علم الله

الفصل الرابع



الفصل الرابع

الفصل
الرابع

اعتقادات
الباطنيين

 

1 – من هم الباطنيون ولماذا سُمّوا بهذا الاسم؟

*هم
الذين لا يقبلون أي إعلان يجيء من خارج أنفسهم بما في ذلك الكتاب المقدس، بل
يدَّعون أن لهم إرشاداً داخلياً من الروح القدس خاصاً بهم، يسمُّونه “النور
الباطني” يُغنيهم عن الاحتياج إلى أي إعلانٍ ديني خارجي. وهم يقولون إن لهم
معرفة عميقة بأسرار الدين تمكّنهم من رؤية ما هو مكتوم عن أعين سائر المتديِّنين.
وقد وجدوا لهم أتباعاً في أكثر الملل المشهورة، وخاصةً بين الفرس والمصريين
القدماء واليونانيين والبراهمة والبوذيين، كما في المسيحية، وذلك من قديم الزمان
إلى عصرنا هذا. وقد سُموا “باطنيين” لزعمهم أن لهم نوراً باطنياً
وإلهاماً. وهم فِرقٌ مختلفة يُعرف أمثالهم في العربية بالصوفيين.

 

2 – ما هو ملخص تعليم الباطنيين المسيحيين؟

*
لم
يتّفق المسيحيون الباطنيون على معتقد واحد، ولهم أربعة مبادئ هامة:

(1)
لهم نور داخلي يقودهم لمعرفة الحق وطاعته، فلا يحتاجون إلى الكتاب المقدس. وزعم
بعضهم أن الإنسان ينال ذلك كله من الله رأساً.

(2)
إنهم ينالون ذلك النور بالسكينة التامة، أي تسليم النفس إلى الله لينشئ معرفة الحق
فيها، بدون فكرٍ ولا عمل من جانبهم.

(3)
لهم اتّصال سري بعلّة العلل (الله) وذلك يجعلهم (حسب زعمهم) هم والله في غاية
الوحدة والاتفاق.

(4)
يفضّلون الحسّ النفساني على العقل، ويستخفّون بشهادة الحواس والعقل، ويعوّلون على
شهادة الإحساسات الباطنة.

 

3 – ما هو تعليم الكتاب في إنارة الروح؟

*
يعلّمنا الكتاب المقدس أن المعرفة وحدها لا تكفي لتجديد الإنسان وتقديسه، كما قال
الرسول: “الإنسان الطبيعي لا يفهم ما لروح الله لأنه عنده جهالة. ولا يقدر أن
يعرفه لأنه إنما يُحكم فيه روحياً” (1كو 2: 14). ولذلك يحتاج الإنسان لتعليمٍ
من الروح في الداخل ينشئ فيه عواطف روحية وحياة مقدسة، وهذا ما وعد المسيح به
تلاميذه بقوله إنه يرسل إليهم روح الحق ليسكن معهم ويرشدهم إلى جميع الحق (يوحنا
15: 26). وهذا يبرهن أن الله يكلّم نفوس الناس، ويُظهر نفسه لشعبه لا للعالم،
ويعطيهم روح الإعلان في معرفته (أف 1: 17). غير أن بين هذا التنوير وما يدَّعيه
الباطنيون فرقاً في ثلاثة أمور:

(1)
في الغاية منه: فإن غايته عند المسيحيين تمكينهم من فهم ما أعلنه لنا الكتاب (1كو
2: 12). وعند الباطنيين أنه يغنيهم عن الكتاب بما يكشفه لهم من الحق.

(2)
في وسيلة الحصول عليه: فالمسيحيون ينالون إنارة الكتاب بالصلاة والاجتهاد في معرفة
الحق المعلَن. أما الباطنيون فيظنون أنهم ينالون الاستنارة بترك الوسائط وإماتة
الحركات الداخلية والخارجية، وتوقُّع دخول الله إلى النفس وهي في حالة السكينة.

(3)
في النتيجة: فإن نتيجة الإنارة الحقيقية في المسيحيين هي حلول كلمة الله فيهم
بغِنى (كو 3: 16). أما الباطنيون فتسكن فيهم أوهامهم المتنوّعة حسب اختلاف
إحساساتهم.

 

4 – ما هو الفرق بين تعليم الباطنيين وتعليم الكتاب المقدس في إرشاد
الروح القدس؟

*
يعلّمنا الكتاب أن الروح القدس يرشد المؤمنين ويقنعهم بالحق وبواجباتهم، وينمّي
فيهم الفضائل المسيحية ويهديهم في طريق الطاعة، بواسطة العمل في قلوبهم، والعناية،
والكلمة. أما الباطنيون فيقولون إن النفس تنال إلهاماً خاصاً واتحاداً شخصياً
وحلول الروح رأساً بواسطة التسليم لله، بدون عمل من جانبهم.

 

5 – ما هو الفرق بين تعليم الباطنيين وتعليم الكتاب في إرسال النعمة
إلى البشر؟

*
يعلّمنا الكتاب أن الله يرسل النعمة إلى قلوب المؤمنين لينموا في التقوى، ولقلوب
غير المؤمنين ليستميلهم لمعرفة الحق. وأما الباطنيون فيعلّمون أن الله يرسل لقلوب
الناس نعمة خاصة على سبيل الإلهام كما ألهم الأنبياء والرسل. فهم يعتقدون أن الله يوحي
إلى كل المؤمنين ويعلن لهم أموراً خاصة رأساً.

 

6 – ما هو تعليم مونتانوس؟

*
نبغ مونتانوس في القرن الثاني الميلادي، وعلَّم أن المسيح تنبأ بإتيان البارقليط
الذي بواسطته يعلن الله إعلاناتٍ جديدة لقلوب شعبه (كما أنبأ الأنبياء بإتيان
المسيح وبإعلانات جديدة بواسطته). وهذا التعليم يعني أن ما في الكتاب غير كافٍ
لتكميل المسيحيين بإنارة الروح القدس في المعرفة والتقوى، وأنه يجب أن تُضاف إليه
إعلانات متواصلة من الروح القدس بنوع خارق للعادة.

 

7 – ما هو التعليم الباطني المنسوب بدون برهان كافٍ إلى ديونيسيوس
الأريوباغي؟

*
ظهر قومٌ في القرن السادس الميلادي، أسندوا معتقداتهم إلى كتبٍ زعموا (بدون برهان)
أن مؤلفها هو ديونيسيوس الأريوباغي. وهو فيلسوف شهير عاش في أثينا في زمان بولس
الرسول وتنصَّر على يده. وقد اعتمدت تعاليمهم على بعض آراء أفلاطون الوثني،
ومزجوها ببعض العقائد المسيحية، فعلّموا أن الكون كله صدر من الله طبعاً
والتزاماً، كالنور من الشمس، لا بإرادة الله ولا بقدرته. وأن ما صدر أولاً ولَّد
آخر طبعاً والتزاماً، وهذا ولَّد غيره، وهكذا إلى أدنى رتبة من الموجودات.
وعلَّموا أن غاية الديانة والفلسفة رؤية الله التي بها تنال النفس كمال الراحة
والسعادة، وأننا ننال تلك الرؤية بالتأمل في أنفسنا دون أن نأتي بأدنى حركة، لأننا
جزءٌ من الله.

 

8 – متى امتدَّت الآراء الباطنية وانتشرت؟

*
امتدت ما بين القرن السادس والسادس عشر الميلاديين، حين كانت الديانة على الغالب
طقسية. في تلك القرون نادى أهل الرأي الباطني بأن غاية الديانة هي الاتحاد السري
بالله الذي يتم بالتأمل الطويل، والإنسان في حالة السكينة. وكانوا يستخفّون بمعرفة
الحق وبطقوس الكنيسة وأسرارها والشركة الأخوية مع المسيحيين. ومنهم من نادى
بألوهية الكون (وحدة الوجود)، أي أنه لا يوجد شيء غير الله، وأن الكون هو الله
ظاهراً. وبهذا يكون الإنسان جزءاً من الله. وعندما يشعر الإنسان أنه واحد مع الله
يرتقي إلى أسمى درجة من السعادة. وكل هذا يتم بالتأمل وإماتة الجسد وشهواته. وكان
مِن أهل الرأي الباطني أتقياء حارين في الروح، رفضوا الاتكال على طقوس الكنيسة،
واعتبروا الديانة روحيةً قلبية. ومن هؤلاء برناردوس وتوما الكمبيسي صاحب كتاب “الاقتداء
بالمسيح” وغيرهما. ومما اعتقده هذان الفاضلان (مما هو خارج عن الكتاب المقدس)
لزوم الاتحاد الباطني مع الله بطريقة تختلف عما ورد في الأسفار المقدسة، وهو أن
الإنسان يتّحد بالله حتى يصيرا جوهراً واحداً، وتكون لهما حياة واحدة مشتركة.
واعتقدوا أن هذا يتم بالانقطاع عن العالم وقمع الجسد والتأمل الروحي والاتضاع
الكلي أمام الله. ولا شك أن المبدأ الأساسي عندهم صحيح، وهو أن الديانة الحقيقية
قلبية لا طقسية. غير أن كيفية تمسّكهم بها وتعاليمهم وعوائدهم كانت بعيدة عن تعليم
الإنجيل من جملة وجوه.

 

9 – ما هما المبدآن اللذان مال الناس إلى تحريفهما في وقت إصلاح
مارتن لوثر؟

*
لا يمكن حدوث ثورة عظيمة في تعاليم الكنيسة ونظامها (كالذي جرى في القرن السادس
عشر) بدون ظهور بِدع ومذاهب خاطئة. ومن المبادئ التي يميل الناس إلى تحريفها أكثر
من غيرها في مثل تلك الأحوال اثنان:

(1)
إن للإنسان حق الحكم لنفسه فيما يعتقده. فقد أعلن علماء الإصلاح أن لكل إنسان حقاً
أن يحكم في ما يطلبه الله منه في إعلاناته الإلهية. وكان قصدهم من إعلانهم هذا أن
يدافعوا عن حقوق المؤمنين، وأن يبطلوا دعوى الكنيسة أن لها وحدها حقاً أن تحكم في
ما هي تعاليم الوحي. فلما رفض الشعب سلطان الكنيسة في أمور الإيمان، رفض بعضهم كل
إرشادٍ خارجي، بما في ذلك إرشاد الكتاب المقدس، واستبدلوه بما حسبوه إلهاماً خاصاً
ونوراً داخلياً.

(2)
يختصّ الدين بالقلب، ويتوقف قبول الإنسان عند الله على تجديد قلبه وإيمانه
الداخلي، وظهور ثمار ذلك الإيمان في سيرته، وليس فقط في عضويته في الكنيسة وطاعته
لرؤسائها وممارسته لطقوسها. فحرَّفه بعضهم وقالوا إن الأمور الخارجية لا تفيد
شيئاً في الدين، وإن الكنيسة وخدّامها وأسرارها وفرائضها بلا فائدة.

 

10 – متى بدأ انتشار التعليم الباطني في أوربا؟

*
بعد الإصلاح بنحو قرنين. غير أن أسماء الباطنيين اختلفت في تلك البلدان المختلفة.
ففي ألمانيا سُمّوا “البياتست” وفي فرنسا “جانسينست” وفي
أسبانيا وإيطاليا “كوايتست”. ولكن تعليمهم واحد في الجوهر وهو أن
الديانة تقوم باتحادٍ سرّي مع الله يتمّ بالسكينة دون استعمال وسائط النعمة، وبه
ترتقي النفس إلى أن تستغني (على رأي بعضهم) عن المسيح، ولا تعود تتوق إليه ولا إلى
الله كما هو مُعلَن في المسيح.. وأن الكتاب والصلاة والأسرار لا تفيد الناس إلا في
أول درجات الحياة المسيحية.

 

11 – متى نشأت طائفة الكويكرز (أو الفريندز) ومن أنشأها؟

*
أنشأها جورج فوكْس في إنجلترا نحو سنة 1650م، ولم يكن من أهل العِلم. وقد استخفّ
بأمرين، هما المعرفة والاستعداد العقلي لبشارة الإنجيل. ثم انقسمت طائفته إلى “غير
مستقيمي الرأي” ويؤمنون أن الديانة لا تحتاج مطلقاً للوحي، وهم في هذا يتفقون
مع العقليين. وإلى “مستقيمي الرأي” لأنهم أقرب إلى الحق، يسلِّمون بأكثر
الحقائق الجوهرية في المسيحية، غير أنهم يهملون أسرار الكنيسة، ويحسبون أن لا حاجة
للقسوس (الذين يخدمون الدين لقاء أجرٍ) معتمدين على مخاطبة الروح القدس لهم رأساً
بما يسمّونه “نوراً داخلياً” فيهم، معتقدين أن الروح والنور الداخلي
عمودان هاديان، قوتهما كقوة الكتاب المقدس، يرشدان إرشاداً خاصاً في العبادة
والوعظ والتعليم.. وقد اعتمد الكويكرز في أول أمرهم على المبادئ الباطنية. لكن “مستقيمي
الرأي” منهم صاروا الآن إنجيليين في الجوهريات، يحترمون الكتاب المقدس، ومنهم
كثيرون من أهل التقوى وفعَلة الخير وأصحاب الفضائل المسيحية.

 

12 – ما هو الخطأ الواضح في رأي الباطنيين؟

*
يعلِّم مبدأ الباطنيين الأصلي أن الله يقدر أن يكلم نفس الإنسان ويُظهِر له الحق
بدون واسطة، ويقنعه به. وأن ذلك قد صدر منه بالفعل في الذين اختارهم ليكونوا
أنبياءه. غير أن ذلك من باب المعجزات النادرة الوقوع، ويحتاج إلى أقوى الأدلة
لإثباته. ولا شك أن الله قد أعلن أموراً كثيرة لمختاريه مما لم تره عين ولم تسمع
به أذن بأنواعٍ وطرق كثيرة. وبهذا ألهم بعض الناس ليكتبوا الأسفار المقدسة لتكون
لنا دستوراً وحيداً للإيمان والعمل.

ونعتقد
أن الباطنيين قد أخطأوا بادّعائهم أن الله يخاطب كل مؤمن بطريقة مخاطبته للأنبياء،
فإنهم بذلك جعلوا كل إنسان دستوراً مستقلاً لنفسه، الأمر الذي يجعله يستغني عن الأسفار
المكتوبة بدعوى أنه هو نفسه من أرباب الإلهام.

ومن
الأدلة على خطئهم:

(1)
لا يوجد برهان على رأيهم في الكتاب المقدس، فالكتاب لا يتضمّن وعداً بإعطاء الروح
القدس لكل إنسان ليخبره بكل شيء مباشرةً. وإنما يأمر الكتاب جميع المؤمنين بأن
يتبعوا ما أعلنه الله لهم من الحق في كتابه بواسطة أنبيائه ورسله الأطهار، مع
الوعد لهم أن الروح القدس يسكن معهم ويرشدهم لمعرفة ذلك الحق. أما ما جاء عن
المسحة من القدوس والشهادة في نفس المؤمن (1يو 2: 20، 27 و5: 10) فلا يؤيد رأيهم،
لأن معناه إن الإيمان لا يثبت من شهادة الكنيسة، ولا من برهان المعجزات والنبوات
الخارجية بل من شهادة الروح في القلب للحق، وهي تكفي لترشد الإنسان وتحفظه من
تصديق التعاليم الكاذبة المضلة.

(2)
تعليم الباطنيين يناقض تعليم الكتاب المقدس وطرق العناية المبيَّنة فيه، لأن الله
يأمر الناس أن يصغوا لإعلانه لهم فيه، وأن يطلبوا إرشاد الروح القدس، فلا يتبعون
أوهامهم الباطنة. وهو يعلِّمنا أن الله جعل الكرازة الواسطة العظيمة لإنارة الناس
للخلاص. ولذلك جال الرسل في أقطار المسكونة وبشروا بالإنجيل، وعلَّموا الأمم كلام
الله. ولا يزال الإنجيل ينتشر في العالم بهذه الواسطة (مت 28: 19، 20 ومر 16: 15،
1كو 1: 18، 21 ورو 1: 16). وليس في الإنجيل ما يدل على أن الرسل علَّموا الشعب أن
يصغوا إلى شعورهم الباطني ليعرفوا الحق.

(3)
تعليم الباطنيين يناقض الاختبار، فهو يقول إن الإنسان يعرف الحق بإعلانٍ باطني من
الروح القدس. ولكن الاختبار يعلّمنا أن البشر لا يعرفون أمور الله إلا من كتابه
الذي هو مصدر المعرفة الروحية الدينية. فلو كان الروح القدس يمنح معرفة باطنية
كافية للخلاص لظهرت نتائجها. ولكن حيث لا يوجد الكتاب المقدس لا تكون معرفة حقيقية
بالله ولا طهارة قلب، فالكتاب المقدس هو المصدر الوحيد لتعليمنا. أما ما يدَّعيه
الباطنيون من نورٍ باطنيّ مطلق للجميع فهو قولٌ باطل.

(4)
لا يقدر الإنسان حسب المذهب الباطني أن يتأكد من مصدر أفكاره الباطنية إن كانت من
عند الله، أم مِن عند نفسه، أم من عند الشيطان الذي يغيِّر شكله إلى شبه ملاك نور!
فربما ظنّ البعض إنهم ملهَمون من الله، بينما هم تحت سلطان روحٍ شرير. وأما ما
أوحى به الله فقد أثبته بالبراهين الكافية للجميع، كما قال المسيح: “إن كنت
لستُ أعمل أعمال أبي فلا تؤمنوا بي. ولكن إن كنت أعمل، فإن لم تؤمنوا بي فآمنوا
بالأعمال لكي تعرفوا وتؤمنوا أن الآب فيَّ وأنا فيه” (يو 10: 37، 38). وقال
أيضاً: “لو لم أكن قد عملت بينهم أعمالاً لم يعملها أحد غيري لم تكن لهم خطية”
(يو 15: 24).
(5) الرأي الباطني يضرّ البشر، ومن أضراره ما أنتجه من عدم احترام تابعيه للفرائض
الإلهية، وللكنيسة، وللوظيفة الرعوية، ولسِرَّي المعمودية والعشاء الرباني، وليوم
الرب، وللكتاب المقدس.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى