علم المسيح

السلطة والخدمة وغسل أرجل التلاميذ



السلطة والخدمة وغسل أرجل التلاميذ

السلطة
والخدمة وغسل أرجل التلاميذ

1
المناقشة بين التلاميذ عن الرئاسات (لو 24: 22).

2
السبب لتنازع التلاميذ.

3
السلطة العالمية كسيادة والسلطة المسيحية كخدمة (لو 25: 2230).

4
غسل السيد أرجل التلاميذ ك:

أ
مثال عملى للخدمة.

ب
إعداد لعملهم الكرازى.

5
التلاميذ قضاة لإسرائيل، الإنجيلي لوقا والنزاع بين التلاميذ.

 

ثانيًا:
السلطة والخدمة وغسل أرجل التلاميذ

(لو24:
22 30، يو1: 1320)

1
المناقشة بين التلاميذ عن الرئاسات (لو24: 22):

بعد
نبوة السيد عن الخيانة مباشرةً، يصف لنا الإنجيلى لوقا حادثًا “غريبًا”
وغير مناسب، من نحو الساعة والحالة التى تم فيها، هو حادث المناقشة بين التلاميذ
عن ” مَن منهم يظن أنه يكون أكبر” (لو24: 22). هذه المناقشة بين
التلاميذ، لم تكن هى المرة الأولى، فكُتاب الأناجيل يعلموننا أن مناقشات من مثل
هذا النوع، قد حدثت مرات أخرى (أنظر على سبيل المثال مر33: 934، مت 1: 18، لو46:
9). لكن في هذه المرة موضع الدراسة كانت المناقشة التى حدثت مساء الخميس الكبير،
في فترة العشاء الأخير، في العلَّية، حادة لدرجة أنها قادت التلاميذ في النهاية
إلى التشاحن والمنازعة[1].

 

2
السبب لتنازع التلاميذ:

لكن
ما هو السبب الذى أثار هذه المنازعة؟!

1
من المحتمل، أن إعلان السيد المُسبّق عن الخيانة، كان هو السبب الذى خلق المنازعة
بين التلاميذ[2]. وإن كان
الجو المملوء بالحزن في العُليَّة والحيرة التى شملت التلاميذ بعد هذا الإعلان
بالذات، لا يساعدان التلاميذ على بدء مناقشة بينهم عن الرئاسات (أنظر مر19: 14،
مت21: 26، لو23: 22، يو22: 13). بل والأكثر من هذا، فإن أى تلميذ من التلاميذ
يستطيع أن يتكلم عن ” المكانات الأولى ” وهو في الوقت نفسه يشك في نفسه
ويسأل سيده ” هل هو الخائن؟” (أنظر مر19: 14).

2
من المحتمل جداً أن يكون الضعف البشرى الخاص بمحبة المراكز الأولى هو الذى أثار
النزاع، لأن ” التلاميذ بدافع الميل الإنسانى تنازعوا فيما بينهم على مَن
يكون الأعظم فيهم، إذ لم يحتمل البعض منهم ترك المكان الأول لأولئك الذين اُعتبروا
في نظرهم أقل منهم”[3].

3
وربما يرجع النزاع إلى ترتيب التلاميذ في غسل أرجلهم من قِبَل السيد، وإلى رغبة كل
واحد منهم في نوال شرف وبركة هذا الإجراء من السيد قبل الآخر (أنظريو1: 1320)[4].
وإن كان موقف بطرس في عدم قبوله بسهولة هذا الإجراء له يضعف هذا الرأى.

4
ومن الممكن القول أن النزاع كان بالتحديد بين بطرس ويهوذا على مَن سيجلس الأول على
يمين السيد، وذلك لأن مَن يأخذ هذا الموضع هو شخص متميز له أحقية خلافة السيد من
بعده. فبطرس كان يعتبر نفسه الممثل عن التلاميذ أو المتحدث باسم هذه الجماعة
المقدسة، فكان يأخذ دائمًا المبادرات، سواء في الإجابة على الأسئلة التى ألقاها
السيد، أو في التوجه إلى السيد بالأسئلة (أنظر على سبيل المثال مت16: 16، 24: 17–
26، 21: 18، مر28: 10). أما يهوذا، فقد اعتبر نفسه أيضًا أنه تلميذ له امتيازات
خاصة عن البقية، فالسيد قد عهد إليه إدارة الصندوق وحرية التصرف فيه، أى أنه كان
بلغة العصر سكرتير هذه الجماعة المقدسة (أنظر يو6: 12، 29: 13).

5
وفي النهاية سبب مقبول للنزاع، هو سوء الفهم من جانب التلاميذ لكلمات السيد
السابقة عن الإفخارستيا وملكوت الله، أى في قوله لهم: ” إنى من الآن لا أشرب
من نتاج الكرمة هذا إلى ذلك اليوم حينما أشربه معكم جديداً في ملكوت أبى
(مت29: 26، مر25: 14،لو18: 22). كان من الطبيعى لهذه الكلمات المهمة جدًا للسيد،
أن تثير فكر التلاميذ عن مملكة المسيا التى كانوا ينتظرون تحقيقها في صراع شديد
متصورين إياها كسلطة عالمية، ومع الاستسلام للفكرة بدأ كل واحد منهم مع نفسه يتطلع
لأن يكون هو الأعظم في هذه المملكة، الأمر الذى قادهم في النهاية إلى المنازعة.

هذا
الرأى يُعضَدَّ أكثر، إذا وضعنا في اعتبارنا الملاحظات التالية:

أ
أن كل المناقشات السابقة التى حدثت بين التلاميذ عن الرئاسات، كانت حول من هو
الأعظم في ملكوت الله (أنظر مر33: 9 –34، مت1: 18، لو46: 9).

ب
قبل روايات الآلام بقليل، يعلمنا الإنجيليون أن التلاميذ كانوا يعيشون بالفعل على
رجاء السيادة القوية المنتظرة لمملكة المسيا على العالم. (أنظر مر35: 1045، مت20:
20 28).

ج
هذا المجيء لمملكة المسيا والسيادة بمظاهر عالمية من سطوع ومجد، كحالة استرجاع
ومُمَاثلة بحالة مملكة داود العظيمة السالفة، كان هو الموضوع الهام جداً والسائد
الذى شغل عامة اليهود باستمرار، وذلك كما يظهر من أسئلة التلاميذ إلى السيد سواء
قبل آلامه، على سبيل المثال: طلب ابنى زبدى؛ يعقوب ويوحنا: ” أَعطنا أن نجلس
واحد عن يمينك والآخر عن يسارك في مجدك ” (مر37: 10، مت21: 20) أو بعد
قيامته، عندما سأله كل التلاميذ ” يا رب هل في هذا الوقت ترُد الملك إلى
إسرائيل” (أع6: 1). بل ومما يدل على الأهمية الكبرى لهذا الموضوع هو أن
اليهود، وحتى اليوم، ينتظرون تحقيق هذه المملكة، دون أن يفقدوا إطلاقاً رجاءهم،
حتى وإن كان قد مر ألفا سنة بعد المسيح!.

د
أضف إلى هذا أن معلم التلاميذ نفسه دخل إلى أورشليم كملك، وذلك قبل هذه المناقشة
عن الرئاسات بأربعة أيام فقط، وعندئذ أخذ كل الجمع أخذ سعوف النخيل، وبدأ يمجد
الله قائلاً بصوت قوى: ” أوصنا مبارك الآتى باسم الرب ملك إسرائيل
(يو13: 12، مر9: 11، مت9: 21، لو38: 19، زك9: 9). والذى يستحق الاعتبار هنا أنه
بينما في وقت ما في الجليل، عندما أراد اليهود اختطاف السيد وجعله ملكاً عليهم،
ترك المكان وذهب إلى الجبل وحده (أنظر يو15: 6). لكن في هذه المرة يدخل أورشليم
كملك، بل وعندما طلب الفريسيون منه أن يُسكت تلاميذه قال لهم ” أقول لكم إنه
أن سكت هؤلاء، فالحجارة تصرخ” (أنظر لو39: 19– 40).

هذا الدخول
الانتصارى للسيد إلى أورشليم، لا شك أنه قد رسّخ في ضمير التلاميذ أن معلمهم هو
ملك بالفعل، وأن الشيء الوحيد الذى ينقصه هو أن يكرز بمملكته علنًا.

ه
لا ننسى أنه كان في عيد الفصح والفصح كان مرتبطًا دائماً في ذاكرة اليهود بتحررهم
من العبودية. ففصحهم الأول كان في مصر حين تم خروج شعب الله من هناك واضعاً بهذا
حدًا لعبودية فرعون. وهكذا، فالرجاء والأمانى لتحرر قومى جديد من نير الرومان هذه
المرة استيقظت من تلقاء نفسها في قلوب التلاميذ، واعتبروا سيدهم إنه هو المحرر
الجديد لهم من العبودية الأخرى والتى استمرت، حتى ذلك الوقت قرابة قرن من الزمان[5].

و
ومن ناحية أخرى، فكلمات السيد نفسها “.. ملوك الأمم يسودونهم والمتسلطون
عليهم يُدعون محسنين وأمَّا أنتم فليس هكذا..” (لو25: 2226) والتى أجابت بطريقة
ما، على نزاع التلاميذ وأوقفته تماماً، تساعدنا على أن نفترض سببًا لهذا النزاع،
فعندما يتحدث السيد عن السلطة العالمية (علاقة الرؤساء بالمرؤوسين) ويشدد بالذات
على أن من يرغب أن يكون الكبير والمتقدم، يجب أن يكون آخر الكل وخادم الكل، عندئذ
يمكننا أن نفهم تقريبًا أن التلاميذ تنازعوا فيما بينهم على الرئاسات في مملكة
المسيا القادمة.

 

أخيراً
نقول إن نزاع التلاميذ هذا كان حاداً لدرجة أن القديس كيرلس الأسكندرى يصفه
“بالمرض”[6]. ولهذا تدخل
السيد كما ذكرنا سابقًا. وليُحَوِّل اهتمامهم من الآمال العالمية، التى عاشوا عليها
لمملكة المسيا السياسية، إلى الرجاء السماوي، لمملكة المسيا الروحانية، والتى سوف
تؤسس بعد قليل، بذبيحته على الصليب.

 

3 السلطة العالمية كسيادة
والسلطة المسيحية كخدمة (لو25: 22 – 30):

من
الضرورى هنا أن نسجل الآتى:

أ
أن نصيحة السيد إلى تلاميذه بعدم طلب المناصب الأرضية والرئاسات العالمية كما
ذكرنا، لا تعنى في الواقع الرفض والكراهية لهذه المناصب في ذاتها، ولكن تعنى
التفضيل والاهتمام بمقاماتهم السماوية، إذ هو نفسه (السيد) قد أكد لهم على الأمجاد
التى سيرثوها في ملكوت الله. كما أن مراكز التلاميذ في السماء لا تقارن بأى حال
بأعظم المناصب على الأرض، فهم سوف ” يجلسون على كراسي ويدينون أسباط إسرائيل
الاثنى عشر” (لو30: 22) وبقوله ” لتأكلوا وتشربوا على مائدتي في ملكوتى
” (لو30: 22). أراد أن يعبر لهم عن الحالة الدائمة الأبدية، التى سيكونون
عليها في ملكوته من امتلاء بالبر والسلام والفرح في الروح القدس لأن ” ليس
ملكوت الله أكلاً وشرباً ” (رو17: 14) [7].

ب
وفي الوقت نفسه يوضح (السيد) للتلاميذ أن ملكوت الله ليس كما تخّيلوُه ورغبوا فيه،
بمجالس أولى وممارسة سلطة على الآخرين، لكن هو فوق كل هذا وعكس كل هذا تماماً،
محبة، إنكار ذات، تواضع، وخدمة. لهذا قال السيد بصواب تام للوالى الرومانى بيلاطس
البنطى إن ” مملكتى ليست من هذا العالم” (يو36: 18). كما أن الكراسى
التى تنتظر التلاميذ ليست أرضية، بل سماوية وتمثل مكافأة لنهاية طريق طويل من
الثبات في الإيمان بالسيد ومن العمل التبشيرى ومن حياة الفضيلة (أنظرلو28: 22 –
30).

4
غسل السيد لأرجل التلاميذ ك:

أ
مثال عملى للخدمة
:

هكذا
يشدد السيد وبالضبط في اللحظة التى يسير فيها نحو الآلام بإرادته، مجيبًا على
المناقشة المُثارة بين التلاميذ على أن مكان الزعامة، أو السلطة التى يمتلكها أى
أحد، لا يجب أن تكون سببًا لسيادة طاغية منه على من يرأسهم، حسب مثال الرؤساء
والملوك العالميين، بل سببًا للخدمة: ” ملوك الأمم يسودونهم.. وأمّا أنتم
فليس هكذا بل الكبير فيكم ليكن كالأصغر والمتقدم كالخادم” (لو25: 22–26). ثم
نرى السيد فيما بعد، هو الأول الذى يعطى المثال للخدمة عمليًا، وذلك بغسله لأرجل
التلاميذ، صائراً هكذا النموذج المباشر للتلاميذ، وغير المباشر لكل المؤمنين (أنظر
يو1: 1320). فعلى الرغم من أنه هو نفسه سيدهم ومعلمهم، كما دعوه باستحقاق هكذا
(أنظر يو13: 13) إلا أنه تنازل وغسل أرجلهم، ثم قال لهم: ” لأنى أعطيتكم
مثالاً حتى كما صنعت أنا بكم تصنعون أنتم أيضًا” (يو15: 13، لو27: 22).

وكما
يصف لنا الإنجيلى يوحنا (4: 1311)، أن السيد في لحظة ما أثناء العشاء الأخير، قام
عن العشاء، بينما الآخرون استمروا جالسين. خلع رداءه الخارجى، ثم أخذ منشفة وربطها
حول وسطه، وبدون أن يأمر أحدا من تلاميذه، وضع هو بنفسه ماء في حوض “
Lek£nh[8]، وبدأ،
بمساواة تامة في غسل أرجل التلاميذ وفي تنشيفها بالمنشفة، التى كان مؤتزراً بها.

هذا
الإجراء كان مؤثراً جداً على التلاميذ، لأن هذا العمل في ذاته، غسل الأرجل، هو
واجب العبيد فقط، وكان يعتبر أمرًا غير مقبول تماماً لأى سيد وإهانة كبيرة له، لأن
فيه مساس بكرامته وبسيادته. ومن هنا نفهم لماذا لم يقبل بطرس في البداية أن يغسل
السيد قدميه (أنظر يو6: 138). بالطبع كان يستطيع السيد أن يغسل أرجل التلاميذ بدون
خلع ثوبه، لكنه فعل هذا بقصد؛ أى لكى يظهر أمامهم كعبد؛ وهى صورة سوف تبقى دائماً
في ذاكرة التلاميذ ولن تُنسى لا منهم ولا من خلفائهم.

عندما
رأى التلاميذ سيدهم ومعلمهم وهو يتمم عمل العبد معهم، توقفت تماماً المناقشة بينهم
على الرئاسات، بل ولم يجرؤ واحد منهم بعد ذلك، أن يشتهى مرة أخرى الكراسى الأولى
في مملكة، ملكها نفسه متواضع جداً لهذا الحد. ولذا نحن لا نقرأ ولا نسمع في سفر
الأعمال عن مناقشات بين التلاميذ حول الرئاسات مثل تلك التى سجلها لوقا في إنجيله.
يتساءل القديس كيرلس الأسكندرى: ” من هو القاسى جداً الذى لا يرفض محبة المجد
العالمى؟ والمسيح الذى يُخدم من كل الخليقة العاقلة والمقدسة (البشر والملائكة)
الذى يجلس على العرش ويملك مع الله الآب، قد أخذ مكانة الخادم وغسل أرجل التلاميذ
[9].

والقديس
الأنبا شنودة رئيس المتوحدين (ق 5م) في عظة له عن غسل الأرجل ينصح المؤمنين: بأن
أى عمل لهم يجب أن يفعلوه بتواضع على مثال السيد[10].

كما
أن الكاتب القبطى سمعان بن كليل (ق 12م) يرى في إجراء غسل الأرجل تطبيقًا مباشرًا
لتعليم السيد عن التواضع في متى (28: 11 30)[11].

وفي
هذه النقطة، يجب أن نذكر أن طقس غسل الأرجل، كما أجراه السيد مع تلاميذه، يُتمم بالضبط
في الكنيسة القبطية، يوم الخميس الكبير من بعد صلاة باكر، حيث يقوم الأسقف أو
الكاهن من بعد الصلاة على المياه بغسل أرجل الرجال، ويمسح جبهة السيدات[12].
كما أن واحداً من آباء كنيسة الأسكندرية الكبار، الذى أدرك الأهمية العظيمة لفضيلة
التواضع عن طريق غسل الأرجل؛ كان القديس أثناسيوس إذ أعطى وصية أن يجتمع كل رجال
إكليروس مصر، ثلاث مرات في السنة، أى في عيد الثيوفانيا (الظهور الإلهى الغطاس)،
والفصح (القيامة) والخمسين، حيث يتمم الأساقفة صلاة تقديس المياه، ثم يقومون بعد
ذلك بغسل أرجل كهنتهم وشمامستهم[13].

ب
إعداد لعملهم الكرازى:

لكن
غسل أرجل التلاميذ من معلمهم نفسه، فيما عدا أنه كان مثالاً عمليًا للخدمة
وتطبيقًا مباشرًا لفضيلة الاتضاع، كان له أيضاً أهمية أخرى بالنسبة لهم، أى كإعداد
لمسيرة عملهم الكرازى. فأمونيوس، كاهن الأسكندرية (ق 5م) يكتب فيما يخص ذلك هكذا:
” غسل (السيد) أرجلهم، وذلك لكى يقودهم إلى التواضع ولكى يعدهم مسبقاً
(للكرازة) بالإنجيل”[14].

هكذا
عندما رأى يسوع ” أن ساعته قد جاءت لينتقل من هذا العالم إلى الآب”
(يو1: 13)، وأنه سيترك لتلاميذه كوصية أخيرة خدمة كبيرة جداً هذا طولها وهذا عرضها
” وقال لهم اذهبوا إلى العالم أجمع واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها”
(مر15: 16، مت19: 2820). أعدهم بهذا الإجراء المقدس، أى بغسل أرجلهم، وذلك حتى
يكون لهم نصيب فى نقل رسالة الإنجيل لكل المسكونة. ثم شجعهم قائلاً: ” الحَّق
الحَّق أقول لكم الذى يقبل من أُرسله يقبلنى والذى يقبلنى يقبل الذى أرسلنى”
(يو20: 13). وعندما لم يسمح بطرس في البداية للسيد أن يغسل له رجليه، لأنه كما
ذكرنا من قبل لم ير عمل يسوع هذا غير غسل أرجل فقط، وهو عمل فيه إهانة لسيد ومعلم
مثل سيده لأنه عمل العبد، جاءت كلمات يسوع لبطرس لتكشف له وتشرح لنا السبب الأساسي
لهذا العمل: ” إن كنت لا أغسلك فليس لك معى نصيب” (يو8: 13). فغسل
الأرجل للسيد هو عمل إلهى يدخل ضمن خطة التدبير الإلهى التى تهدف إلى خلاص كل
العالم. ولبطرس، لم يكن مجرد إجراء طقس يتعلق بعيد الفصح، لكن إعداد لكى يستطيع أن
يأخذ نصيبًا، بمساعدة السيد، في إتمام عمل الكرازة للعالم.

هذا
وبينما كليمندس الأسكندرى (ق 2م) يُعلمنا، أنه من بين الطقوس الاحتفالية لعيد
الفصح، كان طقس غسل الأرجل، كرمز لدخول شعب الله إلى أرض الميعاد من بعد 40 سنة
تعب في الصحراء، من ذلك الوقت الذى خرج فيه من أرض مصر[15].
إلاّ أن مطران بنى سويف الراحل الأنبا أثناسيوس يتبنى الرأى: أنه بالرغم من أن
السيد قد عّيد عيد الفصح مع تلاميذه مرات أخرى، ومع ممارسة كل طقوسه، (أنظر على
سبيل المثال يو4: 6) إلاّ أنه من الواضح أنه لم يغسل بنفسه أرجل تلاميذه غير هذه
المرة، وإلاّ لما كان بطرس استصعب الأمر وحاول إثناء السيد عن عزمه في غسل أرجله.
فيسوع فعل هذا بهدف، وهو توزيع أنصبة الخدمة على التلاميذ، لأنه سوف يبقى معهم
لزمن قليل، ثم يتركهم، ليكرزوا هم بعمله الفدائى[16].

بالتأكيد
كان من الصعب على بطرس، إدراك كل هذا، لأن العمل الخلاصى لم يكن قد تم بعد، كما
أنه هو نفسه لم يكن قد أخذ ” قوَّة من الأعالى” (لو49: 24). لكن، بعد
قيامة السيد، نرى بطرس وهو يهتم باختيار خليفة ليهوذا، مدركاً تماماً لأهمية غسل
الأرجل كنصيب في العمل الكرازى: “..إذ كان (يهوذا) معدوداً بيننا فصار له
نصيب في هذه الخدمة.. فأقاموا أثنين.. وصلوا.. ليأخذ قرعة هذه الخدمة والرسالة
التى تعداها يهوذا ليذهب إلى مكانه ” (أنظر أع15: 126).

عند
هذه النقطة، نلاحظ أنه بينما أمونيوس يرجح أن السيد قد غسل أرجل يهوذا الخائن
أولاً إذ جلس الأول في الترتيب وهو لم يرفض ذلك[17]،
أوريجينوس يرى، أن السيد لم يغسل إطلاقاً رجلى يهوذا، لأن (السيد) عرف أن الشيطان
قد ألقى بالفعل في قلب يهوذا فكرة أن يُسّلم معلمه (أنظر يو2: 13)[18].

في
النهاية، يجب أن نذكر أن الكنيسة القبطية ومنذ البداية قد فهمت جيداً علاقة غسل
الأرجل بالعمل التبشيرى، ولذا:

أ
في كل قداس إلهى كان يجب على الكاهن أن يغسل رجليه مرتين: مرة قبل أن يدخل إلى
الهيكل، ومرة أخرى قبل قراءة الإنجيل. هذا الطقس يسمى ” طقس تحفى(تعرى)
القدمين”[19] لكن، من
بدايات القرن العشرين أخذ يُتَمم في الكنيسة بصورة جزئية، فالمتبقى منه الآن هو
وجوب دخول الكاهن إلى الهيكل وإتمام كل الصلاة وهو حافى القدمين.

ب
وفي قداس عيد الآباء الرسل القديسين، وبعد صلاة باكر، تقرأ صلاة اللقان، وفي
ختامها يمسح الكاهن المؤمنين في جبهتهم بالمياه المقدسة[20].

 

5
التلاميذ قضاة لإسرائيل،
الإنجيلى لوقا والنزاع بين التلاميذ:

قبل أن نترك هذا الفصل،
وبدون أن نريد ترك علامات استفهام غير مجابة ومسائل غير محلولة، نرغب في الإجابة
على السؤالين الأخيرين الآتيين:

أ
كيف سيكون التلاميذ قضاة لإسرائيل، طالما الدينونة هى عمل الله وحده؟

الإجابة
تُعطى لنا من الكاتب القبطى جرجس بن العميد (ق14م): التلاميذ لن يكونوا قضاة،
بمعنى أنهم سيقاضون الناس مثل الله، لكن بمعنى أنهم سيكونون السبب لإدانة إسرائيل
من الله لأن:

1
التلاميذ، رغم أنهم كانوا أناس بسطاء آمنوا مباشرة بالسيد، بينما الطبقات المشهورة
والمثقفة من رؤساء الكهنة، والكتبة، والفريسين وغيرهم، الذين كان يجب عليهم أن
يؤمنوا به أولاً، لم يؤمنوا به بل قاوموا رسالته أيضًا.

2
من عدل الله أن البشر سيحاكمون من أمثالهم، أى من البشر. وهذا ما أعلنه السيد نفسه
من بعد شفائه للأخرس المجنون؛ عندما قال للذين اتهموه إنه ببعلزبول رئيس الشياطين
يخرج الشياطين: ” فإن كنت أنا ببعلزبول أُخرج الشياطين فأبناؤكم بمن يخرجون
لذلك هم يكونون قضاتكم ” (لو14: 1119).

3 لم يُذكر عن التلاميذ
أنهم سيشاركون في الإجراءات الأخرى الخاصة بالدينونة في اليوم الأخير على سبيل
المثال أنهم لن يأتوا مع المسيح على السحاب[21].

ب
لأى سبب سجل لنا الإنجيلى لوقا ذلك النزاع الذى حدث بين أناس هم سيكونون في
المستقبل قضاة لإسرائيل؟

ونجيب
بالكلمات المناسبة جداً للقديس كيرلس الأسكندرى: ” لقد حدثت هذه المنازعة
وكتبت لفائدتنا، لأن السيد في الحال وبخ العلة (والعلة كانت هى المحبة الغبية
للمجد، التى جاءت من الغرور)، ووضعها على الهامش، وذلك بذكر الفضيلة التى تستحق كل
مديح. أما هؤلاء الذين هم في هذه الحالة (أى في حالة المجد الباطل) فيجب علينا أن
نواجههم بالتواضع، وأن نتنازل بمحبة، عن المراكز الأولى لأولئك الأخوة الذين يظنون
أنهم أعظم منا “[22].



[2] Bl. Iw KarabidÒpoulou, «tÕ P£qoj toà Cristoà..» Qesün…kh 1974, s.64-88.

[4] bl. Damal£,
« ‘Erm. K. D. 3 », s. 574.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى