علم الله

الفصل الرابع



الفصل الرابع

الفصل
الرابع

الله الخَالق

الخلق في الكتاب المقدس

توطئَة

“خالقِ السماءِ والأرض، كلِّ ما يُرى وما لا يُرى”.

في التعبير عن الإيمان المسيحي بالله الخالق نجد صلة وثيقة بين الخلق
وأُبوَّة الله. فالإله الذي نؤمن بأنه خلق السماء والأرض ليس الإله المتجبِّر
المتسلِّط بل الله الآب. لذلك نعتبر أن الإيمان بالله الخالق هو الإيمان بأن محبة
الله هي التي أوجدت الخلائق كلها، وان العالم ليس وليد صدفة بل ثمرة اختيار الله
وقصده المحبّ.
لقد أوجز يوحنا الانجيلي فحوى الإيمان المسيحي بقوله: “نحن قد
عرفنا المحبة التي لله فينا وآمنّا بها” (1 يو 4: 16). إنّ في أصل الكون وفي
أصل الإنسان كائناً محباً من فيض محبته يعطي الوجود لجميع الكائنات.

ان الإيمان بالله الخالق هو نتيجة لقاء بين كشف الله عن ذاته وخبرة
الانسان لمحبة الله. وهذا اللقاء نقرأ حكايته في الكتاب المقدّس في كلا العهدَين
القديم والجديد. ففي العهد القديم اختبر اليهود محبة الله المخلّص الذي أنقذهم من
عبودية مصر، وانطلاقاً من تلك الخبرة راحوا يتأملون في الإله الخالق. فالإله الذي
أحبّهم وخلّصهم هو نفسه الإله الذي أحبّهم وخلقهم وخلق الكون بأسره.

كذلك في العهد الجديد: فلقد ظهر خلاص الله في شخص يسوع المسيح؟
وانطلاقاً من الا يمان بالله الذي خلّصنا بالمسيح يعبّر الرسل والمسيحيون الأوّلون
عن إيمانهم بالله الذي خلقنا بالمسيح.

بعد قسم كتابي نتطرّق فيه الى الإيمان بالله الخالق كما عبّر عنه
العهد القديم ثم العهد الجديد، ننتقل إلى المفهوم اللاهوتي للخلق ونعالج المشكلات
التي نتجت من مختلف اكتشافات المعاصرة.

 

القِسم الأول

الخلق في
الكتاب المقدس

أ- في العهد القديم

1- روايتا الخلق بين العلم والدين

ان رواية الخلق في العهد القديم نجدها في الفصلين الأوّلين من سفر
التكوين. إلا أنّ علماء الكتاب المقدس يجمعون اليوم على أن هذه الرواية تضمّ في
الواقع روايتين مختلفتين: رواية أولى تعود إلى القرن السادس قبل المسيح (تك 1: 1-
2: 4)، وقد كتبت في محيط كهنوتي في أثناء جلاء بابل؛ ورواية ثانية أقدم من الأولى
ترجع إلى القرن العاشر قبل المسيح، وضعها كتبة وحكماء من بلاط سليمان الملك (تك 2:
4 ب- 25). وبعد العودة من جلاء بابل جمعت الروايتان ودُوِّنتا الواحدة تلو الأخرى
في الفصلين الأوّلين من سفر التكوين.

 

ماذا كان قصد كاتبي هاتين الروايتين؟

 

عندما استقرّ الشعب اليهودي في فلسطين بعد خروجهم من مصر مع موسى،
راحوا يكتبون تاريخهم استناداً إلى روايات شفوية وصلت إليهم من الأجيال السالفة.
إلاّ أن تاريخهم لا يعود إلى أبعد من ابراهيم أي إلى القرن التاسع عشر قبل المسيح.
ولكن ماذا جرى قبل ذلك؟ إنّ الذي دعا ابراهيم “ليجعل منه أمّة عظيمة”
(تك 12: 2)، ألم تكن له علاقات مع البشر قبل ابراهيم؟ وسائر الشعوب التي تدين
بأديان أخرى وتؤمن بآلهة أخرى هي في الواقع “أصنام من ذهب وفضة من صنع
أيديهم” (مز 134: 15)، ما هي علاقتها بهذا الإله الأوحد؟ والأرض وما عليها من
نبات وحيوان، والسماء وما في جَلَدها من كواكب ونجوم، ما هي علاقتها بالله أيضاً؟

 

لقد عاش ابراهيم في القرن التاسع عشر قبل المسيح، ولكن العلم قد بيّن
لنا اليوم أن ظهور أول إنسان على الأرض يعود إلى أكثر من مليون سنة، وان تكوين
الأرض يرجع إلى ما يقارب العشرة مليارات من السنين. فهل يُعقَل والحالة هذه أن
تكون روايات الكتاب المقدّس للحوادث التي جرت منذ إنشاء العالم تاريخية بالمعنى
الحديث للكلمة؟ وهل يُعقل أن يكون وصفها لتكوين الأرض والسماء وصفاً علمياً؟

 

ان الكتاب المقدّس ليس كتاباً علمياً يهدف إلى وصف كيفية تكوين الكون،
ولا كتاباً تاريخياً، بالمعنى الحديث للكلمة، يروي بالتدقيق سيرة البشر منذ ظهور
أول إنسان على الأرض. وهنا، من الناحية التاريخية، لا بدّ لنا من التمييز بين
الحوادث التي يرويها الكتاب المقدس ابتداءً من ابراهيم (أي ابتداءً من الفصل
الثاني عشر من سفر التكوين)، والحوادث التي سبقت ابراهيم والتي نقرأ روايتها في
الفصول الأحد عشر الأولى من سفر التكوين. فاذا كانت رواية حوادث ابراهيم على جانب
كبير من الموضوعية التاريخية، فالفصول الأحد عشر الأولى من سفر التكوين هي مجموعة
أساطير استقاها الشعب اليهودي من آداب الشعوب المجاورة ولا سيمَا الأدب البابلي؛
وما قَصْدُه في روايتها إلا إظهار علاقة شعوب العالم أجمع وارتباط الكائنات جميعها
بالإله الأوحد الذي هو وحده خالق الكون وسيّد جميع الشعوب.

 

فالكتاب المقدّس هو قبل أي شيء آخر كتاب ديني. لذلك لا يعنى بتفسير
كيفية تكوين الأشياء بقدر ما يعنى بإظهار معنى وجودها. فبينما يحاول العلم أن يعرف
كيف نشأ العالم كيف تكوّنت الأرض كيف ظهر الانسان، يبيّن الدين معنى تكوين العالم
وغاية حياة الانسان. يستطيع العلم تحليل المادة تحليلاً كيميائياً وتحليل الجسم
البشري تحليلاً بيولوجياً، إلا أنه لا يقوى على إدراك غاية وجود المادة، ويعجز عن
الدخول إلى أعماق النفس البشرية وفهم علائق المحبة والإيمان التي تربط الانسان
بالله.

 

هذا الإيمان بالله وبمحبته هو ما أراد كاتبو الأسفار المقدسة التعبير
عنه في روايتهم لتاريخ الكون منذ خلقه ولتاريخ الشعوب منذ نشأتها.

 

2- الخلاص والخلق

لقد تأثرت كتابة واضعي الأسفار المقدسة لكلا التاريخين ليس بالآداب
المجاورة فحسب بل أيضاً بما اختبروه في حياة شعبهم طيلة الزمن الذي دوّنوا فيه تلك
الأسفار.

 

قلنا إن رواية خلق العالم كما نجدها في سفر التكوين قد اتخذت شكلها
النهائي في القرن السادس بعد عودة الشعب اليهودي من جلاء بابل. ففي بابل اختبر
اليهود الذلّ والعبودية وراحوا ينتظرون خلاصهم وتحريرهم متذكّرين إنقاذ الله لهم
من مصر على يد موسى، ومعبّرين عن إيمانهم بالله مخلّصهم. وقد انطلقوا من هذا
الاختبار لخلاص الله على مدى تاريخهم لتأكيد عمل الله الخالق في بدء الأزمنة.
فالإله المخلّص الذي يصنع المعجزات مع شعبه وينقذهم من أعدائهم هو نفسه الإله
الخالق الذي في بدء الأزمنة خلق الكون مسيطراً على جميع قوى الشرّ المعادية.

 

تلك الصلة بين الإله المخلّص والإله الخالق يعبّر عنها أجمل تعبير سفر
اشعيا النبي، ولا سيمَا في القسم الثاني منه، الذي كُتب في أثناء السبي في بابل.
فقد كان اليهود عندئذٍ بحاجة إلى سلطة تقوى على سلطة بابل، فاتخذ الإيمان بالله
الخالق أهمية كبري، إذ جمع أول عمل خارق قام به الله في خلقه العالم، والعمل
الخارق الذي كان الشعب ينتظره منه الآن أي نصرته على أعدائه الذين كانوا يستعبدونه.
لذلك يطلب اشعيا من الشعب ألاّ يخافوا ممن يعتبرون ذواتهم أسياد الكون والتاريخ.
فالله خالق السماوات والأرض هو وحده سيّد الكون والتاريخ:

 

“هكذا قال الرب صانعك وجابلك الذي أعانك منذ البطن: لا تخف يا
يعقوب عبدي.. أنا الرب صانع الكل، ناشر السماوات وحدي وباسط الأرض بنفسي، مبطل
آيات الكذبة ومحمّق العرّافين، ورادّ الحكماء إلى الوراء ومسفِّه علمهم، مثبِّت
كلام عبده ومتمّ مشورة رسله، القائل لأورشليم ستعمرين ولمدن يهوذا ستُبنين، وأنا
أُقيم المتهدّم منها” (اشعيا 44: 1، 24- 26).

 

هذا الإله صانع الكل، ناشر السماوات وحده وباسط الأرض بنفسه، كيف يروي
سفر التكوين خلقه للعالم؟

 

3- تفسير روايتَي الخلق

الرواية الأولى (تك 1: 1- 2: 4 أ)

 

“في البدء خلق الله السماوات والأرض. وكانت خربة وخالية وعلى وجه
الغمر ظلام وروح الله يرفّ على وجه المياه.

 

اليوم الأول: خلق النور

وقال الله ليكن نور فكان نور. ورأى الله النور أنه حسن. وفصل الله بين
النور والظلام. وسمىَّ الله النور نهاراً والظلام سمَّاه ليلاً. وكان مساء وكان
صباح يوم واحد.

 

اليوم الثاني: خلق الجَلَد

“وقال الله: ليكن جلد في وسط المياه وليكن فاصلاً بين مياه ومياه.
فصنع الله الجَلَد وفصلَ بين المياه التي تحت الجَلَد والمياه التي فوق الجَلَد،
فكان كذلك. وسمَّى الله الجَلَد سماء. وكان مساء وكان صباح يوم ثانٍ.

 

اليوم الثالث: خلق اليبس والبحار والنبات والشجر المثمر

“وقال الله لتجتمع المياه تحت السماء إلى موضع واحد وليظهر اليبس.
فكان كذلك. وسمىَّ الله اليبس أرضاً ومجتمع المياه سمّاه بحاراً. ورأى الله ذلك
انه حسن. وقال الله لتنبت الأرض نباتا عشباً يبزر بزراً وشجراً مثمراً يخرج ثمراً
بحسب صنفه بزره فيه على الأرض. فكان كذلك. فأخرجت الأرض نباتاً وعشباً يبزر بزراً
بحسب صنفه وشجراً يخرج ثمراً بزره فيه بحسب صنفه. ورأى الله ذلك أنه حسن. وكان مساء
وكان صباح يوم ثالث.

 

اليوم الرابع: خلق الشمس والقمر والكواكب

“وقال الله لتكن نيّرات في جَلَد السماء لتفصل بين النهار والليل،
وتكون لآيات وأوقات وأيام وسنين، وتكون نيّرات في جَلَد السماء لتضيء على الأرض.
فكان كذلك. فصنع الله النيّرين العظيمين النيِّر الأكبر لحكم النهار والنيِّر
الأصغر لحكم الليل والكواكب. وجعلها الله في جَلَد السماء لتضيء على الأرض، ولتحكم
على النهار والليل وتفصل بين النور والظلام. ورأى الله ذلك انه حسن. وكان مساء
وكان صباح يوم رابع.

 

اليوم الخامس: خلق الحيوانات البحرية والطيور

“وقال الله لتفض المياه زحافات ذات أنفس حيّة وطيوراً تطير فوق
الأرض على وجه جَلَد السماء. فخلق الله الحيتان العظام وكلّ دابّ من كلّ ذي نفس
حية فاضت به المياه بحسب أصنافه وكلّ طائر ذي جناح بحسب أصنافه. ورأى الله ذلك انه
حسن. وباركها الله قائلاً انمي واكثري واملأي المياه في البحار وليكثر الطير على
الأرض. وكان مساء وكان صباح يوم خامس.

 

اليوم السادس: خلق الحيوانات البرية والبهائم وخلق الانسان

“وقال الله لتخرج الأرض ذوات أنفس حية بحسب أصنافها بهائم
ودبابات ووحوش أرض بحسب أصنافها. فكان كذلك. فصنع الله وحوش الأرض بحسب أصنافها
والبهائم بحسب أصنافها وكل دبابات الأرض بحسب أصنافها. ورأى الله ذلك انه حسن.
وقال الله لنصنع الانسان على صورتنا كمثالنا، وليتسلّط على سمك البحر وطير السماء
والبهائم وجميع الأرض كل الدبابات الدابّة على الأرض. فخلق الله الانسان على صورته،
على صورة الله خلقه، ذكراً وأُنثى خلقهم. وباركهم الله وقال لهم انموا واكثروا
واملأوا الأرض وأخضعوها وتسلّطوا على سمك البحر وطير السماء وجميع الحيوان الدابّ
على الأرض. وقال الله ها قد أعطيتكم كل عشب يبزر على وجه الأرض كلها وكل شجر فيه
ثمر يبزر بزراً يكون لكم طعاماً. ولجميع وحش الأرض وجميع طير السماء وجميع ما يدبّ
على الأرض ما فيه نفس حية، جميع بقول العشب جعلتها مأكلاً. فكان كذلك. ورأى الله
جميع ما صنعه فاذا هو حسن جداً. وكان مساء وكان صباح يوم سادس.

 

اليوم السابع: فيه استراح الله

“فأكملت السماوات والأرض وجميع جيشها. وفرغ الله في اليوم السابع
من عمله الذي عمل، واستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل. وبارك الله
اليوم السابع وقدّسه لأنه فيه استراح من جميع عمله الذي خلقه الله ليصنعه.

 

“هذه مبادئ السماوات والأرض اذ خلقت”.

 

* تناقضات بين هذه الرواية والعلم

إن أول ما يصدمنا في قراءة هذه الرواية أنها تناقض في بعض عناصرها
معطيات العلم الأولية. فالنور يخلق في اليوم الأول، بينما لا تخلق الشمس إلا في
اليوم الرابع. ونحن نعلم اليوم أن النور مرتبط بالشمس. ثم هناك ذكر لمياه علوية
فوق جَلَد السماء، والعلم يؤكد لنا أن لا وجود لمثل هذه المياه. وتقول لنا هذه
الرواية أن الكون خُلِق في ستة أيام، بينما يؤكد لنا العلم أن تكوين “الأرض
والسماء” استغرق مليارات من السنين.

 

لحلّ تلك التناقضات بين الكتاب المقدسِ والعلم، لا بدّ لنا من التأكيد
من جديد أن الكتاب المقدس ليس كتاباً علمياً يحوي دروساً في علم الكون أو في علم
الحياة؛ إنما هو كتاب ديني يحتوي تعاليم عن علاقة الكون بالله خالقه. وعندما يعمد
إلى وصف عمل الله الخالق لا يستطيع أن يصفه إلا في إطار الصورة التي كان البشر في
القديم يرون فيها العالم: فالأرض في نظرهم صفحة منبسطة تعوم على وجه المياه، والدليل
على ذلك ظهور الينابيع التي تتفجّر من هنا ومن هناك من جوف الأرض. والجَلَد (أي
الفضاء) الذي فوق الأرض هو نصف كرة ترتكز أطرافها على حدود الأفق. وفوقه وضع الله
المياه العلوية التي تنزل مطراً على الأرض عندما يفتح لها سدود الجَلَد. وتحت
الجَلَد أثبت الله الكواكب وخطّ للشمس والقمر مسيرهما. أما النور فهو مستقلّ عن
الشمس، والدليل على ذلك ظهور النور حتى عند احتجاب الشمس وراء الغيوم.

 

قد نبتسم ابتسامة الاستهزاء لتلك التخيّلات البدائية. لا ريب في أن
العلم قد تقدّم وأننا لا نستطيع بعدُ قبول تلك التفسيرات. لكن الله لا يكلمنا إلا
عن طريق البشر، والكتاب المقدس الذي هو كلام الله لا يمكنه أن يعطينا تعاليمه إلا
في لغة الشعب الذي نشأ فيه، وفي عقليته وتصوراته للكون. فلا بدّ اذاً من فهم تلك
العقلية وتلك التصورات لاكتشاف إرادة الله وإدراك تعاليمه المقدسة.

 

* تعاليم هذه الرواية

نجد في هذه الرواية أجوبة دينية على أسئلة طرحت البشر منذ أقدم العصور
ولا تزال تُطرح اليوم: ما أصل الكون؟ ما علاقة الانسان بالشمس والقمر والكواكب،
وهل هي آلهة أم خلائق؟ ما علاقة الانسان بسائر الخلائق، وهل له سلطة على كل لا في
الأرض من نبات وحيوان؟ ما علاقة الرجل بالمرأة، وهل المرأة مساوية للرجل؟ لِمَ
الراحة يوماً في الاسبوع، وما شأن الله والصلاة في يوم الراحة هذا؟

 

الله الخالق

نلاحظ أولاً أن لفظة الله هي التي تتكرر تقريباً في كل آية من آيات
هذا الفصل. “خلق الله”، “قال الله”، “رأى الله”،
“سمّى الله”، “فصل الله”، “صنع الله”، “باركها
الله”، الخ.. لا يقصد الكاتب المقدس في رواية الخلق هذه وصف الخلائق وتكوينها
وميزاتها بقدر ما يقصد إظهار علاقتها بالله الخالق؛ فالله وحده هو أصل جميع
الكائنات ومبدع كل الخلائق، هو وحده خالق الأرض وما فيها من نبات وحيوان وبشر، وهو
وحده خالق السماء وما يدور فيها من كواكب ونجوم.

 

“ورأى الله ذلك أنه حسن”

تعاد هذه العبارة ست مرات في النص، وفي المرة السادسة يؤكد الكاتب أن
“جميع ما صنعه الله.. هو حسن جداً”. وفي ذلك اسم إعلان لمجال الحمل الذي
قام به الله وتركيز على قيمة الخلائق، ليس في تكوينها البيولوجي، بل في علاقاتها
بالله. فالله أو الري أرادها، لذلك لها قيمة كبرى في ذاتها. وهذا التركيز على حسن
الخلائق هو في الوقت نفسه شهادة على وحدانية الله الخالق ورفض للازدواجية التي
نجدها في بعض الديانات القديمة والتي تؤكد وجود إلهين في أصل الخلائق، إله الخير
وإله الشر. أما هنا فالكتاب المقدس يعلن وجود إله واحد قد خلق جميع الكائنات؛ لذلك
هي حسنة. أما موضوع الشرّ فسنعالحه في القسم الثاني من هذا البحث.

 

“وكان مساء وكان صباح..”

تعود تلك العبارة ست مرات أيضاً، في نهاية كل يوم من أيام الخلق،
مذكرّة الشعب بالذبيحتين اللتين كانتا تقامان كل مساء وكل صباح. فذبيحة المساء
كانت تقام “نحو مغيب الشمس” معيدة إلى الأذهان العمل الخلاصي الذي قام
به الله عندما أخرج شعبه من مقصر (تثنية 16: 6)؛ وذبيحة الصباح كانت تقدّم بالغداة
“محرقة دائمة كما قدمت في سيناء” (العدد 28: 6)، معيدة ذكرى العهد الذي
أبرمه الله مع شعبه على يد موسى في سيناء.

 

ترتيب خلق الكائنات لأهميتها

نلاحظ أن الكائنات قد برزت للوجود في تدرّج تصاعدي وفقاً لأهميتها.
ففي البدء لم يكن سوى أرض خربة خالية وعلى وجه الغمر ظلام. ثم خلق الله النور
فالمياه فاليابسة فالنبات فالعشب فالشجر فالكواكب، فالحيوانات البحرية فالطيور
فالحيوانات البرية فالبهائم، ثم توّج عمله بخلق الانسان على صورته كمثاله ليتسلّط
على جميع الخلائق.

 

الانسان صورة الله

بينما تأتي النباتات والأشجار والحيوانات إلى الوجود “كلّ بحسب
صنفه” (1: 11، 24)، يُخلق الانسان “على صورة الله كمثاله”. تقوم
صورة الله في الانسان على اشتراك الانسان في سيادة الله على سائر الخلائق. وتلك
السيادة تفرض العقل والحرية والارادة. فقد خلق الانسان “ليتسلّط على سمك
البحر وطير السماء والبهائم وجميع الارض” (1: 26، 28). أما لفظة كمثالنا في
قوله تعالى: “لنصنع الانسان على صورتنا كمثالنا”، فيقصد الكاتب بها
إلغاء المساواة التامة بين الانسان والله. فالانسان هو على صورة الله ولكنه ليس
مساوياً له في الألوهة. وقد رأى بعض الآباء القديسين الشرقيين في الصورة الطبيعة
التي خُلق عليها الانسان، وفي المثال الدعوةَ التي هو مدعو لبلوغها. فقد خُلق على
صورة الله، ولكنه مدعو إلى أن يصبح على مثال الله في قداسته.

 

والمرأة هل هي مساوية للرجل في تلك الصورة؟ جواباً على هذا السؤال
يؤكد الكاتب المقدس مساواة الرجل والمرأة. فكلاهما خُلق على صورة الله: “فخلق
الله الانسان على صورته، على صورة الله خلقه، ذكراً وأُنثى خلقهم” (1: 27).

 

الأيام الستة

ان الكاتب وزّع على ستة أيام عمل الخلق الذي قام به الله. يجب ألاّ
نرى في هذا العدد تحديداً علمياً للمدة الزمنية التي استغرقها تكوين العالم. فقد
قسّم الكاتب المقدس الكائنات كلّها ستة أقسام، وبيّن أن الله قد خلقها في ستة أيام،
ثم استراح في اليوم السابع. وما ذلك إلا طريقة تعليمية تظهر في عمل الله مثالاً
لعمل الانسان وتؤكد ضرورة تقديس يوم السبت كما جاء في الوصية الثالثة من وصايا
الله: “اذكر يوم السبت لتقدّسه. في ستة أيام تعمل وتصنع جميع أعمالك. واليوم
السابع سبت للرب إلهك، لا تصنع فيه عملاً لك، أنت وابنك وابنتك وعبدك وأمتك
وبهيمتك ونزيلك الذي في داخل أبوابك. لأن الرب في ستة أيام خلق السماوات والأرض
والبجر وجميع ما فيها، وفي اليوم السابع استراح، ولذلك بارك الرب يوم السبت
وقدّسه” (خروج 20: 8- 11)

 

الرواية الثانية (تك 2: 4 ب- 25)

الأرض الجافة

“يوم صنع الرب الإله الأرض والسماوات، كلّ شجر البرية لم يكن بعد
في الأرض كلّ عشب البرية لم ينبت بعد، لأن الرب الإله لم يكن قد أمطر بعد على
الأرض، ولم يكن انسان ليحرث الأرض.

 

خلق الانسان

“وان الربّ الإله جبَلَ الانسان تراباً من الأرض ونفخ في أنفه
نسمة حياة، فصار الانسان نفساً حيّة.

 

غرس الجنة

“وغرس الرب الإله جنة في عدن شرقاً وجعل هناك الانسان الذي جبله.
وأنبت الرب الإله من الأرض كل شجرة حسنة المنظر وطيبة المأكل، وشجرة الحياة في وسط
الجنة، وشجرة معرفة الخير والشرّ. وكان نهر يخرج من عدن فيسقي الجنة، ومن ثم يتشعب
فيصير أربعة رؤوس: اسم أحدها فيشون وهو المحيط بجميع أرض الحويلة حيث الذهب، وذهب
تلك الأرض جيد، هناك المقل وحجر الجزع. واسم النهر الثاني جيحون وهو المحيط بجميع
أرض الحبشة. واسم النهر الثالث حدّاقل وهو الجاري في شرقي أشور. والنهر الرابع هو
الفرات.

 

وصية الله للانسان

“وأخذ الرب الإله الانسان وجعله في جنة عدن ليفلحها ويحرسها.
وأمر الرب الإله الانسان قائلاً: من جميع شجر الجنة تأكل، أما شجرة معرفة الخير
والشر فلا تأكل منها، فانك يوم تأكل منها تموت موتاً.

 

خلق الحيوانات

“وقال الرب الإله لا يحسن أن يكون الانسان وحده، فأصنع له عوناً
بإزائه. وجبل الرب الإله من الأرض جميع حيوانات البرية وجميع طير السماء وأتى بها
آدم ليرى ماذا يسمّيها، فكلّ ما سمّاه به آدم من نفس حية فهو اسمه. فدعا آدم جميع
البهائم وطير السماء وجميع وحش الصحراء بأسماء. وأما آدم فلم يوجد له عون بإزائه.

 

خلق المرأة

“فأوقع الرب الإله سباتاً على آدم فنام، فاستلّ إحدى أضلاعه وسدّ
مكانها بلحم. وبنى الرب الإله الضلع التي أخذها من آدم امرأة، فأتى بها آدم، فقال
آدم: ها هذه المرة عظم من عظامي ولحم من لحمي. هذه تسمى امرأة لأنها من امرئ أُخذت.
ولذلك يترك الرجل أباه وأُمه ويلزم امرأته، فيصيران جسداً واحداً. وكانا كلاما
عريانين آدم وامرأته وهما لا يخجلان”.

 

تعود هذه الرواية إلى القرن العاشر قبل المسيح. فهي اذاً أقدم من
الأولى. إلا أنها ليست من كاتب واحد؛ فهي بدورها تجمع تقليدين مختلفين، تقليداً
أول يتكلم عن خلق الانسان (2: 4 ب- 8) وخلق المرأة (2: 18- 24)، وتقليداً ثانياً
يدور حول حوادث الخطيئة الأولى. فيصف أولاً الإطار الذي ستجري فيه تلك الحوادث، أي
الجنة وما فيها من أشجار ولا سيمَا شجرة الحياة وشجرة معرفة الخير والشر. ثم يتكلم
عن وصية الله بالامتناع عن الأكل من شجرة معرفة الخير والشر (2: 9- 17). ثم يتابع
هذا التقليد روايته في الفصل الثالث فيروي قصة التجربة وعصيان آدم وحواء أوامر
الله (3: 1- 24).

 

الله الخالق

يبدو لنا الله في هذه الرواية أيضاً الإله الوحيد الذي خلق وحده كل
شيء، الانسان والجنة والحيوانات والمرأة. وتتميّز صورة الله في هذه الرواية بأنها
تنسب إلى الله أعمالاً انسانية، فتصفه وهو يغرس الجنة ويجبل تراباً ليصنع الانسان،
ثم يأخذ ضلعاً من أضلاعه ليصنع المرأة، ويسدّ مكانها بلحم. وفي الفصل الثالث نراه
“يتمشّى في الجنة عند نسيم النهار” (3: 8)، ويصنع لآدم وحواء بعد
الخطيئة “أقمصة من جلد ليكسوهما” (3: 21). تظهر هذه الرواية قرب الله من
الانسان وعطفه عليه، إلا أنها لا تقلّص شيئاً من قدرته، فهو وحده الخالق، وهو وحده
السيد الذي يعطي الانسان وصاياه وفي يده الحياة والموت.

 

خلق الانسان

تصف هذه الرواية خلق الانسان بطريقة بدائية. فالله يجبل تراباً وينفخ
فيه. من البديهي أن الله روح وليس له جسد ولا يدان ليجبل التراب. لقد استخدم
الكاتب صورة معروفة في عمره ليعطي من خلالها تعليماً دينياً. فالأساطير المصرية
القديمة كانت تصوّر الإله الكبش يكوّن الملك على آلة الخزاف. فمن خلال تلك الصورة
يؤكد الكاتب ان الانسان هو من صنع الله في جسده وروحه.

 

الجنة

ان الإطار الذي ستجري فيه حوادث الخطيئة الأولى هو “جنة في عدن
شرقاً”. يستحيل على علماء الكتاب المقدس اليوم تحديد هذا الموضع جغرافياً.
إلا أن لفظة “عدن” مشتقّة بالعبريّة من أصل يعني “النعيم”.
وبما ان الرواية ليست رواية تاريخية بل تعليمية، نكتفي بهذا المعنى لنستنتج منه
هدف الكاتب المقدس، ألا وهو التشديد على محبة الله للانسان. فبعد أن خلقه وضعه في
“جنة نعيم” فيها كل ما كان الانسان القديم العائش في الصحراء يتمناه: واحة
ظليلة مليئة بالشجر المثمر والمياه الغزيرة. وكذلك القول عن الأنهر الأربعة التي
كانت تخرج من الجنة، وعن أسماء البلدان التي تسقيها، فانها ليست مواضع جغرافية
نستطيع تحديدها، إنما تعني أن الأنهار التي تسقي جهات الأرض الأربع تخرج من الجنة،
فهي اذاً من صنع الله.

 

العمل

“وأخذ الرب الإله الانسان وجعله في جنة عدن ليفلحها
ويحرسها” (2: 15). يعتبر الكاتب عمل الانسان أمراً أراده له الله منذ أن خلقه.
فليس العمل في ذاته قصاصاً على الخطيئة الأولى، كما يقال أحياناً. ان نتيجة
الخطيئة ستكون المشقّة في العمل، كما ورد في قول الله لآدم: “إذ سمعت لصوت
امرأتك فأكلت من الشجرة التي نهيتك قائلاً لا تأكل منها، فملعونة الأرض بسببك،
بمشقة تأكل منها طول أيام حياتك، وشوكاً وحسكاً تُنبت لك” (تك 3: 17، 18).
فالخطيئة، أياً كانت، تحدث خللاً في طبيعة الانسان وفي علاقاته مع الله ومع الآخرين
ومع الكون. أما العمل فهو في ذاته من صلب الطبيعة الانسانية.

 

سيادة الانسان على الحيوانات

بعد أن خلق الله الحيوانات “أتى بها آدم ليرى ماذا يسمّيها. فكل
ما سمّاه به آدم من نفس حية، فهو اسمه” (2: 19). ان الله قد أعطى الانسان
السيادة على الحيوانات. وهذه السيادة عبّرت عنها الرواية الأولى بقوله تعالى
للانسان: “تسلّطوا على سمك الحر وطير السماء وجميع الحيوان الدابّ على
الأرض” (1: 28). أما هذه الرواية الثانية فتعبّر عن الفكرة عينها بقولها ان
الله قد ترك للانسان نفسه تسمية الحيوانات.

 

خلق المرأة

يتصوّر الكاتب أن الله خلق المرأة من ضلع الرجل. هذه صورة شعبية
للدلالة على أن المرأة والرجل هما من جبلة واحدة: “هذه تسمى امرأة، لأنها من
امرئ أخذت” (2: 23)، وانهما متساويان في الطبيعة الانسانية. وفي هذه الصورة
أيضاً إصرار على أن الزواج أمر مقدّس أراده الله نفسه: “لا يحسن أن يكون
الانسان وحده، فأصنع له عوناً بإزائه” (2: 18). ويضيف الكاتب: “لذلك
يترك الرجل أباه وأُمه ويلزم امرأته فيصيران جسداً واحداً” (2: 24). وهذا
النص سيعود إليه يسوع في حديثه عن الزواج وشجبه الطلاق (متى 19: 3- 6).

 

الخلق والعهد وشجرة معرفة الخير والشر

نلاحظ إذاً في هذه الرواية أيضاً ان الكاتب المقدس لم يقصد أن يروي
بالتدقيق ما جرى من حوادث في فجر البشرية، بل أن يبرز علاقة الله بالانسان وعلاقة
الانسان بالكون وعلاقة الرجل بالمرأة، كما أرادها الله منذ خلق الكون والانسان
والرجل والمرأة.

 

ان علاقة الله بالانسان هي علاقة عهد على مدى التاريخ منذ بدء الكون.
فالله الذي قطع مع الشعب اليهودي عهداً بأن يكون معهم ويخلّصهم من أعدائهم، هو
نفسه قد قطع مع البشرية جمعاء عهداً مماثلاً منذ خلق الانسان الأول. ويمكننا أن
نجد أوجه شبه متعددة بين عهد الخلاص وعهد الخلق:

 

– فكما ان الله خلّص اسرائيل إذ أخرجه من مصر وقاده عبر الصحراء
ليقيمه في أرض خصبة “تدرّ لبناً وعملاً”، هكذا خلق الله الانسان الأول
على أرض “لم يكن فيها أي شجر أو عشب” (2: 5)، ثم غرس له جنة وأقامه فيها
ليفلحها ويحرسها.

 

– وكما ان الله أعطى شعبه على جبل سيناء بواسطة موسى وصاياه وأحكامه
انطلاقاً من الوصية الأساسية “لا يكن لك آلهة تجاهي” (خروج 20: 3)، هكذا،
منذ خلق الانسان، أوصاه ألا يأكل من شجرة معرفة الخير والشر. وترمز تلك الشجرة، لا
إلى التمييز بين الخير والشر- لأن هذا من صلب طبيعة الانسان العاقل، والله قد أعطى
الانسان هذا التمييز منذ أن خلقه- إنما إلى السلطة على تحديد الخير والشر. وتلك
السلطة هي بيد الله وحده، فهو الذي يحدّد الخير والشرّ، وهو الذي يعطي الوصايا
التي توضح ما الخير الذي يجب فعله وما الشر الذي يجب الابتعاد عنه. فالأكل من شجرة
معرفة الخير والشر هو إذاً رفض لله والاستقلال عنه في كل ما يتعلّق بالخير والشر،
والتخلّي عن وصاياه، انه رفض الانسان أن يكون خليقة، أي كائناً مرتبطاً بالله.

 

– وفي عهد سيناء وعد الله بالبركة من يتبع وصاياه وهدّد بالموت من
يخالفها: “انظر، اني قد جعلت اليوم بين يديك الحياة والخير والموت والشر. بما
اني آمرك اليوم أن تحب الرب إلهك وتسير في طرقه وتحفظ وصاياه ورسومه وأحكامه لتحيا
وتكثر ويباركك الرب إلهك. وان زاغ قلبك ولم تسمع وملت وسجدت لآلهة أخرى وعبدتها،
فقد أنبأتكم اليوم أنكم تهلكون هلاكاً” (تثنية 30: 15- 18). وفي الجنة أيضاً
هدّد الله الانسان بالموت إن لم يتبع وصاياه: “أما شجرة معرفة الخير والشر
فلا تأكل منها، فانك يوم تأكل منها تموت موتاً” (2: 15). ليس القصد من الموت
في هذه الجملة الموت الجسدي، لأن الموت الجسدي هو طبيعي للانسان، بل موت النفس؛
فعبارة “تموت موتاً” هي مرادفة لعبارة “تهلكون هلاكاً” التي
نقرأها في سفر تثنية الاشتراع. ان الانسان الذي يرفض الله ويريد أن يكون هو إله
نفسه لا محالة هالك. كل ما يستطيع بلوغه من دون الله إنما هو اكتشاف عريه وبؤسه،
وهذا ما عبّر عنه الكاتب المقدس بقوله ان آدم وحواء بعد خطيئتهما “انفتحت
أعينهما فعلما أنهما عريانان” (تك 3: 7). وما طرد آدم وحواء من الجنة (تك 3: 23)
إلا صورة رمزية للموت الروحي الذي حصل لهما بعد الخطيئة، أي لفقدانهما بركة الله
وحياة الألفة معه.

 

4- ماذا يمكننا أن
نستنتج من تعاليم العهد القديم في موضوع الخلق؟

من كل ما سبق يمكننا استخلاص التعاليم التالية:

 

1) ان الله هو الإله الوحيد الكائن منذ الأزل، الذي لم يأخذ كيانه من
أي كائن آخر.

 

2) ان الله هو الخالق الوحيد للكون كله وللانسان. وعمل الخلق هو فيض
من محبته، فالله حاضر مدى الدهر مع الانسان بصلاحه ومحبته وقدرته.

 

3) ان عمل الخلق هو عمل حر، لم يكن فيه الله مرغماً ولا مقيّداً بأي
عامل خارجي. والكون الذي ينتج من عمله لا يتعلّق إلا به.

 

4) ان عمل الخلق هذا تصفه تقاليد مختلفة من سفر التكوين في عبارات
وتصاوير وتشابيه متأثرة بالمحيط الذي نشأت فيه تلك التقاليد وبالبيئة التي كتب
فيها سفر التكوين، ولا سيمَا بالحضارتين البابلية والمصرية.

 

ب- في العهد الجديد

لا نجد في العهد الجديد كما في سفر التكوين روايات خاصة بخلق العالم.
إلا أن الإيمان بالله الخالق هو الأساس الذي يرى من خلاله العهد الجديد علاقة الله
بالانسان. ثم ان الذين عاشوا مع المسيح أدركوا بالإيمان أنهم يحضرون في شخص يسوع
المسيح تحقيق مواعيد الله ومقاصده التي سبق فحدّدها منذ إنشاء العالم. لذلك يؤكد
العهد الجديد من جهة أُبوّة الله الشاملة لجميع خلائقه ومن جهة أخرى وساطة يسوع في
الخلق كما في الخلاص.

 

1- الله الخالق

إزاء العالم الوثني الذي كان يعبد الأصنام أكّد الرسل في كرازتهم
عبادة الله الأوحد “خالق السماء والأرض”. فبولس الرسول، في خطابه في
لسترا، طلب من مستمعيه أن يرجعوا “إلى الله الحي الذي صنع السماء والأرض
والبحر وجميع ما فيها” (أعمال 14: 15)؛ وفي خطابه في أثينا في الآريوباغس،
قال للجموع المحتشدة لسماعه:

 

“ان الإله الذي صنع العالم وجميع ما فيه لا يسكن، إذ هو رب
السماء والأرض، في هياكل صنعتها الأيدي، ولا تخدمه أيدي البشر كأنه محتاج إلى شيءٍ
ما، إذ هو يعطي الجميع حياةً ونفساً وكل شيء. وهو الذي صنع من واحد كلّ أمة من
البشر، ليسكنوا على وجه الأرض كلها، محدداً لهم مدى الأزمنة وتخوم مساكنهم، لكي
يطلبوا الله، لعلّهم يجدونه متلمّسين، مع انه غير بعيد من كل واحد منا، إذ به نحيا
ونتحرّك ونوجد، كما قال أيضاً بعض شعرائكم: “إنّا نحن ذريّته” (أعمال 17:
24- 28).

 

فالله، بحسب تعليم بولس، هو الذي صنع السماء والأرض، وهو الذي صنع من
واحد جميع أُمم الأرض. فهو إذاً خالق الكون وجميع البشر، وبه نحيا ونتحرك ونوجد.

 

2- الخلق بالمسيح

يضيف العهد الجديد إلى الإيمان بالله الخالق فكرة جديدة، وهي أن الله
خلق كل شيء بالمسيح. ترد هذه الفكرة عند ثلاثة كتّاب: بولس الرسول ويوحنا الانجيلي
وفي الرسالة إلى العبرانيين التي تَبيَّن أنها ليست من وضع بولس الرسول.

 

* النصوص

(كولسي 1: 12- 20) يقول بولس في رسالته إلى الكولسيّين إن المسيح هو
“صورة الله غير المنظور، المولودُ قبل كل خلق، إذ فيه خُلق جميع ما في
السماوات وعلى الأرض، ما يُرى وما لا يُرى.. به وإليه خلق كل شيء، انه قبل كل شيء،
وفيه يثبت كل شيء” (1: 15- 17).

 

يبدو أن هذا المقطع هو جزء من نشيد مسيحي قديم كان يُنشده المسيحيون
الأوّلون مؤكدين إيمانهم بدور المسيح في الخلق كما في الخلاص. فبعد الإشادة بدور
المسيح في الخلق يتابع بولس: “الذي هو أيضاً رأس الجسد، أي الكنيسة، انه
المبدأ، البكر من بين الأموات -لكي يكون هو الأول في كل شيء- ففيه ارتضى الله أن
يحلّ الملء كله، وأن يصالح به، لنفسه، كل ما على الأرض وفي السماوات، بإقراره
السلام بدم صليبه” (1: 18- 20).

 

(1 كورنثس 8: 6) “فنحن إنما لنا إله واحد، الآب، الذي منه كل شيء
ونحن إليه، ورب واحد يسوع المسيح، الذي به كل شيء ونحن به”.

 

يعلن بولس إيمانه بالله الآب الخالق كل شيء، ثم إيمانه بالابن الذي هو
الوسيط في الخلق: “به كل شيء”. وهو الوسيط أيضاً في الخلاص: “فنحن
به” أي به افتدينا وتقدّسنا وأصبحنا خليقة جديدة.

 

(يوحنا 1: 1- 18) ان الفصل الأول من انجيل يوحنا هو أيضاً، على ما
يرجّح، مستقى من نشيد مسيحي قديم يشيد بدور المسيح كلمة الله في الخلق والخلاص،
فيعلن أن المسيح هو الكلمة الذي، خلق الله الآب الكون، وأنّه مساوٍ لله: “في
البدء كان الكلمة، والكلمة كان لدى الله، وكان الكلمة الله” (1: 1). ثم تشير
الآية الثالثة إلى وساطة الكلمة في الخلق: “به كوّن كل شيء وبدونه لم يكن شيء
واحد مما كُوِّن”، وتعود الفكرة عينها في الآية العاشرة: “العالم به
كُوَن”.

 

وفي الآية الرابعة يبدو لنا الكلمة، الذي وُصف بأنه الوسيط في الخلق،
الوسيط أيضاً في الخلاص: “فيه كانت الحياة والحياة كانت نور الناس، والنور
يضيء في الظلمة..”، فالحياة والنور لفظتان تعنيان في انجيل يوحنا الخلاص،
وكأنك في الآية 16: “ومن امتلائه نحن كلنا أخذنا ونعمة فوق نعمة”.

 

(الرسالة إلى العبرانيين 1: 1- 3) “ان الله، بعد أن كلَّمَ
الآباء قديماً بالأنبياء مراراً عديدة وبشتى الطرق، كلَّمنا نحن، في هذه الأيام
الأخيرة، بالابن الذي جعله وارثاً لكل شيء، وبه أيضاً أنشأ العالم، الذي هو ضياء
مجده وصورة جوهره وضابط كل شيء بكلمة قدرته، الذي بعد أن طهّرنا من خطايانا، جلس
عن يمين الجلال في الأعالي”.

 

في هذه الآيات التي قد تكون أيضاً مستقاة من نشيد مسيحي قديم يجمع
الكاتب عمل المسيح الخلاصي الذي به “طهّرنا من خطايانا”، ووساطته في
الخلق. فبالمسيح “أنشأ الله لعالم”. والمسيح هو “ضابط كل شيء بكلمة
قدرته”. فالخلق بالكلمة، الذي هو من عمل لله في سفر التكوين، تؤد هذه الرسالة
أنه أيضاً من عمل الابن كلمة الله والوسيط الوحيد في الخلق كما في الخلاص.

 

* مصادر فكرة “الخلق بالمسيح”

ان المراجع الثلاثة التي يعبّر فيها العهد الجديد عن “الخلق
بالمسيح” هي مستقلّة بعضها عن بعض. ومعظم المقاطع التي ترد فيها تلك الفكرة
هي بقايا من أناشيد كان المسيحيون الأولون يتلونها في صلواتهم. ومعروف أن الأناشيد
والصلوات تعبِّر عن الإيمان. فنستنتج من هذا كله ان فكرة الخلق بالمسيح قد ظهرت في
السنوات الأولى للمسيحية، وهي تعبّر عن إيمان الرسل والمسيحيين الأوّلين بأن يسوع
المسيح هو كلمة الله الذي به خُلق كل شيء. ماذا يعني هذا التعبير، وما هو مصدره؟

 

ان المسيحيين الأوّلين قد رأوا في شخص يسوع المسيح تحقيق كل ما ورد في
العهد القديم في الحكمة الإلهية، وعبَّروا عن إيمانهم بتعابير استقوها من الفلسفة
اليونانية ولا سيمَا من أقوال فيلون الاسكندر في العقل الالهي الذي نظّم العالم.

 

الحكمة في العهد القديم

ان العهد القديم قد تصوّر الحكمة موجودة مع الله منذ خلق العالم. وهذه
بعض الآيات التي نجدها في الأسفار الحكمية:

 

“أنا الحكمة.. الرب حازني في أول طريقه قبل ما عمله منذ البدء.
من الأزل مسحت ومن الأول من قبل أن كانت الأرض. وُلدت حين لم تكن الغمار والينابيع
الغزيرة المياه.. حين وضع للبحر رسمه فالمياه لا تتعدى أمره، وحين رسم أُسس الأرض،
وكنت عنده مهندساً” (الأمثال 8: 22- 35).

 

“كل حكمة فهي من الرب ولا تزال معه إلى الأبد.. قبل كل شيء حيزت
الحكمة، ومنذ الأزل فهم الفطنة. ينبوع الحكمة كلمة الله ومسالكها الوصايا
الأزلية” (يشوع بن سيراخ 1: 4، 5).

 

“هب لي الحكمة الجالسة إلى عرشك.. ان معك الحكمة العليمة بأعمالك
والتي كانت حاضرة إذ صنعت العالم وهي عارفة ما المرضيّ في عينيك والمستقيم في
وصاياك” (الحكمة 9: 4، 9).

 

نجد في هذه النصوص تعابير سيرى العهد الجديد تحقيقها في المسيح. فهو
مولود كالحكة قبل كل خلق “حين لم تكن الغمار والينابيع الغزيرة”. وهو
“من الرب”، وهو “كلمة الله”، وهو “الجالس إلى عرش
الله”، وهو “حاضر مع الله عند خلق العالم”.

 

“الكلمة” في الفلسفة اليونانية

وردت لفظة “الكلمة” في الفلسفة اليونانية للدلالة على العقل
الإلهي الذي نظّم العالم. واعتبر فيلون الاسكندري الكلمة إلهاً أدنى بواسطته خلق
الله الكون. فالكلمة، حسب قوله، “صورة الله التي بها خُلق الكون كله”.
كذلك يتكلم فيلون عن الحكمة التي “بها خُلق كل شيء”.

 

فالجماعة المسيحية اليونانية الأصل نسبت تلك العبارات إلى المسيح الذي
رأت فيه حكمة الله المتجسِّدة وكلمة الله الذي ظهر في العالم وكان منذ البدء مع
الله قبل خلق العالم. ففي الخلق كما في الخلاص لا وساطة غير وساطة المسيح الذي هو
كلمة الله المولود من الله منذ الأزل.

 

وهكذا نشأت في الكنيسة الأولى تلك الأناشيد التي تستخدم الثقافة
اليونانية للتعبير عن سرّ المسيح وإظهار علاقته الفريدة بالله الآب. فهو وحده ابن
الله الكائن منذ الأزل مع الله، وبه وحده تمَّ خلق العالم، كما انه به وحده تمَّ
الخلاص الذي هو”خلق جديد”: “إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة.
فالقديم قد اضمحلّ وكل شيء قد تجدّد” (2 كور 5: 17).

 

المسيح هو المبدأ والغاية

ان الخلق الجديد هو الذي يعطي الخلق الأول ملء معناه. فالخلق الأول
كان منذ البدء موجّهاً ليجد كماله في المسيح. لذلك فان المسيح هو في الوقت ذاته
مبدأ الخلق وغايته الأخيرة، والهدف الذي يجب أن يسير إليه كل انسان. لذلك يقول
بولس: “به وإليه خلق كل شيء” (كولسي 1: 16). ان لفظة “به”
تعني أنه المبدأ، ولفظة “إليه” تعني انه الغاية. ويردف بولس: “انه
قبل كل شيء، وفيه يثبت كل شيء” (كولسي 1: 17). فكما أن كل عمل يقوم به كائن
عاقل يسبقه دوماً الفكر والتصميم والمبدأ، هكذا فان المسيح هو المبدأ الذي سبق خلق
العالم، “انه قبل كل شيء”. وكما ان كل عمل يسير نحو غاية أخيرة، هكذا
أيضاً المسيح هو الغاية الأخيرة التي يسير إليها الخلق، لذلك “فيه يثبت كل
شيء”.

 

هذا الإيمان بما للمسيح من دور فريد في الخلق كما في الخلاص، عبَّرَ
عنه أخيراً يوحنا في سفر الرؤيا بقوله إن المسيح هو “الألف والياء، الأول
والآخر، المبدأ والغاية” (رؤيا 22: 13).

 

القِسم الثَاني

مفهوم
الخلق في اللاهوت المسيحي

أ- تصورات خاطئة عن الخلق

لكي نوضح المفهوم الصحيح للخلق، سنعرض أولاً بعض تصورات خاطئة رأى من
خلالها الناس الخلق على مرّ العصور. منهم من رأى الخلق بداية في الزمن، ومنهم مَن
عَدَّه انبثاقاً من الله، وآخرون صنعاً من مادة سابقة.

 

1- الخلق ليس بداية في الزمن

كثيرون من الناس يتصوّرون الخلق عملاً تمَّ على مراحل في الزمن: مرحلة
أولى لا وجود فيها لأي كائن غير الله، ومرحلة ثانية يقصد فيها الله خلق العالم،
ومرحلة ثالثة ينفّذ فيها قصده فيخلق العالم الذي ينتقل هكذا من اللاوجود والعدم
إلى الوجود. ويميِّزون على هذا النحو الزمن الذي قبل الخلق والزمن الذي بعد الخلق.

 

ان هذا تصوُّر بشري يرى الانسان من خلاله عمل الله في الخلق على مثال
أعمال البشر. فعندما يريد انسان أن يبني بيتاً يمتلك أرضاً لا بناء عليها، فيقوم
أولاً بالتصميم والتخطيط، ثم ينفّذ تصميمه فيبني البيت؛ في المرحلة الأولى لم يكن
على الأرض بيت، وفي المرحلة الأخيرة وُجد البيت.

 

يعتبر هذا التصوّر للخلق ان الخلق هو “بداية في الزمن”.
وإذا عدنا إلى معظم تصاوير الكتاب المقدس نرى أنها تتصوّر الخلق على هذا النحو: قبل
الخلق لم يكن شيء سوى العدم، وبعد الخلق ظهرت الخلائق إلى الوجود. وهذا التصوّر هو
الذي يعبِّر بواسطته آباء الكنيسة ومعلِّموها عن إيمانهم بالله الخالق.

 

إلا أننا نعم أن عمل الله لا يمكن أن يكون على مثال عمل الانسان، لأن
الانسان عائش في الزمن وفي النسبي، فيتقلّب ويتحوّل ويتغيّر، وينتقل من الماضي إلى
الحاضر ثم إلى المستقبل. وهكذا كل ما يصنعه الانسان ينتقل معه من مرحلة اللاوجود
في الزمن إلى مرحلة الوجود: قبل مدة من الزمن لم يكن هناك بيت، وبعد قليل وُجِد
البيت. بيد أنّ الله فوق الزمن؛ انه المتعالي المتسامي عن الزمن وعن التغيّر، إذ
“ليس فيه ظل تحوّل ولا دوران”؛ انه “هو هو أمس واليوم وإلى
الدهور”، لذلك لا نستطيع أن نتصوّر عمله على مثال أعمال البشر.

 

ثم كيف يمكننا أن نتكلم عن “قبل الخلق” و”بعد
الخلق”، في حين أنّ لفظتَي “قبل” و”بعد” هما لفظتان
تعبّران عن الزمن؟ فهما إذاً وُجِدتا مع الزمن، ولا وجود للزمن قبل الخلق.

 

ولكن هل بإمكان الانسان، في كلامه عن الله وعمله، ألاّ يستخدم الألفاظ
والتعابير نفسها التي يستخدمها للكلام عن الأمور الزمنية؟ نحن العائشين في الزمن
وفي النسبيّ، اذا أردنا التفكير والكلام عن الله، لا نستطيع أن نفكر ونتكلم إلا
بموجب مفاهيم وتعابير تتلاءم وعقلنا البشري، وإلا أرغمنا على الصمت. غير أننا، في
تفكيرنا وكلامنا عن جميع أمور الله، لا بدّ لنا من التنبّه إلى عجز مفاهيمنا
وتعابيرنا البشرية عن الاحاطة بسرّ الله وبعمله.

 

ثم ان مسألة قدم العالم، أي أن يكون العالم قد ابتدأ في زمن محدد أم
أن يرجع وجوده إلى ما لا نهاية له في الزمن، هي اليوم مسألة يترك اللاهوت للعلم
أمر البتّ فيها. لا شك أن معظم العلماء اليوم لا يرون كيف يمكن الرجوع بالعالم إلى
ما لا نهاية له؛ فالمادة لها قوة محددة، ولا بدّ انها بدأت في زمن محدد.

 

ولكن مهما يكن من أمر، فإنه يعود للاهوت أن يبيّن أن العالم، وان
افترضنا وجوده منذ زمن لا نهاية له، إنما هو متعلق بالله على مدى الزمن وعلى مدى
اللانهاية، وإنّ جوده النسبي مرتبط بوجود كائن مطلق هو الله، منه يأخذ الوجود
ويستقي الكيان.

 

ان جميع التصاوير البشرية التي يرى الكتاب المقدس من خلالها الخلق لا
تهدف إلى الإجابة عن مسألة بدء الخلق في الزمن بقدر ما تقصد إظهار الارتباط الوثيق
بين الخلائق والله، فالخلائق مرتبطة كلها بالله على مستوى كيانها ووجودها.

 

2- الخلق ليس انبثاقاً من الله

كان بعض الفلاسفة الأقدمين يعتبرون الخلق انبثاقاً من الله. إن تلك
النظرة خاطئة، لأن الانبثاق يعني المساواة بين جوهر الله وجوهر الخلائق وهذا ما لا
يمكننا قبوله. فجوهر الله مختلف تمام الاختلاف عن جوهر الخلائق: الله مطلق أما
الخلائق فنسبية؛ كيان الله هو من ذاته، أما كيان الخلائق فهو من الله؛ الله لا
يتغيّر ولا يتحوّل، أما الخلائق فهي عرضة للتغيّر والتحوّل. وهذا ما يعبّر عنه
الكتاب المقدس، عندما يتكلم عن قداسة الله إزاء خطيئة الانسان، وعن النور إزاء
الظلمة، وعن ثبات الله وأمانته لنفسه ولخلائقه إزاء تقلُّب الانسان وخيانته.

 

3- الخلق ليس صنعاً من مادة سابقة

ان عملنا البشري هو دوماً عمل على مادة سابقة. فالمادة نجدها قبلنا،
فلا نخلقها بل نطوّرها ونضيف إليها مواد أخرى أو نقسّمها أجزاء مستغلّين كل
طاقاتها الدفينة. أما الخلق فهو، في النظرة المسيحية، “خلق من العدم”.
وهذا التعبير يعني أن لا وجود لأي شيء خارجاً عن الله، فكل ما هو موجود يأخذ من
الله، وجميع الكائنات تأخذ كيانها من الله.

 

يصعب على الفكر البشري تصوّر” الخلق من العدم”، لأنه يفوق
اختبار الانسان، إذ إنّ في كل عمل إنساني أربعة عناصر: العامل والمادة السابقة
التي سيعمل عليها العامل وتحول المادة إلى مادة أخرى والنتيجة النهائية. اما في
عمل الله، في الخلق، فالعنصر الثاني والعنصر الثالث لا وجود لهما، إذ لا وجود
لمادة سابقة ولا وجود بالتالي لأي تحول من مادة إلى أخرى، فلا يبقى إذاً في مفهوم
الخلق سوي عنصرين: الله والخليقة، وبين الخليقة والله علاقة ارتباط دائم.

 

ب- المفهوم الصحيح للخلق

هذا هو في النهاية المفهوم الصحيح للخلق: إن بين الخليقة والله ارتباطاً
دائماً، فالكائنات كلها متعلّقة بالله تعلُّقها بمبدإ وجودها ومصدر كيانها.

 

ان عقيدة الخلق في الإيمان المسيحي لا تقصد تفسير كيفية وجود العالم
وكيفية تكوينه. بل جلّ قصدها إظهار معنى وجود العالم والتأكيد أن هذا الوجود
يستقيه من الله ينبوع كل وجود ومصدر كل كيان. واذا استطاع العلم يوماً تفسير كيفية
تكوين العالم تفسيراً أكيداً ونهائياً -كل التفسيرات التي يعطيها اليوم العلم إنما
هي مجرد نظريات قابلة للنقاش- فالإيمان وحده يستطيع اكتشاف العلاقة الحميمة التي
تربط هذا العالم بالله.

 

وتلك العلاقة هي علاقة محبة، فالعالم هو فيض من محبة الله اللامتناهية
وعطيّة مجانية من إله العطاء والمحبة.

 

الآن يتضح لنا بأجلى بيان ما قلناه في القسم الأول من هذا البحث عن
العلاقة التي يراها الكتاب المقدس في العهدَين والقديم والجديد بين الخلق والخلاص.
فالله المخلص هو نفسه الله الخالق؛ وكلا الخلق والخلاص فيض من محبة الله.

 

لتفسير كيفية خلق العالم وخلق الانسان، تستخدم الرواية الأولى من سفر
التكوين عبارة “وقال الله..”. وتعود تلك العبارة عشر مرات في النص مذكرة
بوصايا الله العشر. فكلمة الله في الوصيايا تمنح الانسان الخلاص والحياة، وكلمة
الله في الخلق تمنح الانسان الوجود والكيان. وكل كلمة وقول علاقة حوار بين أشخاص.
فالانسان الذي أتى إلى الوجود بكلمة من الله، إنما هو في صميم كيانه علاقة حوار مع
الله، والحوار يفترض الحرية، فالخلق إذاً ليس استعباداً للانسان ولا احتقاراً
لكيانه ولا امتهاناً لكرامته.

 

لقد رفض ماركس وجود الله الخالق لأنه اعتبر ان مثل هذا الوجود ينقص من
قيمة الانسان. ولكن ماركس لم يفهم معنى الخلق الصحيح، وما رفضه لله الخالق إلا رفض
لصورة خاطئة عن الله الخالق. فبالخلق يعطي الله الانسان الوجود، إلا أن عطاءه هذا
ليس عطاء سيّد لعبد ولا عطاء محسن لمستجدي، بل عطاء صديق لصديقه وأب لابنه وحبيب
لحبيبه. “ان الله محبة”، والخلق هو أول أعماله التي بها أظهر محبته.
يبقى أن يفتح الانسان قلبه لتلك المحبة، لتكون حياته وكلها جواباً على محبته تعالى
له.

 

في تلك النظرة العميقة لمفهوم الخلق ندرك أن عمل الله في الخلق لا
يقتصر على منح الكائنات وجودها في بدء الزمن، بل هو عمل دائم أبد الدهر، وعلاقة
المحبَة التي تربط الله وخلائقه دائمة كذلك إلى الأبد.

 

ج- الخلق والتطوّر

هناك إذاً نظرتان متميّزتان إلى الكون، نظرة لاهوتية تسبر أعماق الكون
للبحث عن معنى وجوده وتظهر ما بين الخلائق والله من علاقة حميمة على صعيد الكيان
والوجود، ونظرة علمية تحاول العودة إلى أصل الكائنات لتبيِّن كيف برزت إلى الوجود.
ماذا يقول لنا العلم اليوم عن أصل الكائنات، وهل يتفق ما وصل إليه مع معطيات الوحي
والإيمان؟

 

1- نظرية التطوّر

ان نظرية التطور هي نظرية علمية ترى التطور في جميع مرافق الكون، من
المادة، في جميع أصنافها على الأرض والكواكب، إلى الحياة في مختلف فروعها النباتية
والحيوانية والبشرية. وقد حدث هذا التطوّر على ثلاث مراحل:

 

ففي البدء لم يكن سوى أولى انفجرت فأعطت غازات محرقة، ولما خفّت حرارة
تلك الغازات تحوّلت إلى مليارات من النجوم. والشمس هي إحدى تلك النجوم، تكوّنت
حولها فيمَا بعد الكواكب وظهرت الأرض. وكان ظهورها منذ خمسة مليارات سنة.

 

وفي المرحلة الثانية ظهرت الحياة على الأرض من جرَّاء إشعاعات الشمس
على جوّ الأرض. فالحياة النباتية بدأت في أعماق البحار حيث وجدت غذاءً ملائماً، ثم
تحوّلت إلى حياة حيوانية، فتكوّنت قبل كل شيء الأسماك، ومن البحر انتقلت الحياة
الحيوانية إلى البرّ، وتطوّرت الحيوانات وتنوّعت.

 

اما الحياة الانسانية فلم تظهر إلا نتيجة تطور بعض أنواع القردة. وبدأ
ذلك منذ سبعين مليون سنة، عندما أخذت بعض أنواع القردة التي لم يعد لها الآن أي
أثر تنتصب على قدميها، ثم واصلت تطورها، فراحت تستخدم الآلات من حجارة وعظام؛ وظهر
عندئذٍ الانسان القديم الذي اكتشف النار منذ مليوني سنة؛ ومنذ مئة ألف سنة بدأ
يدفن موتاه ويضع في مدافنهم بعضاً من آلاتهم الحجرية وطعاماً زاداً لهم لحياة ما
بعد الموت التي أخذ يؤمن بها.

 

ومنذ خمسة وثلاثين ألف سنة ظهر “الانسان العاقل” آخر حلقة
من مرحلة طويلة. بدأ هذا الانسان باستخدام عقله وذكائه في رسوم يرسمها على جدران
المغاور للتعبير عن أفكاره ورغباته؛ ومنذ خمسة آلاف سنة اخترع الكتابة ودوَّنَ
أفكاره ومعتقداته في أساطير لا نزال نقرأها حتى اليوم.

 

2- هل من تناقض بين
نظرية التطوّر وعقيدة الخلق؟

هذه النظرية هي اليوم النظرية الشائعة بين العلماء. ولكن ألا تناقض
عقيدة الخلق؟ ان تلك النظرية تفسّر تفسيراً علمياً كيف ظهر الكون وتكوّن النبات والحيوان
والانسان؛ إلاّ انها لا تجيب على السؤال الذي لا بدّ من طرحه: هل تلك الكائنات
التي اكتشف العلم تطورها هي نفسها مبدأ وجودها، أم أنها مرتبطة بكائن آخر أعطاها
الوجود؟ وهذا السؤال لا بدّ من طرحه، سواء تكوّن العالم في لحظة واحدة أم على
مراحل استغرقت مليارات من السنين؛ وهذا السؤال لا يستطيع العلم الاجابة عليه، لأن
العلم يحلّل المادة ويدرس تركيبها ويتقصّى تطورها، غير انه ليس من شأنه البحث في
مبدإ وجودها.

 

وهذا ما يجيب عليه الايمان والوحي. لذلك لا تناقض بين الايمان والعلم.
لأن لكل منهما ميدان بحث خاصاً به: العلم يبحث عن كيفية ظهور الأشياء، أما الإيمان
فيرى أن هذه الأشياء والخلائق كلها ليست هي بذاتها مبدأ وجودها، إنما هي مرتبطة
بالله الذي يعطيها الكيان والوجود.

 

* الانتقال من الحياة الحيوانية إلى الحياة البشرية

ولكن اذا قبلنا نظرية التطور، فكيف يمكننا تفسير الانتقال من جسد
حيواني تحرّكه روح غير عاقلة إلى جسد بشري تحييه روح عاقلة؟

 

ان تطوّر الكون والانتقال من مستوى حياة إلى مستوى حياة أرقى يتطلّب
تخطّياً للذات وازدياداً في الكيان؛ وهذا الازدياد في الكيان لا يمكن الكائنات أن
تحصل عليه بقواها الخاصة، لذلك لا بدّ من الإقرار بوجود كائن يملك الكيان المطلق
ويستطيع أن يعطي الكائنات هذا الازدياد في الكيان ويساعدها على تخطّي ذاتها
والانتقال من حياة نباتية إلى حياة حيوانية ثم من حياة حيوانية إلى حياة انسانية.

 

يرى بعض اللاهوتيين ضرورة القول بتدخّل مباشر من قبل الله في لحظة الانتقال
من حياة إلي حياة، ولا سيمَا من الحياة الحيوانية إلى الحياة البشرية ليخلق النفس
الانسانية في الجسم الحيواني المتطوّر؛ ولكننا نقول مع البعض الآخر من اللاهوتيين
ان هذا التدخل المباشر غير ضروري، فعمل الله يرافق التطور منذ بدايته؛ لذلك يجب
ألا نتصوّر عمل الله في التطوّر عملاً موازياً لعمل الخلائق، به يتدخل الله من
الخارج وفي فترات متقطعة، بل هو عمل من الداخل وعمل دائم، فالله هو المبدأ والقوة
والسبب في بلوغ الكائنات قمة تطوّرها في الانسان.

 

* أصل واحد للبشر أم أُصول عديدة؟

هناك مشكلة أخيرة تعترضنا إذا قبلنا نظرية التطوّر.

 

فعندما تفسّر تلك النظرية التحوّل من الحياة الحيوانية إلى الحياة
الانسانية، ترى أقرب إلى الواقع أن يكون هذا التحوّل قد حدث في فترات متقاربة في
الزمن وفي مواضع عديدة من الكرة الأرضية؟ فليس البشر إذاً من أصل واحد بل من أصول
متعدّدة. ولكن سفر التكوين يتكلم عن أصل واحد هو آدم؛ أفلا نجد هنا تناقضاً بين
الكتاب المقدس والعلم؟

 

ان لفظة “آدم” في العبرية ليست اسماً لشخص معيّن، بل تعني
“الانسان”، فكل ما يريد الكاتب المقدس تعليمنا إياه هو ان الله قد خلق
“الانسان”؛ وقد أعطانا هذا التعليم في إطار نظرة قديمة هي أقرب إلى
الأسطورة منها إلى العلم، تعتبر أن البشر كلهم ينحدرون من أصل واحد. أما اليوم،
فإذا استطاع العلم أن يبيّن ان انحدار البشر من أكثر من إنسان هو أقرب إلى الصواب،
فلا شيء يمنع من قبول تلك النظرة العلمية، شرط المحافظة على جوهر التعليم الكتابي،
ألا وهو أن الكائنات كلها، من جماد ونبات وحيوان وبشر، تستقي وجودها وكيانها من
الله، وان الانسان الأول، أفرداً كان أم عدّة أفراد، لم يصل إلى الحياة الانسانية
إلا بقوة الله.

 

لذلك لا نزال، اليوم، في عصر العلم والاكتشافات الحديثة، نعلن قائلين:
“نؤمن بإله واحد آب ضابط الكل خالق السماء والأرض، كل ما يُرى وما لا
يُرى”.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى