بدع وهرطقات

الفصل الأول



الفصل الأول

الفصل الأول

كيف توصل ملّر عن طريق نبوة دانيال أن مجيء المسيح سيكون عام 1843

 

 قبل دراسة ادعاء ملّر يجب أن ننتبه
أولاً أنه من الخطأ تحديد ميعاد لمجيء الرب ثانية لأن ذلك يخالف قول الرب نفسه
الذي سبق وقال عن مجيئه “اسهروا إذاً لأنكم لا تعلمون في أية ساعة يأتي ربكم…
لذلك كونوا أنتم أيضاً مستعدين لأنه في ساعة لا تظنون يأتي ابن الإنسان” (مت
24: 42، 43) وقوله لتلاميذه بعد قيامته “ليس لكم أن تعرفوا الأزمنة والأوقات
التي جعلها الآب في سلطانه” (أعمال 1: 7).

 الرب يريدنا أن نكون في حالة سهر
دائم واستعداد دائم. فمنذ أيام يوحنا قال الرب “وها أنا آتي سريعاً وأجرتي
معي…” (رؤ 22: 12). ومعنى كونه يأتي سريعاً، أن مجيئه لاختطاف المؤمنين
متوقف على اكتمال عدد المؤمنين (عروس المسيح). أي عندما يؤمن آخر شخص لا يمكن أن
الرب يتأخر لحظة واحدة.

 بنى ملّر استنتاجه أن المسيح سيأتي
سنة 1843 على النص القائل في (دانيال 8: 13، 14) “سمعت قدوساً واحداً يتكلم
فقال قدوس واحد لفلان المتكلم، إلى متى الرؤيا من جهة المحرقة الدائمة ومعصية
الخراب لبذل القدس والجند مدوسين؟ فقال لي إلى ألفين وثلاث مئة صباح ومساء فيتبرأ
القدس”.

لم يوضح ملّر معنى “تبرئة
القدس” وقد افترض أن تتم تبرئة القدس المذكورة هنا برجوع المسيح إلى الأرض،
وإقامة ملكه على الأرض وأن ال 2300 صباحاً ومساءً تعني 2300 سنة، وأن هذا الزمن
يبدأ في نفس الوقت الذي بدأت فيه السبعون أسبوعاً المذكورة في (دانيال 9: 24، 25)
أي عام 457 ق.م. أي العام الذي فيه سمح أرتحشستا ملك فارس بإعادة بناء أورشليم.
والحساب هكذا 2300 – 457 (ق.م.) = 1843 (ب.م.) وياله من تخريف انتهى بتجديف.

والآن دعنا ندرس ما جاء في نبوة
دانيال هذه:

لقد اقتبس ملّر نصّاً كتابياً (عدد
13، 14 من أصحاح 8 من سفر دانيال) ثم عزل هذه الأقوال ولم يربطها بالأقوال السابقة
لها ثم استخدمها بعيداً عن قرينتها ليثبت تفسيراً بعيداً جداً عما يقصده الوحي
الإلهي.

رأى دانيال هذه الرؤيا في السنة
الثالثة من ملك بيلشاصر قرب نهاية الدولة البابلية: رأى قيام المملكة الثانية التي
بعد بابل وهي “مادى وفارس” ممثلة بكبش له قرنان واحد أعلى من الآخر يشير
إلى سيادة الجزء الفارسي على الجزء المادي، كما رأى سقوط مملكة فارس وقيام المملكة
الثالثة (مملكة اليونان ممثلة بتيس معز جاء من الغرب على وجه كل الأرض ولم يمس
الأرض إشارة لسرعة فتوحاته، فالإسكندر الأكبر في ظرف عشر سنوات فتح كل ممالك
العالم المعروفة وقتئذٍ. ولما اعتز انكسر القرن العظيم (لأن الاسكندر مات وهو في
منتهى قوته) وطلع عوضاً عنه أربعة قرون معتبرة نحو رياح السماء الأربع، كناية عن
أربع ممالك يونانية انقسمت إليها مملكة الاسكندر وهي: اليونان وتراقيا وسوريا ومصر.
وما يهمنا الآن هو سوريا التي أسسها “سلوكوسي نيكاتور” سنة 312 ق.م.
والتي قيل عنها ومن واحد منها خرج قرن صغير (ع 9). وهذا يختلف عن القرن الصغير
المذكور في (ص 7: 8). والقرن الصغير هذا يعرف في التاريخ باسم “أنطيوخوس
الرابع” ولقب نفسه “أبيفانوس” أي الفخم، الذي ملك على سوريا من
السنة 175 ق.م. إلى 164 ق.م. وكان متكبراً قاسياً. وقيل عنه في النبوة أنه عظم
جداً نحو الجنوب (مصر) ونحو الشرق (أرمينيا) ونحو فخر الأراضي (فلسطين) إذ هجم على
مصر سنة 169 ق.م. وانتصر عليها وفي عودته دخل أورشليم ونهب الهيكل ونجّس المذبح إذ
رش عليه دم خنزير وأصدر أوامره لليهود أن يتركوا ديانتهم ويعبدوا الآلهة اليونانية
الوثنية. ومنع ختان الأطفال وذبح الأطفال الذين ختنوا وعلقهم في أعناق أمهاتهم.
كما اضطهد جميع رؤساء اليهود وكل ذوي المكانة بينهم. هذه وقائع تاريخية مدونة في
كتب التاريخ سبق وأنبأ عنها دانيال نبوياً في هذا الإصحاح. قيل في (ع 10) تعظم حتى
إلى جند السموات وطرح بعضاً من الجند والنجوم إلى الأرض وداسهم (أي طرح بعضاً من
ذوي الدرجات المختلفة وأذلهم بكل أنواع الذل) وحتى إلى رئيس الجند تعظم (رئيس
الجند هو الرب يهوه نفسه) وبه أبطلت المحرقة الدائمة…فسمعت قدوساً واحداً (أي
قديساً) يتكلم فقال قدوس (قديس) واحد لفلان المتكلم إلى متى الرؤيا من جهة المحرقة
الدائمة ومعصية الخراب لبذل القدس والجند مدوسين (ع 13) فقال لي إلى ألفين وثلاث
مئة صباح ومساء فتبرأ القدس” (ع 14).

السؤال في (ع 13) من جهة المحرقة
الدائمة التي أبطلت وبذل القدس والجند مدوسين. والإجابة في (ع 14) عن المحرقة
الدائمة ومتى تعاد مرة أخرى ويصير ممارستها كما كانت قبل إبطالها وتطهير القدس أي
الهيكل الذي نجسه أنطيوخوس أبيفانوس عندما سكب دم خنزير على المذبح.

Unto two thousand and
three hundred evening and morning, then the sanctuary be cleansed

 

المحرقة الدائمة:

 بدأت المحرقة الدائمة بإقامة خيمة
الاجتماع في البرية. ففي سفر الخروج (ص 29: 38 – 41) نقرأ “وهذا ما تقدمه على
المذبح: خروفان حوليان كل يوم دائماً. الخروف الواحد تقدمة صباحاً والخروف الثاني
تقدمه في العشية (مساء)… محرقة دائمة في أجيالكم عند باب خيمة الاجتماع أمام
الرب”.

 ويرتبط بالمحرقة الدائمة إيقاد
البخور على مذبح البخور الذهبي داخل القدس كما قيل “فيوقد عليه هرون بخوراً
عطراً كل صباح حين يصلح السرج يوقده. وحين يصعد هرون السرج (أي يضيء المنارة الذهبية)
في العشية (مساء) يوقده بخوراً دائماً أمام الرب في أجيالكم. والمحرقة المسائية أو
الذبيحة المسائية يصير اصعادها في الساعة التاسعة مساء (بالتوقيت اليهودي) إشارة
إلى عمل المسيح الكامل على الصليب، العمل الذي أكمله بموته في الساعة السادسة كانت
ظلمة على كل الأرض إلى الساعة التاسعة. ونحو الساعة التاسعة (ساعة اصعاد المحرقة
الدائمة المسائية) صرخ يسوع بصوت عظيم قائلاً إيلي إيلي لما شبقتني أي إلهي إلهي
لماذا تركتني! (صرخة الكفارة عن خطايانا)… فصرخ يسوع أيضاً بصوت عظيم وأسلم
الروح. وإذا حجاب الهيكل قد انشق إلى اثنين من فوق إلى أسفل” من فوق أي من
الله – الذي صالحنا لنفسه “ولكن الكل من الله الذي صالحنا لنفسه يسوع
المسيح” _2كو 5: 18). وإذ انشق الحجاب لم يعد هناك مسكن أول ومسكن ثانٍ (عب 9:
2، 7). ويسجل لنا يوحنا في إنجيله الذي يتكلم بصفة خاصة عن المسيح باعتباره الابن
الأزلي، يسجل لنا أنه قبل أن يسلم الروح أي بعد إكمال عمل الكفارة على الصليب قال
“قد أكمل” (يو 19: 30).

 إن الكلمة التي قالها المسيح على
الصليب “قد أكمل” كانت في الساعة التاسعة أي ساعة إصعاد المحرقة الدائمة
المسائية. وكانت تسمى “ساعة الصلاة التاسعة” (أع 3: 1) وهي الساعة التي
صلّى فيها إيليا النبي عندما واجه أنبياء البعل (1 مل 18: 29)، والتي فيها صلّى
دانيال صلاته المشهورة (دا 9: 21) وكذلك عزرا (عز 9: 5) ومن هنا نفهم أهمية
المحرقة الدائمة باعتبارها رمزاً لعمل المسيح الكامل على الصليب. وقد صلّى داود
قائلاً “لتستقم صلاتي كالبخور قدامك. ليكن رفع يديّ كذبيحة مسائية” (مز
141: 2).

 هذه المحرقة الدائمة أبطلها
أبيفانوس سنة 168 ق.م. عندما نجّس الهيكل وسكب دم خنزير على المذبح، واضطهد اليهود
اضطهاداً مرّاً وقد قاومه رجال أبطال أمناء بزعامة متثياوس وأولاده وأشهرهم يهوذا
المكابي الذي لقب بالمكب (المطرقة) لأنه تحصن في الجبال وكان ينزل على الأعداء
كالمطرقة فهزمهم وانتصر انتصاراً كاملاً على جيوش أنطيوخوس بعد حرب مريرة استمرت
ثلاث سنوات من سنة 168ق.م. إلى سنة 165 ق.م. وبعد انتصاره قام بتطهير الهيكل وأقام
مذبحاً جديداً لإصعاد المحرقة الدائمة. هذه حقائق تاريخية دونها المؤرخون كما
دوّنت في سفر المكابيين الأول حيث نقرأ “وفي اليوم الخامس عشر من الشهر
التاسع وهو شهر كسلو (يقابل شهر ديسمبر) قدّموا ذبيحة بحسب الشريعة على المذبح
الجديد الذي صنعوه في مثل الوقت الذي فيه داسته الأمم. في ذلك اليوم دشّن
بالأناشيد والعيدان والقيثارات والصنوج فخرّ جميع الشعب وسجدوا للذي أنجحهم
وباركوه إلى السماء. وأتموا تدشين المذبح (مذبح المحرقة) في ثمانية أيام… ورسم
يهوذا وإخوته وجماعة اسرائيل كلها أن يعيّدوا لتدشين المذبح في وقته سنة فسنة مدة
ثمانية أيام من اليوم الخامس والعشرين من شهر كسلو بسرور وابتهاج” (راجع سفر
المكابيين الأول فصل 4 أعداد من 52 – 59). وهذا هو عيد التجديد المذكور في انجيل
يوحنا (ص 10: 22).

 ربما أطلنا بعض الشيء في الكلام عن
المحرقة الدائمة، أولاً بسبب أهميتها وثانياً لكي نثبت أنه لم يحدث قط أن أبطلت
المحرقة الدائمة منذ بناء الهيكل بواسطة زربابل والذي تم بناؤه سنة 515 ق.م. إلا
في الفترة من سنة 168 ق.م إلى سنة 165 ق.م. وبالأسف فإن ملّر رائد السبتيين يعتبر
أبطالها من تاريخ خروج الأمر لبناء أورشليم سنة 457 ق.م. وهذا خطأ جسيم (خطأ من
صنع الشيطان) لأن أرتحشستا ملك فارس وهو الذي أمر ببناء أورشليم سنة 455 ق.م. كان
صديقاً لليهود وأمر بصرف أخشاب لبناء المدينة على نفقة الملك (انظر نحميا ص2: 1 –
8) وسنة 455 ق.م. هي بداية السبعين أسبوعاً لدانيال (دا 9: 25).

 أما مسالة ال 2300 صباح ومساء
فليست هي أياماً وليست هي سنيناً بل هي عدد المحرقات الصباحية والمسائية التي تعطل
تقديمها على مدى 1150 يوماً بواقع محرقتين يومياً صباحاً ومساءً أو كما جاء في سفر
الخروج (ص 29: 38) “خروفان حوليان كل يوم دائماً”.

 وما جاء في سفر دانيال لهو في
الحقيقة في منتهى الوضوح والسهولة والأقوال ليس فيها غموض على الإطلاق وهذا
التفسير عرفه وفهمه جميع الدارسين للكتاب المقدس ولا يوجد خلاف بينهم. وقد كتب عنه
“كالفن” المصلح الفرنسي في القرن السادس عشر، الذي قال عن فترة لإبطال
المحرقة الدائمة وبذل الجند مدوسين (أي الكهنة الذين كانوا يخدمون يومياً في
الهيكل) قال أنها تشير إلى الاضطهادات التي وقعت على اليهود في زمن أنطيوخوس
إبيفانوس، القرن الصغير الذي قام على أنقاض الإمبراطورية المكدونية والوعد بإقامة
عبادتهم في زمن المكابيين عام 165 ق.م. (عظات كالفن جزء 41 صفحة 108، 499).

 وجاء في تفسير (Walter Scott) في كتابه Bible Hand Book في بداية شرحه للعهد الجديد في أقواله عن
(الربط التاريخي بين العهد القديم والعهد الجديد) متتبعاً باختصار تاريخ اليهودية
تحت الحكم الفارسي والحكم اليوناني في كلامه عن خلفاء الاسكندر عند الكلام عن
أنطيوخوس أبيفانوس الرابع المضطهد الرهيب لليهود، ذكر أن الحوادث التي أنبأ عنها
دانيال النبي (دا 8: 9 – 15) هي عن أنطيوخوس أبيفانوس وأن ال 2300 صباح ومساء هي
المحرقات الصباحية والمسائية التي تعطلت على مدى 1150 يوماً، كانت في الفترة بين
سنة 168 ق.م. 165 ق.م. (راجع والتر سكوت صفحة 24 العهد الجديد).

 

الكتاب المقدس لا يخلط بين الأيام
والسنين

 إن ملّر اعتبر ال 2300 محرقة،
اعتبرها أياماً ثم حولها إلى سنين، ومن الذي قال أن الأيام تتحول إلى سنسن؟ فإنه
لا يوجد شيء مثل ذلك في كلمة الله. أما ما جاء في سفر حزقيال (ص4) فإن الرب كان
يعطي دروساً إيضاحية بها يؤثر على قلوب شعبه الذين ابتعدوا عنه وهو مزمع أن يدينهم
إن لم يرجعوا ويتوبوا. فصوّر لهم أن الأعداء سوف يحاصرون أورشليم وهم في داخلها
يقاسون الجوع الشديد. فقال لحزقيال أن يتكىء على جنبه اليسار ويضع عليه إثم بيت
اسرائيل وقال له “أنا قد جعلت لك كل يوم عوضاً عن سنة فثبت وجهك على حصار
أورشليم…الخ” ولم تكن هذه نبوة ولا يمكن أن يقال أن اليوم صار سنة.

 والكتاب المقدس لا يخلط بين الأيام
والسنين، ولا يخلط بين أسابيع الأيام وأسابيع السنين. ففي (تكوين 29) يقول يعقوب
للابان “أخدمك سبع سنين براحيل ابنتك الصغرى. ولما خدعه لابان وأعطاه ليئة
احتجّ يعقوب فقال له لابان “أكمل أسبوع هذه فنعطيك تلك أيضاً… ففعل يعقوب
هكذا فأكمل أسبوع هذه” (ع 27، 28) أي خدم سبع سنين وواضح هنا أن الأسبوع سبع
سنين ولما جاء الناموس أعطى وصيته بحفظ يوم السبت كل أسبوع أيام: ستة أيام تعمل عملك
وأما اليوم السابع ففيه تستريح. وكذلك كل أسبوع سنين تكون السنة السابعة سنة سبتية
لراحة الأرض. إذ قال لهم: “ست سنين تزرع حقلك وأما السنة السابعة ففيها يكون
للأرض سبت عطلة. لا تزرع حقلك ولا تقضب كرمك” (لاويين 25: 3، 4). ففي كل
أسبوع أيام هناك يوم راحة للإنسان والحيوان وفي كل أسبوع سنين هناك سنة سبتية راحة
للأرض.

 وفي سفر دانيال يتكلم عن أسابيع
أيام تمييزاً عن أسابيع سنين ففي (دانيال 10: 2) يتكلم عن أسابيع أيام وفي (دانيال
9: 24) يتكلم عن أسابيع سنين بدون خلط بينهما. واضح أن ما جاء في (دا 9: 24) عن
سبعين أسبوعاً هي أسابيع سنين قضى بها الله على شعب دانيال (اليهود) بقوله
“سبعون أسبوعاً قضيت على شعبك وعلى مدينتك المقدسة (أورشليم فلا علاقة لذلك
بالكنيسة أو المسيحية)، لتكميل المعصية وتتميم الخطايا (أي وضع حد لإنهاء الخطايا)
وعمل كفارة الإثم وليؤتى بالبر الأبدي” أي أن الله سيضع حداً لكل تاريخ الفشل
والإثم بالنسبة للأمة الإسرائيلية وسوف يؤتى بالبر الأبدي في النهاية (أي المسيح
الذي سوف يملك بالبر في الملك الألفي قارن أشعيا 32: 1 – 4، إرميا 23: 5، 6) لأن
الجميع من الكبير إلى الصغير سوف يعرفون الرب (إرميا 31: 34) “فأعلم وأفهم…أنه
من خروج الأمر لتجديد أورشليم وبنائها إلى المسيح الرئيس سبعة أسابيع، واثنان
وستون أسبوعاً يعود ويبني سوق وخليج (خندق مائي) في ضيق الأزمنة. وبعد اثنين وستين
أسبوعاً يقطع المسيح (يقطع من أرض الأحياء) وليس له” (أي يموت ولا يملك) (دا
9: 24 – 26) أي أن ال 70 أسبوعاً قسمت ثلاثة أقسام 7+62+1=70 أسبوعاً ومجموع
القسمين الأولين 69 أسبوعاً أي 483 سنة. بدايتها منذ صدور الأمر لبناء أورشليم.
وقد صدر هذا الأمر من أرتحشستا ملك فارس إلى نحميا في السنة العشرين من ملكه أي
سنة 455 ق.م. في شهر نيسان (شهر الفصح ويقابل شهر أبريل) لكي يقوم نحميا ويذهب إلى
أورشليم لبنائها (نحميا 2: 1، 5) وأما النهاية ال 69 أسبوعاً أي بعد 483 سنة فتأتي
بنا إلى سنة (29 ب.م.) حيث يقول “يقطع المسيح وليس له” أي يموت المسيح
ولا يملك. موته طبقاً لمشورة الله المحتومة وعلمه السابق (أعمال 2: 23) وكلمة
“يقطع” أي يموت لأجل آخرين أي أن موته كفاري لأجل آخرين كما جاء في
(إشعياء 53: 8) “أنه قطع من أرض الأحياء. أنه ضرب من أجل ذنب شعبي”
والمسيح مات على الصليب سنة (29 ب.م.) في ذات يوم الفصح. هذه حقائق تاريخية. وقد
ذكر كل من “كليمنت” (150 – 215) وأوريجانس (185 – 254) أن خراب أورشليم
كان بعد حادثة صلب المسيح ب 42 سنة والثابت تاريخياً أن خراب أورشليم كان سنة (70
م).

 أما الأسبوع الأخير أي السبع سنين
الأخيرة من السبعين أسبوعاً المقضى بها على شعب دانيال (اليهود) وعلى مدينته
(أورشليم) فقد تأجل هذا الأسبوع بسبب دخول الكنيسة كتدبير جديد بعد موت المسيح.
وبداية الكنيسة هي يوم الخمسين (أعمال 2) ونهايتها يوم اختطافها (1 تس 4، 1 كو 15:
51 – 58). وفترة الكنيسة على الأرض لا يدخل فيها حساب الأزمنة والأوقات الخاصة
بالأرض أي الأمة اليهودية أو الشعب الأرضي. لأن الكنيسة طابعها سماوي نظير رأسها
السماوي “وكما هو السماوي هكذا السماويون أيضاً” (1 كو 15: 48) لكن بعد
اختطاف الكنيسة ينتهي تدبير النعمة الحاضر ويعود الله ويتعامل مع شعبه القديم مرة
أخرى كما قيل في رسالة رومية (ص 11: 25 – 35) “…أن القساوة قد حصلت جزئياً
لإسرائيل (أي قساوة قلوبهم وعمى بصيرتهم) إلى أن يدخل ملئ الأمم (أي يكمل عدد
المؤمنين من الأمم). وهكذا سيخلص جميع اسرائيل (أي البقية التي ستخلص أما الأغلبية
اليهودية فسوف ترتد وتهلك بسبب إتباعهم النبي الكذاب)… لأنه كما كنتم أنتم
(الأمم) مرة لا تطبعون الله ولكن الآن (في زمن النعمة) رحمتم بعصبان هؤلاء. هكذا
هؤلاء أيضاً الآن لم يطبعوا لكي يرحموا هم أيضاً في المستقبل برحمتكم (أي على مبدأ
النعمة أيضاً) لأن هبات الله ودعوته هي بلا ندامة” (ع 29) (سوف نعود لهذا
الموضوع: خلاص اسرائيل عند الكلام عن عيد أو هلال أو سبت التي هي ظل الأمور
العتيدة” (كولوسي 2: 16، 17).

 نعم سيعود الله بعد اختطاف الكنيسة
ويتعامل مع شعبه القديم (اسرائيل) في الأسبوع الأخير – وهذا الأسبوع قسم إلى نصفين
– النصف الأول هو مبتدأ الأوجاع والنصف الأخير هو الضيقة العظيمة التي أنبأ عنها
إرميا النبي (إر 30: 7) المسماة ضيقة يعقوب (انظر متى 24: 21). في بداية الأسبوع
سيصير تحالف الشعب اليهودي بزعامة النبي الكذاب اليهودي (أي الوحش الطالع من
الأرض) مع الإمبراطور الغربي (الوحش الطالع من البحر) (انظر رؤ 13). وفي منتصف
الأسبوع ينقض العهد كما جاء في نبوة دانيال عينها (ص 9: 24 – 27) “يثبت عهداً
مع كثيرين في أسبوع واحد (الأسبوع الأخير). وفي وسط الأسبوع يبطل الذبيحة والتقدمة
(لأنه سيصبح هو غرض العبادة)” ونصف الأسبوع هذا نجد تفصيلات كثيرة عنه في سفر
الرؤيا فيقال عنه 42 شهراً (رؤ 11: 2، 13: 5) وتارة يقال عنه 1260 يوماً (رؤ 12: 6)
وتارة يقال عنه “زماناً وزمانين ونصف زمان” (رؤ 12: 14، دا 7: 25) لأن
الزمان هو سنة (تك 18: 10، دا 4: 25، 32) ومن هنا نفهم أن نصف الأسبوع مذكور
بالسنين والشهور والأيام ولا يوجد شيء على الإطلاق لكي يقال أن الأيام تحولت إلى
سنين.

 والعجيب أن ال 1260 يوماً التي هي
ثلاث سنين ونصف أي الضيقة العظيمة التي أنبأ عنها دانيال (ص 12: 1) وكذلك الرب
يسوع “ضيق عظيم لم يكن مثله منذ ابتداء العالم إلى الآن ولن يكون. ولو لم
تقصّر تلك الأيام لم يخلص جسد ولكن لأجل المختارين (أي البقية اليهودية الرافضة
عبادة الوحش) تقصّر تلك الأيام” (متى 24: 21، 22)، هذه الأيام المقصرة حولوها
إلى سنين فجعلوها 1260 سنة ادّعوا أنها زمن تسلط بابا روما من سنة 538م إلى سنة
1798م عندما أخذ نابليون بونابرت بابا روما أسيراً. وهذا التلفيق في السنين واضح
لأن أول بابا لروما هو جريجوري الأول الملقب بالكبير كان سنة 590م وليس سنة 538
كما أن بونابرت لم يسقط البابوية ولكنه هو الذي مات في المنفى لكن هذه عيّنة من
تفاسيرها العجيبة التي هي تزوير مبنى على تلفيق.

 وثمة خطأ آخر جسيم، فقد جعل ملّر
بداية ال 2300 سنة كما ادّعى هي سنة 457 ق.م. وهذا التاريخ هو بداية السبعين أسبوعاً
أي التاريخ الذي فيه أصدر أرتحشستا ملك فارس الأمر لنحميا ببناء أورشليم (نح 2: 1،5)
وكان هذا الملك صديقاً لليهود وليس عدواً لهم ولم يبطل المحرقة الدائمة إطلاقاً.
أما الملك الذي فعل ذلك فهو ملك سوريا أنطيوخوس الرابع (أبيفانوس) كما سبقت
الإشارة وذلك سنة 168 ق.م. أي أن خطأ ملّر ليس خطأ بسيطاً مركب وفوضى أرقام.
والشيطان يعتمد على جهل الناس بالمكتوب (وهو سبب للضلال مت 22: 29) واستعدادهم
لقبول أية أكاذيب بدون الرجوع لكلمة الله الصادقة الأمينة. وليت الأمر وقف عند هذا
الحد لكننا سوف نرى ما هو أعجب من ذلك.

 

تفسير خاطىء لكلمة الله تمخض عن نبوة
كاذبة

في تفسير ملّر لنبوة دانيال عن ال
2300 صباح ومساء، قال أن المسيح سيأتي إلى الأرض ويقيم ملكه في ربيع سنة 1843،
ولكن مضى الربيع ولم يحدث أي شيء فماذا يقول للجماهير التي كانت تستمع إلى
محاضراته في القاعات الكبرى والأعداد الكبيرة من الناس الذين انضموا إلى ”
حركة منتظري مجيء المسيح”. بعد البحث طلع بحساب جديد مفاده أن المجيء سيتم
بين ربيع سنة 1843 وربيع سنة 1844 طبقاً للتقويم اليهودي. وهذه النبوة خابت أيضاً.
لكن قام أحدهم “صموئيل سنود” وقال أن تبرئة القدس أي مجيء المسيح سيكون
يوم 22 أكتوبر سنة 1844 لأن اليهود عدّلوا تقويمهم لكن لم يحدث شيء على الإطلاق
وكانت الخيبة مريرة.

 بعد هذا الفشل المريع اضطر ملّر أن
يعترف بكل بساطة بأنه أخطأ في حساباته وأعطى أمراً بوجوب انتظار عودة المسيح دون
تحديد وقت معيّن. ولكن الأمر لم ينته بهذه السهولة لأن هذا الفشل أحدث بلبلة في
صفوف أتباعه الذين سبق أن هجروا كنائسهم والبعض طردتهم كنائسهم.

 ماذا يفعل الشيطان؟ الذي قال عنه
الرب يسوع “ذاك كان قتالاً للناس من البدء ولم يثبت في الحق لأنه ليس فيه حق.
متى تكلم بالكذب فإنما يتكلم مما له” (أي كما يقول المثل كل إناء بالذي فيه
ينضح) وهو لا ينضح إلا كذباً “لأنه كذاب وأبو الكذاب” (يو 8: 44). أما
الرب يسوع فلأنه يقول الحق فالأغلبية المنساقة وراء الشيطان لا تؤمن به. ويحق له
أن يسأل “فإن كنت أقول الحق فلماذا لستم تؤمنون بي” (ع 46) وياله من
سؤال خطير وعدم الإجابة عليه خطير جداً.

 بينما اعترف رائد الحركة ملّر أنه
أخطأ، فإذا بالشيطان في اليوم التالي مباشرة أي في صباح يوم 23 أكتوبر 1844 يقيم
شخصاً وهو قطب من دعاة الأدفنتست يدعى “حيرام إدسون” وأذاع بياناً هذا
نصّه “علمت في رؤيا أن خروج كاهننا العظيم من قدس الأقداس لكي يأتي إلى الأرض
ما زال بعيداً جداً. إلا أنه في نهاية ال 2300 صباح ومساء، دخل للمرة الأولى القسم
الأول من القدس لكي يكمل أحد الأعمال قبل مجيئه إلى الأرض”.

 فماذا نقول لشخص يعتبر نفسه نبيّاً
لكي يخالف أقوال الله؟ أي أن الشيطان أراد أن يخفي الكذبة الأولى التي انكشفت
بكذبة أخرى يصعب اكتشافها. لكن الوحي الإلهي يقول “لأنه من وقف في مجلس الرب
ورأى وسمع كلمته؟ من أصغى لكلمته وسمع؟” (إرميا 23: 18) لكن هذه هي سمة
الأنبياء الكذبة عندما لا تسعفهم كلمة الله فإنهم يلجأون إلى الرؤى والأحلام ولكن
ماذا يقول الرب عنهم “قد سمعت ما قالته الأنبياء الذين تنبأوا باسمي بالكذب
قائلين حلمت حلمت… النبي الذي معه حلم فليقص حلماً والذي معه كلمتي فليتكلم
بكلمتي بالحق. ما للتبن مع الحنطة يقول الرب أليست هكذا كلمتي كنار يقول الرب
وكمطرقة تحطم الصخر” (إرميا 23: 25 – 29) ويقول الرب أيضاً إلى الشريعة وإلى
الشهادة. إن لم يقولوا مثل هذا القول فليس لهم فجر (نور) (إشعياء 8: 19 – 22) نعم
إلى شريعة الله وكلمة الله فهي وحدها السراج لأرجلنا والنور لسبيلنا.

 ومع أن الأكذوبة الثانية أشر من
الأولى إلاّ أن الشيطان جعلها بمثابة علاج لكي يشفى الجرح المميت الذي أصاب ملّر.
والعجيب أن الناس يصدقون. وإذ صادف الشيطان نجاحاً فإنه يتمادى في أكاذيبه. مؤيداً
الأكاذيب بالأكاذيب. وفي هذه المرة يلجأ للسلاح القديم الذي جرّبه في جنة عدن وهو
المرأة أي الإناء الأضعف، فهي أداة الشيطان للغواية. إن فتاة تدعى “إلن
هرمون” عمرها سبعة عشر عاماً أعلنت في شهر ديسمبر سنة 1844، بعد رؤيا
“حيرام إدسون” بشهرين أنها تمتعت برؤياها الأولى وأنها رأت الآلام التي
سيتجرعها الأدفنتست وهم في الطريق إلى المدينة السماوية. وهكذا صورت أن الأدفنتست
سيكونون شهداء يتألمون في طريق الشهادة الأمينة له فالشيطان يستطيع أن يقيم شهداء
مزيفين.

 وفي سنة 1846 تزوجت هذه الفتاة من
مستر “جيمس هوايت” وهو احد معاوني ملّر وأصبحت تعرف بمسز “إلن
هوايت” وتوالت إعلاناتها ونبواتها فهي تقول “بفضل إنارة الروح تمكنت أنا
كاتبة هذه السطور أن أرى مشاهد الاقتتال بين الخير والشر خلال الأجيال
المتعاقبة” (كتاب مأساة العصور صفحة 12). لقد قدمت السيدة “إلن
هوايت” نفسها “كرسولة الرب” (كتاب مسائل 9 صفحة 92) ومن ضمن
أقوالها يوجد الكثير من هذه العبارات “لقد رأيت” و” لقد أعلن
لي” و”لقد أعطيت أنواراً خاصة” و”لقد أعطاني الرب أن أقول…”

 وفوق هذا، فبين الأسئلة الثمانية
عشر التي تطرح على طالبي المعمودية يوجد هذا السؤال: هل تؤمن بعقائد الكتاب المقدس
وبالمواهب الروحية المعطاة للكنيسة؟ وهل تقبل الروح النبوية كما هي ظاهرة في حضن
الكنيسة بواسطة رسولية وكتابات السيدة إلين هوايت؟ (كتاب مختصر عقائد الكنيسة صفحة
80).

 فهل يعطى لكلام بشري هذا السلطان
كما لأقوال الوحي الإلهي؟ هل تزاد على الكتاب المقدس الذي ختم بسفر الرؤيا، أقوال
أخرى؟ لنسمع ما يقوله الوحي الإلهي “لأني أشهد لكل من يسمع أقوال نبوة هذا
الكتاب، إن كان أحد يزيد على هذا يزيد الله عليه الضربات المكتوبة في هذا
الكتاب” (رؤ 22: 18، 19).

 ويقول بولس الرسول للعلاطيين
“إن بشرناكم نحن أو ملاك من السماء نعير ما بشرناكم فليكن أنا تيما (أي
ملعوناً
Accursed). كما سبقنا فقلنا أقول الآن أيضاً إن كان أحد يبشركم نعير ما
قبلتم فليكن ملعوناً” (غلا 1: 8، 9) وماذا يقول أيضاً للكورنتيين؟
“لتصمت نساؤكم في الكنائس لأنه ليس مأذوناً لهن أن يتكلمن…لأنه قبيح
بالنساء أن تتكلم في كنيسة أم منكم خرجت كلمة الله أم إليكم وحدكم انتهت عن كان
أحد يحسب نفسه نبياً أو روحياً فليعلم ما أكتبه إليكم إنه وصايا الرب” (1 كو
14: 34 – 37) وماذا يقول أيضاً في رسالته لتيموثاوس بخصوص الترتيب في الكنيسة؟
يقول “لست آذن للمرأة أن تعلّم ولا تتسلط على الرجل بل تكون في سكوت لأن آدم
جبل أولاً ثم حواء. وآدم لم يغو لكن المرأة أغويت فحصلت في التعدي” (ا تي 2: 12
– 14).

 وفي ضوء أقوال الوحي الإلهي هذه
نستطيع أن نحكم على الأشياء الحادثة بين السبتيين.

 آخر الأقوال الموحى بها هي ما كتبه
يوحنا الرسول الذي طالت أيامه بعد رقاد الرسل الآخرين. لقد كتب انجيله ورسائله
الثلاث وأخيراً سفر الرؤيا. ويقول في رسالته الأولى (ص 4: 1) “أيها الأحباء
لا تصدقوا كل روح بل امتحنوا الأرواح هل هي من الله؟ لأن أنبياء كذبة كثيرين قد
خرجوا إلى العالم” وكيف نمتحن الأرواح؟ إن الكلمة المكتوبة هي التي تحكم
تصرفاتنا وأقوالنا وليست الرؤى والأحلام. الكتاب المقدس وحده هو قانون إيماننا
وليتنا نصغي إلى معلمنا الذي ليس مثله معلماً الذي قال “أنظروا كيف تسمعون
Take heed how ye hear” (لو 8: 18). أي يجب أن نمتحن كل شيء بواسطة كلمة الله. يوجد
معياران للحق: هما شخص المسيح وكلمة الله وبهذين المعيارين نمتحن الأرواح (1يو 4: 1)،
كل ما ينقص من مجد المسيح فهو روح شرير لأن الروح القدس هنا على الأرض منذ يوم
الخمسين لكي يمجّد المسيح كما قال له المجد “ذاك يمجدني” (يو 16: 14)
وكل ما يخالف كلمة الله فهو من الشرير.

 إن “تعليم المسيح” هو ما
يعلمه الروح القدس عن لاهوت وناسوت الرب يسوع “وكل من تعدّى ولم يثبت في
تعليم المسيح فليس له الله. ومن يثبت في تعليم المسيح فهذا له الآب والابن جميعاً.
إن كان أحد يأتيكم ولا يجيء بهذا التعليم فلا تقبلوه في البيت ولا تقولوا له سلام
لأن من يسلّم عليه يشترك في أعماله الشريرة” (2 يو 9 – 11).

 والآن دعنا نمتحن أحلامهم
وإعلاناتهم ورؤاهم في نور كلمة الله التي هي كنار تحرق تبن كل تعليم لا يتفق مع
كلمة الله.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى