علم

الفصل الأول



الفصل الأول

الفصل
الأول

مقدمة
عن دفاعيات مدرسة الاسكندرية

 أولا
– فكرة عامة عن مدرسة الإسكندرية اللاهوتية

 الحاجة
إلى مدرسة الإسكندرية:

 ا-
قبل ظهور المسيحية بزمن طويل، اشتهرت الإسكندرية بمدارسها، ولعل أعظم هذه المدارس
هي ” المتحف أو الموزيم” التي أسسها بطليموس الأول وصارت أشهر مدرسة في
الشرق. بجانب هذه المدرسة وجدت مدرسة السيرابيوم، وأيضا مدرسة سيباستيون، وكان
لهذه المدارس الثلاث مكتباتها الضخمة، ضمت مكتبة المتحف وحدها ما بين مائتى ألف
ونصف مليون مخطوط وكتاب في أيام بطليموس الأول. بجانب هذه المدارس انتشرت أيضا
مدارس يهودية تنشر الثقافة اليهودية في بقاع البلاد.

فلم
يكن أمام الكنيسة في جو كهذا إلا إنشاء مركز للتعليم المسيحي، يسندها في مواجهة
المعركة التي شنتها هذه المدارس القوية والثقافات المتنوعة التي سادت المدينة.

وفي
مدينة مثل هذه، لا يحمل الإنجيل قوة إن لم يكن قادرا على خلق معلمين قادرين على
مجابهة فلاسفة يرفضون الإنصات لمن هم غير قادرين على فهم أفكارهم والاهتمام بما
ينشغلون به وتفنيد حججهم الأساسية، بهذا يلتقون بهم بروح مسيحي لطيف.

 

2-
كانت هناك حاجة ماسة لقيام مدرسة مسيحية قوية تجابه ” الغنوسية ” على
وجه الخصوص، فقد عرف العالم في ذلك الحين أشكال متنوعة من الغنوسيات هي في حقيقتها
ملتقى هائل لعناصر يهودية ومسيحية ويونانية وشرقية.. كانت تشكل خطر على الإيمان
المسيحي، هذه الغنوسيات كثيرة ومتنوعة، وثنية، وأخرى لها سمة يهودية، وثالثة حملت
اسم المسيحية لكنها في جوهرها تحمل فكرا يهوديا، كما وجدت مذاهب غنوسية هاجمت
العهد القديم مثل مرقيون. وجد غنوسيون نساك مثل أتباع باسيليدس…

هذه
الغنوسيات وغيرها حملت مميزات وسمات متباينة لكنها اشتركت في إيجاد ثنائية بين
الله والمادة، إذ حقرت من المادة كعنصر شر وجعلتها من صنع إله ليس خير لكن ما هو
أهم أنها أصرت على إحلال الغنوسية أو المعرفة محل الإيمان كسبيل للخلاص.

لم
تقف مهمة مدرسة الإسكندرية عند تفنيد المبادئ الخاطئة والأفكار المضلة للغنوسيين،
لكنها حملت رسالة تقديم غنوسية أو ” معرفة ” على مستوى إنجيلى مسيحي
بغير انحراف.

فيقول
إكليمنضس ” لا إيمان بغير معرفة ولا معرفة بغير إيمان “

 

نشأة
المدرسة:

شهد
القديس جيروم أن مرقس الرسول قام بتأسيس مدرسة الإسكندرية المسيحية فقد أوحى له
بالروح القدس أن يقيمها للتعليم بالمسيحية، كطريق لتثبيت الدين الجديد في هذه
المدرسة على أساس راسخ، سواء بالنسبة للذين من أصل أممى أو من أصل يهودي.

 

سماتها
ومنهجها:

ليس
لدينا بالتفصيل صورة عن سمات المدرسة وبرامجها ومنهجها ولكننا نستطيع أن نتكشف
الخطوط العريضة خلال حياة آبائها وتراثهم الكتابى.

 

ا-
بدأت مدرسة الإسكندرية كمدرسة للجميع من أمم ويهود لتعليم الإيمان المسيحي، تقدم
لهم دراسات لنوال سر المعمودية. فتحت المدرسة أبوابها أمام الجميع..

2-
أمام هذا الانفتاح لم يكن ممكنا أن تقتصر المدرسة في دراستها على اللاهوت وحده…
بل كان برنامجها يقوم على أساس موسوعى شامل فكانت مركزا للتعليم الفلسفي والعلمى
كما للتعليم اللاهوتى.

3-
أخذت بنظام التدرج فغالبا ما تبدأ الدراسة بسلسلة من العلوم ” غير الدينية
“، من خلالها يكسب المعلم غير المؤمنين ويُقيم الأفكار الفلسفية والعلمية،
ساحبا القلوب نحو المعلم الوحيد يسوع المسيح.

تأتى
بعد ذلك الأخلاقيات والسلوك الدينى ليس كغاية في حياة المسيحي إنما ليكون متشبها
بالله، وأخيرا يدرس اللاهوت المسيحي في شكل تعليقات وشرح للكتاب المقدس.

يظهر
هذا المنهج في مراحله الثلاث من الكتب الثلاث الرئيسية التي وضعها القديس إكليمنضس
الإسكندرى. الكتاب الأول قدم منهجا لغير المسيحيين خلاله يتعرف طالبوا العماد على
أساسيات المسيحية دون الدخول في حرب مع الفلسفة.. والكتاب الثاني يمثل منهجا
أخلاقيا غايته التشبه بالله، والثالث يمثل منهجا متقدما خاصا بالمعرفة ”
الغنوسية ” للحق الإلهي…

4-
امتازت بعدم الفصل بين الدراسة والحياة الإيمانية التقوية. فكانت العبادة تمارس
جنبا إلى جنب مع الدراسة. يمارس المعلمون وتلاميذهم الصلاة والصوم وحياة النسك مع
النقاوة بغية الدخول في طريق الكمال المسيحي.

5-
عرفت المدرسة باهتمامها بالبحث العلمى، فلم يكن الأساتذة مجرد محاضرين يلقنون
الطلبة ما يريدون…. لكنهم بالأكثر كانوا يهتمون بتقديم المشورة في البحث
والتنقيب مع المناقشة المستمرة.

كان
الأستاذ أشبه بمرشد يعين تلاميذه على التعرف على المدارس الفلسفية المتنوعة
بأنفسهم ويختاروا ما فيها من حق ويرفضوا ما فيها من بطلان…

6-
قامت المدرسة أيضا على العلاقات الشخصية بين الأساتذة وتلاميذهم.. فكانت أشبه
بمجال للتلمذة في أسمى صورها. فكانت جزءا لا يتجزأ من الحياة الكنسية… التي في
صميمها هي حياة تلمذة.

ظهرت
هذه العلاقة الوطيدة في حياة القديس إكليمنضس الإسكندرى الذي قال عنه ج. باردى أنه
رفع قلوب طلبته إلى الأعالى التي أعلنها بصبره وابتسامته الدائمة.

هذه
العلاقات دفعت المدرسة بقوة، فانتقل إلى الطلبة، روح أساتذتهم وغيرتهم الدراسية
وحياتهم التقوية.

 

مدرسة
الإسكندرية والفلسفة

نظرة
مدرسة الإسكندرية للفلسفة تحتل نصيبا ليس بقليل من كتابات آبائها، فقد حمل هؤلاء
الآباء نظرة خاصة فلم يحملوا اتجاها معاديا لها، ولا اتخذوا منها موقفا عنيفا،
إنما رأوا فيها بصيصا من الحق، وإن شابه بعض الضلالات. لقد رأت المدرسة أن الكنيسة
قادرة على الدخول إلى قلوب الفلاسفة خلال هذا البصيص لتبلغ بهم إلى كمال الحق
المعلن في الإنجيل المقدس

 

دور
المدرسة في حياة الكنيسة:

كشفت
المدرسة عن اتساع الفكر المسيحي بوجه عام، وروت ظمأ المسيحيين إلى المعرفة، وقدمت
ضوءا جديدا على أهمية العلم والتعليم بوجه عام كما خلقت قادة في الفكر وفي العمل
الكنسى الرعوى على المستوى المحلى والمسكونى.

 

ا-
اهتمام المدرسة بالفلسفة اليونانية نزع عنها أي نظرة ضيقة نحو المسيحية كتراث
إقليمى يرتبط بجماعة محلية أو ثقافة خاصة، وبهذا ربحت الكنيسة نفوس كثيرة للسيد
المسيح من عينات مختلفة، على كافة المستويات الفلسفية والفكرية، لهذا عندما تحدث
فارار عن اللاهوت المسيحي في مدرسة الإسكندرية قال: ” الكرازة بالمسيحية أشبه
بالطريقة التي تحدث بها الله قديما مع الآباء، تحمل سمة التعدد والتنوع. لقد قدمت
للعالم حكمة غنية متنوعة، إذ وقفت الكنيسة أمام العالم كابنة الملك التي ذكرها
المرتل أنها ملتحفة بثياب مزركشة. تستطيع أن تكون بسيطة مع غير المتعلمين،
وكيهودية مع اليهود، وكيونانية مع اليونانيين، وبمعنى صالح ولطيف إنها كل شيء مع
كل أحد.

وصف
شاف قدرة المدرسة على الكرازة بين الفئات المتباينة خلال اتساع نظرتها قائلا:
” كانت من جهة حصنا للكنيسة ضد الأشرار… ومن جهة أخرى كانت جسرا للعبور من
العالم إلى الكنيسة. كان الموعوظون شعبا وخطباء “.

 

2-
هذا الاتجاه جعل من أساتذة المدرسة رجالا مسكونيين، ليس فقط لأنهم كسبوا كثيرين من
ثقافات متنوعة، لكن انفتاح فكرهم وجه أنظار الكنيسة الجامعة- في الشرق والغرب –
إليهم وفي القرون التالية حمل رجالها أمثال القديس أثناسيوس الرسولى والقديس كيرلس
الكبير مسئوليات كنسية على مستوى مسكونى.

كان
من نتيجة ذلك ليس فقط أن صار لرجالها الصبغة المسكونية إنما تتلمذ على أيدي
أساتذتها رجالا من بقاع كثيرة، صاروا قادة فكر مسيحي. وحمل بعضهم أعمالا رعوية في
بلاد كثيرة، نذكر على سبيل المثال القديس غريغوريوس أسقف نيصص.

هذا
وقد تلقت الكنيسة- في الشرق والغرب- الكثير من أعمال الدراسة بكل إجلال… تُرجمت
باللغات المختلفة كاللاتينية والسريانية منذ القرون الأولى، ولا نبالغ إن قلنا أن
كتابات آباء الإسكندرية لازالت تحمل آثارا على الكنيسة في كل المسكونة. لهذا يهتم
العالم بترجمتها إلى اللغات الحديثة الحية.

 

3-
استطاعت المدرسة أن تروى ظمأ المسيحيين بالإسكندرية نحو المعرفة الدينية، وتحثهم
على الدراسة والبحث. بهذا ساهمت المدرسة في إنشاء أول نظام للدراسات اللاهوتية في
العالم، كانت بحق (مهد اللاهوت المسيحي).. منها خرج رجال قادرون على الرد على
المهاجمين والدفاع ضد الأريوسية مثل القديس أثناسيوس.

 

4-
قيام هذه المدرسة أعطى للطلبة إمكانية الحصول على التعليم الذي تقدمه المدرسة
الوثنية العظمى، لكن بواسطة معلمين مسيحيين.

 

5-
أخيرا، كانت المدرسة سندا لكنيسة الإسكندرية، غالبا ما يُختار أحد عمدائها أو
تلاميذها، بابا للإسكندرية… وكما يقول نيافة الأنبا غريغوريوس ” امتد أثر
المدرسة اللاهوتية إلى هنا وهناك، فاشتهر طلبتها بتقواهم واتساع مداركهم وتفكيرهم.
وكانت النتيجة أن باباوات الإسكندرية كانوا يُختارون من بين رؤساء المدرسة
وأساتذتها، كذلك الأساقفة والكهنة. كان رئيس المدرسة يعتبر الرجل التالى بعد
البابا، سواء من الناحية العلمية أو الاجتماعية، وإن كان ليس من الجانب الكنسى أو
الطقسى. فنحن نعلم أن القديس مرقس عين يسطس أول عميد للمدرسة، وقد صار البطريرك
السادس، وهكذا مركيانوس البطريرك التاسع، وهيراقليس (ياروكلاس) الذي صار رئيسا
للمدرسة بعد أوريجانوس البابا السادس عشر، وخلفه ديونيسيوس كرئيس للمدرسة وكبابا،
وأيضا بطرس خاتم الشهداء كان رئيسا للمدرسة وقد صار بابا الإسكندرية السابع عشر،
ثم خلفه أرشلاوس، هؤلاء جميعا كانوا رؤساء للمدرسة قبل سيامتهم باباوات. لكن هناك
باباوات كانوا من أساتذة المدرسة أو على الأقل من طلبتها، منهم ألكسندروس البابا
التاسع عشر، والقديس أثناسيوس الرسولى العشرون، وكيرلس عمود الدين، البابا الرابع
والعشرون.

بالحقيقة
هذا هو سر القوة المخفية وراء كنيسة الإسكندرية في القرون الخمسة الأولى. هذا هو
سر شهرة باباواتها وبطاركتها، إذ كانوا يحسبون كحراس للإيمان الأرثوذكسى، وبسبب
اتساع أفقهم كانوا شغوفين بالمعرفة، فحسبوا “معلموا المسكونة” وكانت لهم
الكلمة الأخيرة الفاصلة.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى