علم

3- رسالة القديس أثناسيوس إلى أبكتيتوس



3- رسالة القديس أثناسيوس إلى أبكتيتوس

3- رسالة
القديس أثناسيوس إلى أبكتيتوس

والرد
على القائلين: بإن الجسد الذي من مريم هو من نفس جوهر لاهوت الكلمة

 

مقدمة

كتب
القديس أثناسيوس هذه الرسالة إلى أبكتيتوس أسقف كورنثوس سنة 369م، وذلك رداً على
مذكرات كان أبكتيتوس قد أرسلها إلى أثناسيوس تحوى عدة أسئلة أثيرت في إيبارشيته من
مجموعات آريوسية وغيرها لها آراء خيالية (دوسيتية) من جهة التجسد، وعلاقة جسد
المسيح بلاهوته الأزلى من جوهر الآب.

 ويرد
القديس أثناسيوس على هذه التصورات والآراء الخيالية، ويوضح الإيمان السليم فيما
يخص علاقة لاهوت المسيح بناسوته. وهذه الرسالة صارت لها شهرة كبيرة عند آباء
الكنيسة في القرنين الرابع والخامس ويستند إليها القديس إبيفانيوس في الرد على
بدعة أبوليناريوس، كما كانت مرجعاً يُستند إليه في مواجهة بدعة نسطور في القرن
الخامس، ولما حاول النساطرة أن يزيفوا نص هذه الرسالة بحيث يؤدى إلى خدمة بدعتهم،
فإن القديس كيرلس الأسكندرى كشف تزيفيهم (في رسالة 40)
[1]
وأظهر النص السليم لها.

 

رسالة أبينا القديس أثناسيوس الرسولى إلى أبكتيتوس

ضد الهراطقة

 إلى
سيدى وأخى المحبوب، المشتاق إليه جد، وشريكى في الخدمة أبكتيتوس، أثناسيوس يرسل
تحياته في الرب.

 1
كنت أظن أن كل كلام بطاّل لجميع الهراطقة، مهما كان عددهم، قد توقف، منذ المجمع
الذي انعقد في نيقية. لأن الإيمان المعترف به في هذا المجمع من الآباء، بحسب الكتب
الإلهية، كافٍ لطرد كل كفر خارجاً، ولتوطيد إيمان التقوى في المسيح.

 ولذلك
فقد أقيمت في هذه الأونة، مجامع مختلفة في كل من الغال (فرنسا) وأسبانيا وروما
العظمى، وجميع المجتمعين كما لو كان يحركهم روح واحد حرموا بالإجماع، أولئك الذين
كانوا لا يزالون، وهم مستترون، يعتقدون بآراء آريوس وأولئك الأشخاص هم: أوكسنتيوس
من ميلانو، وأورساكيوس وفالنس وغاريوس من بانونيا.

 وجميع
هؤلاء المجتمعين كتبوا في كل مكان (إذ لأن مثل هؤلاء الرجال يخترعون أسماء مجامع
لمساندتهم)، ألاّ يُذكر أى مجمع في الكنيسة الجامعة سوى ذلك المجمع وحده الذي
عُقِدَ في نيقية الذي كان انتصاراً عظيماً على كل هرطقة، ولا سيما الهرطقة
الاريوسية والتى بسببها في الحقيقة اجتمع ذلك المجمع وقتئذٍ.

 فكيف
إذن بعد هذه الأمور، لا يزال البعض يحاول أن يثير مجادلات أو تساؤلات؟ فلو كانوا
ينتمون إلى الآريوسيين فلا يكون هناك غرابة في الأمر، إذن كانوا يذمون ما كُتب
ضدهم، مثلهم مثل اليونانيين الذين حينما يسمعون القول ” أصنام الأمم فضة وذهب
عمل أيدى الناس” (مز4: 115)، فإنهم يعتبرون التعليم الخاص بالصليب الإلهى
جهالة.

 أما
الذين يريدون أن يبحثوا كل شئ عن طريق إثارة الأسئلة، فإن كانوا من الذين يظنون
أنهم مؤمنون، وأنهم يحبون ما جاهر به الآباء، فإنهم لا يعملون شيئاً آخر سوى ما
جاء في الكتاب ” إنهم يسقون صاحبهم حثالة الخمر ” (حب15: 2) وينازعون
حول ما هو غير نافع، أو ما يؤدى إلى هدم المستقيمين.

 2
إننى أكتب هذ، بعد اطلاعى على المذكرات التى كتبتها قدسك، التى ما كان يجب أن
تُكتب كى لا يكون هناك ذِكر لهذه الأمور لمن يأتون بعدنا. لأن من سمع بمثل هذه
الأمور قط؟ من هو الذي علَّم هذا أو تعلّمه؟ ” لأنه من صهيون ستخرج شريعة
الله، ومن أورشليم كلمة الرب ” (إش3: 2) ولكن من أين خرجت هذه الأمور. وأى
عالم سفلى تقيأ القول بأن الجسد الذي من مريم هو من نفس جوهر لاهوت الكلمة؟ أو بأن
الكلمة قد تحوّل إلى لحم وعظام وشعر وكل الجسد، وتغيّر عن طبيعته الخاصة؟ أو من
سمع في الكنيسة أو بين المسيحيين على العموم، بأن الرب لبس جسداً خيالياً وليس
طبيعياً؟ أو من كفر إلى مثل هذه الدرجة حتى يقول، وهو في نفس الوقت يعتقد أيضاً
بأن اللاهوت ذاته الذي من نفس جوهر الآب، قد صار ناقصاً خارجاً من كامل، والذي
سُمِرَ على الخشبة لم يكن هو الجسد بل هو جوهر الحكمة الخالق ذاته؟ أو من سمع بأن
الكلمة حوّل لنفسه جسداً قابلاً للتألم، (هذا الجسد) ليس من مريم بل من جوهره
الذاتى. فهل يمكن أن يُدّعى مسيحياً من يقول هذا؟ أو من الذي اخترع هذا الكفر الشنيع،
حتى يدور في مخيلته أن من يُعلِّم بأن جسد الرب هو من مريم إنما يعتقد أنه لا يوجد
في اللاهوت ثالوث فقط بل رابوع. لذلك فالذين يكفرون هكذ، يقولون إن الجسد الذي
لبسه المخلص من مريم إنما هو من جوهر الثالوث. ومرة أخرى، فمن أين تقيأ البعض ذلك
الكفر المساوى للكفر السابق ذكره، حتى يقولون بأن الجسد ليس أحدث من لاهوت الكلمة،
بل هو مساوٍ له في الأزلية وهو معه على الدوام، حيث إنه قد تكوّن من جوهر الحكمة؟

 أو
كيف يتجاسر أولئك الذين يُدعون مسيحيين، أن يَشُكوا فيما إذا كان الرب المولود من
مريم، بينما هو ابن الله بالجوهر والطبيعة، فإنه من نسل داود من جهة الجسد ومن جسد
القديسة مريم؟

 أو
من هم إذن هؤلاء الذين تجاسروا هكذا حتى يقولو، بأن المسيح المتألم بالجسد
والمصلوب، ليس هو الرب والمخلص والإله وابن الآب.

 أو
كيف يريدون أن يُدعوا هؤلاء الذين يقولون بأن الكلمة قد حلّ على إنسان قديس كما
كان يحلّ على أى واحد من الأنبياء، ولم يصر هو نفسه (الكلمة) إنساناً باتخاذه
الجسد من مريم، (ويقولون) إن المسيح هو شخص وأن كلمة الله الموجود قبل مريم، وهو
ابن الآب من قبل الدهور، هو شخص آخر؟.

 3
هذه هى التساؤلات المُشار إليها في المذكرات، وهى رغم تباينها، لكنها تحوى فكراً
واحداً يهدف بفاعليته نحو عدم التقوى. ولأجل هذه الأمور، كان الذين يتفاخرون
باعتراف الآباء في المجمع المنعقد في نيقيا، يتجادلون ويتطاحنون بعضهم مع بعض.

 ولكنى
تعجبت لمعناة واحتمال تقواكم، وأن قدسكم لم يوقف هؤلاء الذين يقولون هذه الأشياء،
بل شرحت لهم الإيمان المستقيم، حتى إذا سمعوا يهدأون، أما إذا قاوموا فإنهم
يُعتبرون هراطقة. لأن ما قالوه لا يمكن أن يُقال أو يُسمع من مسيحيين، بل هى أقوال
غريبة من كل ناحية عن التعليم الرسولى. لذلك، وكما سبق ان قلت، قد أدرجت في رسالتى،
ما قاله هؤلاء، وذلك فقط لكى يدرك كل من يسمع، ما تحويه من عار وكفر، رغم أنه كان
من اللازم أن نتهم ونفضح بشدة حماقة أولئك الذين اعتقدوا مثل تلك الأفكار. ولقد
كان من المستصوب أن يكتفي خطابى بهذه الكلمات فلا أكتب أكثر من ذلك لأنه ليس من
الواجب ممارسة واختبار مثل تلك الأمور التى من الواضح أنها شريرة هكذا جهار، لئلا
تبدو بالنسبة للمتنازعين كأنها أمور محتملة. فإنه يكفي أن أقول مجيباً على مثل تلك
الأقوال بما يلى:

 يكفي
أن هذا ليس تعليم الكنيسة الجامعة، ولا اعتقد الآباء بهذه الأمور. ولكن لئلا يجد
” المبتدعون شروراً ” حجة لصفاقتهم بسبب صمتنا التام، فإنه حسن أن نذكر
بعض الأقوال من الكتب الإلهية، وبالتأكيد، بعد أن يخجلو، فإنهم يكّفون عن هذه
الحيل النجسة.

 4
من أين طرأ عليكم يا هؤلاء، أن تقولوا إن الجسد واحد في الجوهر مع لاهوت الكلمة.
(لأنه من الحسن أن نبدا بهذه النقطة لكى عندما يظهر أن هذا الرأى غير سليم، فإن
جميع الآراء الأخرى أيضاً تتضح أنها غير سليمة كذلك). كما أن ما يقولونه لا يوجد
منه شئ في الكتب الإلهية.

 وهم
يقولون إن الله قد صار في جسد بشرى. أما الآباء الذين اجتمعوا في نيقية فقد قالوا
أيضاً إن الابن نفسه وليس الجسد هو من نفس جوهر الآب (أو واحد مع الآب في الجوهر)،
وإنه بينما هو (الابن) من جوهر الآب، فإنهم اعترفوا أيضاً بحسب الكتب، بأن الجسد
هو من مريم.

 فإمّا
أن تنكروا إذن، المجمع المنعقد في نيقي، وكهراطقة يجلبون تعليماً بالإضافة إلى (ما
قرره المجمع)، وإمّ، إن أردتم أن تكونوا أبناء الآباء، فلا تعتقدوا بغير ما كتبه
هؤلاء الآباء.

 ومن
هذا أيضاً تستطيعون أن تروا كم هو سخيف هذا الرأى: فإنه لو كان الكلمة من نفس جوهر
الجسد الذي هو من طبيعة أرضية، في حين أن الكلمة هو من نفس جوهر الآب، بحسب اعتراف
الآباء، فإن الآب نفسه أيضاً يكون من نفس جوهر الجسد الصائر من الأرض. فلماذا
تلومون الآريوسيين الذين يقولون إن الابن مخلوق، وأنتم أنفسكم تزعمون أيضاً أن
الآب من نفس جوهر المخلوقات، فأنتم تذهبون بعيداً إلى كفر آخر، مدّعين أن الكلمة
تحول إلى لحم وعظام، وشعر وأعصاب والجسد كله، وأنه تحول عن طبيعته الخاصة. لقد حان
الوقت لكم، لكى تقولوا علانية، إنه قد صار من الأرض، لأن طبيعة العظام بل والجسد
كله من الأرض. إذن ماذا يكون هذا الهذيان حتى تتشاجروا فيما بينكم أيضاً؟ لأن
الذين يقولون إن الكلمة هو من نفس جوهر الجسد، إنما ” يقصدون الواحد عندما
يشيرون للآخر “.

 أما
الذين يحوّلون الكلمة إلى جسد فإنهم يتخيلون تغيير الكلمة ذاته. ومن سيظل يحتملكم
إذن، وأنت تتشدقون بهذه الأقوال. فأنتم انحرفتم إلى الكفر أكثر من كل هرطقة.

 لأنه
لو كان الكلمة من نفس جوهر الجسد، فإن ذكر مريم وضرورتها يكونان أمرين لا لزوم لهم،
إذ أنه كان من المستطاع أن يكون موجوداً أزلياً قبل مريم، كما أن الكلمة ذاته أزلى
أيضاً. فلو كان الكلمة حقاً من نفس جوهر الجسد حسبما تقولون، فأية حاجة كانت هناك
لكى يقيم الكلمة بيننا، لكى يلبس ما هو من نفس جوهره الخاص، أو أن يتحول عن طبيعته
الذاتية فيصير جسداً؟ لأن اللاهوت لم يأتِ لمساعدة نفسه حتى يلبس ما هو من نفس
جوهره، كما أن الكلمة لم يخطئ في شئ وهو يفتدى خطايا الآخرين، حتى يصير جسداً
ويقدم ذاته ذبيحة لأجل نفسه وفتدى نفسه.

5
لكن حاشا له أن يكون هكذا. لأنه كما قال الرسول جاء لمساعدة
[2] نسل إبراهيم، من ثمّ كان ينبغى أن “يشبه اخوته في كل
شئ”(عب17،16: 2) ويتخذ جسداً مشابهاً لنا. ولهذا السبب أيضاً كانت مريم في
الحقيقة مفترضة من قبل
[3]. ليأخذ الكلمة منها (جسداً) خاصاً به ويقدمه من أجلنا.

 وقد
أوضح إشعياء هذا متنبئاً فقال: “هاهى العذراء” (إش14: 7) وأرسل الله
جبرائيل إليها، ليس إلى مجرد عذراء، بل “إلى عذراء مخطوبة لرجل” (لو27: 1)
لكى يتبين من كونها مخطوبة، أن مريم كائن بشرى بالحقيقة. ولهذا السبب ذكر الكتاب
أيضاً أنها ولدته، وأنها ” قمطته ” (لو7: 2) ولذلك فإن الثديين اللذين
رضعهما، يُعتبران مباركين (قارن لو27: 11). وقد قدم ذبيحة، لأنه بولادته فتح الرحم
(أنظر لو23: 2) وهذه كلها براهين على أن العذراء هى التى ولدته.

 وجبرائيل
حمل إليها البشارة بيقين كامل ولم يقل مجرد “المولود فيك”، حتى لا يُظن
أن الجسد غريب عنها ومجلوب إليها من الخارج، بل قال “المولود منك ” لكى
يعتقد الجميع أن المولود خارجاً منه، إذ أن الطبيعة تبين هذا بوضوح، فمن المستحيل
على عذراء أن تدر لبناً إن لم تكن قد ولدت. ومن المستحيل أن الجسد يتغذى باللبن
ويُقمط إن لم يكن قد وُلد بصورة طبيعية قبل ذلك.

 وهذا
هو المقصود بالختان في اليوم الثامن بعد ولادته: إن سمعان تلقاه في أحضانه وهذا
يدل على أنه قد صار طفل، وأنه نما حتى صار له من العمر اثنتا عشر سنة (أنظر لو21: 242)
إلى أن بلغ الثلاثين عاماً (أنظر لو23: 3). وليس كما يظن البعض أن جوهر الكلمة
نفسه قد خُتِنَ بعد أن تحوّل. لأنه لا يقبل التحوّل ولا التغيّر. لأن المخلص نفسه
يقول ” أنظروا، أنظرو، لأنى أنا هو، وأنا ما تغيرت ” (ملاخى6: 3س).

 أما
بولس فيكتب قائلاً: ” يسوع المسيح هو هو بالأمس واليوم وإلى الأبد ”
(عب8: 13) ولكن كلمة الله غير المتألم والذي بلا جسد، كان في الجسد الذي خُتِنَ
وحُمِلَ، والذي أكل وشرب، والذي تعب، والذي سُمِرّ على الخشبة وتألم.

 هذا
الجسد هو الذي وُضِعَ في قبر عندما تخلى عنه الكلمة ولكنه لم ينفصل عنه وذلك
” ليكرز للأرواح التى في السجن ” كما يقول بطرس (1بط19: 3).

 6
وهذا يبين بالأكثر، هوس الذين يقولون إن الكلمة قد تحوّل إلى عظام ولحم فلو كان
الأمر كذلك، لَما كانت هناك حاجة إلى قبر، ولكان الجسد ذاته قد مضى بنفسه ليكرز
للأرواح التى في الهاوية. أما الآن فإنه مضى هو بنفسه ليكرز، أما الجسد فبعد أن
كفنه يوسف بالكتان (قارن مر46: 15)، وضعه في الجلجثة. وهكذا اتضح أن الجسد لم يكن
الكلمة، وإنما هو جسد الكلمة. وإنه عندما قام الجسد من بين الأموات لمسه توما ورأى
فيه آثار المسامير (قارن يو25: 20) التى احتملها الكلمة ذاته، والتى رآها (توما)
مخترقة جسد (الكلمة) ذاته، والتى كان في استطاعته أن يمنعها ولكنه لم يمنعها، بل
بالعكس فإن الكلمة الذي بلا جسد خصص لنفسه خصائص الجسد باعتباره جسده ذاته. فلماذا
حينما ضرب العبد، الجسد، تألم الكلمة نفسه وقال ” لماذا تضربنى ” (يو23:
18) ورغم أن الكلمة بطبيعته لا يمكن لمسه، إلاّ أنه قال “أسلمت ظهرى للسياط،
وخدى للطمات، ولم أرد وجهى عن خزى البصقات ” (إش6: 50).

 لأن
تلك الأشياء التى كان يتألم منه، جسد الكلمة، البشرى، كان الكلمة الذي سكن في
الجسد ينسبها لنفسه، لكى نستطيع نحن أن نشترك في لاهوت الكلمة.

 ومن
الغريب، أن الكلمة نفسه كان متألماً وغير متألم، فمن ناحية، كان (الكلمة) يتألم
لأن جسده هو الذي كان يتألم وكان هو المتألم فيه، ومن الناحية الأخرى، لم يكن
الكلمة يتألم، لأن الكلمة إذ هو إله بالطبيعة فهو لا يقبل التألم. وكان الكلمة غير
الجسدى موجوداً في الجسد الذي يتألم، وكان الجسد يحوى فيه الكلمة غير المتألم الذي
كان يبيد العلل التى قبلها في جسده. وكان يصنع هذ، وهكذا كان يصير، كى، بعد أن
يأخذ ما لنا (أى الجسد) ويقدمه كذبيحة، يقضى على (العلل والضعفات) كلها. وهكذا
يلبسنا ما له، وهذا ما يجعل الرسول يقول: ” لأن هذا الفاسد لابد أن يلبس عدم
فساد، وهذا المائت يلبس عدم موت ” (1كو53: 15).

 7
وهذه الأشياء لم تحدث بالظن، حاشا! كما يفترض البعض، أيضاً: بل في الواقع فإنه بصيرورة
المخلص إنساناً بالحقيقة، صار الخلاص للإنسان كله.

 فلو
كان الكلمة في الجسد بمجرد الظن، كما يقول أولئك، فإن هذا الظن يكون ضرباً من
الخيال، وبناء على ذلك فإن خلاص الإنسان وقيامته يعتبران مجرد إدعاء غير حقيقى،
بحسب ما يقول مانى أشد الكافرين.

 إلاّ
أن خلاصن، في واقع الأمر، لا يُعتبر خيال، فليس الجسد وحده هو الذي حصل على الخلاص،
بل الإنسان كله من نفس وجسد حق، قد صلار له الخلاص في الكلمة ذاته.

 وهكذا
فإن المولود من مريم هو بشرى بالطبيعة، بحسب الكتب الإلهية. وأن جسده هو جسد حقيقى،
وهو حقيقى لأنه هو نفس جسدنا، حيث إن مريم هى أختنا، لأننا نحن جميعاً (هى ونحن)
أيضاً من آدم.

 ولا
يجب أن يرتاب في هذا، حينما يتذكر ما كتبه لوقا. لأنه بعد القيامة من بين الأموات،
ظن البعض أنهم لن يشاهدوا الرب في الجسد المأخوذ من مريم، بل ظنوا بدلاً من هذا،
أنهم نظروا روحاً، فكتب لوقا يقول: “أنظروايدى ورجلى ” ومواضع المسامير،
إنى أنا هو، جسونى وانظروا فإن الروح ليس له لحم وعظام كما ترون لى، وعندما قال
هذا، آراهم يديه ورجليه” (لو40،39: 24) ومن هذا الكلام نستطيع أن نفند كلام
الذين يتجاسرون مرة أخرى أن يقولوا إن الرب قد تغير إلى لحم وعظام، لأنه لم يقل
كما تشاهدوننى وأنا لحم وعظام، بل قال “كما ترون إنه لى” لكى لا يعتقد
أحد بأن الكلمة نفسه قد تحول إلى هذه الأشياء قبل الموت، وبعد القيامة.

 8
وإذ قد تم إثبات هذه الأشياء هكذا، فإنه يكون من نافلة القول أن نتعرض للموضوعات
الأخرى، وندخل في جدل حوله، إذ أن الجسد الذي كان فيه الكلمة لم يكن من نفس جوهر
اللاهوت، بل هو حقاً مولود من مريم. والكلمة نفسه لم يتحول إلى عظام ولحم بل قد
صار في الجسد. لأن ما قيل في إنجيل يوحنا ” الكلمة صار جسداً ” (يو14: 1)
له هذا المعنى، كما يمكن أن نجد هذا في موضع مشابه، فقد كتب بولس ” المسيح
صار لعنة لأجلنا ” (غلا13: 3). وكما أنه لم يصر هو نفسه لعنة، بل قيل إنه قد
صار لعنة لأنه احتمل اللعنة من أجلنا، هكذا أيض، فإنه قد صار جسداً لا بتحوله إلى
جسد، بل باتخاذه لنفسه جسداً حياً من أجلنا، وصار إنساناً. لأن القول ”
الكلمة صار جسداً ” هو مساوٍ أيضاً للقول “الكلمة صار إنساناً”.
حسب ما قيل في يوئيل “إنى سأسكب من روحى على كل جسد” (يو28: 2) لأن
الوعد لم يكن ممتداً إلى الحيوانات غير الناطقة، بل هو للبشر الذين من أجلهم قد
صار الرب إنساناً.

 وبما
أن هذا هو معنى النص المُشار إليه، فإنهم يدينون أنفسهم أولئك الذين يظنون أن
الجسد المولود من (مريم) كان موجوداً قبل مريم، وأن الكلمة كانت له نفس بشرية
قبلها (قبل مريم)، وأن هذه النفس كانت فيه دائماً حتى قبل مجيئه. وهكذا سيكف أيضاً
الذين يقولون إن الجسد لم يكن قابلاً للموت، وإنه كان من طبيعة غير مائتة. لأنه لو
لم يكن قد مات، فكيف إذن سلّم بولس إلى الكورنثيين ما قبله هو أيضاً: ” أن
المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكتب ” (1كو3: 15)، وكيف قام مطلقاً إن لم
يكن قد مات أيضاً؟ وسيحمّر بالخجل العظيم كل من يدور في مخيلته عموماً أى احتمال
لأن يكون هناك رابوع بدلاً من ثالوث، وذلك في حالة القول إن الجسد إنما هو من مريم.

 فهم
يزعمون إننا نقول، إن الجسد من نفس جوهر الكلمة، وهكذا يبقى الثالوث ثالوثاً. لأنه
لا يكون هناك شئ غريب قد أُضيف إلى الكلمة، ولكن إن قلنا إن الجسد المأخوذ من مريم
إنما هو بشرى، فمن الضرورى حيث إن الجسد غريب في جوهره عن الكلمة، والكلمة كائن
فيه، فإن إضافة الجسد تجعل هناك رابوعاً بدلاً من ثالوث (حسب ظنهم).

 9
إن الذين يتناولون هذه الأمور بهذه الطريقة، لا يدركون أنهم يقعون في تناقض مع
أنفسهم، لأنهم حتى وإن قالوا إن الجسد ليس من مريم بل إنه من نفس جوهر الكلمة،
(وهذا ما يتظاهرون أنهم يفكرون به، وذلك لكى لا يظهر حقيقة ما يفكرون به)، فإنه
بحسب تفسيرهم هذا، يمكننا ان نوضح أنهم يقولون برابوع. لأنه كما أن الابن، بحسب
الآباء، هو من نفس جوهر الآب، وليس هو الآب نفسه، بل يُقال إنه ابن من نفس جوهر
الآب، هكذا جسد الكلمة (الذي يقولون) إنه من نفس جوهر الكلمة لا يكون هو الكلمة
ذاته بل هو آخر بالنسبة للكلمة.. ولكونه آخر (غير الكلمة)، فإنه بحسب رأيهم يكون
ثالوثهم رابوعاً.

 لأن
الثالوث الحق، والكامل بالحقيقة، وغير المنفصل لا يقبل إضافة، بل إن فكرة
(الإضافة) قد اختلقها هؤلاء الأشخاص.

 وكيف
يمكن أن يظلوا مسيحيين أولئك الذين يخترعون إلهاً آخر مختلفاً عن الإله الكائن.
ومرة أخرى فإنه في الإمكان أن نرى في سفسطتهم الأخرى منتهى الحماقة.

 لأنهم
يظنون أنه بسبب ما هو موجود في الكتب وما قيل فيها من أن جسد المخلص هو من مريم
وأنه بشرى، فإنهم يعتبرون بذلك أن هناك رابوعاً بدلاً من ثالوث، كما لو كانت قد
حدثت إضافة بسبب الجسد، وهكذا فإن الذين يساوون الخالق بالخليقة يضلون كثير، إذ
أنهم يتوهمون بأنه من الممكن أن يقبل اللاهوت إضافة. وعجزوا عن أن يدركو، أن
الكلمة صار جسد، ليس لأجل إضافة (شئ ما) إلى اللاهوت، بل من أجل أن ينال الجسد
قيامة. ولم يأتى الكلمة من مريم لكى يرتقى هو، بل لكى يفدى الجنس البشرى. فكيف إذن
يفكرون أن الجسد وهو الذي افتداه الكلمة وأحياه، يقوم بإضافة شئ ما من ناحية
اللاهوت إلى الكلمة الذي أحياه؟ بل بالعكس فإن الجسد البشرى ذاته هو الذي حدثت له
زيادة كبيرة، بسبب شركة الكلمة معه واتحاده به، لأنه (الجسد) صار غير مائت بعد أن
كان مائت، ورغم أن الجسد كان حيوانياً (نفسانياً) فقد صار روحاني، ورغم أنه من
تراب الأرض فقد اجتاز الأبواب السماوية.

 إذن
فالثالوث هو ثالوث، رغم أن الكلمة حصل على جسد من مريم، والثالوث كامل لا يقبل
زيادة ولا نقصان، ولا نعرف إلاّ لاهوتاً واحداً في الثالوث، وهكذا يكرز في الكنيسة
بإله واحد هو أب الكلمة.

 10
ومن أجل هذا فسيصمت أولئك الذين سبق أن قالوا إن الذي جاء من مريم ليس هو المسيح
والرب الإله. لأنه لو لم يكن إلهاً في الجسد، فكيف بمجرد ولادته من مريم دُعىَ
” عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا ” (مت23: 1) وأيضاً لو لم يكن هو
الكلمة في الجسد، فكيف كتب بولس إلى أهل رومية: ” ومنهم المسيح حسب الجسد
الكائن على الكل إلهاً مباركاً إلى الأبد آمين ” (رو5: 9). وأولئك الذين سبق
لهم أن أنكروا أن المصلوب هو إله، فليعترفوا بأنهم قد أخطأوا، لأن الكتب الإلهية
تحضهم وبنوعٍ خاص توم، الذي بعد أن رأى فيه آثار المسامير، صرخ قائلاً ” ربى
وإلهى ” (يو28: 20). لأن الابن إذ هو الله ورب المجد، كان في الجسد الذي
سُمِرَ وأُهين بخزى، أما الجسد فكان يتألم وهو على الخشبة، وكان يسيل من جنبه
(المطعون) دم وماء. ولكن بسبب أنه كان هيكل الكلمة بالحقيقة، فقد كان مملوءاً من
اللاهوت. ولهذا السبب إذن عندما رأت الشمس خالقها وهو يتألم في الجسد المُهان،
سحبت أشعته، وأظلمت الأرض ولكن الجسد نفسه، وهو من طبيعة مائتة، قام بطبيعة تفوق
طبيعته بسبب الكلمة الذي فيه، وتوقف فساده (إضمحلاله) الطبيعى، وإذ قد لبس الكلمة
الذي هو فوق الإنسان هذا الجسد، فقد صار (الجسد) غير فاسد (غير مضمحل).

 11
أما بخصوص ما يتخيله بعض (الناس) الذين يقولون إنه كما صار الكلمة إلى كل واحد من
الأنبياء، هكذا جاء (الكلمة) إلى إنسان واحد معين هو الذي وُلِدَ من مريم، فمن
العبث أن نجادل هذا القول، حيث إن جنونهم يحوى في طياته دنيونته الواضحة. لأنه لو
كان قد جاء بهذه الطريقة، فلماذا جاء هذا الإنسان من عذراء ولم يُولد هو أيضاً من
رجل وامرأة؟ فإن جميع (الأنبياء) القديسين وُلدوا هكذا (من رجل وامرأة) أما وقد
جاء الكلمة هكذا (من عذراء)، فلماذا لا يُقال إن موت كل واحد (من الأنبياء) قد حدث
لأجلنا، بل (يُقال هذا فقط) على موت هذا الإنسان وحده؟ وإن كان الكلمة قد سكن
بيننا لفترة قصيرة، والأنبياء مثله قد أقاموا أيضاً فترة على الأرض، فلماذا يُقال
عن المولود من مريم إنه استوطن بيننا “مرة واحدة عند إنقضاء الدهور ”
(عب26: 9) وإن كان قد جاء هو، كما سبق أن جاء في القديسين (الذين قبله)، فلماذا
مات جميع هؤلاء القديسين الآخرين ولم يقوموا بعد، في حين أن المولود من مريم وحده،
قام في خلال فترة الثلاثة أيام؟.

 وإن
كان الكلمة قد جاء بطريقة مماثلة لتلك التى (سبق) أن جاء بها في الآخرين، فلماذا
يُدعى المولود من مريم وحده، عمانوئيل، أى الذي وُلِدَ منها جسداً مملوءاً
بالألوهية؟ لأن عمانوئيل تفسيره ” الله معنا “.

 وإن
كان قد جاء هكذا (أى بنفس الطريقة التى جاء بها في الأنبياء) فلماذا لا يُقال عن
كل واحد من (الأنبياء) القديسين، عندما كان يأكل ويشرب ويتعب ويموت، إن (الكلمة)
نفسه أكل وشرب وتعاب ومات، بل يُقال هذا فقط عن المولود من مريم وحده؟ لأن ما تألم
به هذا الجسد (جسد الكلمة) يُعتبر أن الكلمة قد تألم به.

 وبينما
يُقال عن الآخرين إنهم فقط وُلدوا متناسلين يُقال في حالة المولود من مريم وحده إن
” الكلمة صار جسداً ” (يو14: 1).

 12
من كل هذا تبين أن الكلمة جاء إلى جميع الآخرين (الأنبياء) لكى يتنبأو، أما الكلمة
نفسه الذي وًلد من مريم فقد اتخذ منها جسداً وصار إنسان، إذ هو بطبعه وجوهره كلمة
الله، أما من جهة الجسد فهو إنسان من نسل داود ومن جسد مريم كما قال بولس (أنظر
رو3: 1).

 وقد
أظهره الآب في الأردن وعلى الجبل قائلاً ” هذا هو ابنى الحبيب الذي به سررت
” (مت13: 3). والآريوسيون أنكروه، أما نحن فنعترف به ونعبده ولا نفصل الابن
عن الكلمة، بل نعرف أن الابن هو نفسه الكلمة، الذي به قد كان كل شئ، والذي به
افتُدينا نحن.

 ولهذا
السبب دُهشنا حقاً أن يحدث بينكم نزاع على الإطلاق حول هذه الأمور الواضحة جداً.
ولكن شكراً للرب، إنه بقدر حزننا عند قراءة مذكراتكم، بقدر ما فرحنا بما انتهت
إليه (هذه المذكرات). لأنهم مضوا بعد اتفاق وتصالح على الاعتراف بالإيمان
الأرثوذكسى الحسن العبادة.

 وهذا
في الواقع ما دفعنى أيضاً أن أكتب هذه الكلمات القليلة بعد أن أمعنت الفكر كثيراً
أول، خوفاً من أن يسبب صمتى ألماً بدلاً من الفرح لأولئك الذين سببوا لنا فرحاً
باتفاقهم معاً. لذلك أرجو أولاً من قدسكم وثانياً من المستمعين لهذه الرسالة أن
تتقبلوا ما فيها من كلمات بضمير نقى، وإن كان فيها أى عجز من جهة التقوى فأرجو أن
تصوبوه وتفيدونى. أما إن كنت قد كتبت كإنسان عامى في الكلام (2كو6: 11)، أو إن كان
الحديث غير جدير أو غير كامل، فاستميحكم جميعاً عذراً بسبب ضعفي في التعبير.

 سلّم
على جميع الاخوة الذين معك. وكل الذين معى يسلمون عليك، ولتكن حياتك في الرب في
تمام الصحة، أيها المحبوب والمشتاق إليه جداً.

===

1 تُرجمت هذه
الرسالة عن اليونانية ضمن الجزء الثالث لرسائل القديس كيرلس (ترجمة الدكتور موريس
تاوضروس والدكتور نصحى عبد الشهيد)، ونشرها مركز دراسات الآباء بالقاهرة سنة 1995م.

1 أى يمسك نسل إبراهيم
(أنظر عب17،16: 2).

2
كانت مضمنة في خطة الخلاص في قصد الله ليأخذ منها الكلمة جسداً.

 

الرد على القائلين: بإن الجسد الذي من مريم هو من نفس جوهر لاهوت
الكلمة

كتب
القديس أثناسيوس الرسولي هذه الرسالة حوالي سنة 371/372م إلى أبكتيتوس أسقف
كورنثوس، ردًا على مذكرات كان قد أرسلها إليه تتضمن تساؤلات أثيرت في إيبارشيته من
بعض أتباع الفكر الآريوسي الذين تأثروا بأفكار أبوليناريوس وأيضًا من كانوا
يعتقدون بمبدأ الخياليين
Δοκητα أو الدوستيين، من جهة حقيقة التجسد وعلاقة الجسد الذي إتخذه
الإبن، بلاهوت الكلمة الأزلي.

 

شَرَحَ
القديس أثناسيوس في هذه الرسالة الهامة تعاليم الكنيسة وإيمانها السليم فيما يخص
علاقة لاهوت المسيح بناسوته وبالتالي البعد الخلاصي المبنى على هذه العلاقة.

 

ولذلك
كان لهذه الرسالة أهمية كبيرة في الصراع الخريستولوجي الذي كان يشغل الكنيسة في
القرنين الرابع والخامس، فنجد مثلاً أن القديس أبيفانيوس أسقف سلاميس بقبرص
(315403) قد أستعان بهذه الرسالة في الرد على بدعة أبوليناريوس التي أنكرت أن
المسيح أتخذ جسدًا مثل جسدنا ذو نفس عاقلة، وفي كتابه المشهور الرَّد على
الهراطقة” استشهد أيضًا بما جاء في هذه الرسالة.

 

ونظرًا
لأن كاتب هذه الرسالة هو البابا أثناسيوس الرسولي وحامي الإيمان الذي دافع عن
إلوهية الابن المتجسد وصارت كتاباته مصدرًا أمينًا للتعاليم اللاهوتية وقد أقرتها
الكنيسة، فقد حاول إتباع الهرطقة النسطورية في القرن الخامس تزييف نص هذه الرسالة
مستغلين اسم ومكانة كاتبها، كي ينشروا أفكارهم المضللّة. غير أن البابا كيرلس عمود
الدين الذي كان دائمًا ما يستعين بكتابات البابا أثناسيوس في كتاباته وتعاليمه[1]،
كشف زيفهم هذا في رسالة كتبها إلى يوحنا الأنطاكي قائلاً: “علمنا أن البعض قد
نشروا نصًا مشوهًا لرسالة أبينا المجيد جدًا أثناسيوس إلى المبارك أبكتيتوس، وهي
رسالة أرثوذكسية، حتى أن الكثير أصابهم الضرر (بسبب هذا التشويه)، ولهذا السبب
رأيت أنه من النافع والضروري للأخوة أن أرسل لقداستكم نسخًا منها منقولة من النسخة
القديمة الموجودة عندنا والتي هي نسخة أصيلة[2]”.

 

النص
الأصلي والترجمات:

النص
الأصلي لهذه الرسالة كُتب باليونانية، لغة الآباء الشرقيون في القرون الأولى. غير
أنه تمّ نشر ترجمات لهذه الرسالة بلغات أخرى منها اللاتينية، الأرمنية والسريانية
والإنجليزية والعربية[3].

 

الرسالة
إلى أبكتيتوس في التراث العربي المسيحي للأقباط:

أهتم
الأقباط بكتابات أثناسيوس فترجموها من اليونانية إلى القبطية والعربية[4].

من
أهم المخطوطات المعروفة في التراث العربي المسيحي للأقباط هو مخطوط يرجع تاريخ
تدوينه إلى القرن الحادي عشر ويحمل أسم “اعتراف الآباء”، وهو لمؤلف
مجهول الاسم، وأهمية هذا المخطوط تكمن في أن كاتبه قد حاول أن يجمع فيه نخبة من
نصوص من كتابات الآباء والكتاب الكنسيون منذ العصر الرسولي وحتى القرن الحادي عشر
زمن حبرية البابا خرستوذولوس (1047م 1077م) تمّت ترجمتها من اليونانية والقبطية
إلى العربية. بلغت النصوص المترجمة التي جاءت في هذا المخطوط 234 نصًا لعدد 66 من
هؤلاء الآباء والمعلّمين والكتاّب الكنسّيين. الجدير بالذكر أن للقديس أثناسيوس 17
نصًا عبارة عن فقرات منتقاه من كتاباته الدفاعية والعقائدية. أما الأمر الملفت
للإنتباه فهو أن من بين هذه النصوص ال 17، توجد ترجمة كاملة للرسالة التي نحن بصدد
دراستها هنا، ويعتبر نص هذه الرسالة هو النص الوحيد، من بين كل نصوص المخطوط، الذي
تم ترجمته بالكامل.

 

هذا
الأمر يبين مستوى الوعي اللاهوتي لجامع هذه النصوص ومدى إدراكه لأهمية محتوى هذه
الرسالة وما فيها من تعاليم خرستولوجية وخلاصية علّم بها أثناسيوس بابا الأسكندرية
العشرون، وتمسّك بها ودافع عنها من بعده كيرلس البابا الرابع والعشرون.

 

وتتضح
الصورة أكثر لو علمنا أن الهدف العام للمخطوط هو بيان ما تعترف به كنيسة
الأسكندرية المتمثل في عنوان المخطوط “إعتراف الآباء” من عقائد خلاصية
مثل عقيدة التجسد والفداء والثالوث، وخصوصًا عقيدة طبيعة المسيح وما أثير حولها من
أفكار في القرنين الرابع والخامس الميلادي.

 

ملاحظات
عامة حول الرسالة[5]:

*
تبدو من الرسالة ملامح شخصية أبكتيتوس أسقف كورنثوس وصفاته وحُسن تصرّفه في هذا
الموقف، الأمر الذي صار مصدرًا لإعجاب أثناسيوس الذي كتب له قائلاً ” أني
تعجبت لمعاناة واحتمال تقواكم، وأن قدسكم لم يوقف هؤلاء الذين يقولون هذه الأشياء،
بل شرحت لهم الإيمان المستقيم حتى إذا سمعوا يهدأون، أما إذا قاوموا فإنهم
يُعتبرون هراطقة” (فقرة3).

 

*
يتضح من المذكّرات التي أرسلها أبكتيتوس إلى اثناسيوس أن صبره وطول أناته وتمسّكه
بإيمان الكنيسة ومحبته للسلام والتصالح، كل هذا قد أثمر، لذا نجد أن أثناسيوس
يشاركه فرحه لِما إنتهت إليه الأمور فيكتب إليه قائلاً ” شكرًا للرّب إنه
بقدر حزننا عند قراءة مذكراتكم، بقدر ما فرحنا بما أنتهت إليه هذه المذكرات، لأنهم
مضوا بعد اتفاق وتصالح على الإعتراف بالإيمان الأرثوذكسي الحسن العبادة”
(فقرة12).

 

*
” كان أثناسيوس معيار الأرثوذكسية الحيّ “[6]، لهذا كانت شهادته للإيمان
هي شهادة تسبب فرحًا لكل نفس لها هذا الإيمان عينه. فنجده يختم رسالته قائلاً
“هذا في الواقع ما دفعنا أيضًا أن أكتب هذه الكلمات القليلة بعد أن أمعنت
الفكر كثيرًا أولاً، خوفًا من أن يسبب صمتي ألمًا بدلاً من الفرح لأولئك الذين
سببوا لنا فرحًا باتفاقهم معًا” (فقرة12).

 

*
معيار الحُكم لدى أثناسيوس، على الأقوال التي رددها البعض والتي جاءت في المذكرات
التي أرسلها الأسقف أبكتيتوس إليه، كان الآتي:

 

+
” يكفي أن أقول مجيبًا على مثل هذه الأقوال بما يلي: يكفي أن هذا ليس تعليم
الكنيسة الجامعة، ولا أعتقد الآباء بهذه الأمور” (فقرة 3).

 

+
“بعد إطلاعي على المذكرات التي كتبتها قدسك…أقول مَنْ سمع بمثل هذه الأمور
قط؟ مَنْ هو الذي علّم هذا أو تعلّمه؟

 

+
إن ما يقولونه لا يوجد منه شيء في الكتب الإلهية. (فقرة4).

 

+
“هم يقولون…. أما الآباء الذين اجتمعوا في نيقية فقد قالوا…. فإما أن
تنكروا إذن المجمع المنعقد في نيقية وكهراطقة يجلبون تعليمًا بالإضافة إلى ما قرره
المجمع.

 

وإما
إن أردتم أن تكونوا أبناء الآباء فلا تعتقدوا بغير ما كتبه هؤلاء الآباء.

 

*
بعد أن قرأ أثناسيوس مذكرات أبكتيتوس، لخص في بداية رسالته الأفكار التي علّم بها
هؤلاء المنحرفون، ثم بدأ في الرد عليها إستنادًا على تعاليم الكنيسة الجامعة
وتقليدها الحي والكتب الإلهية، فقد نادوا بأن:

1
الجسد الذي من مريم هو من نفس جوهر لاهوت الكلمة؟

2
إن الكلمة قد تحوّل إلى لحم وعظام وشعر وكل الجسد وتغيّر عن طبيعته الخاصة.

3
إن الربَّ لبس جسدًا خياليًا وليس طبيعيًا.

4
إن اللاهوت ذاته الذي من نفس جوهر الآب قد صار ناقصًا خارجًا من كامل، والذي سُمرّ
على خشبة لم يكن هو الجسد بل هو جوهر الكلمة الخالق ذاته.

5
إن الكلمة حوّل لنفسه جسدًا قابلاً للألم وهذا الجسد ليس من مريم بل من جوهره
الذاتي.

6
الجسد ليس أحدث (زمنيًا) من لاهوت الكلمة بل هو مساوٍ له في الأزلية وهو معه على
الدوام حيث إنه قد تكوّن من جوهر الحكمة.

7
يشكّون كيف أن الربَّ المولود من مريم بينما هو ابن الله بالجوهر والطبيعة، فإنه
من نسل داود من جهة الجسد ومن جسد القديسة مريم.

8
إن المسيح المتألم بالجسد والمصلوب ليس هو الربَّ والمخلّص والإله وإبن الآب.

9
إن الكلمة قد حلّ على إنسان قديس كما كان يحل على أي واحد من الأنبياء، ولم يَصْر
هو نفسه (الكلمة) إنسانًا بإتخاذه الجسد من مريم.

10
إن المسيح هو شخص وأن كلمة الله الموجود قبل مريم وهو ابن الآب من قبل الدهور، هو
شخص آخر.

 

وبخبرته
اللاهوتية والروحية يدرك القديس أثناسيوس أبعاد هذه الأفكار ويصفها بأنها ”
رغم تباينها لكنها تحوي فكرًا واحدًا يهدف بفاعليته نحو عدم التقوى” (فقرة3)
ويذهب في وصف ما قالوه بأنها ” أقوال غريبة من كل ناحية عن التعليم
الرسولي… ومن الواضح أنها شريرة” (فقرة3).

ويُرجع
أفكارهم الخاطئة هذه إلى تعاليم الآريوسيين الذين قالوا أن الإبن مخلوق (فقرة4)
وإلى تعاليم ماني الذي أنكر أن جسد المسيح هو جسد حقيقي بل خيالي. (فقرة7) بل
وأنهم ذهبوا بأفكارهم ” بعيد إلى كفر آخر أشر من تعاليم الآريوسيين (فقرة4)
وأخيرًا انهم ” إنحرفوا” إلى الكفر أكثر من كل هرطقة” (فقرة4).

 

تعاليم
أثناسيوس الخريستولوجية:

بعد
أن أجمل أثناسيوس كل الأفكار الخاطئة التي جاءت بالمذكرات التي أرسلها له الأسقف
أبكتيتوس، أخذ يفند بإسهاب، كل هذه التعاليم المنحرفة كالآتي.

1
ففي رده على القائلين بإن الجسد واحد في الجوهر مع لاهوت الكلمة كتب يقول: ”
إن الابن نفسه وليس الجسد هو من نفس جوهر الآب” وإن الآباء في مجمع نيقية قد
اعترفوا بحسب الكتب بإنه “بينما الابن هو من جوهر الآب إلاّ أن الجسد هو من
مريم” ويحلل أثناسيوس النتائج الخطيرة التي تؤدي إليها مثل هذه الآراء
الخاطئة والتي تصل إلى أفكار ألوهية الآب نفسه، الأمر الذي لم يذهب إليه
الآريوسيين أنفسهم رغم أفكارهم عن إلوهية الإبن فيقول ” فإنه لو كان الكلمة
من نفس جوهر الجسد الذي هو من طبيعة أرضية، في حين أن الكلمة هو من نفس جوهر الآب،
بحسب إعتراف الآباء، فإن الآب نفسه أيضًا يكون من نفس جوهر الجسد الصائر من الأرض،
فلماذا يكرمون الآريوسيين الذين يقولون إن الإبن مخلو وأنتم أنفسكم تزعمون أيضًا
أن الآب من نفس جوهر المخلوقات” (فقرة4).

 

إن
تعاليمهم هذه تؤدي إلى أن طبيعة الكلمة تتحوّل إلى طبيعة الجسد المخلوق وهذا يعني
“تغيير الكلمة ذاته” وهنا نجد أن القديس أثناسيوس يواجه هذه الأفكار
الخاطئة بتقديم منهج لاهوتي خلاصي، أي بإيضاح خطورة مثل هذه التعاليم على إيماننا
بخصوص ما أتمه الكلمة من أجلنا ومن أجل خلاصنا، عندما إتخذ جسدًا من الروح القدس
ومريم العذراء وسكن بيننا، فيقول ” لأنه لو كان الكلمة من نفس جوهر الجسد،
فإن ذكر مريم وضرورتها يكونان أمرين لا لزوم لهما، إذ إنه كان من المستطاع أن يكون
موجودًا أزليًا قبل مريم، كما أن الكلمة ذاته أزلي أيضًا. فلو كان الكلمة حقًا من
نفس جوهر الجسد حسبما تقولون، فأية حاجة كانت هناك لكي يقيم الكلمة بيننا، لكي
يلبس ما هو من نفس جوهره الخاص، أو أن يتحوّل عن طبيعته الذاتية فيصير
جسدًا؟” (فقرة4).

 

وهنا
يبرز أثناسيوس البعد الخلاصي في تعاليمه اللاهوتية، الأمر الذي تميّز به في كل
كتاباته، كمعلّم في الكنيسة فيقول: ” لأن اللاهوت لم يأت لمساعدة نفسه حتى
يلبس ما هو من نفس جوهره، كما أن الكلمة لم يخطئ في شيء وهو يفتدي خطايا الآخرين،
حتى يصير جسدًا ويقدّم ذاته ذبيحة لأجل نفسه وأفتدى نفسه” (فقرة4). ويتابع
أثناسيوس حججه اللاهوتية معتمدًا على ما جاء في الكتاب المقدّس فيقول: ” لكن
حاشا له أن يكون هكذا. لأنه كما قال الرسول جاء لمساعدة نسل إبراهيم[7]، ومن ثم
كان ينبغي أن “يشبه أخوته في كل شيء” ويتخذ جسدًا مشابهًا لنا. ولهذا
السبب أيضًا كانت مريم في الحقيقة مفترضة من قبل[8]، ليأخذ الكلمة منها (جسدًا)
خاصًا به وتقدمه من أجلنا”. (فقرة 5). ويجد في إنجيل “لوقا” عدة
آيات تخدم عرضه في إيضاح بشرّية الكلمة المتجسد التي أتخذها من الروح القدس ومِن
كائن بشري هو العذراء القديسة مريم، فاستغل دقة الوحي الإلهي فيما سجله البشيرين
لتدعيم حجته فيقول: ” أرسل الله جبرائيل إلى العذراء، ليس إلى مجرد عذراء بل
إلى “عذراء مخطوبة لرجل” (لو27: 1) لكي يبين من كونها مخطوبة أن مريم
كائن بشري بالحقيقة ولهذا السبب ذكر الكتاب أيضًا إنها وَلَدَته وإنها قمطّته
(لو7: 2) ولذلك فإن الثديين اللذين رضعهما يعتبران مباركين (قارن لو27: 11). وقد
قدّم ذبيحة، لأنه بولادته فتح الرحم (انظر لو32: 2) وهذه كلها براهين على أن
العذراء هي التي وَلَدَته” (فقرة 5).

 

ويرى
أثناسيوس في بشارة الملاك للعذراء بميلاد ربّ المجد دليلاً آخر على أن الجسد الذي
أتحد به الكلمة هو جسد بشرّي، به شابهنا في كل شيء ما عدا الخطية وحدها، فالملاك {
لم يقل مجرد “المولود فيك” حتى لا يُظن أن الجسد غريب عنها ومجلوب إليها
من الخارج، بل قال “المولود منك” لكي يعتقد الجميع أن المولود خارجًا
منها}. (فقرة 5).

 

ويسوق
أثناسيوس براهين مما يحدث في طبيعة البشر، فإن كان قد ذُكِرَ في الإنجيل أن
العذراء قد طوّبت لأنها أرضعت الطفل يسوع من ثدييها (لو27: 11) فهذا معناه أن
ولادته من العذراء كانت ولادة حقيقية ” إذ أن الطبيعة تبين هذا بوضوح، فمن
المستحيل على عذراء أن تدر لبنًا إن لم تكن قد وَلَدَت. ومن المستحيل أن الجسد
يتغذى باللبن ويُقمّط إن لم يكن قد وُلِدَ بصورة طبيعية قبل ذلك” (فقرة5).

 

ويعطي
القديس أثناسيوس المفهوم السليم والعميق لأحداث في حياة المسيح له المجد، على
الأرض، فكيف يَصْدِقُ الإدعاء بأن الجسد هو واحد في الجوهر مع لاهوت الكلمة إذ كان
الطفل يسوع قد أختتن وأن سمعان قد حمله وأنه كان ينمو حتى صار عمره إثنتا عشرة
سنة، وإنه بلغ الثلاثين عامًا عندما بدء خدمته العلنية؟ لأن عكس هذا الإدعاء،
“هو المقصود بالختان في اليوم الثامن بعد ولادته، وإن سمعان تلقاه في أحضانه
وهذا يدل على إنه قد صار طفلاً، وإنه نما حتى صار له من العمر إثنتا عشر سنة (انظر
لو21: 242) إلى أن بلغ الثلاثين عامًا (لو23: 3) وليس كما يظن البعض أن جوهر
الكلمة نفسه قد خُتن بعد أن تحوّل. لأنه لا يقبل التحول أو التغيّر. لأن المخلّص
نفسه يقول ” أنظروا، لأني أنا هو ما تغيّرت” (ملاخي6: 3س)” (فقرة5).

 

ويختم
أثناسيوس تعليمه حول هذه النقطة بقوله ” إن كلمة الله غير المتألم والذي بلا
جسد كان في الجسد الذي خُتِن وحُمِلَ والذي أكل وشرب والذي تعب والذي سُمر على
الخشب وتألم” (فقرة 5)[9].

 

عرض
تعاليم رسالة أثناسيوس إلى الأسقف إبكتيتوس:

ردًا
على مذكرات أرسلها الأخير لبابا الأسكندرية العشرين يسترشد فيها بتعاليمه في
مواجهة الأفكار المنحرفة التي نادى بها البعض في كورنثوس حينذاك.

 

2([10])
ففي رده على القائلين بأن الكلمة قد تحوّل إلى لحم وعظام وكل الجسد وتغيّر عن
طبيعته الخاصة، يشدّد أثناسيوس على أن طبيعة الكلمة لم تتغير بالمرة، بل وكما أشار
من قبل [ إن كلمة الله غير المتألم والذي بلا جسد كان في الجسد الذي سُمِر على
الخشبة وتألم ] (فقرة 5). وفي موضع آخر من نفس الرسالة يؤكد أن [ الابن إذ هو الله
ورب المجد، كان في الجسد الذي سُمِرَ وأُهين بخزي أما الجسد فكان يتألم وهو على
الخشبة، وكان يسيل من جنبه المطعون دم وماء. ولكن بسبب أنه كان هيكل الكلمة
بالحقيقة، فقد كان مملوءًا من اللاهوت، ولهذا السبب إذًا عندما رأت الشمس خالقها
وهو يتألم في الجسد المُهان، سحبت أشعتها، واظلمت الأرض ولكن الجسد نفسه، وهو من
طبيعة مائتة، قام بطبيعة تفوق طبيعته بسبب الكلمة الذي فيه، وتوقف فساده
(اضمحلاله) الطبيعي، وإذ قد لبس الكلمة الذي فوق الإنسان هذا الجسد، فقد صار
(الجسد) غير فاسد (غير مضمحل) ] (فقرة: 10). ويتابع تعليمه بقوله: [ هذا الجسد هو
الذي وضع في القبر عندما تخلى عنه الكلمة ولكنه لم ينفصل عنه وذلك ” ليكرز
للأرواح التي في السجن ” كما يقول بطرس (1بط19: 3) ] (فقرة: 5).

 

وهنا
يضع أثناسيوس القائلين إن الكلمة تحوّل إلى لحم وعظم، أمام معضلة تفسير أحداث موت
المسيح وقيامته، فيوضح قائلاً: [ لو كان الأمر كذلك لما كانت هناك حاجة إلى قبر
ولكان الجسد ذاته قد مضى بنفسه ليكرز للأرواح التي في الهاوية، أما الآن فإنه مضى
هو بنفسه ليكرز، أما الجسد فبعد أن كفّنه يوسف بالكتان (قارن مر46: 15) وضعه في
الجلجثة ] (فقرة: 6).

 

وهكذا
يعلّم أثناسيوس بكل وضوح [ أن الجسد لم يكن الكلمة وإنما هو جسد الكلمة، والكلمة لم
يفارق الجسد لا عند الموت ولا بعد القيامة[11]. لذا يتابع أثناسيوس تعليمه في نفس
الفقرة بقوله: إنه عندما قام الجسد من بين الأموات لمَسَه توما ورأى فيه آثار
المسامير (قارن يو25: 20). التي احتملها الكلمة ذاته والتي رآها توما مخترقة جسد
(الكلمة) ذاته، والتي كان في استطاعته أن يمنعها ولكنه لم يمنعها، بل بالعكس فإن
الكلمة الذي بلا جسد خصص لنفسه خصائص الجسد باعتباره جسده ذاته ][12] (فقرة: 6).
ونتيجة لهذا الإتحاد الأقنومي كما وصفه فيما بعد القديس كيرلس، بين الطبيعة
الإلهية (الكلمة) والطبيعة البشرية (الجسد) حدث ما يسمى بتبادل الخصائص، أو كما
عبّر عنه أثناسيوس قائلاً: [ فلماذا حينما ضرب العبد، الجسد، تألم الكلمة نفسه
وقال: لماذا تضربني (يو23: 18) ورغم أن الله بطبيعته لا يمكن لمسه، إلاّ أنه قال
” أسلمت ظهري للسياط وخدي للطمات، ولم أرد وجهى عن خزي البصقات ” (إش6:
50) ] (فقرة: 6).

 

ويُجمل
أثناسيوس تعليمه حول هذه النقطة مبينًا البُعد الخلاصي في هذا التعليم وأن ما فعله
الكلمة عندما تجسد، إذ أنه وهو غير المتألم قد قَبِلَ الآلام في جسده الخاص، كان
كل هذا من أجلنا ومن أجل خلاصنا فيقول بكل وضوح [ إن الكلمة نفسه كان متألمًا وغير
متألم، فمن ناحية كان (الكلمة) يتألم لأن جسده هو الذي كان يتألم وكان هو المتألم
فيه، ومن الناحية الأخرى، لم يكن الكلمة يتألم لأن الكلمة إذ هو إله بالطبيعة فهو
لا يقبل التألم. وكان الكلمة غير الجسدي موجودًا في الجسد الذي يتألم، وكان الجسد
يحوي فيه الكلمة غير المتألم الذي كان يبيد العلل الذي قبلها في جسده وكان يصنع
هذا، وهكذا كان يصير، كي بعد أن يأخذ ما لنا (أى الجسد) ويقدمه ذبحة، يقضي على
العلل والضعفات كلها، وهكذا يلبسنا ما له ][13] (فقرة: 6).

 

ويختم
رده بشهادة كتابية مشيرًا إلى ما جاء على لسان بولس: ” وهذا ما جعل الرسول
يقول: ” لأن هذا الفاسد لابد أن يلبس عدم فساد وهذا المائت يلبس عدم
الموت” (1كو53: 15).

 

وفي
شرحه لما حدث بعد قيامة الرب من بين الأموات حيث ظهر لتلاميذه: ” وأراهم يديه
ورجليه ” (لو39: 24، 40)، يشدّد أثناسيوس مرة أخرى على حقيقة أن الكلمة لم يتغيّر
أو يتحوّل إلى لحم وعظام، عندما تجسّد[14]، أو عندما قام، فقد ظلّت الطبيعة
الإلهية لله الكلمة كما هى، والطبيعة البشرية التي اتحد بها كما هى أيضًا بدون
تغيير أو تحول حتى بعد القيامة، لهذا يعلّق أثناسيوس على حديث الرّب القائم مع
تلاميذه فيقول: [ من هذا الكلام نستطيع أن نفند كلام الذين يتجاسرون مرّة أخرى أن
يقولوا إن الرّب قد تغيّر إلى لحم وعظام لأنه لم يقل كما تشاهدونني وأنا لحم
وعظام، بل قال: كما ترون إنه لي به لكي لا يعتقد أحد أن الكلمة نفسه قد تحوّل إلى
هذه الأشياء قبل الموت، وبعد القيامة ] (فقرة: 7).

 

ويعود
أثناسيوس ليشدّد مرّة أخرى على أهمية الاعتقاد أن الكلمة نفسه لم يتحوّل إلى عظام
ولحم بل قد صار في الجسد، لهذا نجده في فقرة: 8 من هذه الرسالة يقول: [ وإذ قد تم
إثبات هذه الأشياء هكذا فإنه يكون من نافله القول أن نتعرّض للموضوعات الأخرى
وندخل في جدل حولها، إذ أن الجسد الذي كان فيه الكلمة لم يكن من نفس جوهر اللاهوت،
بل هو حقًا مولود من مريم. والكلمة نفسه لم يتحوّل إلى عظام ولحم بل قد صار في
الجسد ].

 

ويستند
أثناسيوس على تعاليم الكتاب المقدس ويستشهد بما جاء في إنجيل يوحنا في هذا السياق
فيقول [ لأن ما قيل في إنجيل يوحنا “الكلمة صار جسدًا ” (يو14: 1) له
هذا المعنى ] (فقرة: 8). ويضيف: [ لأن القول: ” الكلمة صار جسدًا ” هو
مساو أيضًا للقول: ” الكلمة صار إنسانًا ” حسب ما قيل في يوئيل ”
إني سأسكب من روحي على كل جسد ” (يوئيل28: 2)، لأن الوعد لم يكن ممتدًا إلى
الحيوانات غير الناطقة، بل هو للبشر الذين من أجلهم قد صار الرب إنسانًا ] (فقرة:
8).

 

ومن
الجدير بالملاحظة أن القديس أثناسيوس يعتمد مثله مثل باقي آباء الكنيسة على وحدة
الكتاب المقدس. لذا نجده يقارن بين ما جاء في إنجيل يوحنا عن تجسد الكلمة، وما جاء
في رسائل معلّمنا بولس الرسول حول نفس المفهوم، فيكتب قائلاً: [ لأن ما قيل في
إنجيل يوحنا ” الكلمة صار جسدًا ” (يو14: 1) يمكن أن نجد معناه في موضع
مشابه، فقد كتب بولس ” المسيح صار لعنة لأجلنا (غلا13: 3). وكما أنه لم يصر
هو نفسه لعنة، بل قيل إنه صار لعنة لأنه احتمل اللعنة من أجلنا هكذا أيضًا، فإنه
قد صار جسدًا لا بتحوّله إلى جسد، بل باتخاذه لنفسه جسدًا حيًا من أجلنا وصار
إنسانًا ] (فقرة: 8).

 

3
ويفند أثناسيوس الآراء التي نادت بأن الرّب لبس جسدًا خياليًا وليس طبيعيًا، حال
تجسده، وهنا يبدو أن هذه الآراء قد عادت وانتشرت في القرن الرابع الميلادي أى وقت
كتابة هذه الرسالة، إذ أن أساس هذه التعاليم كان قد نادى به بعض الهراطقة في
القرون الأولى للمسيحية والذين علّموا أن المسيح لم يكن له جسد حقيقي لكن له فقط
جسد خيالي. ولهذا فقد دعوا بالدوستين
Δοκητα وبالتالي فقد أنكروا تَجسُّد كلمة الله، ويشهد يوحنا الإنجيلي في
رسائله عن وجود مثل هذه التعاليم في عصره فيقول ” لأنه قد دخل إلى العالم
مضلّون كثيرون لا يعترفون بيسوع المسيح آتيًا في الجسد ” (2يو7) كما يذكر في
رسالته الأولى أن ” كل روح لا يعترف بيسوع المسيح أنه قد جاء بالجسد فليس من
الله. وهذا هو روح ضد المسيح ” (1يو3: 4). ولقد حارب القديس أغناطيوس
الأنطاكي الذي عاش وعلّم في القرن الثاني الميلادي، أصحاب هذه المعتقدات الخاطئة
وذلك في رسائله واصفًا إياهم أنهم “غير مؤمنين” بل
“وملحدين”[15]. كما أنه شدّد على أن المسيح ” بالحقيقة وُلِدَ،
وأكل، وشَرَبَ وبالحقيقة صلب ومات … وبالحقيقة قام من الأموات “[16]. وفي
القرن الثالث انتشرت هذه البدعة أكثر والتحمت أفكارهم مع أفكار الغنوسيين الذين
كانوا يحتقرون كل ما هو مادي، أرضي، مخلوق، والذين كانوا ينادون أن الكلمة الأزلي
نزل من العالم الروحي الأعلى وأنه اتحد في المعمودية، بالمولود من يوسف ومريم
العذراء، بدون أن يصير إنسانًا حقيقيًا، بل حسب الظاهر. وقَبلْ موت يسوع على
الصليب، فإن الكلمة الأزلي قد فارقه حتى يكون موت الصليب هو موت الإنسان فقط. وفي
تعاليم أخرى لهم قالوا إن جسد المسيح، هو جسد سماوي وإنه استخدم مريم العذراء
كوسيلة فقط لكي يظهر بها على الأرض. والبعض الآخر كان يرفض بشدة أن يكون للمسيح
جسد مخلوق[17].

 

ولم
يقف أثناسيوس صامتًا أمام كل هذه التعاليم الخاطئة، بل وضع أمام أسقف كورنثوس
ابكتيتوس إيمان الكنيسة بكل وضوح حتى يساعده في مواجهة القائلين بهذه التعاليم
المنحرفة، فكتب له قائلاً: [ وهذه الأشياء[18] لم تحدث بمجرد الظن كما يقول أولئك،
فإن هذا الظن يكون ضربًا من الخيال ] (فقرة: 7).

 

وفي
عبارات واضحة يربط القديس أثناسيوس البُعد الخريستولوجي بالبُعد السوتيرولوجي،
بمعنى أنه بسبب تجسد الابن الوحيد وكلمة الله، واتحاده الأقنومي بطبيعتنا البشرية،
اتحادًا حقيقيًا وطبيعيًا، صار خلاصنا، أمرًا حقيقيًا، وواقعًا ملموسًا، لهذا
يستكمل أثناسيوس في نفس الفقرة تعليمه ردًا على هذه الأفكار التي لو صدقت لكان [
خلاص الإنسان وقيامته يعتبران مجرد إدعاء غير حقيقي ] (فقرة 7) ويستطرد موضحًا
إيمان الكنيسة فيقول: [ إلاّ أن خلاصنا في واقع الأمر، لا يعتبر خيالاً، فليس
الجسد هو الذي حصل على الخلاص، بل الإنسان كله من نفس وجسد حقًا، لقد صار له
الخلاص في الكلمة ذاته ][19] (فقرة 7).

 

ويَخلُص
القديس أثناسيوس إلى حقيقة الأمر وهى أن جَسَد الرّب [ المولود من مريم هو بشري
بالطبيعة، بحسب الكتب الإلهية، وأن جسده هو جسد حقيقي[20]. وهو حقيقي لأنه هو نفس
جسدنا، حيث إن مريم هى أختنا، لأننا نحن جميعًا (هى ونحن) أيضًا من آدم ] (فقرة:
7).

 

4
تفنيد الرأي القائل إن الجسد ليس أحدث (زمنيًا) من لاهوت الكلمة، بل هو مساوٍ له
في الأزلية وهو معه على الدوام حيث إنه قد تكون من جوهر الحكمة.

 

بعد
أن أجمل أثناسيوس في بداية رسالته كل التعاليم التي علّم بها المنحرفون، وذلك من
خلال قراءة المذكرات التي بعث بها إليه الأسقف ابكتيتوس، نجده هنا يبيّن خطورة
التعليم بأن الجسد المأخوذ من العذراء مريم ليس هو جسدًا بشريًا يشبه طبيعتنا
المخلوقة في كل شئ ما عدا الخطية وحدها، إذ أن مثل هذا التعليم معناه أن الجسد من
نفس جوهر الكلمة الأزلى، وحجتهم في هذا هو أنهم يدافعون عن عقيدة الثالوث، بقولهم:
[ إن الجسد من نفس جوهر الكلمة وهكذا يبقى الثالوث ثالوثًا. لأنه لا يكون هناك
شيئًا غريب قد أضيف إلى الكلمة، ولكن إن قلنا إن الجسد المأخوذ من مريم، إنما هو
بشري، فمن الضروري حيث إن الجسد غريب في جوهره عن الكلمة والكلمة كائن فيه، فإن
إضافة الجسد تجعل هناك رابوعًا بدلاً من ثالوث ] (فقرة: 8).

 

غير
أن القديس أثناسيوس يُفند هذه المزاعم الكاذبة بقوله: [ إن الذين يتناولون هذه
الأمور بهذه الطريقة، لا يدركون أنهم يقعون في تناقض مع أنفسهم، لأنهم حتى وإن
قالوا إن الجسد ليس من مريم بل إنه من نفس جوهر الكلمة، (وهذا ما يتظاهرون أنهم
يفكرون به وذلك لكي لا يظهروا حقيقة ما يفكرون فيه)، فإنه بحسب تفسيرهم هذا،
يمكننا أن نوضح أنهم يقولون برابوع، لأنه كما أن الابن، بحسب الآباء، هو من نفس
جوهر الآب، وليس هو الآب نفسه، بل يُقال إنه ابن من نفس جوهر الآب، هكذا جسد
الكلمة (الذي يقولون) إنه من نفس جوهر الكلمة لا يكون هو الكلمة ذاته بل هو آخر
بالنسبة للكلمة … ولكونه آخر (غير الكلمة) فإنه بحسب رأيهم يكون ثالوثهم رابوعًا
] (فقرة: 9).

 

وهنا
يضع القديس أثناسيوس بكل وضوح إيمان الكنيسة في الثالوث القدوس فيقول: [ لأن
الثالوث الحق، والكامل[21] بالحقيقة وغير المنفصل لا يقبل إضافة ] (فقرة: 9). بل
ويختم هذه الفقرة شاهدًا أن هذا الإيمان الثالوثي هو ما يُكرَز به في الكنيسة
فيقول: [ إذًا فالثالوث هو ثالوث، رغم أن الكلمة حصل على جسد من مريم. والثالوث
كامل لا يقبل زيادة أو نقصان، ولا نعرف إلاّ لاهوتًا واحدًا في الثالوث، وهكذا
يكرز في الكنيسة بإله واحد هو أب الكلمة ] (فقرة: 9).

 

ويضع
أثناسيوس أصبعه على علّة هذا الاعتقاد الخاطئ من جهة الثالوث لدى هؤلاء المخالفين
فيقول [ إن فكرة (الإضافة) قد اختلقها هؤلاء الأشخاص ] (فقرة: 9).

 

ويوضح
سبب هذا الفكر الخاطئ لديهم بقوله: [ لأنهم يظنون أنه بسبب ما هو موجود في الكتب
وما قيل فيها من أن جسد المخلّص هو من مريم وأنه بشري، فإنهم يعتبرون بذلك أن هناك
رابوعًا بدلاً من ثالوث كما لو كانت قد حدثت إضافة بسبب الجسد ] (فقرة: 9). أما
نتيجة هذا الفكر الخاطئ فهو [ إن الذين يساوون الخالق بالخليقة يضلون كثيرًا، إذ
أنهم يتوهمون أنه من الممكن أن يقبل اللاهوت إضافة. وعجزوا عن أن يدركوا أن الكلمة
صار جسدًا، ليس لأجل إضافة (شئ ما) إلى اللاهوت بل من أجل أن ينال الجسد قيامة ]
(فقرة: 9). وفي تعبيرات واضحة كل الوضوح يعلّم عن علاقة كلمة الله الأزلي، بالجسد
الذي اتخذه من الروح القدس ومريم العذراء عندما تجسد فيقول: [ ولم يأتي الكلمة من
مريم لكي يرتقي هو، بل لكي يفدي الجنس البشري. فكيف إذًا يفكرون أن الجسد وهو الذي
افتداه الكلمة وأحياه، يقوم بإضافة شئ ما من ناحية اللاهوت إلى الكلمة الذي أحياه؟
بل بالعكس فإن الجسد البشري ذاته هو الذي الذي حدثت له زيادة كبيرة، بسبب شركة
الكلمة معه واتحاده به، لأن (الجسد) صار غير مائت بعد أن كان مائتًا، ورغم أن
الجسد كان حيوانيًا (نفسانيًا) فقد صار روحانيًا، ورغم أنه من تراب الأرض، فقد
اجتاز الأبواب السماوية] (فقرة: 9).

 

5
الرد على الذين يَشكّون كيف أن الرب المولود من مريم بينما هو ابن الله بالجوهر
والطبيعة فإنه من نسل داود من جهة الجسد ومن جسد القديسة مريم:

 

وتتمثل
خطورة التعاليم التي كان ينادي فيها البعض في كورنثوس والتي سجلها القديس ابكتيتوس
في المذكرات التي بعث بها للقديس أثناسيوس في أن هذه التعاليم كانت تنكر وبطريقة
مباشرة ألوهية المسيح، الله الذي ظهر في الجسد. لهذا بعد أن بيّن القديس أثناسيوس
إيمان الكنيسة القويم في ألوهية الكلمة المتجسد وكمال طبيعته البشرية، يدعوهم
قائلاً: [ من أجل هذا فليصمت أولئك الذين سبق أن قالوا إن الذي جاء من مريم ليس هو
المسيح والرب والإله، لأنه لو لم يكن إلهًا في الجسد، فكيف بمجرد ولادته من مريم
دُعيّ ” عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا ” (مت23: 1) ].

 

ويسوق
أثناسيوس شهادة القديس بولس عن نفس الحقيقة فيقول: [ وأيضًا لو لم يكن هو الكلمة
في الجسد، فكيف كتب بولس الرسول إلى أهل رومية: ” ومنهم المسيح حسب الجسد
الكائن على الكل إلهًا مباركًا إلى الأبد آمين ” (رو5: 9) ] (فقرة: 9).

 

6
تفنيد الرأى القائل إن المسيح المتألم بالجسد المصلوب ليس هو الرّب المخلّص والإله
وابن الآب:

 

ويضع
أثناسيوس هؤلاء الذين ينكرون الابن المتجسد، والمصلوب من أجلنا، في المواجهة مع
حقيقة ما رآه توما بعينيه وما لمسه بيديه وما شهد به علانية فيقول: [ أولئك الذين
سبق لهم أن أنكروا أن المصلوب هو إله، فليعترفوا بأنهم قد أخطأوا، لأن الكتب
الإلهية تحصنهم وبنوع خاص توما، الذي بعد أن رأى آثار المسامير صرخ قائلاً: ”
ربي وإلهي ” (يو28: 20) ] (فقرة: 10). ومرّة أخرى يُسجل أثناسيوس في رسالته
في عبارات عميقة وواضحة إيمان الكنيسة بألوهية الابن المتجسد ووعيها بأحداث الصليب
ونتائجه فيقول: [ لأن الابن إذ هو الله ورب المجد، كان في الجسد الذي سُمر وأُهين
بخزي، أما الجسد فكان يتألم وهو على الخشبة، وكان يسيل من جنبه (المطعون) دم وماء.
ولكن بسبب أنه كان هيكل الكلمة بالحقيقة، فقد كان مملوءًا من اللاهوت. ولهذا السبب
إذًا عندما رأت الشمس خالقها وهو يتألم في الجسد المُهان، سحبت أشعتها واظلمت
الأرض، ولكن الجسد نفسه، وهو من طبيعة مائتة، قام بطبيعة تفوق طبيعته بسبب الكلمة
الذي فيه، وتوقف فساده (اضمحلاله) الطبيعي، وإذ قد لبس الكلمة الذي هو فوق
الإنسان، هذا الجسد، فقد صار (الجسد) غير فاسد (غير مضمحل) ] (فقرة: 10).

 

7
دحض الرأى القائل إن الكلمة قد حلّ على إنسان قديس كما كان يحل على أى واحد من
الأنبياء، ولم يعد هو نفسه (الكلمة) إنسانًا باتخاذه الجسد من مريم:

 

في
رده المباشر على هذه الإنحرافات أو كما يسميها أثناسيوس في رسالته [ ما يتخيله
البعض ] (فقرة: 11)، يكتب مؤكدًا: [ من العبث أن نجادل هذا القول، حيث إن جنونهم
يحوي في طياته دينونته الواضحة. لأنه لو كان قد جاء بهذه الطريقة، فلماذا جاء هذا
الإنسان من عذراء ولم يولد هو أيضًا من رجل وامرأة؟ فإن جميع (الأنبياء) القديسين
وُلِدوا هكذا (من رجل وامرأة) أما وقد جاء الكلمة هكذا (من عذراء)، فلماذا لا يقال
إن موت كل واحد (من الأنبياء) قد حدث لأجلنا[22]، بل (يقال هذا فقط) على موت هذا
الإنسان وحده؟ ] (فقرة: 11).

 

ويأتي
أثناسيوس ببرهان كي يثبت أن تجسد كلمة الله يختلف عن حالة الأنبياء الذين قد صارت
كلمة الله إلى كل واحد منهم، فيقول: [ وإن كان الكلمة قد سكن بيننا لفترة قصيرة،
والأنبياء مثله قد أقاموا أيضًا فترة على الأرض، فلماذا يقال عن المولود من مريم
إنه استوطن بيننا مرة واحدة عند انقضاء الدهر (عب26: 9). وإن كان قد جاء هو، كما
سبق أن جاء في القديسين (الذين قبله)، فلماذا مات جميع هؤلاء القديسين الآخرين ولم
يقوموا بعد، في حين أن المولود من مريم وحده، قام من خلال فترة الثلاثة أيام؟ ]
(فقرة: 11).

 

ويستطرد
في نفس الفقرة في سرد البراهين الكتابية التي تدعم تعاليمه العقيدية فيقول: [ وإن
كان الكلمة قد جاء بطريقة مماثلة لتلك التي سبق أن جاء بها في الآخرين، فلماذا
يُدعى المولود من مريم وحده، عمانوئيل، أى الذي وُلِد منها جسدًا مملوءً بالألوهية؟
لأن عمانوئيل تفسيره “الله معنا” ] (فقرة: 11).

 

ويوضح
أثناسيوس أن هناك فرقًا واضحًا بين الأنبياء والكلمة المتجسد ذلك أنه [ بينما يقال
عن الآخرين أنهم فقط وُلِدوا متناسلين، يقال في حالة المولود من مريم وحده أن
“الكلمة صار جسدًا ” (يو14: 1) ] (فقرة: 11).

 

وأخيرًا
يختم أثناسيوس رسالته فيوضح عمل الكلمة في الأنبياء، ويقدّم شهادة إيمان واضحة،
تعكس ما آمنت به الكنيسة دائمًا من جهة ألوهية الكلمة المتجسّد، وكمال ناسوته
فيقول: [ من كل هذا تبيّن أن الكلمة جاء إلى جميع الآخرين (الأنبياء) لكي يتنبأوا،
أما الكلمة نفسه الذي وُلِدَ من مريم فقد اتخذ منها جسدًا وصار إنسانًا، إذ هو
بطبيعة جوهره كلمة الله، أما من جهة الجسد فهو إنسان من نسل داود ومن جسد مريم كما
قال بولس (انظر رو3: 1) ].

 

ولما
كان البابا أثناسيوس هو المدافع الأول عن ألوهية الكلمة المتجسد، ضد هرطقة
الآريوسيين، والذي شهد التاريخ لموقفه الحاسم، ودوره الفعّال في مجمع نيقية، فقد
أراد في ختام رسالته أن يشدّد مرّة أخرى على أهمية الربط بين قانون الإيمان وقانون
العبادة فالإله الذي نؤمن به هو الذي نقدم له العبادة وبهذا يتحقق فداؤنا، فيقول:
[ … وقد أظهره الآب في الأردن وعلى الجبل قائلاً: ” هذا هو ابني الحبيب
الذي به سررت ” (مت13: 3) والآريوسيين أنكروه، أما نحن فنعترف به ونعبده ولا
نفصل الابن عن الكلمة، بل نعرف أن الابن هو نفسه الكلمة الذي به قد كان كل شئ
والذي به افتدينا نحن ] (فقرة: 11).

 

لقد
كان جون كواستن
John Quasten عالِم الآبائيات، محقًا عندما شهد عن القديس أثناسيوس قائلاً: [
إن أعظم فضل لأثناسيوس يتركز في أنه دافع عن المسيحية التقليدية وحفظها من خطر
التلوث اليوناني الكامن في هرطقة آريوس وأتباعه ][23].

 

وها
نحن نرى تأثير تعاليم القديس أثناسيوس يمتد في الكنيسة الجامعة في عصره، الأمر
الذي جعل أسقف كورنثوس باليونان يطلب مشورته، بل وأيضًا نجد أن الآباء الأقباط في
القرن العاشر الميلادي، قد أعطوا لهذه التعاليم وتلك الكتابات، المكانة التي
تستحقها فعملوا على ترجمتها وحفظها في تراثهم العربي المسيحي.

 

المراجع

====

1
رسائل كيرلس إلى نسطور وبوحنا الأنطاكي: ترجمة د. موريس تاوضروس، د. نصحي عبد
الشهيد. يونيو 1988. رسالة رقم (39) فقرة (7) ص47.

2
رسائل كيرلس إلى نسطور ويوحنا الأنطاكي: المرجع الساب رسالة (39) فقرة (8) ص49.

3
لمزيد من المعلومات عن هذه الترجمات وأماكن نشرها راجع: أثناسيوس (راهب من الكنيسة
القبطية): فهرس كتابات آباء كنيسة الأسكندرية الطبعة الأولى يناير 2003م ص216.

4
عن هذه الأهتمامات راجع: د. جوزيف موريس فلتس: تأثير القديس أثناسيوس الرسولي في
التعليم اللاهوتي للكنيسة القبطية: دراسات آبائية ولاهوتية. المركز الأرثوذكسي
للدراسات الآبائية. السنة الأولى 1998، العدد الثاني ص4053.

5
رجعنا إلى نص عربي مترجم عن نص يوناني محقق وليس إلى نص المخطوط، راجع: المسيح في
رسائل أثناسيوس عربها عن اليونانية أ. صموئيل كامل عبد السيد و د. نصحي عبد الشهيد
طبعة ثانية 2000م، الرسالة إلى ابكتيتوس ص3448.

[6]
Bouyer, L’incarnation et l’Eflise
– corpus du Christ dans la theologie de st. Athanase 1943, p. 22
.

7
أي عبيدك نسل إبراهيم (انظر عب16: 2، 17).

8
كانت متضمنة في خطة الخلاص في قصد الله ليأخذ منها الكلمة جسدًا.

9
نوجه عناية القارئ إلى إنه مع الإنتهاء من قراءة هذه الدراسة يكون قد قرأ فيما بين
القوسين، النص الكامل تقريبًا لرسالة القديس اثناسيوس إلى ابكتيتوس.

([10])
نتابع هنا تعاليم أثناسيوس التي سبق أن عرضناها في الجزء الأول من هذا المقال.

2
ولقد عبّرت الكنيسة عن هذا الإيمان في القداس الإلهي قائلة: ” لاهوته لم
يفارق ناسوته لحظة واحدة ولا طرفة عين “.

3
كثيرًا ما كرر أثناسيوس أن جسد الكلمة هو جسده الخاص. انظر مثلاً كتاب تجسد
الكلمة، ترجمه عن اليونانية د. جوزيف موريس فلتس. المركز الأرثوذكسي للدراسات
الآبائية، الطبعة الرابعة 2006 ص21، 22، 25، 57، 58، 73، 88.

4
وهذا هو أيضًا ما تُعبّر عنه الكنيسة في صلوات التسبحة قائلة في ثيؤطوكية الجمعة:
” هو أخذ الذي لنا وأعطانا الذي له .. ” انظر الابصلمودية السنوية، طبعة
دير البراموس الطبعة الثالثة 2007 ص373.

5
يردد الكاهن هذه الحقيقة في صلوات القداس الإلهي فيقول: ” بل أنت وحدك بغير
استحالة (تحوّل) تجسّدت وتأنست .. ” انظر الخولاجي المقدس، طبعة دير البراموس
الطبعة الرابعة سنة 2006 ص317.

6
الرسالة إلى أهل تراليا: 10، الرسالة إلى أهل سميرنا1: 52.

7
الرسالة إلى تراليا1: 92، الرسالة إلى سميرنا 2: 4.

[17]
θρησκευτικ κα θικ
̉εγκυκλοπαιδε
α, Αθηναι,
1964, Τ
μος 5. σελ:
149-150
.

9
يقصد كل ما فعله الله الكلمة، في سر التدبير الإلهي، بتجسده وموته وقيامته من
أجلنا ومن أجل خلاصنا.

10
في موضع آخر من كتاباته يشرح أثناسيوس بإسهاب معنى أن خلاصنا هو أمر واقع فيقول:
” وهكذا إذ اتخذ جسدًا مماثلاً لطبيعة أجسادنا وإذ كان الجميع خاضعين للموت
والفساد فقد بذل جسده للموت عوضًا عن الجميع، وقدّمه للآب. كل هذا فعله من أجل
محبته للبشر أولاً: لكي إذ كان الجميع قد ماتوا فيه، فإنه يُبطل عن البشر ناموس
الموت والفناء، وذلك لأن سلطان الموت قد استنفذ في جسد الرب، فلا يعود للموت سلطان
على أجساد البشر (المماثلة لجسد الرب). ثانيًا: وأيضًا فإن البشر الذين رجعوا إلى
الفساد بالمعصية يعيدهم إلى عدم الفساد ويحييهم من الموت بالجسد الذي جعله جسده
الخاص، وبنعمة القيامة يبيد الموت منهم كما تبيد النار القش. تجسد الكلمة، المرجع
الساب فصل 4: 8 ص22.

11
يشرح أثناسيوس معنى أن جسد المسيح الذي اتحد به هو جسد حقيقي معتمدًا على ما جاء
في الكتاب المقدس فيقول ” عندما يتحدّث الكتاب الموحى إليهم عنه أنه يأكل
ويشرب وأنه وُلِدَ فإنهم يقصدون أن الجسد كجسد وُلِدَ واقتات بالطعام المناسب
لطبيعته. أما الله الكلمة نفسه الذي كان متحدًا بالجسد، فإنه يضبط كل الأشياء. وكل
أعماله التي عملها وهو في الجسد تُظهر أنه لم يكن إنسانًا بل كان الله الكلمة،
وأما هذه الأمور فإنها تُذكر عنه لأن الجسد الذي أكل ووُلِد تألم لم يكن جسد أحد
آخر بل كان جسد الرب نفسه. ولأنه صار إنسانًا كان من المناسب أن يقال عنه هذه
الأمور كإنسان حتى يتبيّن أنه أخذ جسدًا حقيقيًا لا خياليًا ” تجسد الكلمة،
المرجع السابق فصل 1: 18 ص51.

12
وترد الكنيسة في صلواتها الليتورجية هذه الحقيقة عندما ترنم قائلة: ” لأنه
مبارك الآب والابن والروح القدس الثالوث الكامل نسجد له ونمجده “.

13
كما نردد في قانون الإيمان .. هذا الذي من أجلنا ومن أجل خلاصنا ..

[23]
Quasten, Patrology, Vol. III. P.
66

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى