علم الله

الفصل الثّاني



الفصل الثّاني

الفصل الثّاني

الإيمَان بالإله الواحِد

“نؤمن بإله واحد..”

أخذت المسيحية عن اليهودية إيمانها بالإله الواحد، ثم أخذ الاسلام عن
المسيحية واليهودية معاً إيمانه بالإله الواحد. فالإيمان بالإله الواحد هو اذاً
عنصر مشترك بين هذه الديانات الثلاث. أما أن يقول بعض المسلمين عن المسيحيين إنهم
مشركون لأنهم يؤمنون بالثالوث الأقدس فهذا دليل جهل مطبق للمبادئ الأولية في
الديانة المسيحية، سنردّ عليه في الجزء الثاني من هذه المقالات، في معرض حديثنا عن
الروح القدس والثالوث الأقدس. نكتفي الآن بالقول أن المسيحية هي من الديانات التي
تؤمن بالإله الواحد. ماذا نعني بذلك؟

 

1-
أسماء الله في مختلف الحضارات

إنّ كلمة “إله” مشتقّة من كلمة “إيل” وهو الاسم
الذي كانت جميع الديانات الساميّة تدعو به آلهتها، ويعني “القوة
والقدرة”. أما كلمة “الله” فناتجة من إدخال ال التعريف على كلمة
إله، فأصبحت “الإله”، ثم من إدغام الألف في وسط الكلمة باللام التي
قبلها وتشديد اللام، فأصبحت “الله”. فالله هو الإله الأعظم بين سائر
الآلهة، عند العرب قبل الاسلام. أما في اليهودية والمسيحية والاسلام، فالله هو
الإله الوحيد.

 

أسماء الله في اللغات اليونانية واللاتينية (Deus) واللغات الاوروبية المشتقّة من اللاتينية، كالفرنسية (Dieu) والايطالية (Dio)
والاسبانية (
Dios)، مشتقّة من السنسكريتية وهي أقدم اللغات
الهندية الأوروبية؛ ففي هذه اللغة “ديو” تعني “النور”. وحتى
يومنا هذا كلمة “ديوا” تعني “المصباح الصغير” في بعض اللغات
الهندية.

 

أما أسماء الله في اللغة الانكليزية (God) والالمانية (Gott) وسائر
اللغات الجرمانية، فمشتقّة من كلمة “غوتو” التي تعني في اللغات الهندية
الاوروبية “الذي ندعوه أو نبتهل إليه”.

 

في العهد القديم استعمل الشعب اليهودي كلمتين للإشارة إلى الله، كلمة
“ايلوهيم” وهي اسم جمع أو تفخيم لكلمة “إيل” التي استعملتها
مختلف الشعوب الساميّة للدلالة على الله، وكلمة “يهوه” وهي مشتقّة من
فعل “هيا” ويعني في العبرية “كان”. فاسم “يهوه”
يعني “الذي يكون”. ونجد تفسيراً لهذا الاسم في رواية ظهور الله لموسى في
العلّيقة المحترقة على جبل سيناء. فعندما سأل موسى الله عن اسمه أجابه “أكون
الذي أكون”، ثم قال له: “كذا قل لبني اسرائيل: أكون أرسلني إليكم”
(خروج 3: 14). وفي الآية التالية يضيف النص: “وقال الله لموسى ثانية: كذا قل
لبني اسرائيل يهوه إله آبائكم إله ابراهيم وإله اسحق وإله يعقوب بعثني إليكم. هذا
اسمي إلى الدهر وهذا ذكري إلى جيل فجيل”.

 

2- من تعدّد الآلهة إلى الإله الواحد:

خبرة الشعب اليهودي في العهد القديم

نشأت الديانة اليهودية وسط شعوب وحضارات كانت العقيدة السائدة فيها
الايمان بتعدّد الآلهة، كالبابلية والمصرية والفينيقية واليونانية. وقد توصّل
الشعب اليهودي إلى الايمان بوحدانية الله تدريجياً مع ابراهيم وسائر الآباء وبشكل
واضح ونهائي مع موسى. وتكرّس هذا الايمان في الوصية الأولى من وصايا الله: “أنا
يهوه (الرب) إلهك الذي أخرجك من أرض مصر من دار العبودية. لا يكن لك آلهة أخرى
تجاهي” (خروج 20: 2، 3).

 

أ-
إله الحياة وإله الخلاص

لم يكن وصول الشعب اليهودي الى الايمان بوحدانية الله نتيجة تفكير
فلسفي في ضرورة وجود كائن مطلق يملك كمال الكيان، كما توصّل إلى ذلك بعض فلاسفة
اليونان كأفلاطون وأرسطوطاليس، بل كان نتيجة خبرة حياتية عرفها الشعب في تاريخه
الطويل. فمع ابراهيم ظهر الله للشعب إله الوعد وإله الحياة. فبينما كان ابرام بعد
في حاران دعاه الله ووعده بأن يعطيه أرضاً جديدة ويجعل منه أمّة كبيرة: “قال
الرب لأبرام: انطلق من أرضك وعشيرتك وبيت أبيك الى الأرض التي أريك، وأنا أجعلك
أمّة كبيرة وأُباركك وأُعظِّم اسمك وتكون بركة” (تكوين 12: 1، 2).

 

ومع موسى ظهر الله إله الخلاص الذي أخرج شعبه من أرض العبودية إلى أرض
الحرية: “كلَّمَ الله موسى وقال له: أنا يهوه. أنا الذي تجلّيت لابراهيم
واسحق ويعقوب إلهاً قادراً على كلّ شيء. أما اسمي يهوه فلم أُعلنه لهم. وأقمت معهم
عهدي على أن أُعطيهم أرض كنعان أرض غربتهم التي نزلوا بها. وأيضاً قد سمعت أنين
بني اسرائيل الذين استعبدهم المصريون، فذكرت عهدي. لذلك قل لبني اسرائيل: أنا يهوه،
لأخرجنّكم من تحت أثقال المصريين وأُخلِّصكم من عبوديتكم، وأفديكم بذراع مبسوطة
وأحكام عظيمة، وأتّحذكم لي شعباً، وأكون لكم إلهاً، وتعلمون أني أنا يهوه إلهكم،
الخرج لكم من تحت أثقال المصريين. وسأُدخلكم الأرض التي رفعت يدي مُقسماً أن
أُعطيها لابراهيم واسحق ويعقوب، فأُعطيها لكم ميراثاً، أنا يهوه” (خروج 6: 2-
8).

 

في كلام الله هذا لموسى يأخذ اسم “يهوه” كل معناه. ان الله
“يكون مع” شعبه ليخلّصهم. فالله هو، في العهد القديم، إله الوعد والحياة
والقدرة وإله الخلاص والفداء.

 

وإيمان اليهود بالله، في العهد القديم، لم يكن إيماناً نظرياً فلسفياً،
بل كان إيماناً وجودياً عملياً بأنّ الإله الوحيد الذي خلق السماوات والأرض قد
اختارهم له شعباً وصنع معهم عهداً أبدياً، وانه سيبقى معهم إله الحياة وإله الخلاص
مهما انتابهم من محن ومصائب.

 

لذلك في أثناء سبيهم في بابل نسمع أشعيا الثاني يعدهم بالخلاص: “هكذا
قال الله، يهوه، خالق السماوات وناشرها، باسط الأرض مع ما ينبت ما، الذي يعطي
الشعب عليها نسمة والسالكين فيها روحاً. أنا، يهوه، دعوتك لأجل البرّ وأخذت بيدك
وحفظتك وجعلتك عهداً للشعب ونوراً للأمم” (اشعيا 42: 5، 6). “هكذا قال
يهوه، خالقك يا يعقوب وجابلك يا اسرائيل: لا تخف فانّي قد افتديتك ودعوتك باسمي.
انّك لي. اذا اجتزت في المياه فانّي معك، أو في الأنهار، فلا تغمرك، واذا سلكت في
النارفلا تُلذَع، ولا يلفحك اللهيب” (اشعيا 43: 1، 2).

 

ب-
أُبوَّة الله

على هذا الإيمان باختيار الله لشعبه بنى العهد القديم فكرة
“أُبوَّة الله”. نقرأ في تثنية الاشتراع هذا النصّ الذي يعود إلى القرن
السابع قبل المسيح: “أبهذا تكافئ يهوه، أيها الشعب الأحمق الذي لا حكمة له؟
أليس انه هو أبوك الذي فطرك وأبدعك؟” (تثنية 32: 6).

 

وقد أكّد الأنبياء على تلك الفكرة. فالإله الوحيد هو أيضاً الأب
الوحيد لشعبه. يقول النبي ملاخيا: “أليس أب واحد لجميعنا؟ أليس إله واحد
خلقنا؟” (ملاخيا 2: 10).

 

ويقول النبي اشعيا مخاطباً الله في صلاته: “انك أنت، يهوه، أبونا
وفادينا. منذ الدهر اسمك.. الآن، يهوه، أنت أبونا. نحن الطين وأنت جابلنا، ونحن
جميعاً عمل يديك” (اشعيا 63: 16؛ 64: 8).

 

ويصف هوشع أُبوَّة الله بتعابير مليئة بالعطف والحنان: “إذ كان
اسرائيل صبياً أحببته ومن مصر دعوت ابني.. أنا درّجت افرائيم وحملتهم على
ذراعيّ” (هوشع 11: 1- 3).

 

ان الإيمان بوحدانية الله، الذي نعدّه اليوم أمراً طبيعياً، لم يصل
إليه الحدود إلاّ من خلاله خبرة عاشوها على مدى تاريخهم. وتلك الخبرة قد قادتهم
إلى رفض تعدّد الآلهة وإلى الإيمان بوجود إله واحد خلق الكون والبشر جميعاً واختار
الشعب اليهودي ليصنع بواسطته عهداً مع جميع أُمم الأرض وشعوبها.

 

ج-
الإيمان بالإله الواحد في عصرنا الحاضر

لم يبقَ اليوم أي مشكلة بالنسبة إلى الاعتقاد بتعدّد الآلهة. فجميع
الذين يؤمنون اليوم بالله يؤمنون بإله واحد. فالله هو كمال الكيان، ولا يمكن أن
يكون الكمال منقسماً بين اثنين. والله هو مبدأ الكون، ولا يمكن أن يكون للكون
مبدأان. فمن يؤمن بالله يؤمن بأن الخلائق كلها متعلّقة بكائن مطلق كامل هو أصل
جميع الكائنات ومبدأها وغايتها.

 

لذلك ينقسم الناس اليوم، بالنسبة إلى الإيمان بالله، إلى فئتين: فئة
تؤمن بوجود الله، وهم المؤمنون، وفئة ترفض وجود أي إله، وهم الملحدون.

 

مَن مِن الفئتين على حق ومَن منهما على ضلال؟ هل يستطيع المؤمن أن
يبرهن للملحد بالبراهين العقلية الجازمة انه على ضلال وان الله موجود؟ ومن جهة
أخرى هل يستطيع الملحد أن يبيّن للمؤمن بالبراهين العقلية الجازمة انه على ضلال،
وان لا وجود لأي إله؟

 

3- البراهين على وجود الله أو السبُل إلى الله

هناك ثلاثة أنواع من البراهين لجأ إليها اللاهوت المسيحي عبر القرون
لإثبات وجود الله، يمكن أن يكون كل منها سبيلاً للوصول إلى الله:

 

1- براهين ترتكز على وحي الله نفسه، إذ ترى أن العقل البشري لا يمكنه
بقواه المجرّدة إثبات أي شيء أكيد عن الله.

 

2- براهين تنطلق من الطبيعة والعالم وترى أن العقل يستطيع من خلال
الكون إثبات وجود الله.

 

3- وبراهين وتنطلق من الانسان ومن شعوره الكياني بأن لحياته مبدأً
وأساساً وغاية ومعنى، وتظهر أنّ الله هو مبدأ حياته وأساسها وغايتها.

 

أ-
البراهين التي ترتكز على وحي الله

يرى بعض اللاهوتيين البروتستنتيين من أمثال كارل بارت ورودولف بولتمن
ان الانسان لا يمكنه معرفة الله إلا إذا أوحى الله له بذاته. وقد تمّ هذا الوحي في
الكتاب المقدّس الذي هو وحده كلام الله وفيه وحده يستطيع الانسان أن يعرف الله
معرفة حقيقية. وكل ما يقوله الانسان عن الله خارجاً عن وحي الله لذاته في الكتاب
المقدّس ليست سوى صورة مزيّفة للإله الحقيقي، لأنه مجرّد انعكاس لرغبة الانسان في
الارتفاع من واقع ضعفه وحدوده إلى المطلق الأسمى.

 

ان الخوف من أن يؤلّه الانسان صورة رغباته البشرية هو الذي حمل كارل
بارت على رفض كل معرفة لله خارج الوحي. لا ريب في أن هذا الخوف له ما يبرّره. غير
أن الايمان بالله، وان ارتكز على الوحي، لا بدّ له من الاستناد أيضاً إلى خبرة انسانية
ومعرفة بشرية، وإلا أصبح افتراضاً لا أساس له أو مجرّد وهم أو شريعة تفرض من
الخارج ويحتّم على الانسان القبول بها دون محاولة تفهّمها.

 

فالايمان لا يمكن أن يكون إيماناً أعمى بل هو إيمان مسؤول. لذلك لا
يفرض الايمان على الانسان من فوق، بل يتّخذ كل مؤمن قرار الايمان انطلاقاً من خبرة
شخصية متّصلة بواقع حياته.

 

ب-
البراهين التي تستند إلى الطبيعة والعالم والمخلوقات

يعتقد اللاهوت الكاثوليكي التقليدي أن الانسان يستطيع التوصّل إلى
معرفة الله من خلال الكون والطبيعة وسائر المخلوقات. فالتأمّل بالمخلوقات وبما
فيها من جمال ونظام يمكن أن يقود إلى الاعتراف بوجود إله خالق خلقها ووضع ما فيها
من جمال ونظام.

 

ويرتكز اللاهوتيون الكاثوليكيون في تحليلهم على البراهين الفلسفية
لوجود الله التي وضع أُسسها أرسطوطاليس وأفلاطون، وأدخلها القديس اغوسطينوس في
اللاهوت، ثم نظّمها وتوسّع فيها القديس توما الاكويني.

 

وقد عالج المجمع الفاتيكاني الأول (سنة 1870) هذا الموضوع وأخذ
بنظريّة توما الاكويني بعد أن أدخل عليها بعض التعديل. فبينما يقول توما الاكويني
إن العقل البشري يمكنه مبدئياً أن يبرهن عن وجود الله، اكتفى المجمع بالقول إن
الانسان يمكنه مبدئياً أن يعرف الله، ويضيف أن هذه الامكانية المبدئية قد أصبحت
واقعاً بفضل وحي الله.

 

وتبنّى المجمع الفاتيكاني الثاني أيضاً هذا الموقف في “الدستور
العقائدي في الوحي الالهي” (سنة 1965)، الذي يعلن فيه “ان العقل البشري
يستطيع بنوره الطبيعي أن يعرف الله مبدأ كل شيء وغايته معرفة أكيدة، وذلك عن طريق
المخلوقات”. ويستشهد بما يقوله بولس الرسول في رسالته الى الرومانيين (1: 20)
“ان صفات الله غير المنظورة، ولا سيمَا قدرته الأزلية وأُلوهته، تبصر منذ خلق
العالم، مدركة بمخلوقاته”. ثم يضيف المجمع: “إلا أنه من الواجب أن يُعزَى
إلى الوحي أن الأمور الإلهية التي ليست في حدّ ذاتها صعبة المنال على عقل الانسان،
يستطيع الجميع، حتى في ظروف الجنس البشري القائمة، أن يعرفوها بسهولة، وأن
يتيقّنوا منها يقيناً ثابتاً لا يخالطه غلط” (رقم 6).

 

ان هذا الموقف، الذي دُعي باللاهوت الطبيعي، هو حلّ وسط بين موقف
العقلانيين الذين ينكرون الوحي ولا يرون في الايمان إلا عملاً عقلياً، وموقف الذين
يرفضون الارتكاز على أي معرفة عقلية لله ولا يرون في الايمان إلا استسلاماً لله
ولكلامه.

 

ويؤكد اللاهوت الطبيعي أن هناك نوعين من المعرفة: معرفة طبيعية ترتكز
على العقل البشري، ومعرفة فائقة الطبيعة ترتكز على الوحي والايمان. فالمعرفة
الطبيعية هي نقطة الانطلاق التي يوجد فيها الانسان عندما يسمع كلام الوحي. عندئذٍ
ينتقل من المعرفة العقلية إلى الايمان.

 

ان السبيل إلى الله من خلال الكون والطبيعة والتفكير العقلي لا يزال
يعتمده الكثيرون من اللاهوتيين المعاصرين. إلا أن كثيرين غيرهم، وعددهم يزداد
يوماً بعد يوم، يرون أن البراهين العقلية عن وجود الله قد ضعفت قدرتها على الاقناع،
ولا سيمَا بعد ما أظهر الفيلسوف الالماني كانط حدود العقل البشري وعدم قدرته على
تأكيد أي شيء يخرج عن نطاق الطبيعة والخبرة الانسانية. فالعقل لا يمكنه، في نظر
كانط، أن يقدّم براهين جازمة عن وجود الله ولا عن عدم وجوده.

 

لا شك أن كانط يصل إلى الايمان بوجود الله عن طريق أخرى. فيقول إن
تأكيد وجود الله هو من المسلّمات التي يفترضها الانسان ويقبل بها انطلاقاً ما يشعر
به في داخله من واجب يدفعه إلى عمل الخير ومن رغبة في السعادة اللامتناهية مرتبطة
بتتميم هذا الواجب. فالشعور بالواجب غير ممكن إن لم يكن هناك إله يفرض هذا الواجب.
والرغبة في السعادة غير ممكنة إن لم يكن هناك إله يشبع تلك الرغبة ويكافئ بالسعادة
الأبدية من يصنع الخير في حياته على الأرض.

 

غير أن تلك المسلَّمات، كما يرى بعض اللاهوتيين المعاصرين، هي أيضاً
بحاجة إلى إثبات، ولا يمكنها بالتالي أن تقود إلى تأكيد وجود الله.

 

ج-
السبيل إلى الله من خلال خبرة الانسان

* القلق الوجودي

ان من ينظر إلى ما يختبره الانسان في واقع حياته يرى أن الانسان يعجز
دوماً عن تحقيق ما تصبو إليه نفسه، وأن هناك تبايناً مستمراً بين ما يريد أن يكون
وما هو عليه في الواقع. يريد كياناً مطلقاً ووجوداً خالداً ولا يختبر إلا كياناً
محدوداً ووجوداً مائتاً، يريد حياة مليئة بالقيم ولا يختبر إلا الفراغ والعبث،
يريد عمل الخير وراحة الضمير ويصطدم بالشرّ والشعور بالذنب. ونتيجة لتلك الخبرة
يساوره الخوف وينتابه القلق.

 

لقد أوجز اللاهوتي الالماني “بول تيليخ” (1886- 1965) حالة
الانسان هذه في كتاب دعاه “الجرأة على الكيان”، ميَّزَ فيه ثلاثة أنواع
من الخاطر تهدّد كيان الانسان في أبعاده الثلاثة:

– فالمصائب والموت تهدد الانسان في حياته ووجوده،

– والشعور بالفراغ والعبث يهدّدان كيانه الروحي،

– والشعور بالذنب والهلاك الأبدي يهدّدانه في كيانه الأدبي

 

وتكون هذه المخاطر نسبية أو مطلقة وفقاً لما تحدثه من دمار في كيان
الانسان: فالمصائب والأمراض تهدّد حياة الانسان تهديداً نسبياً، أما الموت فيقضي
عليها نهائياً، والفراغ يهدّد كيان الانسان الروحي تهديداً نسبياً، وأما العبث
فيقضي عليه نهائياً؛ والشعور بالذنب يهدّد كيان الانسان الأدبي تهديداً نسبياً،
أما الهلاك الأبدي فيقضي عليه نهائياً.

 

والقلق الذي يعانيه الانسان ينتج ما يشعر به من خوف حيال تلك الخاطر.
لذلك يكون هو أيضاً إما قلقاً نسبياً وإما قلقاً مطلقاً.

 

* السيطرة على القلق

بعد هذا التحليل للوضع الانساني، يصف تيليخ كيف يتمكّن الانسان من
السيطرة على القلق. فيرى أن الانسان لا يمكن أن يبقى في الوجود رغم ما يهدّد كيانه
من مخاطر إلا إذا كانت له “الجرأة على الكيان”. وتلك الجرأة يستمدّها
الانسان من مصادر ثلاثة: من المجتمع ومن ذاته ومن الله.

 

فالانسان يشعر بأنه جزء في مجتمع يتفاعل معه فيعطيه ويأخذ منه ويجد
فيه الراحة لنفسه والمعنى لحياته. كما يشعر الانسان انه شخص له كرامته وهدف يسعى
إليه وفيه يحقّق ذاته. وبقدر ما يندمج الانسان في المجتمع ويحقّق فيه ذاته بقدر
ذلك يمكنه أن يتغلّب على ما يهدّد وجوده من مخاطر وما يعانيه في كيانه من قلق.

 

إلا أن تلك الجرأة التي يستمدّها الانسان من المجتمع ومن ذاته لا تقوى
على السيطرة إلا على المخاطر النسبية التي تهدّد كيان الانسان في مختلف أبعاده
وعلى ما ينتج عن ذلك من قلق نسبي. فأي قوة يستطيع الانسان أن يجدها في ذاته أو في
المجتمع للسيطرة على القلق الذي يشعر به إزاء الموت والعبث والهلاك الأبدي؟

 

في تلك الحالات القصوى، يقول تيليخ، لا يبقى للانسان إلا ملجأ واحد
يلجأ إليه، وهو الايمانُ بوجود حقيقة قصوى تفوق الطبيعة وتسمو على الكون،
والاعترافُ بوجود كائن مطلق يستطيع أن يرتمي في أحضانه بثقة كاملة. وحده الايمان
بالكائن المطلق يمكّن الانسان من التغلّب على القلق المطلق الذي يعانيه حيال
المخاطر التي تهدّد كيانه تهديداً مطلقاً في مختلف أبعاده.

 

* التغرّب والضياع

ان هذا القلق الوجودي العميق، إن لم يتمكّن الانسان من السيطرة عليه،
لا بدّ من أن يقوده إلى التغرّب. والضياع.

 

التغرّب والضياع كلمتان لمفهوم واحد تردان كثيراً في الفلسفة المعاصرة
للتعبير عن حالة الانسان الذي يعيش غريباً عن نفسه وعن الآخرين، ضائعاً في عالم
وُجد فيه دون أن يعرف من أين أتى وإلى أين هو ذاهب.

 

يقول شارل مالك في وصف تغرّب الانسان: “غريب هو الكائن الانسان
-غريب في امتلائه سراً وغرابة، وغريب هو في كونه متغرّباً- غريب متغرّب. وسرّ
أسراره يكمن في ذلك التغرّب إياه. لذلك نسأل: متغرّب عن ماذا؟ متغرّب عن مَن؟
ونجيب انه متغرّب عن شيء كانه أو بإمكانه أن يكونه، لكنه، وهو في حالة التغرّب هذه،
يكون دون ذلك الشيء أو بعيداً عنه، وحنينه الأخير هو في الرجوع إليه. فغرابة
الانسان، إذن، هي في كونه متغرّباً عن شيء يحنّ للرجوع إليه. كلّنا غرباء. أنا
أعرف تماماً أيّ غريب، وأزعم، أيها القارئ، أنك أنت أيضاً غريب. غرابتك انك طافح
بالأسرار التي أجهل، بل، والتي تجهل أنت أيضاً. وهذا هو الأغرب. غرابتك انك تجيش
بالمهام التي لست واثقاً منها أنت نفسك. انك مثلي، تتلمّس أسرارك ومعنى حياتك كلها
في هذا التلمّس. ان سرّك الدفين هو أنك تريد، مثلي، إنهاء تغرّبك والعودة إلى
كيانك، وتفتّش، مثلي، عن طريق العودة. متى نعود؟ وكيف نعود؟ وإلى أين بالذات؟ وإلى
مَن؟ ثم هل نستطيع العودة؟ أم انه قُضي علينا بالتغرّب طيلة العمر؟ وهل من طبيعة
كياننا أن نبقى غرباء، نعاني حسرات الغربة؟ تلك هي الأسئلة الأخيرة الحاسمة..

 

التغرّب اذاً هو حالة الانسان العائش غريباً عن غاية وجوده، بعيداً عن
معنى حياته. ولن يستطيع إنهاء تغرّبه والعودة إلى كيانه ما لم يجد غاية وجوده
ومعنى حياته. كيف السبيل إلى ذلك؟

 

* اكتشاف القيمة القصوى

في وجود كل انسان قيم متعدّدة يسعى إلى تحقيقها لأنه يرى في ذلك
تحقيقاً لذاته. وتختلف هذه القيم باختلاف الحاجات والرغبات والأطباع والأميال.
فهناك حاجات بيولوجية لا بدّ من إشباعها كالحاجة إلى الطعام والكسوة والمسكن،
وهناك حاجات فكرية كالحاجة الى المعرفة والجمال؛ وهناك حاجات اجتماعية كالحاجة إلى
عائلة ومجتمع ووطن.

 

ويختلف البحث عن تلك القيم باختلاف أهميتها. فمن القيم ما هو أساسي في
حياة الانسان ومنها ما هو ثانوي. وفي الواقع لكل إنسان سُلَّم من القيم يبنيه هو
نفسه، وفي أعلى هذا السُلَّم يضع قيمة أساسية قصوى، كالحب، والصداقة، والمال،
والشرف، والسلطة، والمكانة الاجتماعية، والحزب، والوطن، الخ.. وهذه القيمة القصوى
هي التي تعطي معنى لوجود الانسان وتساعده على تحمّل صعوبات الحياة والتغلّب على ما
يعانيه من حيرة وقلق. لذلك يوجّه إليها كل قواه، ولا ينظر إلى الحياة إلا من
خلالها، ولا يبحث عن سائر القيم إلا بقدر ما تتيح له تحقيق تلك القيمة القصوى،
لأنه يرى في تحقيقها تحقيقاً لذاته، وفي فقدانها فقداناً وضياعاً لذاته، فهي محور
نظرته الى الكون والواقع، ومركز ائتلاف كيانه وشخصيته.

 

معظم الناس يختارون لذواتهم قيمة قصوى يسعون لتحقيقها في حياتهم، ولكن
المهم في الأمر ليس الاختيار بل حسن الاختيار.

 

ومشكلة الانسان الكبرى، التي هي في أساس تغرّبه، هو انه، في معظم
الأحيان، يخطئ في اختياره. يختار لنفسه قيمة قصوى من بين هذه الأمور التي تشبع
رغباته الوقتية وحاجاته الزمنية، ولكنها لا تقوى على إشباع رغبته في المطلق وعطشه
وإلى اللامتناهي، ولا تستطيع من ثَمَّ إزالة الخاطر المطلقة التي تهدّد الانسان في
عمق كيانه: خطر الموت وخطر العبث وخطر الهلاك الأبدي. لذلك ان اكتفى بها الانسان
ووضع فيها رجاءه الأخير، لا بدّ له من الشعور بخيبة الأمل وبالتغرّب عن غاية وجوده
ومعنى حياته.

 

ان الأمر الوحيد الذي يستطيع أن يكون الغاية القصوى الحقيقية للانسان
يجب أن يصحّ فيه ما يقوله أيضاً شارل مالك عن الحقيقة: “انه شيء موجود، شيء
حقيقي ثابت وأكيد، لا غشّ فيه ولا زيف، شيء لا يخدع ولا يغالط، وهو، على بعده
وخفيته، شيء متاح، ممكن الأخذ والمنال، شيء يرتاح إليه العقل ويطمئنّ تماماً، بل
ليس في مقدور العقل أن يشكّ فيه، أو يتساءل عنه، أو يدور حوله، انه شيء يقنع ويشبع،
شيء مضبوط لا عطب في أيّ من جوانبه كافة، يملأ النفس، فتطمئنّ إليه، وتجد فيه
سعادتها، شيء باقٍ أركن إليه بسلام، وهو حين أجده أقول انه كان موجوداً منذ الأزل
وهو الذي كنت أبحث عنه طيلة حياتي؛ شيء يغنيني عن أيّ شيء آخر إن أنا وجدته ومكثت
فيه؛ شيء مباح عمومي بمقدار ما هو خصوصي أمتلكه شخصياً، شيء إن أنا حزته واعتنقته
تمكّنت من شرحه ونقله إلى غيري، وتمكّن غيري من حيازته واعتناقه هو أيضاً، دون أن
ينتقص مثقال ذرّة من حيازتي له واعتناقي إياه، شيء بقدر ما أشرحه وأكونه وأشهد له،
وأشرك فيه غيري، بقدر ما يزداد فيّ تمكّناً ووثوقاً”. ولكن هل من سبيل للتأكد
من وجود هذا الكائن المطلق؟

 

4- بين
الإلحاد والإيمان

أ-
الإيمان والإلحاد كلاهما ممكن

لا بدّ لنا من الإقرار أولاً اننا لا نستطيع أن نثبت بالبراهين
العقلية الجازمة التي لا تقبل الشك لوضوحها وصفائها وجود هذا الكائن المطلق وتلك
الحقيقة القصوى. فكثافة الجسد الذي نحن فيه وكثافة المادة التي تكتنفنا تحولان دون
ظهور هذا الكائن ظهوراً جلياً. لذلك يستحيل علينا إقناع الملحدين بالبراهين
العقلية أنّ إلحادهم خاطئ.

 

ولكن من جهة أخرى لا بدّ للملحدين من الإقرار بأنهم هم أيضاً لا
يستطيعون أن يبرهنوا بالبراهين العقلية الجازمة التي لا تقبل الشكّ ان هذا الكائن
المطلق الذي نؤمن بوجوده هو وهمٌ محض وصنع خيال.

 

فمن الناحية المبدئية اذاً الايمان ممكن والالحاد ممكن، وكلاهما لا
يرتكز على براهين عقلية. انهما موقفان يختارهما الانسان انطلاقاً من نظرة أساسية
شاملة إلى الكون والحياة فالايمان يرتكز على نظرة إيجابية، نظرة ثقة بالكون
والحياة، بينما يرتكز الإلحاد على نظرة سلبية، نظرة شكّ وتشاؤم بالكون والحياة.

 

ب-
الإيمان والإلحاد موقفان من الحياة

المؤمن يرى ان للحياة مبدأ ومعنى وغاية، وان الله هو مبدأ الكائنات
ومعناها وغايتها. لذلك يستطيع ان يتغلّب على ما يشعر به من قلق. فالموت لن يعود في
نظره نهاية كل شيء بل دخول في حياة الله؛ والحياة لن تعود فراغاً وعبثاً، بل
اشتراك مع الله في متابعة خلق العالم؛ والخطيئة لن تقوده إلى اليأس والخوف من
الهلاك الأبدي، بل تحمله على الرجاء برحمة الله اللامتناهية. وهكذا يجد في الله
الحلّ الله الذي ينشده للخروج من قلقه والسيطرة على تناقضات حياته والعيش في أمان
وسلام.

 

اما الملحد فبرفضه الله يرفض أن يكون للحياة مبدأ دائم ومعنى مطلق
وغاية أخيرة. فهو يكتفي بأن يحيا في النسبي من الأمور. وإن رأى في الكون ما يبرّر
الحياة ويجعلها حلوة في نظره، فلن يتمكّن من حلّ مجمل ألغازها والإجابة على
التساؤلات القصوى التي لا بدّ له من طرحها يوماً في ميادين المعرفة والعمل والرجاء:

– ماذا نستطيع أن نعرف؟ لمَ الحياة ولمَ الكون؟ من أين يأتي الانسان؟
وإلى أين هو ذاهب؟ ولمَ هذا العالم؟

– ماذا يجب علينا أن نعمل؟ لماذا نحن مسؤولون وأمام مَن؟ ما هو المصير
الذي يجب أن يتوق إليه الانسان؟ وما هو المصير الذي يجب أن يجتنبه؟ ما الذي يقرّر
مصير الانسان؟ وما معنى الأمانة والصداقة؟ لماذا العذاب؟ لماذا الخطيئة؟

– ماذا يمكننا أن نرجو؟ ما هي غاية وجودنا؟ ماذا سيحدث للكون؟ ما هو
مصيرنا: الموت النهائي الذي سوف يقضي على كل شيء؟ ما الذي يحملنا على البقاء بجرأة
على قيد الحياة؟ وما الذي يحملنا أيضاً على قبول الموت بجرأة؟

 

إن تلك الأسئلة تهمّ الناس جميعاً: الجهّال والحكماء، الضعفاء
والأقوياء، المرضى والأصحّاء، المائتين والأحياء. في وسط كل ما هو معرَّض للتحوّل
والتغيُّر والزوال والفناء، هل من حقيقة ثابتة تسند الكون وتسند الانسان وتمنعه من
الانقياد إلى اليأس؟ لا جواب لأي من تلك الأسئلة عند الملحدين.

 

فالملحد لا يرى إلا ما تقع عليه حواسه، ولا يقبل إلا ما يدركه عقله
إدراكاً مباشراً. ولكنه برفضه الانفتاح على ما يتجاوز العقل والحواس، يحصر الانسان
في حدود ضيقة هو مدعو الى تجاوزها، ويغلق على العقل في آفاق قصيرة المدى هو مدعو
الى الذهاب أبعد منها. وبذلك يجرم الى الانسان والى العقل الانساني ويبقيهما في
حيرة وخوف وقلق.

 

يرى الملحد أن المادة. أصل كل شيء وكل فكر وكل روح؛ انها أزلية لا شيء
قبلها ولا كائن آخر أوجدها. أما المؤمن فيرى ان المادة، إن لم يكن هناك روح
يحرّكها، لا يمكن أن يخرج منها الروح. ويرى ان الانسان، ذاك الكائن الضعيف المعرّض
للموت، لا يمكن أن يكون هو أصل كيانه، إذ لا يملك في ذاته ما يجعله يكتفي بذاته.
الانسان متعلِّق بالكائن الأسمى المطلق الذي يملك كل شيء وهو أصل كل شيء وغاية كل
شيء.

 

الملحد يعدّ الانسان “كائناً خُلِقَ ليموت” بعد فترة من
الوقت يقضيها على الأرض. أما المؤمن فيعدّ الانسان “كائناً خُلِقَ
ليحيا” مع الله إلى الأبد. الملحد يعيش دون رجاء، أما المؤمن فيحيا في الرجاء.

 

الملحد والمؤمن كلاهما يختبر ضعف الانسان وحدود كيانه في المرض والألم
والشقاء والموت. ولكن بينما يغلق الملحد على ذاته في تلك الخبرة ويضيع فيها كيانه،
يتجاوزها المؤمن ليرى فيها دعوة الى الاتحاد بمن لا حدود لكيانه ولا نهاية لحياته.

 

إن لم نتمكّن من إثبات وجود الله بالبراهين العقلية الجازمة، فإننا
نستطيع أن نظهر أن إيماننا لا يناقض العقل، بل، على العكس من ذلك، يجيب على
تساؤلاته وقلقه وتطلباته أكثر من الإلحاد.

 

لا يدّعي اليوم المؤمنون أنهم يستطيعون إقناع الملحدين بالبراهين
العقلية. حسابهم أن يشهدوا على ما يؤمنون به وعلى ما يختبرونه في إيمانهم.

 

5- خبرة
الإيمان

أ-
الإيمان والتغرّب

ليس الإيمان اعتناقاً لبعض المبادئ النظرية أو قبولاً لبعض العقائد
الموضوعية البعيدة عن حياة الانسان. إنما الإيمان خبرة حياتية تشمل نظرة الانسان
إلى الكون بأسره وإلى وجوده في هذا الكون.

 

وتلك الخبرة هي الناحية الإيجابية لما يختبره الانسان سلبياً في
التغرّب. فبالايمان يدرك الانسان أن ما يشعر به من تغرّب ليس سوى غشاء يحجب
الحقيقة الأخيرة، وانه بامكانه الاتحاد بتلك الحقيقة، وإنْ من خلال الغشاء الذي
يحجبها. بالايمان يدرك الانسان ان ما يبحث عنه ليس مجرد سراب ووهم خيال، بل هو
كائن حقيقي، هو الكيان بالذات، أصل كل الكائنات ومبدأها وغايتها، هو الموجود الأول
الذي لولاه ما وُجد شيء.

 

ومن خلال وجود هذا الكائن المطلق ينظر المؤمن إلى الكون وإلى نفسه.
فلا يغدو الكون عمل الصدفة أو السحر، بل عمل مبدع خالق منظّم أبدع الكون من لا شيء
وخلق الانسان من العدم ودعاه إلى مشاركته في تنظيم الخلق وإلى متابعة عمل الخلق.

 

بموجب تلك النظرة الإيمانية يرى المؤمن في معطيات الكون والواقع
والعالم والتاريخ نعماً أُعطيت له من قبل الله لتحقيق ذاته ونموّ كيانه. لا يتعامى
المؤمن عن النواحي السلبية والجوانب الشاقة التي لا بدّ لكل كائن بشري من أن يصطدم
بها في الكون. إنما لا يتوقف عندها ولا يبقى أسيرها، بل يرى في وجودها دعوة إلى
تجاوزها وتحقيق حريته أن خلالها. فيدرك من جهة انه مرتبط بالكون وبالآخرين وبالله
بعلائق لا يستطيع أن يحيا من دونها، ويعرف من جهة أخرى انه حر، غير انه لا يحسب
حريته قائمة على رفض تلك العلائق، بل بالأحرى على تحويلها إلى علائق تكامل وصلات
محبة.

 

ب-
أبعاد الإيمان

هكذا يبدو الإيمان نظرة إلى الكون وموقفاً من الحياة يتيحان للانسان
اكتشاف عمق الأشياء وأصلها ومستقبلها في نظرة شاملة تحيط بكل أبعاد الواقع.

 

* نظرة إلى عمق الأشياء

لا يتوقف المؤمن عند القشرة من الأشياء بل ينفذ إلى لبّها وجوهرها، لا
يكتفي بالنظر إلى سطحيات الأمور، بل يسبر غورها وعمق معناها. من خلال ما يُرى
يكتشف ما لا يُرى، من خلال الرمز يكتشف المعنى.

 

فكما ان الانسان يرى في ابتسامة أوفي باقة ورد تُهدى له علامة صداقة،
هكذا في جمال الخلائق يرى جمال الخالق، وفي الكون والحياة يشاهد وجه الكائن والإله
الحي الذي خلق الانسان ليشركه في كيانه ويملأه من حياته.

 

تلك النظرة إلى عمق الأشياء توصل الانسان إلى اكتشاف أساسها الراسخ
الثابت الأمين، وبالتالي إلى اكتشاف قيمتها. فهي ليست نتيجة الصدفة بل عمل الله
الذي خلقها ليحقّق الانسان ذاته من خلالها.

 

تلك النظرة إلى عمق الأشياء من شأنها مساعدة الانسان في محاولته
السيطرة على ما يشعر به من حيرة وقلق وتغرّب وضياع.

 

* نظرة إلى أصل الأشياء

في حياتنا اليومية تتبادر دوماً إلى أذهاننا أسئلة عن أصل الأشياء
وأصل الانسان: مَن صنع هذا الشيء وما هو مصنوع؟ من أين أتى هذا الانسان؟ مَن هم
ذووه؟ أين وُلد وأين تعلَّم؟ من خلال ماضي الانسان نحاول أن نكتشف حاضره. وللتعمّق
في معرفة ذواتنا نحاول أن نتذكّر نحن أيضاً تاريخنا الماضي وحياتنا السالفة.

 

لا يكتفي الايمان بتلك العودة في الزمن إلى ماضي الأشياء وماضي
الانسان، بل يحاول اكتشاف الأصل اللازمني لجميع الكائنات، أي علّة وجودها ومبدأ
كيانها.

 

كل انسان يختبر حدود وجوده في المكان والزمان، ولا سيمَا في أوقات
الضيق والمرض والضعف والموت. من خلال تلك الخبرة يكتشف المؤمن أن الكائن المحدود
لا يمكن أن يكون هو أصل ذاته. عندئذٍ ينفتح الكائن المطلق ويرى فيه أصل كل كيان
وكل وجود. ويدرك إذّاك ان حياته هي نعمة أُعطيت له من قبل الله.

 

هذا ما تؤمن به مختلف الديانات وتعبّرعنه في عقيدة الخلق. وتلك
العقيدة ليست نظرية علميّة تهدف إلى تفسير الطريقة التي خلق الله بها الكون، بل
تعبير عن إيمان الانسان بعلاقته بالله أصل كيانه وعلّة وجوده.

 

* نظرة إلى مستقبل الأشياء

الايمان بأن الله هو خالق الكون لا يقتصر على الزمن الماضي. فالخلق
عمل دائم، لأن العلاقة بين الله والكون هي علاقة دائمة. لذلك لا يكتفي المؤمن
بالنظر إلى الماضي والحاضر، بل يتجاوزهما إلى المستقبل. وفي كل نقص يختبره في
الحاضر يرى دعوة من الله للعمل في سبيل بناء مستقبل يحقّق فيه كل انسان ما تصبو
إليه انسانيته.

 

فالايمان هو إذاً نظرة إلى الكون والانسان كما يريدهما الله أن يكونا،
وفي آن معاً التزام للإسهام مع الله في تحقيق تصميمه وإرادته في الكون والانسان.

 

استناداً إلى هذا الالتزام الذي هو من صميم الايمان، ندرك أن الايمان
ليس من مخلَّفات العصور السابقة، كما يدّعي الملحدون، بل هو أساس لبناء المستقبل.
انه الركيزة الثابتة التي يستطيع الانسان أن يعتمد عليها للحفاظ على تفاؤله
بانتصار الخير على جميع قوى الشر المعادية، وللثبات في جهاده لبناء أرض تسود فيها
المحبة ويسود السلام. فالمؤمن موقن انه لا يعمل وحده، يل يعمل مع الله الساكن فيه،
وانه بقوة الله يستطيع أن يحقّق ما لا يستطيع الانسان تحقيقه وحده. فاذا كان هذا
العمل مستحيلاً عند الناس، “فعند الله كل شيء ممكن” (متى 19: 26).

 

* نظرة شاملة إلى الكون والحياة

والايمان هو أخيراً نظرة شاملة إلى الكون والحياة. لا ريب في أن
الخبرة البشرية، بسبب حدود الانسان وحدود معرفته، هي دوماً خبرة جزئية. أي ان
الانسان لا يمكنه أن يختبر الواقع كلّه. إنما كل حدث فردي من أحداث الواقع يمكن أن
يحيلنا إلى الكل. لذلك لا يغلق المؤمن على ذاته ضمن ما يجري في حياته من أحداث
فردية، بل يضعها دوماً في إطار نظرة شاملة لحياته ومصيره.

 

فإزاء موت قريب له أو صديق، وما يسبّبه له هذا الحدث المفجع من حزن
وألم، يتساءل المؤمن ليس عن نهاية حياة هذا الانسان وحسب، بل عن نهاية حياته هو
ونهاية حياة كل انسان. من خلال تلك الخبرة يدرك أن الانسان لم يخلق فقط لبضع سنوات
يقضيها على هذه الأرض، بل خُلق للحياة الدائمة مع الله. عندئذٍ لا يعود الموت في
نظره نهاية كل شيء بل مروراً إلى حياة الله.

 

ج-
الإيمان بالله هو الإيمان بالمحبة

لا شك في أن تلك النظرة لن تزيل من حياته كل ألم. فالفواجع التي
تنتابه والمصائب التي تلمّ به تبقى أحداثاً لا يمكنه كإنسان إلا أن يشعر بمرارتها
وقسوتها. ولكنه يؤمن ان الله أعظم منها، وان محبة الله له أقوى من الموت وأقوى من
كل ما يمكن أن يحدث له.

 

عندما أراد يوحنا الانجيلي التعريف بالله لم يلجأ إلى تعبير فلسفيّ
نظريّ، بل قال: “ان الله محبة. فمن ثبت في المحبة ثبت في الله وثبت الله
فيه” (1 يو 4: 16). وفي تعريفه بالمحبة يقول: “على هذا تقوم المحبة: لا
أنّا نحن أحببنا الله، بل هو نفسه أحبَّنا وأرسل ابنه كفّارة عن خطايانا” (1
يو 4: 10). لقد عرّفنا يوحنا بالله من خلال علاقة الله بالبشر. وتلك العلاقة هي
علاقة محبة.

 

ويجد هذا التعريف بالله صدى في قول جبران خليل جبران: “أما أنت
إذا أحببت فلا تقل: الله في قلبي، لكن قل: أنا في قلب الله”.

 

هذا هو موقف المؤمن الحقيقي إزاء الحياة والكون وكل ما يمكن أن يحدث
له في اليسر والضيق، في الفرح والحزن، في السعادة والشقاء، في الحياة والموت، يؤمن
انه ليس وحيداً في هذا الكون ولا غريباً في هذه الحياة. فالله قد أحبّه واختاره
وقبله.

انه في قلب الله إلى الأبد.

تلك هي البشرى الصالحة التي بشّرنا بها يسوع المسيح في كلامه عن الله،
وفي حياته كلها وموته وقيامته.

كيف ظهر لنا الله في شخص يسوع المسيح؟

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى