علم

منهج القديس إيرينيوس فى تفسير الكتاب المقدس:



منهج القديس إيرينيوس فى تفسير الكتاب المقدس:

منهج
القديس إيرينيوس فى تفسير الكتاب المقدس:

 منهج القديس
إيرينيوس فى تفسير الكتاب هو أنه ينبغى أن يُشرح على أساس الكتاب نفسه، وهو يذكر
هذا المبدأ صراحة فى كتابه “ضد الهرطقات” بقوله: [تفسيرات نصوص الكتب
المقدسة لا يمكن شرحها إلاّ من الكتب المقدسة نفسها] (ضد الهرطقات
AH3: 12: 9)، وفى موضع آخر من نفس الكتاب يقول: [ فإن كانت بعض مقاطع الكتاب
تبدو غامضةً، فيجب أن نحاول فهمها بواسطة ما هو واضح وظاهر فى الكتاب نفسه وليس
بأى طريقة تفكير خارجية] (ضد الهرطقات
AH2: 27-28).
ولهذا السبب بالتحديد انتقد إيرينيوس الغنوسيين لأنهم أسسوا تفسيرهم للكتب على
أساس مبادئ غير كتابية، فبعد أن يفند القديس إيرينيوس بعض أساطيرهم، يقول:

 

 [ هذه هى
طريقتهم التى لم يتنبأ بها الأنبياء، ولا الرب علّم لها، ولا الرسل سلّموها إلينا،
فهم يفتخرون بصوتٍ عالٍ أنهم يعرفون أكثر من الآخرين. وهم يستندون فى هذا على
مصادر خارج الكتاب المقدس، وكما يقول المثل الشعبى فهم يحاولون أن يضفروا حبالاً
من الرمل. إنهم يحاولون أن يجعلوا أمثال الرب، أو أقوال الأنبياء، أو كلمات الرسل
تتوافق مع أقوالهم بطريقة تجعل الناس يصدقونهم، حتى لا يبدو تلفيقهم أنه بدون
مرجع. فهم يتجاهلون نظام الكتب المقدسة وترابطها مع بعضها. وبتجاهلهم لهذا الترابط
فى الكتاب الذى يكمن فيه أساس الحق فإنهم يفككون أعضاء الحق] (ضد الهرطقات
AH1: 8: 1).

 

 ويوضح
إيرينيوس طريقة استعمال الكتاب، بأن يقارنها بما يفعله بشخص أو إنسان عندما يأخذ
صورة جميلة من الفسيفساء لملك صنعها فنان ماهر من أحجار ثمينة، ثم يعيد ترتيب هذه
الأحجار الكريمة التى فيها ليصنع منها صورة كلب أو ثعلب، ثم زعم أن هذه الصورة هى
الصورة الأصلية التى صنعها الفنان الأول، ويعلّل قائلاً إن الحجارة أصيلة. والحق
أن التصميم قد تهدم و”ضاع نموذج الإنسان الموضوع”. هذا بالضبط ما يفعله
الهراطقة بالكتاب المقدس “ويقطعون أوصال الحقيقة”. إن كلماتهم وتعبيرهم
وأمثالهم أصيلة، ولكن قياسهم (أو تصميمهم) مزاجى وخاطئ، فيقول: ” بنفس
الطريقة فإن هؤلاء الناس يرقعون معًا خرافات العجائز ويقتلعون كلمات وأقوال وأمثال
من هنا وهناك ويريدون أن يجعلوا كلمات الله تتكيف مع خرافاتهم” (ضد الهرطقات
AH1: 9: 1).

 

 وفى مثال
آخر، يصف إيرينيوس كيف أن بعض الناس يأخذون سطورًا متنوعة من كتابان هوميروس ثم
يعيدون ترتيبها. وقد تخدع هذه السطور أولئك الذين ليس لهم سوى معرفة عابرة
لهوميروس، لكنها لا تخدع أولئك المتمكنين جيدًا من معرفة أشعاره؛ وهؤلاء يستطيعون
أن يعرفوا السطور المقتبسة تمامًا ويعرفون مكانها ثم يعيدونها إلى سياقها الصحيح
(ضد الهرطقات
AH1: 9: 4).

 

 وبنفس
الطريقة يواصل إيرينيوس كلامه فيقول: [.. أى إنسان يحفظ فى نفسه قاعدة الحق غير
المتغيّر الذى استلمه بواسطة المعمودية فإنه سيعرف الأسماء والأقوال والأمثال
المأخوذة من الكتب المقدسة
.. لأنه إن عرف الجواهر، فإنه لن يقبل صورة
الثعلب على أنها صورة الملك، بل هو سوف يعيد كل مقطع من المقاطع إلى مكانه الصحيح،
إذ يكون منسجمًا ضمن جسم الحقيقة، وهكذا هو يفضح تلفيقهم ويبيّن أنهم بلا سند] (ضد
الهرطقات
AH1: 9: 4).

 

 وبعد ذلك
يعطى إيرينيوس وصفًا شاملاً ل-“قانون الحق المُسلّم فى المعمودية”، الذى
له ثلاثة بنود أساسية، وهى: الإيمان المُسلّم من الرسل بإله واحد الله الآب، والرب
الواحد المصلوب والمُقام يسوع المسيح، والروح القدس” (انظر
AH1: 10: 1).

 

 وقانون الحق
المُعطى فى كتاب “الكرازة الرسولية” (فصلى6و7) رغم أنه مختصر عن ما ورد
فى كتاب “ضد الهرطقات”، إلاّ أنه مبنى على البنود المحورية الثلاثة:
الآب، والابن، والروح القدس، الذين باسمهم تتم معموديتنا.

 

 ومع ذلك،
فإن هذه البنود الثلاثة هى جوهر قانون الحق، وليست مجرد عناصر منفصلة لمعتقدات
لاهوتية. ولذلك فهى عند إيرينيوس مرتبطة بلا انفصال مع ترتيب وترابط الكتب المقدسة
(انظر
AH1: 8: 1). وهذا الترتيب والارتباط هو طبعًا ما يصفه إيرينيوس بطريقة
مختصرة فى كتاب “الكرازة الرسولية” لكى: “بواسطة هذا الكتاب الصغير
يمكنك أن تفهم كل أعضاء جسد الحقيقة” (فصل1 من الكرازة الرسولية) التى هى
الكتاب المقدس نفسه. وبكتابته لكتاب “الكرازة الرسولية” فإن إيرينيوس –
الذى هو أكثر من أى كاتب آخر سابق له – حدّد وعرّف الكتاب المقدس كما نعرفه نحن
الآن وثبته فى مكانه الصحيح والأساسى. وبهذا فإن القديس إيرينيوس قد أعطانا
نموذجًا لا مثيل له عن كيف نقترب من الحقائق المُعلنة فى الكتاب وكيف نفهمها. وفى
هذا تكمن الأهمية الفائقة لهذا الكتاب المختصر.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى