علم

الفصل السابع عشر



الفصل السابع عشر

الفصل
السابع عشر

كيف
أن التجسد لم يحدّ من وجود الكلمة في كل مكان ولم ينقص من نقاوته. (تشبيه الشمس
).

 

1
لأنه لم يكن محصورًا[1]
في الجسد
 كما قد يتوهم البعض أو أنه بسبب وجوده في الجسد كان كل مكان آخر
خاليًا منه، أو أنه بينما كان يحرّك الجسد كان العالم محرومًا من أفعال قدراته
وعنايته. غير أن الأمر العجيب والمدهش جدًا هو أنه مع كونه هو الكلمة الذي
لا يحويه شئ فإنه هو نفسه يحوي كل الأشياء[2].
وبينما هو موجود في كل الخليقة فإنه بحسب جوهره هو متميز عن كل الخليقة. فهو حاضر
في كل الأشياء بقدرته فقط (وليس بجوهره
)، ضابطًا كل الأشياء ومظهرًا سيادته على كل شئ، وعنايته بكل شئ،
وواهبًا الحياة لكل شئ. ومع أنه يحوي كل الأشياء ولا يحتويه شئ، إلاّ أنه كائن كلية
في أبيه وحده[3].

2
وهكذا حتى مع وجوده في جسد بشري معطيًا الحياة له فقد كان من الطبيعي أن يمنح
الحياة للكون كله في نفس الوقت. ومع كونه حاضرًا في كل جزء (من الخليقة بقدرته)
فهو خارج كل شئ (بجوهره
). وبينما صار معروفًا بأعماله
التي عملها في الجسد
 فإنه كان في نفس الوقت ظاهرًا أيضًا بواسطة أعماله في الكون كله.

3
إن عمل النفس
 أن تدرك الأشياء الخارجة عن جسدها بأفكارها[4]
ولكنها لا تستطيع أن تعمل خارج نطاق جسدها أو أن تحرك الأشياء البعيدة عن الجسد
. ولن يستطيع أى إنسان أن يحرك الأشياء البعيدة أو ينقلها بمجرد
التفكير فيها. وأيضًا فأى إنسان لا يستطيع وهو جالس في بيته، بمجرد التفكير في الأجرام
السماوية، أن يحرك الشمس
 أو يجعل السماء تدور، لكنه يرى أنها تتحرك وأنها قد وجدت[5]،
دون أن يكون له أى قدرة للتأثير عليها.

4
أما كلمة الله
 فلم يكن كذلك في جسده (البشري)[6]،
إذ لم يكن مقيدًا بسبب الجسد
، بل بالحرى كان يستخدم جسده، ولذلك فهو لم يوجد في الجسد فقط بل
كان موجودًا بالفعل في كل شئ. وبينما كان خارج الكائنات فقد كان في أبيه وحده
مستقرًا[7].

5
وهذا هو الأمر العجيب، أنه بينما كان يتصرف كإنسان كان ككلمة الله
 يُحيي كل الأشياء وكابن كان كائنًا مع أبيه. ولذلك عندما ولَدَته
العذراء
 لم يعتريه أي تغير (من جهة طبيعته الإلهية)[8]،
ولا تدّنس بحلوله في الجسد
، بل بالعكس فهو قد قدّس الجسد أيضًا.

6
ورغم وجوده في كل الأشياء إلا أنه لم يستمد منها شيئًا، بل العكس فإن كل الأشياء
تستمد منه الحياة وتعتمد عليه في بقائها[9].

7
لأنه أن كانت الشمس
 التي خلقها هو والتي نراها وهى تدور في السماء لا تتدنس عندما تلمس أشعتها الأجسام الأرضية، ولا تفقد نورها بسبب
ظلمة هذه الأجسام، لكنها بالعكس تنيرها وتطهرها أيضًا؛ فبالأولى جدًا كلمة الله
 كليّ القداسة، خالق الشمس وربها[10]،
لا يتدنس بمجيئه في الجسد
، بل بالعكس، فلكونه عديم الفساد، فقد أحيا الجسد المائت وطهّره[11]،
فهو الذى كُتب عنه ” الذي لم يفعل خطية و لا وُجدَ في فمه مكر[12].



اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى