علم الله

الفصل الأول



الفصل الأول

الفصل الأول

النعمة
في الكتاب المقدس

إنّ
أيّ بحث في المواضيع اللاهوتيّة يجب أن ينطلق من الكتاب المقدّس. ففيه أوحى الله
بذاته وبقصده الأزليّ في ما يختصّ بالإنسان. وفيه عبّر شعب العهد القديم تم الرسل
والمسيحيّون الأوّلون عن إيمانهم بالله وبالعلائق التي يريد إنشاءها مع البشر.

القسم
الأول: العهد القديم

إن
المسيح هو “كمال الناموس والأنبياء”، وفيه “حصلنا على النعمة
والحق”، وتحقّق رجاء العهد القديم. ماذا كان يرجو العهد القديم، وكيف عبّر عن
علاقة الله بالإنسان؟ هذا ما سنحاول توضيحه انطلاقاً من الألفاظ والرموز التي استعملها
العهد القديم للتعبير عن مفهوم النعمة.

أولاً:
الألفاظ المستعملة للتعبير عن النعمة

إن
أسفار العهد الجديد قد كتبت باليونانية. إلاّ أن اللغة التي استخدموها قد تأثّرت
كثيراً بالترجمة اليونانيّة للعهد القديم المعروفة “بالترجمة
السبعينيّة”، التي تعود إلى القرن الثالث قبل المسيح. لذلك لا يمكننا فهم
الألفاظ المستعملة في العهد الجديد إن لم نرجع إلى أصلها السامي الغبريّ كما ورد
في أسفار العهد القديم.

ء)
الألفاظ التي تعبّر عن محبّة الله ورحمته

1- حِينّ

معناها
في اللغة العبرّية واستعمالها في العهد القديم:

تعني
هذه الكلمة: الحسن والجمال الذي يجده إنسان في شخص آخر، ثم الحظوة والنعمة. فيقال
مثلاً “لقي حظوة في عيني فلان”.

وهذه
الكلمة مشتقّة من فعل (حنان) الذي يعني “انحنى بنظره على” ومن ثم
“تحنّن على” ثم تفضّل، منّ على، أحسن إلى، أنعم على، وهب، أعطى.

عندما
تستعمل هذه اللفظة للتعبير عن موقف الله من الإنسان، تعني أنّ الله ينحني على
الإنسان ويتحنّن عليه، فينال الإنسان حظوة لدى الله، مثل نوح وموسى (تك 6: 8؛ 33: 10؛
خر 33: 12).

وموقف
الله هذا عطية مجانيّة من قبله، كما يقول في سفر الخروج “أتحنّن على من
أتحنّن وأرحم من أرحم” (33: 19). إلاّ أن عمل الخير يجلب حنان الله، كما يقول
النبيّ عاموس: “أبغضوا الشر وأحبّوا الخير، وأقيموا الحكم في الباب، فعسى
الرب إله الجنود يحنن على بقية يوسف” (5: 15).

ونجد
مراراً هذه اللفظة مقترنة بلفظة “رحوم” في العبارة التالية “”
(رحوم وحنون): “الرب إله رحوم وحنون، طويل الأناة كثيرة المراحم
والوفاء” (خر 34: 6).

*
ترجمة هذه اللفظة إلى اليونانية وسائر اللغات


لقد ترجمت السبعينية هذه اللفظة بكلمة، التي تعني في اليونانية العامّة حسن الجمال،
والحظوة عند الناس (الاصل يعني اللمعان، ومنه الفرح)، وفي اللغة الدينيّة تعني
الحظوة عند الله.


أمّا كلمة نعمة في العربية فمشتقة من فعل نَعِمَ أي رَفَهَ. فيقال نَعِمَ عيشه أي
طاب ولان واتّسع. و”نَعِمْتُ بهذا عيناً” أي سررت به وفرحت. وأنعم الله
النعمة عليه أي أوصلها إليه. وفي العبريّة كلمة مشابهة في الأصل وهي (نُعَم) وتعني
أيضاً الحسن والسرور واللطف والفضل، وقد جاءت في المزمور 89: 17 “ولتكن نعمة
الرب إلهنا علينا، وعملَ أيدينا وفّقْ لنا”. وقد ترجمتها السبعينية بكلمة أي
“بهاء”.


الترجمة اللاتينية استعملت كلمة
gratia ومنها أتت كلمة grace الفرنسية.

2– (حيسيد)

تعني
هذه الكلمة: الصلاح والرأفة والنعمة، وتتضمّن دوماً معنى الأمانة في محبة الله
لشعبه. لذلك ترتبط مراراً بالعهد، كما يقول أشعيا: “إن الجبال تزول والتلال
تتزعزع، أمّا رأفتي فلا تزول عنك، وعهد سلامي لا يتزعزع، قال راحمكِ الرب”
(54، 10)، “إنّي أعاهدكم عهداً أبديّاً على مراحم داود الأمينة” (55: 3؛
راجع أيضاً 54: 8؛ مز 50: 1).

وتدل
على ذلك اللازمة التي تعود بعد كل آية من المزمور 136 “فإنّ إلى الأبد
رحمته”.

وهذه
الأمانة نفسها يطلبها الله من الإنسان، كما في النبيّ هوشع: “ليس في الأرض
حقّ ولا رحمة ولا معرفة الله” (4: 1)، “إنّي أريد رحمة لا ذبيحة، ومعرفة
الله أكثر من المحرقات” (6: 6).

نشير
إلى وجود فرقة من اليهود تدعى “حسّيديم”، أي الأتقياء الأمناء، أسّسها
في أوكرانية وبولندة رابي بعلشيم طوف (1699- 1760). ثم انتشرت في أنحاء أوروبة
الشرقية وانتقلت إلى أوروبة الغربية، وبعد الاضطهاد النازيّ إلى الولايات المتّحدة.

السبعينية
ترجمت هذه الكلمة بلفظة، واللاتينية
misericordia ومنها أتت كلمة misericorde الفرنسية.

العربية
ترجمتها بلفظة “رحمة” أو “رأفة”. إلاّ أنّ هاتين اللفظتين لا
تؤدّيان جميع معاني الكلمة العبرية.

3- (ريحيم)

تعني
في الأصل رحم المرأة وأحشاءها، مركز العطف والرحمة. تشير هذه الكلمة إلى الشعور
والتأثّر في التعبير عن الحبّ، ولا سيّمَا بين الوالدين والأولاد وبين الأخوة
والأخوات.

السبعينية
ترجمت هذه العبارة بلفظة وأحياناً بلفظة

اللاتينية
ترجمتها بلفظة
misericordia والفرنسية بلفظة pitie

العربية
تؤدّيها أحياناً بلفظة “رحمة”، وأحياناً أخرى بلفظة “رأفة”.
ولفظة رحمة أقرب إلى الكلمة العبريّة. إلاّ أنّ “الرأفة” أقرب إلى
المعنى. لأنّ فعل “رئف به” يعني، حسب القاموس، “رحمه أشدّ
رحمة” (المنجد).

إنّ
هذه الكلمات قريبة بمعناها، تدلّ كلّها على محبة الله ورحمته وعطفه ونعمته، ولا
سيّمَا تجاه الفقراء والضعفاء والخطأة.

ب)
ألفاظ أخرى متّصلة برحمة الله

1-
(إيمت)

تعني
الأمانة الثبات في العلاقة بين الأشخاص، والحقّ والصدق. وقد ترجمتها السبعينية
بلفظة التي تعني “غير الخفيّ” أي الحق، من الناحية الفلسفية. فبينما
تركّز اليونانية على الناحية الفكرّية والعقليّة، تشير العبريّة إلى العلاقات بين
الأشخاص. وتلك العلاقات هي علاقات حقّ وأمانة.

فالله
أمين في مواعيده: “إعلم أنّ الربّ إلهك هو الله الإله الأمين، يحفظ العهد
والرحمة لمحبّيه وحافظي وصاياه إلى ألف جيل” (تث 7: 9).

وترتبط
هذه اللفظة مراراً بلفظة (حيسيد= رحمة) للدلالة على أن رحمة الله هي أمينة ثابتة
إلى الأبد:


“الرحمة والحق” تلاقيا، العدل والسلام تلاثما” (مز 84: 11).


“وأمّا النعمة والحق فبيسوع المسيح قد حصلا” (يو 1: 17).

2-
(مشباط)

تعني
العدل (تصيدق) أي الصدق والبرّ. الكلمة الأولى تعني عدل الله وحكمه لإحلال السلام
وتثبيت النظام. والكلمة الثانية تعني الالتزام بالنظام أو بالعهد أو بالشريعة.

ترتكز
هاتان اللفظتان على فكرة العهد المأخوذة من الحضارات المجاورة للشعب اليهوديّ.
فنجدها مثلاً في حضارة الحثّيّين (سكان شمالي سوريا وأواسط تركيا). فكان الملك
يقوم بمعاهدة مع قبيلة عائشة على حدود مملكته. وتتضمّن تلك المعاهدة بعض الأحكام
والشرائع التي يجب اتّباعها. ومن يخالفها يقع تحت العقاب الشديد. ويتعهّد الملك من
جهته بالأمانة والحماية. وقد اتبعت العهود بين الله وإبراهيم وموسى المنهج نفسه.
فمن جهة يلتزم الشعب بإتباع وصايا الله وشرائعه، ومن جهة أخرى يعد الله الشعب بأن
يكون معه ويحميه وينصره على أعدائه.

لذلك
لعبت الشريعة دوراً كبيراً وكان لها شأن هام في حياة الشعب اليهوديّ الدينيّة.
فالإنسان الصدّيق هو الذي يحفظ بدقّة أحكام الشريعة.

اليونانيّة
ترجمت هذه الكلمة بلفظة، وتعني المحافظة على قوانين المدينة وعوائدها. وهذه من
علامات الحضارة. أمّا الشعوب البربريّة فليس لها أنظمة وقوانين تتبعها.

3-
(عزّ)= العزّة، القوّة، القدرة

إنّ
لفظة باليونانيّة تعني مبدأ الحياة في الكون. فيرى اليونان في الكون قوة سريّة
تسيّره. والسحرة هم الذين يعرفون أسرار تلك القوة ويستخدمونها.

أمّا
الشعب اليهوديّ فيرى القدرة في شخص الله الحيّ. فإله إسرائيل هو إله التاريخ، وهو
الذي بقدرته، دون أيّ استحقاق ولا تدخل سحريّ من قبل الشعب، قاد شعبه من مصر إلى
أرض إسرائيل. وتردّد المزامير إيمان الشعب بقوة الله:

“الله
معتصم لنا وعزّة، وقد وجدناه نصرة عظيمة في المضايق” (مز 45: 1- 2). “هب
لعبدك قوّة منك وخلّص ابن أمتك” (مز 85: 16).

ولفظة
قوّة تستعمل في التمجيدات: “لأن لك القدرة والمجد إلى الأبد”.

وهذه
القدرة الإلهية هي التي يراها العهد القديم في المسيح المنتظر. فإنّه سيأتي بقوة.
إنه “الجبّار” (أشعيا 9: 6)، الذي يستقرّ عليه روح القوّة (أشعيا 11: 2)
لإعادة بناء مملكة داود. وهو الذي سيرعى شعبه بعزّة الرب (ميخا 5: 4). كذلك تستعمل
هذه اللفظة في المزمور الملكيّ الذي يتنبأ عن المسيح: “قال الربّ لربيّ: اجلس
عن يميني.. عصا قوة يرسل لك الرب من صهيون. سُدْ فيما بين أعدائك” (مز 109: 2).

ويستعمل
العهد القديم أكثر من مئتي مرة عبارة “يمين الله” للدلالة على قدرة الله
التي يظهر عملها في العالم وفي التاريخ. وتقترن اليمين أو الذراع بلفظة القدرة،
فنرى مراراً عبارة “ذراع القدرة” (مز 89: 10، 12؛ اش 62: 8). وسنجد تلك
العبارة في لوقا 1: 51 “بسط قدرة ساعده”.

لا
ينظر العهد، القديم إلى قدرة الله كإلى صفة لله في ذاته بقدر ما يرى فيها وصفاً
لعمل الله في الخلق والكون والتاريخ، لا سيّمَا في علاقته مع شعبه. وتلك القدرة هي
تعبير رمزيّ لحضور الله الدائم في وسط شعبه. وهذا سيساعدنا على فهم معنى النعمة في
العهد الجديد وفي اللاهوت.

4-
(رُوَح)

تعني
هذه اللفظة الهواء والريح. وتستعمل للدلالة على النَفَس ونَفْحَة الفم. وتشير
عندئذٍ إلى قدرة الله: “بكلمة الرب صنعت السماوات، وبروح فيه كل جنودها”
(مز 32: 6).

وتطوّرت
هذه اللفظة لتعني شخصاً، فالروح هو مصدر قوة الله (تك 1: 2؛ أي 33: 4). والروح هو
قوّة الله العاملة في الكون. فالله حاضر في الكون بروحه الذي يملأ كلّ شيء، كما
يقول المزمور 138، 7 “أين أذهب من روحك وأين أفرّ من وجهك”.

وروح
الله هو الذي يرسله الله إلى الأنبياء (حز 2: 2؛ 3: 24).

والروح
سيحلّ بشكل خاصّ على المسيح (اش 11: 1- 6، 42: 1- 5).

وكذلك
سيكون الروح عطيّة الله للشعب الماسيويّ برمّته (أع 2: 17- 23؛ يؤ 2: 24؛ حز 11: 9؛
36: 25- 28؛ 37: 1- 14).

فالروح
هو تعبير لحضور الله ولعمله في العالم. فهو الذي يخلق وهو الذي يحيي، وهو الذي
يجدّد حياة الأفراد والجماعات.

وروح
الإنسان هو أيضاً عطيّة من الله. فالجسد ليس إلاّ تراباً من دون الروح. وعند الموت
“يعود التراب إلى الأرض حيث كان، ويعود الروح إلى الله الذي وهبه” (جا
12: 17).

ثانياً-
بعض الرموز المستعملة في العهد القديم للتعبير عن علاقة الله بالإنسان

1- رمز الزواج

لقد
اختار الله شعبه كما يختار الرجل امرأته. وكل خيانة لوصايا الله تُعتبر خيانة
زوجية، أي زنى تجاه الله. نجد هذا الرمز في الأنبياء، ولاسيّمَا في نبؤة هوشع
(راجع خصوصاً الفصل 2، ثم ار 2: 2؛ حز 16: 23؛ اش 50: 1؛ 54: 6؛ 62: 4- 5). وسيعود
هذا الرمز في رسائل بولس (اف 5: 21- 33) وفي رؤيا القديس يوحنا (21: 2).

2- رمز الأب

لا
بدّ من الإشارة أولاً إلى أنّ لفظة “ابن” تعني في العهد القديم مختلف
أنواع القرابة. “بني اسرائيل” عبارة تعني الشعب الاسرائيلي، “ابن
البشر” ابم الإنسان” تعني أولاً “الإنسان”.

“ابن
الله” هو أوّلاً لقب الملك. وهي عبارة نجدها أيضاً في الديانات البابليّة
والمصرّية. فالملك يتمتعّ بعلاقة خاصة مع الله.

إلاّ
أنّ هذه العبارة تستعمل أيضاً للدلالة على الشعب الإسرائيليّ بمجمله، لتشير إلى ما
يتمتعّ به هذا الشعب من حظوة وعناية لدى الله. فالشعب الإسرائيليّ هو “الابن
البكر” لله (خر 4: 22- 23، ار 31: 9). كذلك نرى أن جميع أبناء وبنات الشعب
الإسرائيلي هم أولاد الله. فقد ولدتهم أورشليم “عروس الله” (حز 16: 20)،
وإسرائيل (هو 2: 4).

غير
أن هذه العلاقة ليست علاقة حبّ بقدر ما هي علاقة طاعة وأمانة وخدمة.

الله
هو أب إسرائيل. فقد ولدهم جميعاً (عد 11: 11- 12)؛ تث 32: 6). وأبوّته هي رمز
لحبّه ورحمته لهم (تث 32: 9- 13).

وعلى
الرغم من السبي إلى بابل، لم يفقد الشعب إيمانه بأبوّة الله ومحبته له. بل على العكس
من ذلك، فقد ازداد هذا الإيمان، حتى إننا نجد في أشعيا الثالث عبارات تهيّئ الصلاة
الربية (63: 16، 64: 8).

3- رمز الراعي

كان
الشعب الإسرائيليّ يعيش في أوائل تاريخه من رعاية المواشي. وقد اتّخذ رموزه من أطر
حياته. فرأى الشعب في الله الراعي الذي يقوده بعناية ومحبة (مز 22: “الرب
يرعاني فلا شيء يعوزني..”؟ مز 78: 13؛ حز 34: 31؛ اش 40: 10- 11).

4- رمز
الطبيب الشافي

إن
المرض يرتبط بالخطيئة، في عقليّة العهد القديم (“من خطئ، هذا الرجل أم أبواه،
حتى ولد أعمى؟” يو 9: 2). لذلك يرى الشعب في الله إلهاً يغفر الخطايا ويشفي
أمراض الجسد (عد 12: 13؛ 4 ملو 20: 5- 8، هو 6: 1- 3؛ 7: 1؛ 11: 3، ار 3: 22؛ 17: 14).

لذلك
فإن التوبة والندامة ضروريّتان لحصول الشعب على الغفران والشفاء. فالمهمّ إذاً
إعادة علائق الصداقة والأمانة بين الشعب والله. وتلك الحالة هي التي تنعش الإنسان
جسداً ونفساً.

5- رمز الكرمة

الكرمة
تتطلّب عناية كبيرة واهتماماً دائماً (1 ش 5: 2- 7). فكما يعتني الإنسان بكرمه،
هكذا يعتني الله بشعبه. وهذا التشبيه سيستخدمه المسيح في حديثه عن علاقة تلاميذه
به “أنا الكرمة وأنتم الأغصان وأبي الكرّام” (يو 15: 1- 8).

6- رمز
محبّة الأمّ لأولادها

رأينا
أن كلمة رحمة مشتقّة من “رحم” المرأة. فالله يحب شعبه كما تحب المرأة
(أش 49: 4 1- 15؛ 63: 13).

ثالثاً-
لاهوت النعمة في العهد القديم

لقد
رأى العهد القديم أنّه يستحيل على الإنسان الوصول إلى معرفة الله في ذاته، إذ لا
يمكن الإنسان أن يرى الله ويبقى حيًّا، كما يقول الله لموسى (خر 33: 11- 23؛ عد 12:
10- 8). “لكنه يستطيع اختبار عمل الله في الكون وإدراك قصده في علاقته
بالإنسان. فالله قد اختار شعبه ودعاه وصنع معه عهداً وقدّسه ومجّده.

1- قصد الله

إنّ
قصد الله يتجلى في العهد القديم في الأحداث الهامّة التي ترويها الأسفار المقدّسة:
كدعوة إبراهيم ووعد الله بأن يعطيه نسلاً وأرضاً، ودعوة موسى ومساعدته على إخراج
الشعب من مصر، ومنحه إيّاه الشريعة في سيناء، والوصول بالشعب إلى أرض الميعاد. كما
حلى أيضاً في كلام الأنبياء الذي يفسّر معنى الأحداث، ويوضح سير التاريخ. فالأمم
كلها مدعوّة إلى الخلاص، حسب قول أشعيا:

“ويكون
في آخر الأيام أن جبل بيت الرب يوطّد في رأس الجبال، ويرتفع فوق التلال، وتجري
إليه جميع الأمم. وينطلق شعوب كثيرون ويقولون: هلمّوا نصعد إلى جبل، وهو يعلّمنا
طرقه فنسلك في سبله” (اش 2: 20- 3).

وفي
آخر الأزمنة سينشى الرب ملكا أبديّا، حسب نبؤة دانيال:

“وفي
أيّام هؤلاء الملوك، يقيم إله السماء مملكة لا تنقض إلى الأبد، وملكه لا يترك لشعب
آخر، فتسحق وتفني جميع تلك الممالك، وهي تثبت إلى الأبد” (2: 44). وابن
الإنسان هو الذي سيعطى الملك: “ورأيت في رؤى الليل، فإذا بمثل ابن البشر
آتياً على سحاب السماء، فبلغ إلى القديم الأيّام وقرّب إلى أمامه، وأوتي سلطاناً
ومجداً وملكاً. فجميع الشعوب والأمم والألسنة يعبدونه، وسلطانه سلطان أبديّ لا
يزول، وملكه لا ينقرض” (دا 7: 13- 14).

2-
الدعوة والاختيار والعهد

تعبّر
تلك الألفاظ الثلاثة عن المرحلة الأولى من تحقيق قصد الله. فالله، بمبادرة
مجّانيّة منه، يختار شعباً ويدعوه إلى مصير مختلف عن مصير سائر الشعوب. ولا فضل
للشعب في هذا الاختيار الإلهي:

“إنك
شعب مقدّس للرب إلهك، وإيّاك اصطفي الرب إلهُك أن تكون له أمّة خاصّة من جميع
الأمم التي على وجه الأرض. لا لأنكم أكثر من جميع الشعوب لزمكم الرب واصطفاكم،
فإنّما أنتم أقلّ من جميع الشعوب، لكن لمحبة الرب لكم ومحافظته على اليمين التي
أقسم بها لآبائكم أخرجكم الرب بيد قديرة وفداكم من دار العبودية من يدي فرعون ملك
مصر. فاعلم أن الرب إلهك هو الله الإله الأمين، يحفظ العهد والرحمة لمحبّيه وحافظي
وصاياه إلى ألف جيل” (تث 7: 6- 9، راجع أيضا 9: 4- 6).

إنِّ
الله يبقى أميناً لاختياره. وهذا ما يعنيه العهد الذي يمكن ايجازه في العبارة
التالية: أنتم تكونون لي شعباٍ، وأنا أكون لكم إلهاً”. وهذا العهد قد أبرمه
الله أوّلاً مع نوح (تك 9: 9- 17)، تم مع إبراهيم (تك 15: 1- 14)، ثم مع موسى على
جبل سيناء، حيث تكرّس العهد بدم الذبائح: “هذا هو دم العهد الذي عاهدكم به
الربّ على جميع هذه الأقوال” (خر 24: 8). إلاّ أن الشعب لم يحفظ وصايا الله.
وقد رأى الأنبياء في المصائب التي حلّت بإسرائيل قصاصاً من الله على خيانته إيّاه.
لكن رحمة الله تثبت إلي الأبد. لذلك يبشر الأنبياء بقدوم “عهد الجديد”
يقطعه الله مع شعبه، ويتميّز بتغيير قلوب الشَعب: “إني أجعل شريعتي في
ضمائرهم، وأكتبها على قلوبهم” (ار 31: 33).

وقد
ترجمت لفظة “عهد” في الترجمة السبعينية بلفظة التي تعني الوصيّة. ونرى
في تلك الترجمة تأكيداً لعطاء الله المجانيّ للإنسان. فالعهد ليس مجرّد معاهدة بين
فريقين، إنّما هو عطاء مجّانيّ من قبل الله للإنسان ودعوة إلى تقبّل هذا العطاء
بحفظ وصايا الله والسلوك أمامه في البرّ والقداسة.

3- قداسة
الله في قداسة الإنسان

عند
الشعوب القديمة، هناك صلة بين الأشياء المقدّسة والله. فكل ما يلمسه الله يصبح
مقدّساً. فإذا سقطت صاعقة على شجرة، تصبح تلك الشجرة مقدّسة لأنّ الله قد مسّها،
وإذا ولد طفل في حالة مشوّهة يعتبر مقدّساً لأنّ الله قد مسّه. لذلك تقترن
القدسيّات بالرهبة والخوف.

أمّا
الشعب الإسرائيليّ فقد رأى في القداسة ميزة شخصيّة لله. والقداسة هي مجموعة صفات
الله من صلاح وعدل وأمانة ومحبّة ورأفة الخ. وبمَا أن جميع تلك الصفات ينظر إليها
الشعب من خلال علاقة الله بالإنسان، فإن قداسة الله هي في علاقته بالبشر ورحمته ومحبته
لهم.

ثم
إنّ قداسة الله تظهر في تقديس الإنسان. يقول حزقيال: “يا ابن البشر، ان آل
إسرائيل لما سكنوا في أرضهم نجّسوها بطريقهم وأعمالهم.. فلما دخلوا بين الأمم..
دنّسوا اسمي القدوس.. لذلك قل لآل إسرائيل: هكذا قال السيد الرب، ليس لأجلكم أنا
فاعل، يا آل إسرائيل، لكن لأجل اسمي القدوس الذي دنّستموه في الأمم الذين دخلتم
بينهم فأقدّس اسمي العظيم الذي دنّس في الأمم الذي دنّستموه فيما بينهم، فتعلم
الأمم أنيّ أنا الرب.. حين أتقدّس فيكم على عيونهم. وآخذكم من بين الأمم وأجمعكم
من جميع الأراضي وآتي بكم إلى أرضكم. وأنضح عليكم ماء طاهراً فتطهرون من جميع
نجاستكم.. وأعطيكم قلباً جديداً وأجعل في أحشائكم روحاً جديداً.. وأجعلكم تسلكون
في رسومي وتحفظون أحكامي وتعملون بها.. وتكونون لي شعباً وأكون لكم إلهاً”
(36، 17- 28).

إنّ
الشعب بخطاياه يدنّس اسم الله. إلا أن الله يظهر رحمته ومحبّته لشعبه فيخلّصهم من
خطيئتهم ويضع فيهم روحاً جديدا لتتميم وصاياه. وهكذا يقدّس الله. ان قداسة الله لا
يستطيع العقل البشريّ أن يدركها. إلاّ انّها تظهر في تقديس الإنسان. وهكذا يظهر
الله قداسته وبرّه وصلاحه في قداسة الإنسان وبرّه وصلاحه.

هذا
المفهوم لقداسة الله هو قريب جداً من مفهوم النعمة في العهد الجديد. فالنعمة هي
قداسة الله التي تملأ الإنسان وتعطيه قلباً جديداً وروحاً جديداً يستطيع بهما أن
يحيا في القداسة على مثال الله، ويتمّ إرادة الله وأحكامه ووصاياه، ويكون أميناً
للعهد الذي قطعه مع الله.

وهنا
نجد أساس الشهادة المسيحيّة. إذا كانت قداسة الله تظهر في الإنسان، فلا بدّ من أن
يحيا المسيحيّ حياة الله فيه ليشهد لله في العالم: “هكذا فليضئ نوركم قدّام
الناس ليروا أعمالكم الصالحة ويمجّدوا أباكم الذي في السماوات” (متى 5: 16).

فقداسة
الله ليست إذاً أمراً رهيباً يثير الخوف والرعب كما عند الوثنيّين. ومهما خطى
الإنسان، فإنّ محبة الله تبقى ثابتة أمينة: “كيف أعاملك يا أفرائيم وأصنع بك
يا إسرائيل.. قد انقلب فيّ فؤادي واضطرمت مراحمي. لا أنْفِذُ وَغْرَ غضبي ولا
أَهِمُّ بعد بتدمير أفرائيم. لأني أنا الله لا إنسان. أنا في وسطكم القدوس”
(هو 11: 8- 9). إن الإنسان الخاطئ يخاف من الله القدوس. إلاّ أن قداسة الله تقوم
لا على تدمير الإنسان، بل على تبريره وخلاصه. وهكذا ظهر لنا الله في شخص يسوع
المسيح الذي “لم يأت ليدين العالم بل ليخلّص العالم”.

هذا
ما اختبره أشعيا وعبّر عنه في الرؤيا التي شاهدها في الهيكل، حيث سمع الملائكة
ينشدون لله: “قدوس قدوس قدوس رب الجنود. الأرض كلها مملؤة من مجده”.
فوعى عندئذٍ أشعيا خطيئته وقال في نفسه “ويل لي قد هلكت، لأني رجل دنس
الشفتين، وأنا مقيم بين شعب دنسي الشفاه وقد رأت عيناي الملك ربّ الجنود”.
هذا هو المشهد الأوّل من الرؤيا: التناقض بين قداسة الله وحالة الإنسان الخاطئ.
إلاّ أنّ الرؤيا لا تقف عند هذا الحد. ويتابع أشعيا: “فطار إليّ أحد السرافين
وبيده جمرة أخذها بملقط من المذبح ومسّ في وقال: ها إن هذه قد مسّت شفتيك، فأزيل
إثمك وكُفِّرت خطيئتك” (اش 6: 1- 7).

4- المجد
حضور الله في الإنسان


تعني لفظة مجد بالعبرية (كَفُود) “الثقل”. وبما أن ثقل الشيء يدلّ على
قيمته، فالمجد يعني أولاً القيمة، ومن ثم القدرة والسلطة. أمّا أساس المجد فيكون
إمّا الثروة، كإبراهيم الذي كان “مجيداً” لأنه كان “غنياً بالماشية
والفضة والذهب” (تك 13: 2). وإمّا المكانة الاجتماعية، وفي ذلك يقول يوسف
لإخوته: “أَخبروا أبي بجميع مجدي بمصر وجميع ما رأيتموه” (تكوين 45: 13).
وأيوب يصرخ في شدّته: “إن الله قد عرّاني من مجدي ونزع إكليل رأسي” (أي
19: 9).


إلاّ أن العهد القديم قد رأى أن “المجد الإنساني” أي المبنيّ على الثروة
والمكانة الاجتماعية مجد باطل: “لا تخش إذا استغنى ونمى مجد بيته، فإنه إذا
مات لا يأخذ شيئاً ولا ينزل معه مجده” (مز 48: 17- 18). وحده الله هو مجد
الإنسان الذي لا يتزعزع “عند الله خلاصي ومجدي، وفي الله صخرة عزّي
ومعتصمي” (مز 61: 8).


أمّا تعبير “مجد الله” فيعني ظهور الله نفسه في عظمته وقدرته وبهاء
قداسته. ويتجلّى مجد الله في أمرين: في العظائم التي يجريها وفي ظهوراته.


عظائم الله وهي أولاً الخلق “السماوات تذيع مجد الله، والفلك يخبر بأعمال
يديه. “لتمتلئ الأرض كلّها من مجد الرب” (عد 14: 21)، ثم العجائب التي
يجريها لشعبه، كمعجزة البحر الأحمر، “وفيها مُجّد الرب بفرعون وجميع جنوده
ومراكبه” (خر 14: 17- 18)، أي ظهرت قدرته، تم معجزة المنّ والسلوى في الصحراء،
التي فيها رأى العب “مجد الرب” (خر 16: 7).

إلاّ
أن هذه العظائم التي يجريها الله لا تهدف إلى إظهار قدرة الله وحسب، بل أيضاً إلى
خلاص الإنسان. فالمجد يأتي مراراً مرادفاً للنص: “ستفرح البرّية والقفر
وتبتهج البادية وتزهر كالورد.. فهم ينظرون مجد الرب وبهاء إلهنا” (أش 35: 1-
2). وهذا ما رآه لوقا عندما استبدل كلمة “خلاص” بكلمة “مجد”
في النص الذي يأخذه من أشعيا: “صوت صارخ في البرية اعدّوا طريق الرب.. فيعاين
كلّ إنسان خلاص الله” (لو 3: 4- 6). أمّا أشعيا فيقول: “.. ويتجلى مجد
الرب ويعاينه كل ذي جسد” (أش 40: 3- 5).

فمجد
الله هو إذاً قدرته التي تظهر لخلاص الإنسان: “عندما يبني الربّ صهيون يتجلّى
في مجده” (مز 101: 17).


ثم إن مجد الله لا يعني فقط ظهوره من وقت إلى آخر، بل حضور، الدائم وسط شعبه،
أوّلاً على جبل سيناء (خر 24، 15؛ تث 5: 22)، ثم في الهيكل (خر 29: 43؛ 40: 34).
وهذا الحضور يهدف إلى تقديس الشعب. إلاّ أن الله لا ينحصر حضوره في الهيكل. فقد
رآه حزقيال يترك الهيكل (حز 11: 22)، ويلأ بروحه جماعة إسرائيل في السبي (حز 36: 23؛
39: 21- 29).


أشعيا الثالث يجمع بين هذين المعنيين: معنى القدرة ومعنى الحضور. فالله يملك في
المدينة المقدّسة التي جدّدها بقدرته وأنارها بحضوره “قومي استنيري، فإنّ
نورك قد وافى ومجد الرب أشرق عليك” (60: 1- 2). لذلك تصبح أورشليم تسبحة مجد
في الأرض” (62: 7)، “وفيها يجمع الرب جميع الأمم والألسنة، فيأتون ويرون
مجده” (66: 18).

هذا
المفهوم لحضور الله سيبلغ كماله في العهد الجديد. فيسوع هو تجسيد حضور الله وقدرته.
والنعمة هي حضور الله في الإنسان بقدرته الإلهيّة”، التي تؤهّل الإنسان أن
يعمل أعمال البرّ والقداسة.

القسم
الثاني: النعمة في العهد الجديد

لقد
قيل مراراً إن إله العهد القديم هو إله الغضب والعدل، بينما إله العهد الجديد هو
إله المحبة. رأينا في القسم الأوّل خطأ تلك النظرة. فالعهد القديم هو بمجمله تاريخ
محبّة الله لشعبه محبّة رحيمة أمينة ثابتة، وإن رافقت تلك المحبة مظاهر غضب الله
وعدله في المحن والمصائب التي رأى فيها الشعب جزاء من الله على خيانته. أمّا ما
يميّز العهد الجديد عن العهد القديم فهو تجسيد محبة الله في شخص ابنه يسوع المسيح،
ودعوة كل إنسانا ابناً لله في المسيح.

وهذه
البنوّة لله هي محور مفهوم النعمة في العهد الجديد.

أولاً-
الأناجيل الإزائيّة

1- موقف
الله من الإنسان

رأينا
أن العهد القديم يتكلّم عن أبوّة الله تجاه شعبه، ولكن في مقاطع متفرّقة وفي معظم
الأحيان بطريقة تشمل الشعب بمجمله. أمّا العهد الجديد فيؤكّد العلاقة الشخصيّة بين
الله وكل واحد من أبنائه. فالعناية الإلهية تسهر على كل إنسان لتقوته كما تقوت
طيور السماء، وتلبسه كما تلبس زنابق الحقل (متى 6: 26- 30)، وتغفر له كما يغفر
الأب لابنه الشاطر الذي يعود إليه تائباً (لو 15).

وهذه
البنوّة هي عطيّة مجانية منن قبل الله، ويرى فيها الإزائيّون الناحية الشخصية
والداخلية للملكوت. فالذين يقبلون عطية الله ويصيرون أبناءه يدخلون الملكوت ويدعون
“أبناء الملكوت”، وعليهم أن يحيوا حياة أبناء الله.

الملكوت
عطية من الله: “لا تخف أيها القطيعِ الصغير، لأنه قد حسن لدى أبيكم أن يعطيكم
الملكوت” (لو 12: 32، أنظر أيضا مثل العملة المرسلين إلى الكرم: متى 20: 1-
16 ومثل المدعوين إلى العرس: متى 22: 1- 10).

والملكوت
مدعوّ إلى أن يجمع ليس فقط أبناء الشعب اليهوديّ الذين كانوا يعتبرون أنفسهم أبناء
الملكوت، بل أيضاً جميع الشعوب: “إن كثيرين سيأتون من المشرق والمغرب،
ويتّكئون مع إبراهيم وإسحق ويعقوب في ملكوت السماوات، أمّا أبناء الملكوت فيلقون
في الظلمة الخارجيّة” (متى 8: 10- 12). يبدأ الملكوت صغيراً مثل حبّة الخردل
تم يصبح شجرة.. (متى 13: 31- 32؛ أنظر أيضاً سائر أمثلة الملكوت في متى 13).

إن
دعوة الناس لأن يصيروا أبناء الله تتحقّق بواسطة يسوع المسيح ابن الله: “لقد
دفع إليّ أبي كل شيء. وليس أحد يعرف الابن إلاّ الآب، ولا أحد يعرف الآب إلاّ
الابن ومن يريد الابن أن يكشفه له” (متى 11: 27).

2- موقف الإنسان

يستطيع
الإنسان أن يرفض ملكوت الله: “الحق أقول لكم، إن العشارين والبغايا يسبقونكم
إلى ملكوت الله. فإن يوحنا قد جاءكم من طريق البرّ، فلم تؤمنوا به، أمّا العشارون
والبغايا فقد آمنوا به..” (متى 21: 31- 32، أنظر أيضاً 21: 43؛ 22: 2- 8؛ 23:
13).

فمنذ
بدء كرازته راح يسوع يبشّر بالتوبة والإيمان: “لقد تمّ الزمان واقترب ملكوت
الله. فتوبوا وآمنوا بالإنجيل” (مر 1: 15).

والتوبة
تثمر بالأعمال الصالحة “أثمروا ثمر توبة لائقاً” (متى 3: 8). فمن قبل
دعوة يسوع عليه أن يعيش حسب الشريعة الجديدة التي جاءنا بها، والتي يوجزها في
التطويبات (متى 5: 10- 12)، ثم يتوسّع فيها في مقارنة بين الناموسين العتيق
والجديد (متى 5- 7)، مشيراً إلى أن هذه الأعمال هي أعمال أبناء الله، وأنها تنتج
عن العلاقة الجديدة بين الله والإنسان: “لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في
السماوات” (5: 45)، “كونوا كاملين كما أن أباكم السماويّ هو كامل”
(5: 48) “صلِّ إلى أبيك الذي في الخفية” (6: 6).

إن
تشديد يسوع على أعمال البرّ يقابله من ناحية أخرى موقفه المليء بالرحمة من الخطأة.
فإن اسمه يعني “الله- يخلّص”. ومسامحة الخطايا والتحرير منها هي أهم ما
جاء لأجله يسوع:

“إني
لم آت لأدعو صدّيقين بل خطأة إلى التوبة” (لو 5: 32). ونراه يغفر الخطايا
بالقدرة الإلهية التي فيه، فيقول للمخلّع: “لتطب نفسك، يا ابني، مغفورة لك
خطاياك” (متى 9: 2)، وللمرأة الخاطئة: “مغفورة خطاياكِ.. إيمانكِ خلّصكِ،
اذهبي بسلام” (لو 7: 48- 50)، ولزكّا العشّار: “اليوم حصل الخلاص لهذا
البيت.. لأن ابن البشر قد جاء ليطلب ما قد هلك ويخلّصه” (لو 19: 9- 10)،
وللصّ التائب: “اليوم تكون معي في الفردوس” (لو 23: 43).

لذلك
فالمهمّ، في نظر يسوع، ليس أن يكون الإنسان منزّهاً عن الخطيئة، بل أن يعترف ويطلب
المغفرة سبيلاً إلى الارتداد وتغيير القلب كالعشّار الذي عاد إلى بيته مبرّراً دون
الفريسيّ (لو 18: 9- 14).

وفي
مختلف الحالات، فان تبرير الإنسان لا ينتج عن أعماله الصالحة، كما كان يظنّ
الفريسيون، بل هو عطية مجّانيّة من الله الذي يسكب محبّته ورحمته في قلب من يعترف
بخطيئته وينفتح له.

ثانيًا-
أعمال الرسل

إنّ
لوقا هو كاتب سفر أعمال الرسل كتكملة لإنجيله. إلاّ أنه في الإنجيل يبتدئ من
الجليل حيث بدأ يسوع رسالته، ثم ينتقل إلى اليهوديّة لينتهي بأورشلبم. أمّا في
أعمال الرسل، فيبتدئ من أورشليم، ثم يروي امتداد الكنيسة إلى اليهوديّة، ثم إلى
السامرة إلى أقاصي الأرض (أع 1: 8).

وامتداد
الكنيسة هذا هو عمل الروح القدس: “إنكم ستنالون قوّة بحلول الروح القدس عليكم،
فتكونون لي شهوداً في أورشليم وفي جميع اليهوديّة والسامرة، وإلى أقاصي
الأرض” (1: 8). لذلك دعي سفر أعمال الرسل “إنجيل الروح القدس”. كيف
يرى لوقا علاقة الله بالإنسان، وعمل الروح فيه؟

1-
التوبة: يشدّد لوقا في
أعمال الرسل، كما في إنجيله، على ضرورة التوبة لنيل موهبة الروح القدس: فبطرس يطلب
من اليهود في خطابه الأوّل يوم العنصرة أن “يتوبوا ويعتدوا باسم يسوع لمغفرة
الخطايا، فينالوا موهبة الروح القدس.. وبأقوال أخرى كثيرة كان يناشدهم ويحثّهم
قائلاً: تخلّصوا من هذا الجيل المعوجّ” (2: 38- 40). وبولس، من بعد الرؤيا،
راح يكرز جميع الناس من يهود وأمم “بأن يتوبوا ويرجعوا إلى الله بمزاولة
أعمال تليق بالتوبة” (26: 20، أنظر أيضاً 17: 30).

2-
الإيمان: إلى جانب التوبة
يتحدّث لوقا عن ضرورة الإيمان بالربّ يسوع (8: 36- 37؛ 20: 21)، “لأن كل من
يؤمن باسمه ينال باسمه مغفرة الخطايا” (10: 43).

3-
قوة الله ونعمة كلمته:
إنّ الله هو الذي يعطي الإنسان التوبة والإيمان. فيسوع هو الذي “يعطي إسرائيل
التوبة ومغفرة الخطايا” (5: 31)، و”الله هو الذي يعطي التوبة
للأمم” (11: 28).

4-
الخلاص ومغفرة الخطايا هما ثمر التوبة “كلّ من يدعو باسم
الرب يخلص” (نبؤة يوئيل: أع 2: 21)، ويحصل على “السلام مع الله بيسوع
المسيح” (10: 36؛ راجع 13: 26، 38-39؛ 8: 22؛ 26: 18).

5-
موهبة الروح القدس:
يرى لوقا في الروح القوّة الإلهية التي يرسلها يسوع الممجّد إلى تلاميذه. فبه
يعمّدون: “إن يوحنا قد عمّد بالماء، أمّا أنتم فستعمَّدون بالروح القدس”
(1: 5). وموهبة الروح القدس هي العلامة الحقيقيّة لإرادة الله في خلاص الأمم (10: 47؛
11: 16-18)؛ وحلول الروح القدس على كرنيليوس في قيصريّة يدعى عادة “عنصرة
الأمم” (10: 44- 46) بعد عنصرة اليهود (2: 1- 13).

والمعمودية
هي التي تمنح الروح (2: 38)، أمّا معموديّة يوحنا قد تمنح إلّ مغفرة الخطايا
(تلاميذ افسس 19: 1- 6).

6-
لفظة النعمة في إنجيل لوقا وأعمال الرسل
إنّ لوقا هو الإنجيلي الوحيد من بين الإزاثيّين الذي يستعمل لفظة وتعني
في الإنجيل وفي أعمال الرسل:


أما الحظوة عند الله كما في العهد القديم (لو 1: 30: “لا تخافي يا مريم، فلقد
نلت حظوة عند الله”، 2: 52: “أمّا يسوع فكان ينمو في الحكمة والقامة
والنعمة أمام الله والناس”).


وتعني أيضاً، وهذا جديد بالنسبة إلى العهد القديم! الذي يمنحه الله بواسطة التبشير
بالإنجيل. فنشاهد العبارات التالية: “كلام النعمة” (لوقا 4: 22)،
“كلمة نعمة الله” (أع 20: 32؛ 14: 3)، “انجيل نعمة الله” (أع
20: 24).


هذه النعمة هي أيضاً، وهذا المعنى مرتبط بالمعنى السابق، القوة التي يمنحها الله
للتبشيبر.. بالإنجيل (14: 26: “استُودعا نعمة الله للعمل الذي أكملاه”؛
راجع أيضاً 15: 40).

وأخيراً
في 15: 11، يربط لوقا بين النعمة والمسيح وهذا التعبير سنجده مراراً عند بولس
الرسل: “حال كوننا بنعمة الرب يسوع نؤمن أن نخلص نحن، مثل أولئك”.

ثالثاً-
النعمة في رسائل بولس الرسول

إنّ
بولس الرسول قد توسّع في موضوع النعمة، ولا سيّمَا بمناسبة خلافه مع اليهود
المتنصّرين، الذين كانوا يريدون أن يتقيّد المسيحيون بأعمال الناموس الموسويّ، من
ختانة وامتناع عن بعض المآكل وما سوى ذلك، معتبرين أن الإيمان بالمسيح لا يكفي للخلاص.
لا بدّ من قراءة الفصلين الأوّلين من رسالة القديس بولس إلى الغلاطيّين لإدراك
البلبلة التي أحدثتها في الكنائس آراء اولئك اليهود المتنصّرين. أمّا بولس فيؤكّد
في هذه الرسالة وفي رسالته إلى الرومانيين أنّ “الإنسان لا يبرّر بأعمال
الناموس، بل بالإيمان بيسوع المسيح” (غلا 2: 16).

ء)
حالة الإنسان من دون النعمة: لا فرق بين اليهود والأمم، “فالجميع قد خطئوا
وأعوزهم مجد الله” (رو 3: 23):

الجميع
قد خطئوا: لوضح بولس في رسالته إلى الرومانيين حالة الإنسان بعيداً عن نعمة
المسيحٍ. فالأمم (رو 1: 18- 32) واليهود (رو 2: 17- 29) جميعهم قد خطئوا (راجع
أيضا 3: 9- 18).

والخطيئة،
التي ترجع لفظتها 63 مرة في الرسالة إلى الروممانيين، يرى فيها بولس قوة كونيّة
يُستعبَد لها الإنسان (رو 6: 14- 20؛ 7: 14، 17، 20)، وتعمل فيه كل شهوة (رو 7: 8).
والإنسان العائش تحت سلطان الخطيئة يدعوه بولس “الإنسان الجسديّ”، الذي
يسيطر فيه الجسد على الروح (رو 8: 5- 13)، والذي يرفض أيّ ارتباط بالله، ليكون هو
إلهاً لنفسه.

ثم
يتساءل بولس: “من ينقذنا من جسد الموت هذا؟” (رو 7: 24). فالناموس يوضح
لنا ما يجب عمله، ولكنه لا يستطيع أن يمنحنا القوة على ذلك. المسيح وحده يمكنه أن
يحرّرنا من الخطيئة (رو 7: 25؛ 8: 1- 4).

فأعوزهم
مجد الله: قلنا في كلامنا عن قداسة الله ومجده في العهد القديم، إن الله يتقدّس
ويتمجد في بر الإنسان وصلاحه. أما الخطيئة فتمنع ظهور مجد الله، إذ “تعوق
إظهار الحقّ” (رو 1: 18 “الذين يعوقون الحق بالظلم”). لذلك
“يعتلن غضب الله من السماء على كل كفر وظلم” (راجع أيضاً 2: 5). أمّا
مجد الله فيظهر في “آنية الرحمة التي أعدّها من قَبْل للمجد، أي فينا نحن
الذين قد دعاهم، لا من اليهود فقط، بل من الأم أيضاً” (رو 9: 23).

النعمة
علاقة حوار الله. أمّا الخطيئة فتمنع هذا الحوار، وتترك الإنسان في أنانيّته
واعتداده بنفسه. أمّا عبارة “غضب الله” فليست سوى تعبير بشريّ للعقاب
الذي تحمله الخطيئة في ذاتها: من يبتعد عن الله وينغلق على ذاته يعِشْ في الظلمة
ويعمل أعمال الظلمة، لذلك لا ينتج عن أعماله إلاّ الشرّ. أمّا الله فيصبر ويطيل
أناته على الإنسان (رو 2: 4؛ 3: 25- 26؛ 9: 22).

ب)
الحياة الجديدة في المسيح

1-
يبني بولس نظرته في الحياة المسيحية على المقارنة بين الإنسان العتيق والإنسان
فالإنسان العتيق هو كل إنسان يخضع لعبودية الخطيئة. والخطيئة تسود العالم منذ
الإنسان الأول، الذي يدعوه بولس مع سفر التكوين “آدم”، وهي لفظة عبريّة
تعني “الإنسان”. أمّا الحياة الجدية فقد أتتنا بيسوع المسيح، الذي هو
“آدم الجديد”، أي “الإنسان الجديد”.

“فكما
أنها بإنسان واحد دخلت الخطيئة إلى العالم، وبالخطيئة الموت.. فلئن كان بزلّة واحد
قد لكثيرون، فكم بالأحرى نعمة الله وموهبته قد وفرتا للكثيرين بنعمة الإنسان
الواحد، يسوع المسيح.. فلئن كان الموت بزلّة واحد قد ملك بهذا الواحد، فكم بالأحرى
الذين ينالون وفور النعمة وموهبة البرّ، سيملكون في الحياة بواحد، هو يسوع المسيح.
فإذن كما أنه بزلّة واحدة كان القضاء على جميع الناس، كذلك ببرّ واحد، يكون لجميع
الناس تبرير الحياة. لأنه كما جعل الكثيرون خطأة بمعصية كذلك بطاعة واحد يجعل
الكثيرون أبراراً. لقد دخل الناموس حتى تكثر الزلّة، ولكن حيث كثرت الخطيئة طفحت
النعمة، حتى إنه، كما أنّ الخطيئة ملكت للموت، كذلك النعمة تملك بالبرّ للحياة
الأبدية، بيسوع المسيح ربنا” (رو 5: 12- 21).

إن
كلام بولس في ما يدعوه اللاهوت “الخطيئة الأصلية”، أي اتّحاد جميع الناس
في مع آدم (“بإنسان واحد دخلت الخطيئة إلى العالم”) لا يهدف إلاّ إلى
إظهار اتّحاد جميع الناس في النعمة مع المسيح. وهذا هو الأمر المهمّ الذي يريد
بولس أن يؤكّده. فلا يتكلم عن شمول الخطيئة إلاّ ليبرز شمول النعمة.

2-
كيف يتمّ اتحاد الإنسان بالمسيح “الإنسان الجديد”؟

إن
الله قد صالحنا مع نفسه بموت المسيح وقيامته، فصرنا، بموت المسيح، خليقة: “إن
كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة، فالقديم قد اضمحل، وكل شيء قد تجدّد. والكل من
الله الذي صالحنا مع نفسه بالمسيح.. إن الله هو الذي صالح، في المسيح، العالم مع
نفسه، ولم يحسب عليهم زلاّتهم.. إن الذي لم يعرف الخطيئة جعله خطيئة من أجلنا، لكي
نصير نحن به برّ الله” 5: 17- 21).

فالمسيح
“قد مات عن الجميع والجميع أيضاً قد ماتوا معه. وإنه قد مات عن الجميع لكي لا
يحيا لأنفسهم في ما بعد، بل للذي مات وقام لأجلهم” (2 كو 5: 14- 15).

بالمعمودية
يتّحد الإنسان بموت المسيح وقيامه: “إنّا جميع من اعتمدوا للمسيح، قد اعتمدنا
لموته. فلقد دُفنّا إذن معه بالمعموديّة للموت، حتى إنّا، كما أُقيم المسيح من بين
الأموات بمجد كذلك نسلك نحن أيضاً في جدّة الحياة. لأنّا، إذا كنّا قد صرنا
متّحدين معه بشبه موته، نصير أيضاً بشبه قيامته، عالمين أن إنساننا العتيق قد صُلب
معه، لكي يتلاشى جسد الخطيئة، بحيث لا نُستعبد بعد للخطيئة، لأنّ الذي مات قد محرّر
من الخطيئة” (رو 6: 3- 7).

فالنعمة
هي إذاً اشتراك في موت المسيح وقيامته، بحيث يخلع الإنسان عنه “الإنسان
العتيق” ويلبس الإنسان الجديد، أي يتّحد بالمسيح “فيحيا في المسيح”
“ويحيا المسيح فيه”. هذا ما يردّده بولس في عبارات مختلفة، مؤكّداً تلك
العلاقة الشخصيّة والجماعيّة التي تربط الإنسان، كائناً فرداً وعضواً في جماعة،
بالمسيح يسوع:

“لست
أنا حيا، بل هو المسيح يحيا فيّ” (غلا 2: 20)؛

“أفلا
تعرفون أنّ يسوع المسيح فيكم” (2 كو 13: 5)؛

“ليحلّ
المسيح بالإيمان في قلوبكم..” (أف 3: 17)؛

“أما
أنتم فلستم في الجسد بل في الروح، إن كان روح الله ساكناً فيكم. من ليس فيه روح
المسيح فهو ليس له. ولكن إن كان المسيح فيكم، فالجسد ميت بسبب الخطيئة، أمّا الروح
فحياة لأجل البرّ” (رو 8: 9- 11).

ويذهب
بولس، في تعبيره عن الاتحاد العميق بين المسيحيّ والمسيح، إلى القول: “إنّكم
جميعاً أبناء الله، بالإيمان بالمسيح يسوع. لأنكم، أنتم جميع الذين اعتمدوا للمسيح،
قد لبستم المسيح. فليس بعد يهوديّ ولا يونانيّ، ليس عبد ولا حرّ ليس ذكر وأنثى،
لأنّكم جميعاً واحد في المسيح يسوع” (غلا 3 26- 28).

ان
“لبس المسيح” الذي يتكلم عنه بولس هنا ليس مجرّد تغيير في سلوك المسيحي.
فبالمعموديّة تنشأ علاقة كيانيّة جديدة بين الإنسان والمسيح. فالمعتمد، إذ يلبس
المسيح، يصير المسيح مبدأ كيانه ويجعل منه ابن الله على مثاله ويشركه في حياة الله.
وجميع المعتمدين يصيرون واحداً في المسيح، لأن حياة المسيح الواحد تسري فيهم
جميعاً.

ج)
موهبة الروح القدس

إن
الروح القدس هو الذي يشرك المسيحيين في حياة المسيح.

فالله
قد أفاض علينا بوفرةٍ الروحَ القدس، بيسوع المسيح مخلصنا (راجع تي 3: 4- 7)، الروح
هو روح التبنّي الذي يعمل فينا ليجعلنا أبناء الله على مثال الابن: “فإنّا لم
نأخذ روح العبوديّة بل روح التبنّي، الذي به نصير ورثة الله” (راجع رو 8، 14-
18). وهذا الروح يعضد ضعفنا، ويجعلنا مشابهين لصورة ابن الله، الذي “يصبح
هكذا بكراً بين إخوة كثيرين” (راجع رو 8: 26- 29). والدليل على أننا أبناء
الله كون الله أرسل إلى قلوبنا روح ابنه ليصرخ فيها: “أبّا أيها الآب..”
(غلا 4: 4- 7، 19).

وهكذا
فالحياة الجديدة التي يحياها المسيحيّ هي اشتراك في حياة الثالوث الأقدس: “فالبمسيح
لنا كلينا (أي اليهود والأمم) التوصل إلى الآب، بروح واحد” (اف 2: 18).
فالروح يجعلنا أبناء الآب على مثال الابن يسوع وبالاتحاد معه.

يعود
بولس مراراً إلى سكنى الروح في الإنسان: “ان محبّة الله قد أفيضت في قلوبنا
بالروح القدس الذي أعطيناه” (رو 5: 5)، “فالله قد أرسل إلى قلوبنا روح
ابنه” (غلا 4: 6)، “ومنحنا الروح” (غلا 3: 5)، “وأفاضه علينا
بوفرة” (تي 3: 6)، والروح يسكن فينا (رو 8: 9)، “إننا هيكل الله وروح
الله ساكن فينا” (1 كو 3: 16؛ 6: 19).

إلا
أن موهبة الروح القدس هذه، التي أعطيت لنا، ليست إلاّ بداية بالنسبة إلى الفداء
الأبديّ والمجد السماويّ. فإننا لا نملك سوى “عربون الروح” (2 كو 1: 22؛
5: 5)، و”باكورة الروح” (رو 8: 23)، والروح “هو عربون
ميراثنا” (اف 1: 4). وهذا يعني أن الجديدة التي حصلنا عليها على هذه الأرض هي
عربون يمنحنا إياه الله. وهذا العربون هو في آن معاً ضمانة لنا بأننا سنحصل على
المجد الأبديّ، وبدء الحياة في المجد الأبديّ منذ الآن. فالمجد مرتبط بالنعمة
ارتباط الثمرة بالزهرة والنبتة بالبزرة (رو 5: 1- 4؛ راجع برهان في ذلك في رو 5: 6-
10، 21، 6: 5- 8؛ 8: 17- 22، 29- 30).

د)
النعمة تحرّر من الخطيئة

1-
يشدد بولس على التناقض بين حياة يسوع في الجسد وحياته في المجد من بعد قيامته.
لانّ الكلمة، في التجسد، “لاشى ذاته آخذا صورة عبد” (في 2: 7). وهو
“الذي لم يعرف الخطيئة، جعله الله خطيئة من أجلنا” (2 كو 5: 21). فحياة
المسيح على الأرض هي انحدار إلى عالم الخطيئة لمصارعته. وبطاعته حتى الموت، موت
الصليب، استحقّ أن ينتصر الخطيئة والموت. وهكذا صار يسوع “آدم الآخر روحا
محييا” (1 كو 15: 45).

2-
والمسيحي، على مثال يسوع، عليه أن ينتقل من الإنسان الجسديّ إلى الإنسان حيّ، من
الوجود الأرضيّ في جسد الخطيئة إلى الوجود الروحيّ، بقوة الروح القدس. غير أن هناك
فرقاً بين المسيحي والمسيح. فالمسيح لم يتحرر، بقيامته، من الخطيئة نفسها، لأنه
“لم يعمل الخطيئة”، به من عواقبها التي حملها تضامناً مع ذريّة آدم.
أمّا المسيحي فعليه أن يتحرّر من الخطيئة ذاتها.

وهذا
التحرّر لن يحصل دون عراك وجهاد. لأن في الإنسان مبدأين متناقضين: الجسد والروح
“فالجسد يشتهي ضد الروح، والروح ضد الجسد، وكلاهما يقاوم الآخر، حتى إنكم لا
تصنعون ما تريدون” (غلا 5: 7). والإنسان من طبيعته “جسديّ، مبيع للخطيئة
وتحت سلطان الخطيئة” (رو 7: 14). ويبقى فيه الميل إلى الخطيئة، حتى بعد حصوله
على الخلاص. غير أنه يستطيع التغلّب قي هذا الميل بقوة الروح الساكن فيه “إن
ناموس روح الحياة في المسيح يسوع قد حرّرك من ناموس الخطيئة والموت.. إن كان روح
الذي أقام يسوع من بين الأموات ساكناً فيكم، فالذي أقام المسيح يسوع من بين
الأموات يحي أيضاً أجسادكم المائتة، بروحه الساكن فيكم” (رو 8: 2، 11)،
“أسلكوا بالروح فلا تقضوا شهوة الجسد.. إن كنتم تنقادون للروح، فلستم بعد تحت
الناموس” (غلا 5: 16، 18).

والإنسان
الجديد لا يبنى، ني نظر بولس، إلاّ على أنقاض الإنسان العتيق الذي يجب إماتته (كو
3: 5- 9، اف 4: 20- 24). على هذا المبدإ ترتكز قيمة الإماتة في المسيحيّة.
فالإماتة ليست مجرد أمر سلبيّ، بل هي عراك ضد الإنسان العتيق الذي يحاول دوماً أن
يبعدنا عمّا يبنينا. وهذا العراك هدفه بناء ما فينا من قيم سامية وتطلعات صالحة،
ولا بد من أن يدوم الحياة كلها، حتى نبلغ إلى “ملء قامة المسيح، إلى الإنسان
الكامل”.

3-
ثم إن النعمة تحرّر المسيحيّ من الناموس. وهذا يعني أمرين متكاملين:


زوال الناموس القديم في شرائعه وأنظمته المقيّدة، بحيث إن الأمم واليهود الذين
يريدون أ، يصيروا مسيحيين غير ملتزمين بالخضوع للناموس اليهودي.


هذا التحرّر من القوانين القديمة هو في آنٍ معاً تحرر لأجل عمل الخير. فالمسيحيّ
غير مقيّد بأنظمة تُفرض عليه من الخارج، بل يحرّكه الروح لعمل المحبة. ذلك هو التحرر
المسيحيّ، تلك هي حرية أبناء الله: نتحرّر من الناموس فارس المحبة. وجميع شرائع
العهد القديم التي تُنقض في العهد الجديد، والشرائع الجديدة يطبّق عليها قول بولس:
“إن الناموس كلّه يتمّم في هذه الوصية الواحدة: أحبب قريبك كنفسك” (غلا
5: 14). وهذه المحبة هي “ثمر الروح” (غلا 5: 22)، إنها موهبة تعمل في
صميم الإنسان وتحرّره من أعمال الجسد (غلا 5: 16- 21).

ه-
البرّ والتبرير

1-
إن الآب هو الذي، بموت يسوع وقيامته، قد صالحنا مع نفسه. وهكذا صار لنا يسوع من
الله حكمة وبرّاً وقداسة وفداء” (1كو 1: 30). و”وهو الذي لم يعرف
الخطيئة قد جعله الله خطيئة من أجلنا لكي نصير نحن به برّ الله” (2 كو 5: 21).

فالبرّ
إذاً هو الحالة الجديدة التي يعيشها الإنسان الذي يقبل فداء المسيح. والتبرير هو
عمل الله الذي به يزيل خطيئة الإنسان ويجعل منه إنساناً جديداً بارّاً.

إن
هذا الحكم الذي يصدره الله مبرّراً الإنسان ليس مجرّد حكم خارجيّ يعلن فيه الله أن
الإنسان لم يعد بعد تحت الدينونة، كما كان في حالة الخطيئة. إن النظرة
البروتستنتيّة للتبرير تكتفي بهذا الحكم الخارجي معتبرة أن الإنسان يبقى خاطئاً،
إلاّ أن الله يتغاضى عن خطيئته ويعامله كما لو كان بارّاً. أما النظرة
الكاثوليكيّة فتعتبر أن الإنسان يصير في الواقع بارّاً. لأنه كما يقول بولس، عندما
يقترن بالرب “يكون معه روحاً واحداً.. ويصير هيكل الروح القدس” (1 كو 6:
17، 19). “إن الله قد صالحكم الآن بجسد بشريّة ابنه، إذ أسلمه للموت، ليظهركم
لديه قديسين، بغير عيب ولا مشتكى” (كو 1: 22، راجع أيضاً اف 2: 5- 6).

2-
الإيمان هو الذي يبرّر الإنسان لا أعمال الناموس

إن
التبرير والخلاص يحصل عليهما الإنسان بنعمة مجّانيّة من الله: “إن كان ذلك
بالنعمة، فليس إذاً بالأعمال، وإلاّ فليست النعمة نعمة بعد” (رو 11: 6)
“فإنّ الله لكونه غننيًّا بالرحمة وأحيانا مع المسيح، إذ بالنعمة أنتم
مخلّصون.. أنتم إذاً بالنعمة مخلّصون بواسطة الإيمان، وهذا الخلاص ليس هو منكم بل
عطية من الله، وليس هو من الأعمال لكي لا يفتخر أحد” (أف 2: 4- 9).

بالإيمان
يقبل الإنسان فداء الله. هذا ما يعنيه بولس بقوله إن الإيمان هو الذي يبرّر
الإنسان: “البارّ بالإيمان يحيا” (رو 1: 17)، “برّ الله بالإيمان
بيسوع المسيح” (3: 22)؛ “إن اعترفت بفمك أن يسوع هو ربّ، وآمنت في قلبك
أن الله قد أقامه من بين الأموات، فإنك تخلص. لأن الإيمان بالقلب يقود إلى البر،
والاعتراف بالفم إلى الخلاص” (رو 10: 9- 11).

3-
الإيمان العامل بالمحبة

“نحن
صنعه، إذ قد خلقنا في المسيح يسوع للأعمال الصالحة التي أعدّها الله من قبل لنسلك
فيها” (رو 2: 10). إن الإيمان، وإن كان قد تحرّر من أعمال الناموس الموسويّ،
إلاّ أنّه لا يكون إيمانا حقيقيًّا إلاّ إذا اقترن بالعمل بناموس المسيح الذي
يوجزه بولس بالمحبة. (راجع غلا 5: 13- 14؛ 6: 2). وتتميم هذا الناموس شرط للحصول
على الخلاص في الدينونة الأخيرة: “لا تضلّوا، إن الله لا يُستهزأ به، وكل
امرىء يحصد ما قد زرع. فالذي يزرع في جسده، يحصد من الجسد الفساد، والذي يزرع في
الروح، يحصد من الروح الحياة الأبدية. فلا نفشلْ في عمل الخير، فإنّا سنحصد في
الأوان إن نحن لم نكلّ. فلنُحسن إذاً إلى الجميع ما دامت لنا الفرصة، ولا سيّمَا
إلى الذين هم شركاؤنا في الإيمان” (غلا 6: 7- 10).

الإيمان
وحده يبرّر الإنسان. ولكن الإيمان العامل بالمحبة هو وحده الإيمان الحقيقيّ، الذي
به يلتزم الإنسان العمل بناموس المسيح.

رابعاً:
النعمة في كتابات يوحنا الإنجيلي

أ-
حالة الإنسان في العالم

“العالم”،
عند يوحنا الإنجيلي، اصطلاح لمُلك الخطيئة. فالشيطان هو رئيس العالم، أي موحي
الخطيئة، والشهوة هي التي تملأ العالم: “لا تحبّوا العالم، ولا ما في العالم.
إن أحبّ أحد العالم فليست فيه محبة الله. لأنّ كل ما في العالم- شهوة الجسد وشهوة
العين وصلف الغنى ليس من الآب بل من العالم. والعالم يزول وشهوته أيضاً” (1
يو 2: 15- 16).

لذلك
يدعو يوحنا الخطيئة “خطيئة العالم” (يو 1: 29). والخطيئة، في نظره، هي
ابتعاد عن الله ورفض لله:


فالله حق، والخطيئة كذب (يو 8: 44؛ 1 يو 2: 4؛ 21- 22)


والله نور، أما الخطيئة فظلمة (يو 3: 19- 21؛ 1 يو 1: 5- 7)


“والله حياة، أمّا الخطيئة فموت (يو 8: 21- 24؛ 1 يو 3: 14- 15)


والله حرية ويدعونا إلى الشركة معه، أمّا الخطيئة فعبوديّة (يو 8: 31- 36).

ب-
الحياة الجديدة في يسوع المسيح

1-
الثالوت الأقدس مصدر الحياة الجديدة


الآب ينبوع الحياة الجديدة: “فكما أن الآب له الحياة في ذاته، كذلك أعطى
الابن أن تكون له الحياة في ذاته” (يو 5: 26). فالآب إذاً “حياة”.
وهو “محبة” (1 يو 4: 7- 10، 16) وهو أيضاً “نور” (1 يو 1: 5).


تلك الحياة الجديدة تجلّت لنا في الابن. فهو “القيامة والحياة” (يو 11: 25)،
وهو “الطريق والحق والحياة” (يو 14: 6)، وهو “خبز الحياة” (يو
6: 35- 58) وكلامه هو “روح وهو حياة” (يو 6: 63)، “وعنده كلام
الحياة الأبديّة” (يو 6: 68). وتلك رسالته أن يهب الحياة للعالم (يو 6: 33؛
10: 10؛ 1 يو 4: 9). وبه حصلنا على “النعمة والحق” (يو 1: 17).

وهو،
كالآب، محبة (يو 13: 1، 34؛ 14: 21؛ 15: 9؛ 13؛ 1 يو 3: 16).

وهو
أيضاً، كالآب، نور (يو 1: 9؛ 3: 19- 21؛ 8: 12؛ 9: 5؛ 12: 46).


الروح القدس هو الذي يحيينا: إنه “الروح المحيي” (يو 7: 37- 39) الذي
أرسله يسوع من بعد قيامته ليرشد التلاميذ إلى الحق (يو 14: 36؛ 16: 13).

2-
حياتنا الجديدة

إنها
“ولادة جديدة” (يو 1: 12؛ 3: 3) تمنحنا “حياة جديدة” (يو 5: 24؛
6: 40؛ 20: 31) حياة أبناء الله (1 يو 3: 1- 15)، حياة المحبة التي تجعلنا نشترك
في حياة الله (1 يو 4: 7، 16؛ الشركة مع الله: 1 يو 1: 3، يو 17: 21- 26).

منذ
هذه الحياة، يبدأ المسيحيّ “الحياة الأبديّة”، إلاّ أنّ تلك الحياة تجد
كمالها في المجد السماويّ (راجع سفر الرؤيا 21: 1- 8؛ 22: 5). وفي 22: 1 يصف
الثالوث وصفاً رمزيّاً: فالروح “نهر ماء الحياة” يخرج من عرش الله
(الآب) والحمل (الابن).

فالنعمة
هي، على هذه الأرض، شركة في حياة الثالوث وتلك الشركة ستجد كمالها في المجد
السماويّ. هذا هو ميراث الإنسان الذي يصبح ابناً لله.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى