اللاهوت الروحي

الفصل الثالث عشر



الفصل الثالث عشر

الفصل
الثالث عشر

رحلة
نحو النمو والكمال

119-
النمو والكمال

يظن
البعض أنهم قد وصلوا إلى الله حينما يتركون الخطية، ويسيرون في الطريق الروحي.

ولكن
ترك الخطية، إنما يمثل فقط الجهاد السلبي في الحياة الروحية، فماذا إذن عن
الإيجابيات؟.. إنها طريق طويل..

 

لذلك
فالحياة الروحية لا تقف مطلقاً عند حد. إنها سائرة باستمرار. تنمو في كل حين
وتتقدم. وهكذا تكون حياة النمو هي إحدى خصائص ومعالم الطريق الروحي..

 

بماذا
شبهها السيد المسيح؟ إنه يشبه ملكوت السموات بإنسان ” يلقي البذار على الأرض،
وينام ويقوم ليلاً ونهاراً، والبذار يطلع وينمو.. أولاً نباتاً، ثم سنبلاً، ثم
قمحاً ملآن في السنبل” (مر4: 26 28).

 

وهكذا
شبه الإنسان الروحي بالشجرة التي تنمو باستمرار ولا تتوقف لحظة واحدة عن النمو..

 

والشجرة
تنمو بطريقة هادئة، ربما لا تلحظها وأنت تمر عليها كل يوم. ولكنها تنمو باستمرار،
ويظهر نموها بعد حين.. وقد قيل ” الصديق كالنخلة يزهو. كالأرز في لبنان
ينمو” (مز92: 12).

 

إنه
ينمو في كل عناصر الحياة الروحية، ينمو في معرفة الله وفي محبته. وينمو في حياة
النقاوة وفي الصلاة والتأمل.

 

ونلاحظ
هنا ملاحظة هامة وهي:

الذي
لا ينمو، هو عرضة للفتور، بل عرضة لأن يرجع إلى الوراء.

إنه
كالسيارة التي طالما هي سائرة تكون محتفظة بحرارتها. فإن وقفت، وقفت حرارتها أيضاً.
كذلك السير في الحياة الدائم في الحياة الروحية، يعطي حرارة للقلب، تشمل كل
العلاقة مع الله والناس.

ولكن
إلى أين يمتد الإنسان الروحي في نموه؟ إنه يمتد نحو القداسة، كما قال القديس بطرس
الرسول:


كما اختارنا فيه قبل تأسيس العالم لنكون قديسين وبلا لوم قدامه في المحبة”
(أف1: 4).

المسألة
إذن ليست مجرد توبة، وإنما هي حياة قداسة تليق بالمؤمنين. بل إن كلمة قديس كانت
تطلق على المؤمنين في العصر الرسولى، كما يقول بولس الرسول في آخر رسالته إلى
فيلبي التي كتبها من رومه:

 


سلموا على كل قديس في المسيح يسوع.. يسلم عليكم جميع القديسين ولاسيما الذين من
بيت قيصر” (في4: 21، 22).

 

فهل
أنت تعيش في هذه القداسة، واصبحت عضواً مع مجمع القديسين؟ أم مازلت تقوم وتسقط، وتتردد
بين الحياة مع الله والحياة مع العالم؟.

 

إن
القداسة ليست معينة لأفراد قلائل في القمة، إنما هي هدف الجميع ” مكملين
القداسة في خوف الله” (2كو7: 1). لأنه ” هذه هي إرادة الله: قداستكم”
(1تس4: 3).

 

وفي
عظة الرب على الجبل، اشترط النقاوة لكي تري الله في الأبدية، فقال:

 


طوبى لأنقياء القلب، لأنهم يعانيون الله” (متي5: 8).

 

فهل
وصلت إلى نقاوة والقداسة التي بدونها لا يعاين أحد الرب؟

 

ولعلنا
نقول هنا أيضاً إن القداسة وحدها لا تكفي، بل لابد من النمو أيضاً في القداسة حتى
يصل الإنسان الروحي إلى الكمال.

 

والمقصود
طبعاً هو الكمال النسبي، لأن الكمال المطلق هو لله وحده. إنما الكمال النسبي هو
الكمال الذي يستطيع الإنسان أن يصل إليه في حدود إمكانية ونسبة إلى ما وهبة الله
له من نعمة، وما تحيط به من ظروف. وعن هذا الكمال قال الرب:

 


كونوا أنتم كاملين، كما أن أباكم الذي في السموات هو كامل” (متى5: 48).

 

إذن
يلزمك في حياتك الروحية، أن تنمو في النقاوة والقداسة حتى تصل إلى الكمال إلى كمال
قدرتك، إلى كمال السيرة حتى تعود إلى الصرة الإلهية التي سبق الله فخلقك عليها
(تك1: 27).

 

ولكن
من هذا الذي يستطيع أن يصل إلى الكمال؟.

 

إن
كنت لا تستطيع، فمهما فعلت ومهما جاهدت في حياة الروح، قف أمام الله كخاطئ ومقصر،
لأنك مطالب بالكمال بينما أنت بعيد عنه هذا البعد.

 

ولهذا
عندما كان القديسون يقولون عن أنفسهم إنهم خطاة، لم يكن ذلك منهم نوعاً من
المبالغة أو من التواضع إنما قالوا ذلك لشعورهم بالتقصير أمام الكمال المطلوب..

 

ولما
كان الكمال غير محدود، لذلك كان النمو الروحي، غير محدود أيضاً.

 

لقد
شبهت فيه الإنسان الذي يسعى إلى الكمال، بإنسان يطارد الأفق..

 

يقف
فيرى أمامه بعيداً، حيث تنطبق أمامه السماء على الأرض. فيذهب إلى هناك، فيرى أمامه
عند النهر، فيذهب إلى النهر ويعبره، ليره الأفق أمتد إلى الجبل.. وهكذا إلى غير
نهاية..

 

مادام
الأمر هكذا، فتأمل إذن قول الرب في الإنجيل:

 


متي فعلتم كل ما أمرتم به، فقولوا إننا عبيد بطالون” (لو17: 10).

 

وقد
أمرنا في الكتاب بوصايا عديدة جداً لم نفعلها حتى الآن.. وحتى إن كنا قد نفذنا
جميع الوصايا، فواجب أن نقول إننا عبيد بطالون ” إننا إنما عملنا ما كان يجب
علينا” (لو17: 10)، ولم نتجاوزه إلى الكمال..

 

صدقوني
أن درجة “عبيد بطالين) هي درجة كبيرة لم نصل إليها بعد.

 

لاشك
أن الطريق طويل أمامنا، ولم نسر فيه شيئاً. ونحن محتاجون بكل أتضاع القلب أن نبدأ.

 

وهناك
آية أخري في الكتاب وقفت أمامها منذهلاً، وهي قول القديس بولس الرسول في رسالته
إلى أفسس ” وأنتم متأصلون ومتأسون في المحبة، حتى تستطيعوا أن تدركوا مع جميع
القديسين ما هو العرض والطول والعمق والعلو “.

 


وتعرفوا محبة المسيح الفائقة المعرفة، لكي تمتلئوا إلى كل ملء الله” (أف3: 18،
19).

 

يعلم
الله أنني لا أزال وقفاً أمام هذه الآية منذهلاً، لم أصل بعد إلى شئ من أعماقها
العجيبة. وسأحاول أن ارجع إلى تأملات الآباء فيها، لعلى أعرف. فإن وصلت إلى شئ
سأخبركم لأن ههنا الروح يعمل، وليس العقل ولا الفكر..

 

هذا
الامتلاء، من ذا الذي يمكنه أن يصل إليه؟.. مطلوب منا جميعاً، كما يأمرنا الرسول
قائلاً في نفس الرسالة ” امتلئوا بالروح” (أف5: 18).

 

لقد
قال في موضع آخر ” اسلكوا بالروح” (غل5: 16). ودعانا أن نكون لنا ثمار
الروح (غل5: 22). ولكن هنا درجة أكبر يجب أن نصل إليها في نمونا وهي الامتلاء
بالروح..

 

إذن
فالطريق طويل أمامنا، ويحتاج إلى جدية كبيرة للسير فيه.

 

يحتاج
الإنسان الروحي أن يجتاز مرحلة التوبة، إلى مراحل النقاوة والقداسة، إلى الدخول في
العلو والعمق، وإلى معرفة المسيح الفائقة المعرفة. وينتقل من السلوك بالروح، إلى
كل ثمار الروح، إلى الامتلاء بالروح.. إلى الكمال..

 

لهذا
نري القديس بولس الرسول يقول: “ليس أني قد نلت أو صرت كاملاً ولكنى اسعي لعلي
أدرك” (في3: 12).

 

بولس
الرسول الذي صعد إلى السماء الثالثة، إلى الفردوس (2كو12: 4) الذي تعب أكثر من
جميع الرسل الأثنى عشر، وسافر وبشر وكتب أربع عشرة رسالة، وألقى في السجون وتعذب
من أجل الرب، وصنع آيات كثيرة، وكانت له كثرة من الاستعلانات، وتكلم بألسنة أكثر
من الكل، يقول أخيراً ” لست أحسب أنني قد أدركت. ولكنني أفعل شيئاً واحداً
” ونسأله ما هو فيجيب:

 


أنسي ما هو وراء، وأمتد إلى ما هو قدام..” (في3: 13).

 

ينسي
كل هذه المواهب الفائقة، وينسي كل هذا التعب في الخدمة، وينسى اختطافه إلى السماء
الثالثة، ويسعى نحو الغرض، يسعى لعله يدرك.. يدرك ماذا يدرك ” جعاله دعوة
الله العليا في المسيح يسوع” (في3: 14). يدرك هذا الامتلاء العجيب..

 

لذلك
فإنه ينصحنا قائلاً ” اركضوا لكي تنالوا” (1كو9: 24).

 

ويقول
معنا ” وأنا أركض هكذا” (1كو9: 26). ويقول أيضاً ” فليفتكر هذا
جميع الكاملين منا” (فى3: 15).

 

إذن
هي دعوة ليست للأشخاص العاديين فقط، بل للكاملين أيضاً.. دعوة للجميع أن يسعوا نحو
الغرض، لكي يدركوا..

 

هناك
درجة أخرى موضوعة أمامنا. كأولاد لله، وكلنا ندعي أننا أولاد الله يقول القديس
يوحنا الرسول:

 


كل من هو مولود من الله لا يفعل خطية.. ولا يستطيع أن يخطئ، لأنه مولود من
الله” (1يو3: 9).

 

ويقول
في ذلك أيضاً ” كل من ولد من الله لا يخطئ، بل المولود من الله يحفظ نفسه
والشرير لا يمسه” (1يو5: 18).

 

 فهل
وصلت إلى هذا المستوي الذي لا يستطيع فيه أن تخطئ، والشرير لا يمسك؟ هنا مستوي خاص،
ليس هو مقاومة الخطية والجهاد معها والانتصار عليها، إنما مستوي إنسان قديس لا
يستطيع أن يخطئ..

 

من
وصل إلى هذا الكمال؟

 

ومع
ذلك لا أريد فقط أن أقدم لك مستويات العهد الجديد بكل ما تحمل من سمو، إنما انتقل
بك إلى وصية في العهد القديم وهي:

 


تحب الرب إلهك من كل قلبك، ومن كل نفسك، ومن كل قوتك” (تث6: 5).

 

من
ذا الذي قد وصل إلى محبة الله من كل القلب. وعبارة “كل” تعني أنه لا
يوجد في القلب شئ سوي الله.. لا توجد أية محبة أخري في القلب تنافس محبة الله. ولا
شك أن هذا يعني الموت الكامل عن العالم، ويعني التجرد، وامتلاء القلب بمحبة الله..

 

فهل
بدأت هذا الطريق؟.

 

هل
بدأت بمخافة الله التي هي الخطوة الأولي الموصلة إلى المحبة؟

 

وذلك
كما يقول الكتاب ” بدء الحكمة مخافة الرب” (أم9: 10). ومخافة الرب تعني
طاعته والخضوع لوصاياه. بهذا تصل إلى الله وتدخل إلى ملكوته. يقول الكتاب في هذا: “ملكوت
الله داخلكم “.

 

فهل
تشعر بهذا الملكوت داخلك؟ وهل بدأت حالياً بمذاقة الملكوت؟ هل أخذت عربونه في
حياتك الحاضرة، حتى تتمتع بملئه في العالم الآخر؟.

 

ابدأ
إذن بمذاقة الملكوت.

وحينما
تصلي وتقول ” ليأت ملكوتك ” اطلب أن يأتي ملكوته على كل قلبك وكل فكرك،
وعلى حواسك وجسدك ومشاعرك. وحينئذ تغني تقول ” الرب قد ملك” (مز96).

ولكن
لعلك تسأل بعد كل هذا؟ ماذا أفعل والطريق طويل أمامي؟

الأمر
لا يأتي باليأس ولا بالحزن، ولا بعبارة “إذن لا فائدة مني”..

كل
هذه حيل من الشيطان، يريد بها أن يوقعك في صغر النفس، حتى تبطل الجهاد يائساً، أو
تشعر الحياة مع الله. إنما أهم نصيحة توجه إليك هي:

إن
أطول طريق أوله خطوة. ابدأ إذن بهذا الخطوة.

ابدأ
بهذه الخطوة، مهما كانت قصيرة، ومهما كانت ضعيفة، ومهما كانت فاترة. وحينئذ عندما
يري الله رغبتك في الحياة معه، سيرسل لك معونات إلهية من عنده، وتفتقدك نعمته،
ويعمل فيك روحه القدوس بكل قوة.

 

والله
الذي عمل في القديسين وأوصلهم هو قادر أن يعمل فيك..

 

لكن
نعمة الله ليست تشجيعاً لك على الكسل، وعلى التهاون والإهمال إنما هي تعمل معك.
وبهذا تدخل في شركة مع الله، في العمل لأجل ملكوته.. ملكوته فيك وفي غيرك.

 

الله
قادر أن يرفعك دفعة واحدة، كما فعل مع بعض قديسى التوبة..

 

كما
عمل مع اوغسطين، الذي نقله من عمق الخطية، إلى عمق التأمل في الإلهيات، وإلى عمق
محبة الله..

 

وكما
عمل مع مريم القبطية التي أخذها من الدنس إلى الرهبنة وإلى السياحة فصارت من
القديسات العظيمات.

 

وإن
أراد لك الله التدرج في حياة الروح، فلتكن مشيئته.

 

هكذا
فعل مع القديس موسي الأسود إذ قاده تدريجياً إلى التوبة. وبالتدريج منحه الفضائل
الروحية. ونزع منه قساوة القلب، ومنحه محبة لجميع الناس، ووداعة عجيبة. وتواضع قلب
وصار إنساناً آخر.

 

المهم
إذن أن تقدم قلبك لله، لكي يملأه الله بمحبته.

 

قل
له: أنا يارب غير قادر أن أصل إلى محبتك، إذ توجد محبات أخرى عالمية ومادية وجسدية
تجتذبني وأنا ضعيف أمامها. لذلك أريد أن تمنحني محبتك كعطية مجانية من عندك كمجرد
هبة، كما يقول الرسول:

 


لأن محبة الله قد انسكبت في قلوبنا بالروح القدس المعطي لنا” (رو5: 5).

 

وفي
نفس الوقت الذي تطلب فيه أن يعمل الله معك، اعمل أنت أيضاً معه، أعمل بكل ما
تستطيع، ولا تكسل مطلقاً في روحياتك، وكن جاداً. افتح قلبك لكي يملأه الله. واحرص
ألا تفتحه لمحبة خاطئة.

 

وابعد
بكل جهدك عن كل ما يبعدك عن الله..

 

والقليل
الذي تقدمه إلى الله، سيقبله كما قبل فلسي الأرملة، ويكون عزيزاً عنده.

 

إن
الله يعرف تماماً مقدار إمكانياتك ولا يطالبك بأكثر، تصل بها إلى أعماق أكثر.

 

وهكذا
يقودك خطوة خطوة إلى حيث يريد لك بنعمته. لا تنظر إذن إلى نهاية الطري وتيأس. إنما
أنظر إلى هذا الخطة الواحدة، كيف تخطوها حسناً..

 

وكلما
كنت أميناً على القليل، سيقيمك الله على الكثير، حسب وعده الصادق.

 

أما
كيف تكون أميناً في القيل، فهذا ما أود أن أحدثك عنه بالتفصيل في مناسبة أخري إن
شاء الله.

 

120-
عوائق النمو

تكلمنا
في المقال السابق عن النمو في الحياة الروحية، ولزومه، وكيف أنه علامة مميزة للسير
السليم في الطريق الروحي.

وقلنا
في هذا المجال إن النمو الروحي هو مرحلة إلى الكمال.

ويهمنا
الآن أن نسأل:

هل
كل إنسان ينمو في روحياته؟ وهل كل نمو روحي يستمر؟

الواضح
تماماً أن النمو يتعطل أحياناً بالنسبة إلى كثيرين، فيتوقفون عند درجة معينة في
حياتهم الروحية. بل ربما يرجعون أحياناً إلى الوراء. فما هو السر في كل هذا؟ وما
هي العوائق التي تقف أمام النمو الروحي.

 

العوائق
تختلف من شخص لآخر.

ولكننا
سنحاول في هذا المقال أن نتحدث عن كثير من العوائق العامة التي تقف في طريق النمو.
ونذكر منها:

 

121-
حروب الشياطين من عوائق النمو

إن
الشيطان لا يقف ساكناً إن وجد إنساناً يمتد إلى قدام باستمرار في طريقة الروحي،
فلابد أن يقف ضده.

ويسمى
هذا أحياناً حسد الشياطين.

إنهم
يحسدون الذين يتقدمون في محبة الله، لأنهم أي الشياطين قد فقدوا هذه الصلة الجميلة
بالله، وفقدوا ملكوته.

 

لهذا
فإنهم يحاربون ليس فقط النمو الروحي، إنما الطريق الروحي كله. لذلك يقول سفر يشوع
بن سيراخ:

يا
ابني تقدمت لخدمة ربك، فهيئ نفسك لجميع التجارب..

والكنيسة
تورد هذا الفصل وهذه الآية في طقس سيامة الراهب، لأن الداخل في حياة الرهبنة، إنما
يحاول أن يبدأ في حياة الكمال.

 

وكذلك
ترتب الكنيسة هذا الفصل في صلاة الساعة الثالثة من يوم ثلاثاء البصخة، لأن السيد
المسيح مقدم على إكمال عمل الفداء العظيم، وداخل في عمق التجارب..

 

لذلك
فكثيراً ما يسير الإنسان الروحي، بكل ما يملك من جهد، وبكل عمل النعمة فيه، وينتصر
ويستمر نموه. والبعض يحوز في هذا الحروب ويضعف، ولا يستطيع أن يتقدم أكثر في نموه..

 

إن
الشيطان لما وجد عمل الفداء قد أوشك أن يتم، أثار عنف حروبه على التلاميذ، فقال
لهم السيد المسيح.

 


هوذا الشيطان طلبكم لكي يغربلكم كالحنطة” (لو22: 31)

 

وفي
تلك الغربلة وقف النمو الروحي للتلاميذ، بل رجع غالبيتهم إلى الوراء! وأمثال هذه
الغربلة أو هذه الحروب مرت على كثير من القديسين والأنبياء، لأن الشيطان لا يترك
أحداً بدون حرب..

فإن
تعرضت لهذه الحروب، فلا تتضايق. إنها شئ طبيعي..

إنها
من طبيعة الطريق الروحي، من طبيعة الشياطين.

ولكن
قاوم بقدر ما تستطيع.. وفي كل درجة جديدة تصعدها في السلم الروحي، توقع محاربة
لإيقافك واستعد.

 

وفي
كل تدريب روحي جديد تسلك فيه لنموك، إن وجدت حرباً فاطمئن.

 

لولا
أن الشيطان يخاف من هذا التدريب، ما كان يقاومه ويحاربك فيه. إنها ظاهرة صحية
بالنسبة إليك، وظاهرة مرضية من الشيطان. ولكن الحرب شئ، والسقوط شئ آخر.

 

وتاريخ
الآباء الرهبان والسواح حافل بالحروب الروحية لمنع نموهم..

 

إنها
مجرد محاولات من الشيطان، قد تنجح حيناً، وقد تفشل.

 

ولكنه
عدو للنمو، لابد أن يحاربه على أية الحالات، وليحدث ما يحدث والشيطان ليس هو العائق
الوحيد أمام النمو الروحي، إنما هناك أعوان له كثيرون في ذلك ونذكر في المقدمة.

 

122-
البيئة المُعَطِّلة للنمو

البيئة
السيئة تعطل النمو الروحي. لذلك تخير أصدقاءك ومعاشريك ومرافقيك في الطريق..

إنهم
قد يوقفون نموك، بل قد يرجعونك إلى الخلف.. وكما أن الصديق الصالح يجذبك معه إلى
فوق كذلك الصديق الخاطئ إلى أسفل ويعطل نموك. والزوج غير الروحي، يمنع الزوجة
روحياً. وكذلك تفعل الزوجة غير الروحية مع زوجها. إنهما يشتركان معاً في حياة
واحدة. ومن شروط المرافقة الموافقة. وإن لم تكن هناك موافقة فالنمو الروحي يتعطل،
أو قل الحياة بسبب البيئة المحيطة.

 

أبونا
إبراهيم أبو الآباء تعطل نموه حيناً بسبب البيئة المحيطة.

 

تعطل
لما تغرب في جرار، وكان يعلم أنه “ليس في هذا الموضع خوف الله البتة”
وخاف أن يقتلوه من أجل امرأته (تك20: 11). ودفعه الخوف إلى أن يقول عن سارة إنها
أخته، فأخذها أبيمالك..

 

وإذا
بهذه البيئة التي لا يوجد فيها خوف قد عاقت نمو هذا النبي العظيم، بل أوقعته في
أخطاء نقائص.

ونفس
الوضع حدث للوط البار ولكنه بنسبة أكبر. في أرض سدوم.

وفي
ذلك قال عنه القديس بطرس الرسول “كان البار بالنظر والسمع وهو ساكن بينهم،
يعذب يوماً فيوماً نفسه البارة بالأفعال الأثيمة” وقال عنه أيضاً إنه كان
“مغلوباً من سيرة الأردياء في الدعارة” (2بط2: 7، 8).

 

إذن
فالبيئة الخاطئة والضغوط الخارجية يمكن أن تعطل حتى الأنبياء والأبرار.

 

لأنه
إن انتصر البار حيناً، فربما إذا ضغطت عليه البيئة ” يوماً فيوماً ” حينئذ
تتعذب نفيه البارة ويقف نموه.

 

لذلك
في ممارساتك الروحية احترس من استصحاب أحد يعوق نموك.

 

وفي
اليوم الذي تتناول فيه، أو في يوم اعترافك، وأنت في حالة روحية نامية، احذر من
صديق وزميل يدخل معك في حديث قد يعكر نقاوة ذهنك وقلبك.

 

لقد
استفاد آباؤنا من الوحدة.

عاشوا
وحدهم، بهياً عن البيئة التي تشغلهم أو تعوق نموهم، فتفرغوا لعملهم الروحي مع الله
دون عائق من البيئة..

 

وكذلك
عاش كل محبي الوحدة حتى في العالم، ولا يعرجون بين الفرقتين، لا يقضون حيناً في
حرارة روحية، وحيناً آخر مع أساب تبرد حرارتهم.

 

وفي
مثل الزارع، نسمع عن الأشواك التي تخنق الزرع بعد نموه (متى13).

 

فاحترس
أنت، وابعد عن الأشواك حتى ينمو زرعك المقدس دون أن تخنقه البيئة المحيطة. وفي
نموك تذكر قول الشاعر الذي قال:

 متى
يبلغ البنيان يوماً تمامه

 إذا
كنت تبنيه وغيرك يهدم.

من
الأسباب الأخرى التي تعطل النمو الروحي، سياسة الاكتفاء.

الاكتفاء
في الروحيات من عوائق النمو الروحي

 

123-
الاكتفاء في الروحيات من عوائق النمو الروحي

حيث
يصل الإنسان إلى مستوي روحي معين، دون أن يتقدم بعده، ويظن أن هناك المنتهي، دون
أن يفكر في تخطئ هذا المستوي إلى ما بعده.

 

أو
يحاربة الشيطان بأن ما فوق هذا المستوي هو لون من التطرف.

 

ولكن
آباءنا القديسين لم يحدث أن قنعوا في حياتهم الروحية بما وصلوا إلية. بل كانوا
باستمرار يجاهدون إلى وضع أفضل. فبولس الرسول الذي اختطف إلى السماء الثالثة، قال
” انس ما هو وراء، وامتد إلى ما هو قدام” (فى3: 13).

 

إن
الذي يقف نموه: هو معرض أن يرجع إلى الوراء.

 

لذلك
حاول باستمرار أن تنمو، ولا تكتف مطلقاً بما أنت فيه. ولكن بحكمة، ضع أمامك
المستويات العليا التي وصل إليها الآباء، لكي يحفزك هذا إلى مزيد من الجهاد، واعرف
قاعدة هامة وهي:

هنناك
فرق كبير بين النمو والتطرف.

والحكمة
هي الميزان بينهما. ولكن الشيطان قد يستخدم إحدى العبارتين بدلاً من الأخرى
لمحاربتك.

هناك
سبب آخر يعوق النمو، وهو: الإرشاد الخاطئ.

 

124-
الإرشاد الخاطيء من عوائق النمو

الإرشاد
الخاطئ يعوق النمو الروحي، إذا كان المرشد غير متمرس في الروحيات، أو كان له غرض
خاص.

فهناك
مثلاً مرشدون من يسترشد بهم إلى الحرفية في تنفيذ الوصايا مثلما كان يفعل الكتبة
والفريسيون. وقد قال السيد الرب:

 


أعمي يقود أعمي، كلاهما يسقطان في حفرة” (متى15: 14).

 

لهذا،
سعيد هو الشخص الذي يكون تحت قيادة حكيمة واعية مختبرة كذلك على الإنسان أن يفحص
كل شئ، ولا يتمسك إلا بالأفضل (1تس5: 21).

 

كذلك
لا تسمع نصيحة كل أحد، ولا تطلب إرشاد كل أحد. وكما قال أحدهم:

فخذوا
العلم على أربابه واطلبوا الحكمة عند الحكماء.

ومن
الأسباب الأخرى التي تعوق النمو الروحي: التقليد الخاطئ.

 

125-
التقليد الخاطئ من عوائق النمو

ونعني
به التقليد الذي يلبس فيه الإنسان شخصية غيره بلا إفراز. أو التطبيق الحرفي لما
ورد في بستان الرهبان أو في سير القديسين، دون معرفة ما يناسبك أنت شخصياً، أو
الدرجات المتوسطة التي فيها ذلك القديس، حتى وصل إلى المستوي الذي ورد في سيرته.

وقد
يكون التقليد لما ورد في الكتب أو تقليداً لأشخاص أحياء أو لأب الاعتراف..

بينما
يكون لكل من هؤلاء طبيعته الخاصة، أو أسلوبه الذي يناسبه هو نفسياً وروحياً. وقد
لا يناسب من يقلده..

 

وقد
يكون الداعي إلى التقليد، أب الاعتراف نفسه حينما يريد أن يكون أولاده صورة منه،
مهما كانت طبائعهم ونتيجة لسيرهم في طريق يناقض طبائعهم يعاق تقدمهم الروحي.

 

مثال
ذلك أب يحب الحياة الاجتماعية والخلطة، وله أبن روحي يحب الهدوء والسكون، إن أجبره
على السير في الخلطة، وله إبن روحي يحب الهدوء والسكون، إن أجبره على السير في الخلطة
روحياته، والعكس صحيح..

سبب
آخر لتوقف النمو الروحي هو: الكبرياء.

 

126-
الكبرياء من عوائق النمو

ربما
ينمو الإنسان حسناً في الطريق الروحي، حتى إذا وصل إلى مستوي معين، يبدأ في مقارنة
نفسه بمن هم اقل منه، فيرتفع قلبه، وحينئذ تبعد عنه بسبب الكبرياء فإما أن يسقط
نموه.

إن
مواهب الرب لا تعطي إلا للمتضعين. الذين يرتفعون بسببها.

أما
الإنسان المتواضع، فإنه مهما ارتفع في الطريق الروحي يحسب نفسه لا شئ، مقارناً
بذاته الدرجات العليا التي للقديسين، لذلك يدعو نفسه خاطئاً. ويري الرب اتضاعه ن
فيعطيه المزيد من النمو.

 

كذلك
الشخص الذي ينمو فيعجب بنفسه، قد يكتفي بما هو فيه، فلا يجاهد لنوال ما هو أكثر،
فيقف نموه.

 

إننا
نخشي من الكبرياء، ليس في وقوف النمو فحسب، بل للخوف من السقوط أيضاً.

 

وفي
ذلك يقول الكتاب ” قبل الكسر الكبرياء، وقبل السقوط تشامخ الروح” (أم16:
18)، فإن كنت سائراً في الطريق الروحي، احترس لئلا تكبر في عيني نفسك، فتسقط.

 

ومن
أمثلة تأثير الكبرياء في وقوف النمو، إنسان تفتقده النعمة وترفعه إلى فوق فينسب
ارتفاعه إلى مجهوده الشخصي وبره الذاتي، لا إلى عمل الله فيه.

 

فنفارقه
النعمة، لأنه ينسب إلى نفسه ما يناله من معونة النعمة.

 

وإذ
تفارقه النعمة، لا يمكن أن يتقدم خطوة واحدة، بل قد يرجع إلى الوراء، ربما يكون
وقوف النمو بتدبير النعمة.

 

127-
تدبير النعمة وابتعادها

ربما
تبعد لا بسبب كبرياء الشخص، إنما خوفاً عليه من الكبرياء.

وحينما
ترتفع النعمة عنه يضعف وقد يسقط في أخطاء كثيرة، حتى تكون هذه لإيليا النبي العظيم
حينما خاف من إيزابل (1مل19: 14).

 

وهو
لم يخف من آخاب الملك ومن كل أنبياء البعل والسواري وانتصر على الكل انتصاراً
عظيماً على جبل الكرمل (1مل18).

 

وربما
حدث مثل هذا لداود النبي العظيم، الذي حل عليه روح الرب، وعاش في حياة الصلاة
والمزامير. وسقط بعدها في بعض خطايا المبتدئين..! وساعده ذلك على حياة الانسحاق
والدموع فيما بعد.

وربما
يكون من أسباب وقوف النمو.

 

128-
التحول إلى الإداريات من عوائق النمو

كأن
يترك الإنسان العمل الروحي، ويتحول إلى العمل الإداري، فشغله الإداريات عن خلاص
نفسه وخلاص غيره، وتوقعه في أخطاء عديدة توقف نموه.

كراهب
متوحد في الجبل ينمو في روحياته، ويأخذونه ويضعونه في وظيفة.

وأمور
التدبير ليست خطية في ذاتها ولكنها تشغله عن العمل الروحي فيقف نموه ومن أجل هذا،
كان آباؤنا القديسون يهربون من الوظائف ليتفرغوا لله.

أو
مثال كاهن ناجح في عمله الروحي يتولي الأمور الإدارية في الكنيسة فتعطله عن
روحياته وتوقف نموه.

فإن
انشغل أحدكم بالإداريات، فليختبر نفسه فيها: هل هو استمر في نموه، أم توقف، أم هبط
مستواه.

سبب
آخر يوقف النمو الروحي وهو: الاهتمام بالفضائل الظاهرة.

 

129-
الاهتمام بالفضائل الظاهرة من عوائق النمو

كأن
يهتم إنسان بالنمو العددي، وليس بالنمو الروحي في كل ممارساته الروحية.

يهتم
بعدد المزامير، وليس بروحانية الصلاة بها. ويهتم بعدد المطانيات، وليس بأدائها
الروحي.. ويهتم بمظاهر الصوم في فترة الانقطاع ونوع الأكل وكميته، وليس بما في
الصوم من إخضاع واعطاء فرصة للروح.

 

وهكذا
يهتم بالشكليات وليس بالعمق فيتوقف نموه. إذ يهتم بكثرة الصلاة وليس بعمق الصلاة،
وكثرة القراءة، وليس بالتأمل والعمق.

أما
أنت فاهتم بالروح، وبالنمو الداخل وبالفضائل المخفاة غير الظاهرة وقد يكون سبب
وقوف النمو:

 

130-
الفهم الخاطىء من عوائق النمو

وكما
قال القديس الأنبا أنطونيوس إن أعظم الفضائل:

الإفراز،
أي الفهم السليم في أمور الروحيات.

فكثير
من الأشخاص فشلوا في روحياتهم، لأنهم لم يفهموا الطريق الروحي جيداً، ولم يكن لهم
مرشد روحي حكيم، واعتمد على مجهودهم البشري أكثر مما اعتمدوا على الله بالصلاة.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى