطيلمقاوميه تقريراً عن كل خطوة من خطوات حياته. فهو لا يخجل من أي تصرف بل كانيدنو منه كشريف.

وفيالأيات (38-40) يقول أن أرضه لم تصرخ عليه، أي هو لم يظلم أحد ليغتصبها (حب9:2-11). وصراخ الأرض هنا كأنها تطلب الإنتقام من الظالم، وكأن الأرض شاهدة ضدالظالم وتدينه بصراخها. ثم يصور الموضوع بصورة شعرية فيضيف= وتباكت أتلامها(خطوطحرثها بحسب الترجمة اليسوعية). أي أن الأرض كلها تبكي لو كان حدث ظلم لصاحبها. أطفأتأنفس أصحابها= قتل مالك الأرض ليغتصبها كما حدث مع نابوت. وأكلت غلتها بلافضة= أي إشتري الأرض ولم يغتصبها وفي (40) الحكم الذي يصدره علي نفسهلو فعل أي من الأخطاء المذكورة.

تمتأقوال أيوب= أنهي أيوب دفاعه عن نفسه هنا. ولنيظهر أيوب ثانية في الحوار إلا حين يعترف أمام الله بأنه خاطئ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى