علم الله

الفصل الرابع



الفصل الرابع

الفصل الرابع

النعمة
في اللاهوت المعاصر

اللاهوت
علم يحاول التعبير بكلام بشري عن حقيقة الله وعلاقته بالإنسان. إن الله قد أوحى
لنا بذاته بابنه يسوع المسيح. ففي المسيح عرفنا الآب وعرفنا إراته الإلهية في خلاص
البشر، وأدركنا العلاقة التي يريد أن يقيمها معنا. إلاّ أنّنا في تعبيرنا عن تلك
العلاقة نستخدم كلامًا بشريّاً يخضع لتطوّر البيئة الحضارية التي نعيش فيها
وتتعدّد وجوهه. بيد أن هذه التعددية لا تعني أن جميع الطرق التي يعبّر بها الإنسان
هي مماثلة من حيث القيمة، فقد نميل إذ إحداها ونرفض غيرها. ولكن يجب إلاّ نحكم على
الأجيال السابقة لكونها لجأت إلى طريقة دون أخرى، بل نرى ما فيها من نواح إيجابية
تساعدنا على التعبير اليوم عن حقيقة الله التي لا يمكن أيّ عقل بشري أن يدرك غور
أبعادها.

فكيف
إذن يعبّر اللاهوت اليوم عن مفهوم النعمة؟

1- النعمة
حضور الله نفسه

يرى
اللاهوت المعاصر أنّ موضوع النعمة لا يمكن أن يعالَج بشكل عرضي إلى جانب سائر
المواضيع اللاهوتية، كالله والخلق والتجسّد والكنيسة والأسرار، فالنعمة هي الإطار
العام الذي يجب أن تُبحث فيه كل المواضيع اللاهوتية، لأنها في نظره ليست مجرّد
مساعدة يمنحنا إيّاها الله من بعيد، بل هي عطاء الله ذات لنا. النعمة هي الله نفسه
من حيث يعطي ذاته للإنسان، على مختلف الأصعدة: في الخلق والتجسّد والكنيسة
والأسرار. إنّها حضور الله نفسه في الكون وفي الإنسان وفي التاريخ.

ء)
النعمة عطاء الله ذاتَه للإنسان

يرى
اللاهوتي الألماني كارل راهنر في الإنسان انفتاحاً كيانياً على المطلق، عليه يقوم
تسامي الإنسان بالنسبة إلى ذاته وإلى الكون. وداخل هذين الانفتاح والتسامي يرى
راهنر في النعمة عطاء الله ذاتَه للإنسان. فالنعمة ليست عطية ثانوية أو مساعدة
عابرة تأتينا من الله بشكل سرّي غامض، ولا تلك “الهبة المخلوقة” التي
تحدَّث عنها اللاهوت الغربي التقليدي، بل هي عطاء الله ذاتَه لنا، وفيه يدخل كلُّ
ما نقوله عن النعمة في الكتاب المقدّس وفي تعاليم الآباء والكنيسة. “فالله قد
أحبّنا أوّلاً” (1 يو 4: 10) وخلقنا، ثمّ خلّصنا وجعلنا له أبناء بيسوع
المسيح، وأرسل إلينا روحه القدّوس مكث فينا، وأشركنا في طبيعته الإلهية، بحيث نملك
منذ الآن، كعربون وبداية، كلّ ما سنحصل عليه من مجد ورؤية لله في الحياة الأبدية.

فالخلق
والخلاص والتبنّي وميراث الحياة الأبدية هي إذًا عطاء الله ذاتَه لنا. لذلك لا
تقتصر النعمة على المغفرة التي تأتينا من الله بعد أن نخطأ، بل تسبق كل خطيئة، ولا
تقتصر على المسيحيين، بل تشمل جميع الناس، لأنّ عطاء ذاته للبشر يسبق حرّيتهم
وإدراكهم لذواتهم وكلّ اختياراتهم، ولأنّ محبّته مجانية.

ب-
النعمة المقدَّمة والنعمة المقبولة

إنّ
عطاء الله ذاتَه هو لكلَّ الناس، أقلّه على صعيد العطاء. ومن هذه الزاوية يميّز
راهنر بين النعمة المقدَّمة والنعمة المقبولة. فعطاء الله هو ذاته للجميع، أمّا
قبوله فمرتبط بحريّة الإنسان، وهو نفسه نعمة، بمعنى أنّه لا يمكن أن يكون إلاّ
جوابًا على عطاء الله ذاته للإنسان. فعطاء الله ذاته للإنسان هو الشرط الأساسي لكل
إيمان من قبل الإنسان وكل قبول وكل انفتاح على الله.

“فالنعمة
المقدَّمة”، التي تشمل كل ما يعمله الله للبشر من خلق وخلاص وعناية وإلهامات
للخير، ويظهر فيها حضوره في العالم، تصير “النعمة المقبولة” عندما
يتجاوب معها الإنسان ويقبلها بحريّته. فهذه النعمة المقبولة هي في آنٍ واحد نعمة
من الله وعمل حرّ من الإنسان وهنا يكمن اسرّ علاقة الله بالإنسان وسر الحريّة
البشرية. لماذا يرفض بعض الناس “النعمة المقدّمة” للجميع في حين يقبلها
غيرهم؟ إنّ الحرّية أمر إيجابي، لكنّ استعمالها لرفض الخير أمر سلبي. وبمجرّد حصول
الإنسان على تلك الحرّية يحصل على إمكان رفض الخير وتجاهل الله وعطائه. ولكن لا
ينبغي أن نتوقّف عند هذا السرّ، بل يجب التشديد على دعوة الله للجميع ليتحرّروا من
أنانيتهم التي هي أصل كل رفض وكل شر. وتلك الدعوة هي (النعمة المقدَّمة” التي
يحيا فيها الإنسان منذ ولادته حتى موته، في بعديه الفردي والجماعي، وهي الينبوع
الحي الذي لا ينضب، داعيًا دومًا العطاش إلى الارتواء منه، وهي، النور الأزلي الذي
لا يغرب، داعيًا جميع العائشين في الظلمة إلى الاستنارة به.

إنّ
التجاوب مع النعمة مطلوب من الإنسان في مختلف مراحل حياته. ومن ينفتح لله ويقبل
عطاءه ومحبّته يمكنه أن يقول مع بولس الرسول: “إنّ نعمة الله لم تكن فيّ
عبثًا” (1 كو 15: 10).

ج-
تحديد النعمة

من
هذه النظرة يمكننا القول إنّ النعمة هي حضور الله حضوراً حيّاً ومحبّاً في كل
إنسان وفي الكنيسة وفي تاريخ العالم. ماذا نعني بهذا التحديد للنعمة؟

حضور:
هذه الكلمة لا تُستعمل للأشياء إنّما للأشخاص، وتعني علاقة شخصية بينهم. فعلاقتنا
مع الله هي إذًا علاقة مع شخص لا مع قوّة مبهمة أو شيء جامد.

الله:
أي آب بالابن في الروح القدس فالله الآب قد أوحى لنا بذاته بابنه يسوع لكي يجعلنا
أبناء له. والنعمة هي التي تحقق هذا التبني وتجعلنا على صورة يسوع. وعندما نتكلم
عن تجاوبنا مع النعمة نعني تحقيق صورة يسوع في حياتنا فنسلك على مثال الابن في
المحبّة والطاعة للآب وفي نكران الذات والتضحية في سبيل الآخرين. وهكذا بواسطة
الابن نتّحد بالآب فنتمّم إرادته ونحيا معه ونصبح أبناءه. والروح هو الذي يعمل
فينا ليحقّق فينا تلك البنوّة الإلهية.

حضورًا
حيًّا: النعمة ليست مساعدة تأتينا من قوّة سحريّة خارجة عنّا وتعمل فينا بشكل آلي،
إنّها علاقة مع شخص حي.

ومحبًّا:
النعمة هي حضور الله المحب الرحوم الحنون الأمين.

في
كل إنسان: علاقة الله هي علاقة شخصية مع كل واحد منّا، بحيث يصبح ابنًا لله. في
العهد القديم كان الشعب كلّه يُعتبر ابنًا لله. أمّا في العهد الجديد فبواسطة شخص
يسوع المسيح ابن الله أصبح كل إنسان بمفرده يُعتبر ابنا لله ومدعوًّا إلى إقامة
علاقات شخصيّة مع الله.

وفي
الكنيسة: إنّ الكنيسة هي جسد المسيح وسرّ خلاص العالم. فالله حاضر فيها بشكل خاص
ولا سيّمَا في الأسرار والصلوات التي تتابع على مدى الزمن حضور يسوع في الزمن.

وفي
تاريخ العالم: إنّ الله حاضر ليس فقط في المؤمنين به بل أيضًا في تاريخ العالم
بأسره، إذ يعمل فيه بشكل فعّال ليصل به إلى الخلاص الشامل. وهذا هو المفهوم
المعاصر الواسع “للعناية الإلهية” التي لا تُعنى فقط بشؤوننا الفردية،
بل كذلك بشؤون التاريخ كلّه ليمتلئ من حضور الله.

2-
النعمة لقاء بين حرّية الله وحرّية الإنسان

هناك
مسألة اصطدم بها اللاهوت منذ القرون الأولى، هي كيفية التوفيق بين نعمة الله التي
تسبق كل مبادرة بشرية وترافق كل عمل إنساني وحرّية الإنسان.

فبيلاجيوس
وأتباعه يشدّدون على حرّية الإنسان وينتقصون من تأثير الله، بينما يركّز أغوسطينوس
وتوما الأكويني ولوثر وجنسينيوس على ضعف الإنسان وفساده للمحافظة على عظمة الله
وأوّلية عمله.

ويذهب
الملحدون المعاصرون، في انتقادهم للمؤمنين، إلى القول إنّ مجرّد الإيمان بوجود
الله هو انتقاص لعظمة الإنسان. فإذا كان الإنسان، كما يقول ماركس، بحاجة إلى إله
يمنحه الحياة، فلا قيمة له البتة. فإمّا الله وإمّا الإنسان. والملحدون يختارون
الإنسان. أمّا المؤمنون فيرفضون هذا الإحراج ولا يرضون أن يختاروا بين الله
والإنسان.

ء)
الاختيار الحرّ والحرّية المشروطة

منذ
القرن السابع عشر تركّزت الحرّية البشرية واقتصرت على الاختيار فكان معظم
اللاهوتيين يحدّدونها بقولهم “إنّها الإمكان الذي يتمتعّ به الإنسان في اختيار
عمل أو رفضه، في الاختيار أو عدم الاختيار”. وكانت تلك الحرّية تُعتبر مطلقة
بحيث يستطيع الإنسان أن يختار ما يشاء، وقد نتجت من العقلانية التي ترفض، كما يقول
ديكارت، كل معرفة غير واضحة. أمّا الناحية الوحيدة الواضحة في الحرّية فهي ناحية
الاختيار، أن يختار الإنسان هذا العمل أو ذاك. وعليه تبدو الخطيئة اختياراً حرّاً
للشرّ.

إلاّ
أنّ الفلسفة المعاصرة قد أظهرت أنّ الحرّية الإنسانية ليست حرّية مطلقة بل حرّية
محدّدة في الزمان والمكان، تؤثّر فيها عوامل مختلفة وراثية وثقافية وعرقية، ماضية
وحاضرة. لذلك لا ينطلق العمل الحر من الصفر وكأنّ الإنسان يمكنه أن يضرب صفحًا عن
الماضي وعما حوله ليقوم بعمل حرّ مطلق، بل إنّ كلّ عمل حرّ هو مشروط بأوضاع خاصة
يجب أن ندرك كل أبعادها فنبني على الواقع وليس على الوهم الخدّاع.

هكذا
في علاقة الإنسان مع الله، لا يبدأ الإنسان من لا شيء، بل إنّ عطاء الله ذاتَه
للإنسان يسبق كل ما يستطيع هذا القيام به، وحتى إدراك الله والوصول إليه.

ب)
النعمة والحرّية


لا اختيار بين الله والإنسان: إنّ نعمة الله لا تنافس حرّية الإنسان

يؤكّد
بعض اللاهوتيين المعاصرين أنّ نداء الملحدين إلى الاختيار بين الله والإنسان هو
نداء خاطئ، لأنّه لا يمكن أن يقوم تنافس بين الاثنين. يؤكّد جان باتيستْ مِيتسْ،
اللاهوتي الألماني، في كتابه “لاهوت العالم”، استقلالية العالم والإنسان،
فيقول إنّ من طبيعة الله ألاّ يهدم الوجود البشري أو كيان الإنسان، بل أن
“يجعله يكون”، و”يصيّره حراً”. أمّا سْخونِنبِرغْ، فإنه في
كتاب له عن الله والإنسان كتبه باللغة الهولندية سنة 1971، يرفض أيضاً الاختيار
بين الله والإنسان ويقول: “في الخلق كما في العهد نرفض الاختيار بين الله
والإنسان، ففي كليهما الله وحده هو السبب في تحقيق الإنسان ذاته بحرّية”.

أجل،
إنّ الله قد خلق الإنسان حرًّا ليصل بملء حرّيته إلى تحقيق كمال ذاته. ولمّا ملكت
الخطيئة في العالم، واستُعبد لها الإنسان، أرسل لنا الله يسوع المسيح مخلّصًا
ليحرّرنا من عبوديتنا ويعيدنا إلى الحرّية: “إن حرّركم الابن صرتم في الحقيقة
أحرارًا”.

فلا
يقوم الخلاص إذًا على منح الإنسان طبيعة جديدة ليقوم بأعمال “فائقة
الطبيعة”، وكأنّما الله يصحّح الطبيعة الإنسانية التي خلقها وينظّم الوجود
الإنساني تنظيمًا جديدًا ليجعل منه وجودًا آخر. فالأمر الوحيد الذي يجب تغييره هو
استعباد الإنسان للخطيئة. فنحن بحاجة إلى تغيير أنفسنا لنحيا في الحرّية الحقيقية
التي خلقنا لأجلها، وليس الله هو بحاجة إلى تغيير خليقته.

ونعود
فنقول إنّ الحرّية لا تقوم على إمكان الاختيار بين أمرين، بل على إمكان تحقيق
الإنسان ذاته والوصل إلى كمال كيانه. وما هو الإنسان؟ إنّه كائن مرتبط بالكون
وبالآخرين وبالله. فالإنسان الحرّ هو الذي يحقق في ذاته كلّ تلك العلائق مع الكون
ومع الآخرين ومع الله. فالحرّية هي إذًا هدف يسعى إليه الإنسان.

صفتان
في الله تبدوان متناقضتين، تساميه وحضوره في خلائقه. فالله هو أوّلاً المتسامي
المتعالي، إنّه الله “تعالى”، وقد يخيّل إلينا أنّ هذا التسامي هو الذي
يجعل الله بعيدًا عن الإنسان، إلاّ أنّه لا يناقض حضوره في خلائقه، بل على خلاف
ذلك يكن في حضوره ومن ثمّة لا تعود النعمة مساعدة تأتينا من الخارج، من بعيد، من
أعالي السماء، بل تتجلّى قوّة تنبع من أعماق ذواتنا، لأن الله هو في عمق ذواتنا.

والتأله،
لا يناقض التأنسن، أي أن يصبح الإنسان إلهًا (وتلك هي غاية النعمة) وبالتالي
إنساناً كاملاً. والنعمة التي هي حضور الله في الإنسان حضوراً حيًا لتجعل منه ابن
الله لا تهدف إلى تغيير طبيعته الإنسانية بل إلى جعلها ما يجب أن تكون عليه وما
خُلقت لأجله، أي طبيعة إنسانية نقيّة محرّرة من كل ما يشوّهها. فهذا هو الخلاص
الذي جاءنا به المسيح: أن يجعل الإنسان صافيًا منقّى من كل ما هو غريب عن
إنسانيّته، كالذهب الخالص الذي ينقّى من كل الشوائب والأقذار. وهذا هو أيضاً قوام
الحرّية. فلا تناقض إذًا بين النعمة والحرّية. فالنعمة هي التي تجعل الإنسان يصل
إلى ملء حرّيته.

النعمة
تحرير الحرّية

بنظرة
مماثلة يحدّد الفيلسوف واللاهوتي الفرنسي هنري دوميري حرّية الإنسان، ويرى في
النعمة تحرير الحرّية.

ما
هي الحرّية؟

يقول
دوميري إن الإنسان كائن روحي يظهر كيانُه في ما يضفيه على أعماله من معانٍ وقيم.
فأعماله كلّها والمعاني والقيم التي تتّسم بها لا تُفرض عليه آخر بل إنّما هي من
إبداعه. لا شكّ أنّ هذا الكائن الروحي لم يخلق نفسه بنفسه، بل إن الله هو الذي
خلقه. وهنا لا بدّ من تأكيد الفرق الجوهري بين الله الخالق والإنسان المخلوق، ومن
ثمّ التأكيد أيضًا أنّ الله هو فوق كل كيان وكل ماهية وكل معنى وكل قيمة. لذلك،
وإن كان قد خلق الإنسان، فقد خلقه كائنًا روحيًّا، أي إنّه قد ترك له أن يقوم
بأعماله قيامًا شخصيًا ويضفي عليها المعاني والقيم التي بها يصير ما هو عليه
ويتّحد بالله الذي منه استقى الكيان والوجود.

فالإنسان
كائن روحي بقدر ما يضطلع بذاته وبالعالم اضطلاعًا خاصًا به، وإن بالانسجام مع
السبل التي بها يضطلع الآخرون بذواتهم وبالعالم، فينتج أنّ الإنسان هو الذي يعطى
ذاته شريعة عمله ويحدّد الشروط الضرورية له، لكونه في آن واحد عقلاً يحقّق ذاتَه
في ما يعقله، وجسدًا به يرتبط بالعالم الخارجي ليسوده. “فكلٌّ منّا بحسب قول
دوميري، إنسانية متشعّبة. إنه، في آن واحد، كائن روحي ووعي لذاته في الزمن ومن
خلال ما يدركه. في قمّته المطلق وعلى أقدامه العالم. أو بالأحرى الله حاضر فيه وإن
كان عليه متساميًا، والكون متضمّن فيه وإن كان خارجًا عنه. أمّا الأنا فهو وظيفة
الحضور إلى الذات على مدى المسير. إنّه في كل المستويات فيَ طرق يعاد تصحيحها
باستمرار ولكن يضطلع هو نفسه بها. من دون هذا الأنا يصير كلٌّ منّا حتمًا عدة
أشخاص. أمّا به فيبقى كل إنسان وحدة متعدّدة، بنية متشعّبة وموحَّدة في آنٍ واحد”

هذا
الفعل- الشريعة هو نفسه الحرّية التي يمكن التعريف بها أنّها “إرادة تضطلع
بأهلها ضمن معطيات محدّدة”. فلا وجو لحرية مطلقة: إنّما وجودها وعملها هما
حتمًا ضمن معطيات تجد ذاتها فيها على مستويات مختلفة إمّا خارجًا عنها (كظروف
الحياة واللقاءات والتأثيرات)، وإمّا داخلها (كالبنى النفسيهّ وردود الفعل عام
أحداث الماضي). وهذه المعطيات لا وجود لها بالنسبة إلينا إلاّ ضمن بنية الوعي
الإنساني؟ وكما أن الوعي الإنساني لا يكون وعيًا إلاّ لمعطيات معينة. لذلك يخطئ
فهمَ الحرية الإنسانيّة من يظنّ أنّ الحرّية تبدأ عندما يتخلّص الإنسان من
المعطيات السابقة. ففي أي عمل حرّ كلُّ شيء معطى وكلُّ شيء عمل الإرادة. الحرّية
هي دومًا حرية ضمن معطيات وأوضاع معيّنة، ويعود إلى الحرّية تحويلها إلى ممكنات
تخلق في إطارها ما تراه مناسبًا من معانٍ وقيم روحية لتحقيق ذاتها. فالحرّية تكمن
إذاً في التحرّر في سبيل تحقيق الذات.

إنّ
الإنسان يحيا ويلتزم قضايا متنوّعة في حياته، إلاّ أنّه في التزامه يجب عليه تجنّب
السقوط في شباك تلك القضايا لئلاّ تأسره في أطرها، لا بل عليه أن يعدّها سبيلاً
إلى مزاولة حريته. إنّ الإنسان حرّ، أي إنّه يتحرّر في ما يقوم به من أعمال في
تاريخ حياته وخبرة وجوده. لذلك يمكننا القول إنّ الإنسان هو الذي يعطي ذاته
باستمرار هويته الخاصة التي هي الحرية.

هذا
التعريف بالحرّية نجده أيضًا عند الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر، إلاّ أنّ هذا
يرفض أن يكون للحرّية أساس خارجًا عنها، وينكر بالتالي وجود إله مطلق، أمّا دوميري
فيرى أنّ الله هو مبدأ حرّية الإنسان، وهو فوق كل نظام وكل شريعة وكل قاعدة مسلكية،
فالأنظمة والشرائع والقواعد المسلكية لا يمكن الإنسان أن يجدها قبله وقد جهّزها
هوله، إنّما على الإنسان أن يحدّدها ويضعها بنفسه. وهكذا يجيب دوميري على خوف
سارتر من أن يقيّد الاعتراف بوجود الله حرّية الإنسان أو يزيلها.

النعمة
ضمن الحرّية

من
هذا الملحظ لا تعود النعمة مساعدة فائقة الطبيعة تضاف إلى الحرّية من الخارج، بل
إنّما تُكتَشف ضمن حرية الإنسان. فكيف نفسّر أنّ الحرّية لا يمكنها الاكتفاء بأيّ
نظام تضعه وأنّها تجزع من فقدان ذاتها في ماتضعه، إن لم نعترف بأنّها تحمل في
ذاتها اقتضاء المطلق؟ إنّ الحرّية تحيا في حالة ملتبسة لا يمكنها الخروج منها
بقواها الذاتية، ولا يمكن الإنسِان أن يتجاوز وضعه إلاّ بالاعتراف بالمطلق
واللامتناهي كمصدر للحرّية ومثال لها، والنعمة، كوحي من الله، هي ظهور هذين المصدر
والمثال في التارّيخ، وهي في الإنسان مشاركته حرّيةَ الله المطلقة برفضه كل نظام
سابق.

وهكذا
يصل دوميري إلى التعريف بالنعمة أنها “تحرير الحرّية”. ويعطي مثالاً على
ذلك من موضوع المحبّة فالمحبّة لا تقوم على محبّة الآخر حبًا بالله، فهذه أنانية،
بل على محبّة الآخر على مثال الله، أي كما يحبّه الله، وهذا أكثر تطلّبًا.
فالحرّية، يقول أوغسطينوس، هي حبّ الخير حبًّا ثابتًا وممتلكًا ذاته بحيث
“يكون الإنسان حرّاً حقّاً عندما يصير موضوع غبطته الحرية ذاتها”.
فالحرّية تكون كافلة عندما يتصرّف الإنسان حبًّا بالغبطة المحرّرة التي تعتقه من
الخطيئة، وتأتي بالتالي النعمة عبورًا داخليًا إلى الحرّية الكاملة.

إنّ
المحبّة، وتد حرّرتها النعمة، لا يمكنها الوقوع في المثالية، وإن اعتبرنا أنّها هي
التي تحدّد موضوعها، إذ إنّها تتوجّه إلى العالم كما هو وإلى الناس كما هم. بيد
أنّها إن توجّهت إلى العالم كما هو، فإنّها ترفض حدوده، وإلى الناس كما هم، فإنّها
ترفض تصوّراتهم الضيّقة: “فالإنسان، يقول دوميري، يتجاوز ما لا يمكنه أن
يستغني عنه”.

في
تلك النظرة للنعمة نجد الجواب على الانتقادات التي يوجّهها الفلاسفة، من أمثال
نيتشه وسارتر، إلى تدخّل الله في عمل الإنسان لإزالة حرّيته وإبداعيته ليس خارجًا
عن الإنسان بل إنّ نعمته تعمل داخل إطار حرّيته ذاتها ومن خلالها وهي ليست عمل
خلاص يأتي الإنسان من شخص آخر. إن المطلق ليسَ شَخصًا آخر، واعتبار الله كائنًا
آخر يضع الله على مستوى الإنسان، في حين أنّه يسمُو فوق كل كيان وكل نظام. لذلك لا
تناقض ممكن بين النظام البشري الطبيعي والنظام الإلهي، فالمطلق لا يقضي على النظام
الطبيعي بل هو أساسه. واعتبار المطلق أساس النظام الطبيعي يمنع هذا النظام من
الانغلاق على نفسه واعتبار ذاته مطلقًا، كما يمنع الإنسان “الذي يرغب رغبة
لامتناهية في اللامتناهي” من فقدان تلك الرغبة في النظام الطبيعي غير
المتناهي.


النعمة والاختيار الأساسي

كل
إنسان يختبر نقصًا في أعماله ومسافة دائمة بين ما يتوق إليه وما يحققه في واقع
حياته، ويسأل نفسه هل حُكم عليه أن يعيش دومًا في هذا التناقض، أم أنّه يستطيع أن
يكون له “اتّجاه أساسي” تسير حياته بموجبه، رغم حدودها ونقائصها، اتجاهٌ
نحو الخير المطلق والسعادة الدائمة؟ ألا يمكنه اختيار ما يرى فيه الخير الأسمى
اختيارًا جذريًا، بحيث تتحدّد بالنسبة إلى هذا الاختيار كل مسيرة حياته وإرادته
العميقة وشخصيته الحقيقية وهويته الذاتية؟

إن
اختيارات الإنسان في معظمها ليست اختيارات اعتباطية، فهناك اتجاه عام للحياة وهدف
أساسي ونظرة شاملة يمكن إدراكها من خلال اختيارات الإنسان الفردية المتعددة.
واستنادًا إلى الخبرة الإنسانية يمكن القول إنّ الإنسان يستطيع، متى توصّل إلى
درجة كافية من النضج البشري، أن يوحّد ذاته في اختيار أساسي يوجّه كل اختياراته
الفردية. وهذا الاختيار يدعى اختياراً، أنّ الإنسان لا يقوم به إلا ضمن معطيات
محدّدة، فالحرّية، كما رأينا، لا وجود لها إلاّ ضمن معطيات معيّنة. وإنّه اختيار أساسي،
لأنّه في الأساس من كل أعمال الإنسان الفردية ونشاطاته المتنوّعة، يعطيها قيمتها
البشرية ومعناها الإنساني، وهو اتجاه جذري من ذات الإنسان بكاملها نحو كل ما هو
إزاء الإنسان، العالم والآخرين، ومن خلال العالم والآخرين، نحو الحقيقة الإلهية،
يوحّد كل الأعمال المحدودة التي يقوم بها الإنسان وكل العلائق التي تربطه بالآخرين
في اتجاه واحد ونحو هدف واحد.

إنّ
الاختيار الأساسي أعمق وأشمل بكثير من “حرّية الاختيار” التي كانت تعتبر
ميزة الإنسان الخاصة، فالحرّية ليست أمرًا نمتلكه لاختيار ما نشاء، إنما هي دعوة
إلى التحرّر للوصول إلى “اختيار أساسي” ننمو من خلاله في الحرّية نموًّا
يلازمنا العمر كله. وبمَا أن هذا الاختيار هو اختيار جذري، فلا يمكن أن يكون
اختيارًا إلاّ بين أمرين، إمّا الانكماش على الذات بأنانية وإمّا الانفتاح على
المطلق، أو، بتعبير آخر، إمّا اعتبار الإنسان ذاته مطلقًا وإمّا الإيمان بالله
مطلقًا. فالنعمة هي عطاء الله ذاته للإنسان وفي الوقت نفسه اختيار الإنسان لله
اختيارًا أساسيًا يوجّه من خلاله كلّ أبعاد حياته الشخصية وانخراطه في جميع شؤون
العالم. أمّا رفض النعمة فهو اختيار الإنسان ذاتَه محورًا لكل شيء، وتلك هي الخطيئة
الأساسية التي تظهر وتتشعّب خطايا متنوعة في حياة الإنسان. وارتداد القلب إلى الله
هو الاختيار الأساسي الذي يدعونا إليه المسيح: “فمن القلب تخرج الأفكار
الشريرة، والقتل، والزنى، والفسق، والسرقة، وشهادة الزور، والتجديف” (متى 15:
19). وكل هذه قد تكون أمرًا عابرًا في حياة الإنسان، في حين يبقى قلبه اختيارًا
للنعمة. أمّا إذا أصبحت حالة اعتيادية يعيش فيها، فاختياره الأساسي يضحي اختيارًا
للأنانية ورفضًا للنعمة، وإذّاك يمكن القول عنه إنّه يعيش في “الخطيئة
المميتة”، لأنّه أمات فيه اختيار الله والنعمة.

إنّ
تغيير الاختيار الأساسي ممكن. فالسقوط من حياة النعمة إلى حياة الخطيئة أمر ممكن،
كما أنّ الارتداد إلى اختيار أساسي إيجابي أيضًا ممكن. إلاّ أنّ هذا التغيير لا
يحدث في معظم الأحيان بطريقة فجائية، بك يهيّأ له طوال سنوات، وكأنّ الإنسان يسمح
لاختيار أساسي آخر أن ينمو شيئًا فشيئًا في ذاته إلى جانب اختياره الأساسي الأوّل،
إلى أن يزيله ويحلّ محلّه.

3- النعمة
“تجليّ” الله

ء)
ماذا تعنى لفظة “تجلّي”؟

يقول
بولس في رسالته إلى الرومانيين: “إنّ غضب الله يعتلن من السماء على كل كفر
وظلم للناس الذين يعوقون الحق بالظلم. لأن ما قد يعرف عن الله واضح لهم، إذ إنّ
الله هو نفسه قد أوضحه لهم. فإنّ صفاته غير المنظورة ولا سيّما قدرته الأزلية
وألوهته تُبصر منذ خلق العالم مُدرَكة بمخلوقاته” (رو 1: 18- 20) واستنادًا
إلى هذا القول أكّد التقليد المسيحي أنّ الإنسان يستطيع الوصول إلى معرفة الله من
خلال المخلوقات التي تتجلّى فيها “صفات الله غير المنظورة”.

وقد
بيّن الفلاسفة من جهتهم أنّ الكائن الأسمى يتجلّى من خلال الكائنات، والمطلق من
خلال النسبي. فلفظة “تجلّي” تعني حضورَ غير المنظور حضورًا منظورًا،
إلاّ أنّ غير المنظور بحضوره في العالم يبقى غائباً عنه، فهو حاضر وغائب في الوقت
نفسه، حاضر من خلال تجلّيه.

و
يمكننا إدراك مفهوم “تجلّي الكائن” من العلاقة بين الكلمة والفكرة.
فالفكرة تتجلّى في الكلمة، إلاّ أنّ هذا التجلّي يتّم بسمتين متلازمتين. فالسمة
الأولى هي أنّ الفكرة ليست أمرًا مكتملاً داخل فكر الإنسان يبرز إلى خارجه بواسطة
الكلمة، وإلاّ صارت الكلمة غريبة عن الفكرة وبعيدة عنها، إنّما الفكرة حاضرة في
الكلمة حضورًا مباشرًا دون وسيط، لأنّ الوسيط يكون بين أمرين متميّزين أحدهما عن
الآخر. امّا السمة الثانية فهي أنّ الكلمة لا يمكنها أن تستنفد الفكرة وتستنفد
حضورها، فالفكرة تبقى أكثر اتّساعًا من الكلمة، ويبقى فيها عنصر غائبًا عن الكلمة.

هكذا
يتجلّى الكائن والمطلق والله، متّسمًا بهاتين السمتين: فتجلّيه ليس غريبًا عن
كيانه، إنّما هو كيانه بالذات الحاضر في تجلّيه، وتلك هي السمة الأولى؛ ثمّ إنّ
تجليه لا يستنفذ كيانه كلّه، إذ إنّ الكيان الذي يظهر لنا إنّما هو كيان المطلق
والله ذاته، ولكن من إنّه يتجلّى، اي إنّه يبقى حتمًا فرق وبعد ومسافة بيت الكائن
في ذاته وتجلّي هذا الكائن، وتلك هي السمة الثانية.

وللتعبير
عن الطريقة التي يظهر فيها الكائن والمطلق والله، وعن السمتين اللتين يتّسم بهما
ظهوره، استخدم بعض الفلاسفة المعاصرين لفظة “السلبيّة” أو
“النفي”، لا لينفوا، في التجلّي، هوية الكائن الذي تجلّى لنا، بل
ليعبّروا عن الطريقة التي يمكن الكائن المطلق أن يظهر بها في الكائنات وعنّ
السمتين اللتين يتّسم بهما حتمًا ظهوره. وهكذا لا يمكن اللامتناهي أن يظهر إلا
متناهيًا، والواحد متعدّدًا، والأزلي زمنيًا، ولا يمكن المطلق أن يتجلّى إلاّ في
“تلاشي ذاته”.

ب)
تجلّي الله

إنّ
مفهوم “السلبية” أو “النفي” في الفلسفة المعاصرة يذكّرنا
بأسلوب النفي الذي نهجه آباء الكنيسة الشرقية في حديثهم عن إمكان تكلّمنا عن الله.
فقد أعلنوا أنّ ما نقوله عن الله لا يمكنه أن يني بكامل سره، لأنّ الصفات التي نصف
بها الله، كالصلاح والمحبّة والخلود وغيرهما، إنّما مما مستقاة من عالمنا البشري،
لذلك لا تصلح لوصف الله إلاّ إذا أكّدنا، ونحن نستعملها، أنها لا تزال بعيدة عن
إدراكه تعالى، فالله أسمى من كل ما يمكننا أن نقوله عنه، أصل من كل فكر وقول.

إنّ
ما أكَّده الآباء الشرقيون في ما يمكننا أن نقوله عن الله يؤكّده الفكر المعاصر في
تجلّي الله لنا. فالله، وإن ظهر في الكون وفي تاريخ الخلاص، إلاّ أنّه لا يزال في
ذاته أوسع بكثير ممّا ظهر لنا، فإنّه قريب منّا وبعيد عنا في آن واحد، وهو نفسه
الذي يظهر، ويكل قط من خلال تجلّيه، بمَا في هذه اللفظة من إيجاب ونفي، من حضور
وغياب.

هكذا
ظهر لنا الله في الكتاب المقدّس، في العهد القديم ثمّ في الجديد في شخص يسوع
المسيح، وهكذا يظهر لنا في الكنيسة، وهكذا يظهر لنا في الإيمان.

تجلّي
الله في المسيح

 

إنّ
الله قد تجلّى لنا في الكتاب المقدّس بواسطة الوحي الذي نقل إلينا كلام الله. إلاّ
أنّ الكلام الذي نقرأه في الكتاب المقدّس لا يمكننا أن نعتبره الوسيط الذي ينقل
إلينا كلام الله الموجود منذ الأزل مكتملاً عند الله، إنّما هو في ذاته كلام الله،
فيه يتجلّى بمَا في لفظة التجلّي من إيجاب ونفي، من قرب وبعد، من مطابقة وفرق. وفي
النفي والبعد والفرق ينفتح المجال لتفسير هذا الكلام، وينشأ “علم
التفسير”.

ونجد
التفسير داخل الكتاب المقدّس نفسه، ولا سيّمَا بين العهد الجديد والعهد القديم.
فالعهد الجديد رأى في شخص يسوع المسيح بّحلّي الله نفسه، وكل ما قاله العهد القديم
عن الله رآه العهد الجديد في شخصا يسوع: فهو الحكمة، وهو النور، وهو خبز الحياة،
وهو الماء الحي، وهو الراعي، وهو الملك، وهو الطريق والحق والحياة، فيه “تمّت
الكتب المقدسة” (لو 4: 21)، وفيه صار “ملكوت الله في ما بيننا” (لو
17: 21).

وإن
ظهور الله في المسيح كان ظهررًا في التلاشي على قول بولس الرسول: “هو القائم
في صورة الله.. لاشى ذاته آخذا صورة عبد، وصار طائعًا حتى الموت، باب موت
الصليب” (في 2: 6- 8). إنّ السرّ الفصحي هو الكلمة الأخيرة في تجلّي الله،
لذلك لا يمكننا بعد المسيح انتظار نبيّ آخر يتجلّى الله من خلاله، فكل ظهور لله هو
ظهور للمسيح. وهكذا تبدو لنا الكنيسة تجلّي المسيح.

تجلي
المسيح في الكنيسة

 

تجد
الكنيسة في الكتاب المقدّس نشأتها وحقيقتها، وتتكوّن ارتكازًا على أبعاد ثلاثة هي
ذكرى المسيح وتفسير الكتاب وانتظار المجيء الثاني، وفيها يتجلّى المسيح في الكنيسة
في حضوره وغيابه. فالمسيح الذي نجدّد ذكراه في الكنيسة التي هي استمرار لحضوره، هو
في وقت واحد حاضر بيننا وغائب عنّا على مدى التاريخ. والتفسير الذي به تطبّق
الكنيسة كلام الله على العالم في تحوّله الدائم يتضمّن حضور الله وغيابه. أمّا
البعد الثالث فهو ترقّب المجيء الثاني وانتظار حضور المسيح الدائم، وهو يتضمّن
الغياب على مدى الزمن.

هكذا
فالكنيسة هي تجلّي المسيح، صورته الواقعية، من غير أن تستنفده. إنّه يتجلّى من
خلالها شرط أن تكون دومًا منفتحة على سر الذي لا يمكنها أن تحيط به أو أن تمتلكه.

تجلّي
الله في المسيح

إنّ
الله قد تجلّى لنا في الكتاب المقدّس بواسطة الوحي الذي نقل إلينا كلام الله. إلاّ
أنّ الكلام الذي نقرأه في الكتاب المقدّس لا يمكننا أن نعتبره الوسيط الذي ينقل
إلينا كلام الله الموجود منذ الأزل مكتملاً عند الله، إنّما هو في ذاته كلام الله،
فيه يتجلّى بمَا في لفظة التجلّي من إيجاب ونفي، من قرب وبعد، من مطابقة وفرق. وفي
النفي والبعد والفرق ينفتح المجال لتفسير هذا الكلام، وينشأ “علم
التفسير”.

ونجد
التفسير داخل الكتاب المقدّس نفسه، ولا سيّمَا بين العهد الجديد والعهد القديم.
فالعهد الجديد رأى في شخص يسوع المسيح بّحلّي الله نفسه، وكل ما قاله العهد القديم
عن الله رآه العهد الجديد في شخصا يسوع: فهو الحكمة، وهو النور، وهو خبز الحياة،
وهو الماء الحي، وهو الراعي، وهو الملك، وهو الطريق والحق والحياة، فيه “تمّت
الكتب المقدسة” (لو 4: 21)، وفيه صار “ملكوت الله في ما بيننا” (لو
17: 21).

وإن
ظهور الله في المسيح كان ظهررًا في التلاشي على قول بولس الرسول: “هو القائم
في صورة الله.. لاشى ذاته آخذا صورة عبد، وصار طائعًا حتى الموت، باب موت الصليب”
(في 2: 6- 8). إنّ السرّ الفصحي هو الكلمة الأخيرة في تجلّي الله، لذلك لا يمكننا
بعد المسيح انتظار نبيّ آخر يتجلّى الله من خلاله، فكل ظهور لله هو ظهور للمسيح.
وهكذا تبدو لنا الكنيسة تجلّي المسيح.

تجلي
المسيح في الكنيسة

تجد
الكنيسة في الكتاب المقدّس نشأتها وحقيقتها، وتتكوّن ارتكازًا على أبعاد ثلاثة هي
ذكرى المسيح وتفسير الكتاب وانتظار المجيء الثاني، وفيها يتجلّى المسيح في الكنيسة
في حضوره وغيابه. فالمسيح الذي نجدّد ذكراه في الكنيسة التي هي استمرار لحضوره، هو
في وقت واحد حاضر بيننا وغائب عنّا على مدى التاريخ. والتفسير الذي به تطبّق
الكنيسة كلام الله على العالم في تحوّله الدائم يتضمّن حضور الله وغيابه. أمّا
البعد الثالث فهو ترقّب المجيء الثاني وانتظار حضور المسيح الدائم، وهو يتضمّن
الغياب على مدى الزمن.

هكذا
فالكنيسة هي تجلّي المسيح، صورته الواقعية، من غير أن تستنفده. إنّه يتجلّى من
خلالها شرط أن تكون دومًا منفتحة على سر الذي لا يمكنها أن تحيط به أو أن تمتلكه.

تجلّي
المسيح في الإيمان

الإيمان
في نظر اللاهوت التقليدي اعتناف لحقيقة الله وحقيقة المسيح. وفي العقائد الإيمانية
لا يتوقّف إيماننا عند التعبير العقائدي بل يتخطّاه إلى الله والمسيح اللذين هما
موضوع الإيمان.

إلاّ
أن الحقيقة تُعتبر اليوم، ولا سيّمَا ابتداء صت من الفيلسوف هَيْدِغِر، إمكان
الإطّلاع على الكائن من خلال تجلّيه: فهي ليست المطابقة التامة بين ما في فكرنا
وما هو خارج عنّا، بين الذات والموضوع، بل اكتشاف الكائن في ظهوره. إنّ الكائنات
كلّها تتجلّى أمامنا وتبرز بكيانها. والمعرفة تقوم على أن ندع الأشياء تظهر في
كيانها. والإنسان الذي يعرف هو الإنسان هو الإنسان الذي يشهد ظهور الكائنات.
والكلام ليس ما يتيِح للإنسان أن يعبّر تعبيراً كاملاً عن العالم والكائنات، بل هو
الطريقة التي يكون فيها الإنسان بالنسبة إلى العالم.

فإذا
نظرنا إلى الإيمان نظرتنا إلى الكائن الذي يظهر ويشهد الإنسان ظهوره، بدا لنا
الإيمان موضع تجلّي المسيح وتجلّي الله بالمسيح. ففي إيمان المسيح يتجلّى الله،
وفي إيمان الكنيسة يتجلّى المسيح، وفي رجائها يتجلّى ملكوت الله، وفي محبّتها
تتجلى محبّة الله. وفي كلٍّ من إيمان الكنيسة ورجائها ومحبتها نلاحظ معاً وجود
القرب والبعد، الحضور والغياب. فالمسيح يتجلّى في الكنيسة المؤمنة، إلاّ أن
الكنيسة لا تستنفد حضوره، والملكوت يتجلّى في الرجاء المسيحي، إلاّ أنّ هذا الرجاء
لا يستنفد حضور الملكوت، ومحبّة الله تتجلّى في محبّتنا للقريب، إلاّ أنّ هذه
المحبّة لا تستنفد حضور محبّة الله.

4- النعمة
في حياة المسيحي اليوميّة

إنّ
القول بأنّ النعمة هي عطاء الله ذاتَه لنا ليشركنا في طبيعته الإلهية هو تأكيد
حضور الله بذاته في تاريخنا ليخلّصنا ويقدّسنا ويبرّرنا. إنّ الله الخلّص حاضر
بنعمته حضورًا مباشرًا في كل أبعاد حياتنا، الشخصية والجماعية، الروحية والجسدية.
والإنسان المبرّر الذي يحيا في الإيمان والرجاء والمحبّة هو نفسه تجلّي الله. هذه
هي الناحية الأولى في التجلي، ناحية الإيجابية والحضور والقرب والمماثلة. إلا أنّ
هناك ناحية ثانية في التجلّي هي ناحية السلبية والغياب والبعد والفرق، نجدها في
التشابيه والتعابير الكتابية التي ترى في النعمة علاقة عهد واختيار وحوار ومحبّة
بين الله والإنسان. وفي هاتين الناحيتين مجتمعتين يندرج عمل حرّية الإنسان، بحيث
يمكننا القول معاً بالنعمة والحرية، والتوفيق بين عمل الله وعمل الإنسان. فالله هو
مبدأ حرية الإنسان، ومبدأ كل ما تستطيع تلك الحرّية القيام به، وتلك هي ناحية
الحضور والقرب والمماثلة في تجلّي نعمة الله، أمّا ناحية الغياب والبعد والفرق
فتكن في جواب الإنسان على مبادرة الله وفي ما تقوم به روحه الخلاّقة على مدى الزمن
والتاريخ، بحيث يتجلّى الله من دون أنَ يقضي علىَ حرّية الإنسان وإبداعيته.

إنّ
هذه النظرة للنعمة واقعية تبقى على الصراع الذي يلازم الإنسان في عمل حرّيته حتى
نهاية الزمن والتاريخ، وتمنع الإنسان من أن يعيش في وهم خيال زائف يرغب في إزالة
كل مسافة بينه وبين ذاته، وبينه وبين الآخرين، وبينه وبين الله. إنّ النعمة لا
تزال تلك المسافات بل تحرّر حرّية الإنسان ليتمكن من بناء ذاته في علاقة محبة مع
الآخرين ومع الله.

ء)
تجلّي الله في صلاة المسيحي

عندما
يدخل المسيحي في الصلاة يتجلّى له الله في الوقت نفسه قريبًا وبعيدًا، حاضرًا
وغائباً، ويدرك معاً أنه يشترك في الطبيعة الإلهية وأنّه لا يزال إنساناً خاطئاً.
تلك هي خبرة القديسين والصوفيين المسيحيين الذين بقدر ما يتّحدون بالله يدركون
بعدهم عنه، وبقدر ما يدخلون في عالمه يدركون كثافة الظلام والسحاب التي تكتنفهم.

في
الصلاة يتجلّى لنا عمل الله للبشر، فنذكر “أعمال الله منذ القديم”،
الخلق، والوحي بواسطة الأنبياء، والخلاص بالمسيح، وإرسال الروح القدس على التلاميذ،
فنسبّح الله ونباركه ونشكره ونطلب إليه أن يرسل إلينا نحن أيضًا روحه القدّوس
ليمكث فينا ويحوّلنا إليه كما يحوَّل الخبز والخمر إلى جسد الرب ودمه.

في
الصلاة نفتح كياننا لنمتلئ نحن اليوم من نعمة الله التي أنعم بها على البشر منذ
البدء وفي المسيح وفي الروح القدس.

ولكنّنا
ندرك في الوقت ذاته أنّ كياننا الذي اشترك في الطبيعة الإلهيّة والحياة الإلهية لم
ينصهر بعد في كيان الله، وأنّ الخطيئة لا تزال فينا تبعدنا عن قداسته. وهذه هي
المفارقة التي لا بد لنا أن نعيش فيها ما دمنا على هذه الأرض، والتي نختبرها كل
مرّة ندخل في الصلاة، من غير أن تحملنا على اليأس، لأنّها الشرط الأساسي الذي يتيح
لحرّيتنا الإسهام في عمل الله. إنّ “السلبية” الملازمة لحضور الله هي
الفراغ الذي يطلب منا الله أن نملأه بحضورنا البشري.

ب)
تجلّي الله في عمل المسيحي

وفي
العمل كما في الصلاة تتجلّى لنا نعمة الله في بعديها الإيجابي والسلبي. فالعالم
حيث نحن نعيش نجد فيه جنبًا إلى جنب الملء والفراغ، الخير والشر، إذ إنّ عمل الله
الحاضر في العالم لا يزيل كل ما فيه من نقص وضعف. لذلك نرى أنفسنا في عالم مفعم
بالحبّ وبالبؤس والشقاء والحقد والكراهية. إنّ بين الله وتجليه في العالم مسافة
مستمرّة، هي المجال الذي يندرج فيه عمل الإنسان.

إن
الله لا يقوم في عمله مقام الإنسان. لذلك لا تتجلّى نعمته إلاّ من خلال عمل
الإنسان، في صوت الأنبياء الذين يكرزون بالمحبة، في عمل كل إنسان يجسّد محبة الله
عملاً في الزمن، وفي صراخ البائسين الذين يستغيثون برحمة من يستطيع إنقاذهم من
بؤسهم، وفي الرحماء الذين يرون فيهم صورة الله وصورة المسيح: “كنت جائعًا
فأطعمتموني، وعطشان فسقيتموني، وغريبًا فآويتموني، وعريانًا فكسوتموني ومريضًا
فعدتموني، ومحبوسًا فأتيتم إليّ” (متى 25: 35، 36)؛ وتتجلّى في الذين يؤمنون
بحضور الله في العالم وفي المسيح، ويشهدون على هذا الحضور بعملهم وحياتهم. إنّ
الله حاضر في الكون إنِّما حضورًا يتضمّن علي الدوام غيابًا على الإنسان أن يملأه
بحضوره. إنّ نعمة الله تتضمّن دومًا انحجابًا على الإنسان أن يملأه بعمله.

وهكذا
يكون المسيحي في صلاته وعمله تجلّي الله.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى