علم الله

الفصل الرابع والعشرون



الفصل الرابع والعشرون

الفصل الرابع
والعشرون

حالة
الإنسان الأصلية

 

1 – ما هو تعليم الكتاب المقدس في حالة الإنسان الأصلية؟

*
يعلّمنا الكتاب أن الله خلق الإنسان:

(1)
في حالة البلوغ والكمال.

(2)
على صورته وشبَهه.

(3)
ذا سلطان على الخلائق.

2 – ما هو المقصود بنضوج الإنسان وكماله لما خلق؟

*
المقصود أن الإنسان لم يُخلق طفلاً فأخطأ، لأنه كان أولاً ضعيفاً عاجزاً عن القيام
بما يحتاج إليه، وخالياً من الكمال نفساً وجسداً، وأن القوة حلّت في عقله وجسده
بالتدريج، فوضع لنفسه لغةً وتنبّهت قواه الأخلاقية. فهذا زعمٌ يخالف تعليم الكتاب
عن كيفية خلق الإنسان وعمّا قام به من العمل بأمر الله، فقد كان الله من البدء
يكلم الإنسان ويعلن له إرادته، وهو يفهم كلام الله وإعلانه. وكل ذلك يدل على كماله
الجسدي والعقلي. ومن ذلك قول الله عند أول وجود الإنسان على الأرض “وباركهم
الله وقال لهم: أَثمروا واكثروا واملأوا الأرض وأخضِعوها وتسلَّطوا” (تك 1:
28). وقوله “أوصى الرب الإله آدم قائلاً: من جميع شجر الجنة تأكل أكلاً، وأما
شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها” (تك 2: 16). ومنها أنه أحضر أمامه
الحيوانات والطيور ليرى ماذا يدعوها “فدعا آدمُ بأسماءٍ جميع البهائم وطيور
السماء وحيوانات البرية، وأما لنفسه فلم يجد معيناً نظيره” (تك 2: 19، 20).
فكل ذلك يستلزم صفات الرجولة البالغة الكاملة عقلاً وجسداً. وليس المعنى أن ناسوت
آدم كان قبل السقوط في أسمى حالة، فإن طبيعتنا ترتقي بسبب اتحادها بالطبيعة
الإلهية في شخص المسيح، حتى تصير في حالة أسمى من الحالة التي خلق عليها، أو إلى
حالةٍ كان في إمكان الإنسان أن يصل إليها لو لم يسقط. وإنما المقصود بكمال حالته
الأصلية كفايتها ليحقق الهدف الذي خلقه الله لأجله، وليتمم ما فُرض عليه من العمل.

3 – ما هي الأدلة على بُطل زعم بعض الطبيعيين
أن الإنسان خُلق أولاً في حالة حيوانية، ثم ارتقى بالتدريج لحالة التمدن والكمال؟

*
(1) تعليم الكتاب المقدس أن الإنسان الأول خلق كاملاً في طبيعته، وذلك وحده كافٍ
لإقناع المؤمنين.

(2)
قول كل الأمم بعصر ذهبي سقط منه البشر على ما تواتر عنهم وشاع من تقاليدهم. فإنه
يتعذَّر تعليل ذلك بما يقبله العقل السليم بدون التسليم بصحة تعليم الكتاب المقدس
في حالة الإنسان الأصلية.

(3)
التوافق بين براهين التاريخ العالمي والكتاب المقدس في هذا الشأن. مثال ذلك أن مصر
أخذت مدنيَّتها عن الشرق، وبلاد اليونان عن فينيقية ومصر، وإيطاليا عن فينيقية وبلاد
اليونان، وسائر أوربا عن إيطاليا. ولم نسمع بارتقاء الإنسان من حالة التوحش إلى
حالة التمدن من تلقاء نفسه أو من مجرد اجتهاده.

(4)
السجلات والكتابات والآثار القديمة توضح وجود أمم في درجةٍ سامية من التمدن في
الفترات الأولى من تاريخ البشر. ولما عسُر تعليل ذلك دون التسليم بصحة تعليم
الكتاب المقدس في حال الإنسان الأصلية، لجأ كثيرون إلى فرضٍ باطل أن الإنسان وُجد
على الأرض قبل التاريخ المعروف بقرون لا تُحصى.

(5)
أثبت علم علاقة اللغات بعضها ببعض أن بين كل صنوف البشر علاقة صحيحة، وأن الجميع
تشعّبوا من أصل واحد ومقام واحد، وأن ذلك المقام هو مصدر التمدن.

فالقول
إن حالة الإنسان الأصلية كانت حالة كمالٍ سقطت منها الأمم بمرور القرون، هو
الاعتقاد الذي شاع في كل عصر وأثبتته الشهادات التاريخية. وتعليم الكتاب المقدس أن
الإنسان خُلق أصلاً في حالة سامية في الدين والأدب والعقل لا يناقض ما هو مسلَّم
به من أن البشر (خاصةً بعض الشعوب منهم) تقدموا كثيراً في المعرفة والصناعة
والاختراعات، وسيزيدون تقدماً في الدين والأدب والتمدن إلى أن يصير العالم في حالة
أفضل جداً من الحالة التي هو عليها الآن. وخلاصة تعليم الكتاب أن الإنسان خلق في حالة
النضوج والكمال ثم سقط منها بمعصيته، وأنه بواسطة نعمة الله وإرشاده يرتقي على
الدوام إلى أن يبلغ درجةً ذات شأن من العظمة والكرامة.

4 – ما هو المقصود بالقول إن الله خلق الإنسان على صورته وشبَهه؟

*
هو أن الله ميَّز الإنسان على الحيوان بأن خلقه على صورته وشبَهه، وأعطاه طبيعة
روحانية مشابهة له. فهو يشبه الله في قواه العقلية وفي مواهبه الروحية. وامتاز
الإنسان بهذه المواهب على كل ما سواه من مخلوقات الأرض. ولما كانت هذه المشابهة
مصدر ما توصّل إليه الإنسان من معرفة الله وأصل طبيعته الدينية، قدر أن يعرف صفات
الله الروحية وأن يقترب إليه بالعبادة. وثبتت مشابهة الإنسان لله حتى بعد سقوطه،
فالجزء الباقي من صورة الله في الإنسان هو الطبيعة الروحية العاقلة التي لا تزال
في كل بني جنسنا. والجزء الذي ضاع بالسقوط هو الكمال الأخلاقي الذي خُلق الإنسان
عليه، أي حالة البر والقداسة التي خُلق عليها. وبعد السقوط بقي الإنسان على صورة
الله في طبيعته العقلية الأخلاقية المشابهة لصورة الله. غير أنه تغيَّر في حالته
الأخلاقية من البر والقداسة إلى الخطية والفساد الأخلاقي. يبرهن ذلك ما قيل عن
مواليد آدم إنهم خُلقوا على شبَه آدم الذي خلق على شبَه الله “ولد ولداً على
شبَهه كصورته ودعا اسمه شيثاً” (تك 5: 1، 2) وقيل “سافك دم الإنسان
بالإنسان يُسفك دمه، لأن الله على صورته عمل الإنسان” (تك 9: 6). وأن الرجل
لا ينبغي أن يغطي رأسه لكونه صورة الله ومجده (1كو 11: 7) وقوله في اللسان “به
نبارك الله الآب وبه نلعن الناس الذين قد تكوّنوا على شبه الله” (يع 3: 9).
ومن الأقوال الدالة على ما ضاع من صورة الله في الإنسان قول الرسول “من أجل
ذلك كأنما بإنسانٍ واحد دخلت الخطية إلى العالم” (رو 5: 12) والآيات التي
تعلّم لزوم التجديد والولادة الثانية على صورة الله ومنها قوله “ولبستم
الجديد الذي يتجدد للمعرفة حسب صورة خالقه” (كو 3: 10). “وتتجدَّدون
بروح ذهنكم وتلبسون الإنسان الجديد المخلوق بحسب الله في البر وقداسة الحق”
(أف 4: 23، 24). فالإشارة في هاتين الآيتين هي إلى تجديد ما ضاع، والانتقال من حال
الخطية لحال البر والقداسة بفعل الروح القدس فقط. فإن الإنسان بقي ابن الآب
السماوي في “مشابهة” طبيعته لطبيعة الخالق، لا في “حالة” تلك
الطبيعة الأخلاقية التي فقدها بسقوطه. فقد كان في حالته الأصلية مشابهاً لخالقه في
أنه ذو طبيعة روحية عقلية، وأيضاً في أنه في حالة البر والقداسة قبل أن يحدث فيه
أقل خلل أو عيب. وكان بين قواه الأخلاقية والعقلية اتفاق تام، وهي كانت خاضعة لله.
فسواء نظرنا لطبيعة الإنسان الروحية أم إلى حالته الأصلية فهو في صورة الله عندما
خُلق.

5 – ما هو الأمر الثالث الذي به تقوم كرامة حالة الإنسان الأصلية؟

*
هو أن الله أعطاه السلطان على الخلائق وجعله رئيساً على الأرض، ومنحه القُوى
والمواهب ليقوم بذلك. قال المرنم “وضع كل شيء تحت قدميه” وقال الرسول إن
الرجل هو صورة الله ومجده، وإن المرأة هي مجد الرجل (1كو 11: 7). فلا يجوز للرجل
أن يعمل ما يدل على ترك ما له من حق التسلُّط، لأن الله زيّنه بصورته، فصار بذلك
رئيساً على الأرض ونائب الخالق. ولا نقدر أن نحدد حدود دائرة السلطان الذي خوَّله
الله للإنسان، ولكن نستنتج مما جاء في سفر التكوين وفي مزمور 8 أن الله سلّط
الإنسان على الحيوانات، وقد فسرت رسالة العبرانيين 2: 8 قول مزمور 8 بأن ذلك السلطان
عام ومطلق على جميع الخلائق الأرضية، وأن الإنسان قد ناله فقط بتجسد ابن الله
وارتفاعه.

6 – ما هو التعليم البيلاجي في حالة الإنسان الأصلية؟

*
هو تعليم بيلاجيوس وتعليم العقليين الذين ينكرون الوحي ويعتمدون على عقولهم، وقد
خالفوا تعليم الكتاب المقدس في حالة الإنسان الأصلية بعدة أشياء يمكن حصرها في
أمرين:

(1)
خُلق الإنسان في الأصل بدون طبيعة أخلاقية، وخالياً من كل صفة أخلاقية خيراً كانت
أم شراً.

(2)
خُلق الإنسان قابلاً للموت فكان موته محتوماً سواء أخطأ أم لم يخطئ.

7 – ما المقصود بتعليم بيلاجيوس أن الإنسان خُلق في الأصل بدون
طبيعة أخلاقية؟

*
يقصد بيلاجيوس إن الإنسان خُلق فاعلاً مختاراً عاقلاً، ولكنه بدون صفات أخلاقية،
أي ليس باراً ولا شريراً، لكنه قابلٌ أن يصير لما شاء من الحالتين، لأنه خلق
عاقلاً مختاراً. فطبيعته تتوقف على طريقة استعمال عقله وإرادته. فإذا عمل حسناً
صار باراً والعكس صحيح. وبما أن بيلاجيوس أنكر خلق صفة أخلاقية في الإنسان فقد رفض
تعليم البر الأصلي، بحُجَّة أنه يخالف حكم العقل. ونشأ هذا المذهب عن اعتقاده أن
الطبيعة الأخلاقية لا تقوم إلا بأعمال الإرادة أو بنتائجها في فاعلها. والله
الديان العظيم لا يمدح ولا يذم سوى الأعمال، وكذلك لا صفة للأخلاق الداخلية إلا
إذا نتجت من الأعمال الاختيارية. ولا شك في أن هذا المبدأ ينفي البر الأصلي في
آدم، وينفي الفساد الذاتي الموروث منه المعروف بالخطية الأصلية، وينفي إمكان حلول
الخطية أو القداسة في النفس على الدوام بدون علاقة لازمة بالأعمال الخارجية.
وساقهم لهذا الاعتقاد الفاسد إيمانهم أن القدرة تحدد الواجبات، أي أن الإنسان لا
يُمدح ولا يُذَم ولا يُكافأ ولا يُدان إلا على الطبيعة التي حصل عليها من تلقاء
نفسه، وبما عمله مما هو في دائرة قدرته. فقالوا إن ما هو مخلوق مع الإنسان أو
مولود فيه أو ذاتي له مما ليس تحت سلطان الإرادة ليس صفة أخلاقية.

ولهذا
الاعتقاد أثرٌ عظيم في تشويش نظام علم اللاهوت، فيجب البحث فيه بدقة للوقوف على
مفاسده. وإثبات خطئه ببيان صدق مبدأين مهمين في تعليم الكتاب المقدس، هما:

(1)
تقوم طبيعة الإنسان الأخلاقية على حالته الداخلية، لا على أعماله فقط.

(2)
يتوقّف صلاح أخلاقيات الإنسان على طبيعته.

8 – ما هو البرهان على أن طبيعة الإنسان
الأخلاقية تقوم على حالته الداخلية، لا على أعماله فقط؟

*
الأخلاق الداخلية تتميز عن الأعمال، وطبيعة الإنسان الأخلاقية لا تقوم بما يُعمل
فقط، بل تشمل صفات النفس واتجاهاتها الراسخة وحالتها الباطنة. ويثبت ذلك بالأدلة
الآتية:

(1)
من الشعور: قال البيلاجيون إن الإنسان يُسأل عما يقدر أن يعمله أو يتركه. وهذا
المبدأ وإن ظهر صحيحاً، لكنه باطل لأسباب، منها تناقضه مع شهادة الشعور، فإننا
ننسب الاستحقاق، خيراً كان أم شراً، لميول النفس وصفاتها، سواء ظهرت تلك الميول
والصفات في الأعمال الاختيارية أم لم تظهر. وهذا الحكم ليس من أحكام شعورنا
الشخصي، بل هو يقيني عند كل البشر، لأن كل إنسان يسلم أنه مسؤول عن أعمال الإرادة
التي يفعلها عن عمدٍ، مما يستلزم المعرفة والاختيار، وهو مسؤول عن الأعمال
الفجائية الفورية، وهو مسؤول علاوة على ذلك عن الأخلاق الداخلية أو الإمكانيات
الباطنة التي قادته لتلك الأعمال. فمتى شعر إنسان بخطية ما وبكَّته ضميره عليها
يبكته أيضاً على صفات نفسه وميولها الراسخة فيه التي ساقته لعمل تلك الخطية. وهذا
التبكيت الداخلي يدل على أن طبيعتنا الأخلاقية تقوم أمام الله والناس بما في
أنفسنا من الصفات الحسنة والأخلاق الجيدة، كالمحبة لله وللبشر والتواضع والحلم
وطول الأناة والأمانة وغير ذلك من الفضائل، مما ليس من أعمال الإرادة.

وحكمنا
على الغير في ذلك هو مثل حكمنا على أنفسنا، فحكمنا على إنسان بأنه صالح أو طالحٌ
مبني ليس على أعماله بل على طبيعته الأخلاقية التي تظهر في أعماله. وإذا وُصف
إنسان بأنه صالح أو طالح لا يكن المقصود التعبير عن حقيقة أعمالٍ خاصة عملها، بل
عن حقيقة الأخلاق الراسخة، أو صفاته وميوله التي صدرت عنها أعماله في ما مضى،
والتي منها نستدل على حقيقة أعماله في ما يأتي. وعندما نعرف أن إنساناً صالحٌ نعلم
أن في طبيعته الأخلاقية ميول جيدة تحمله على عدم الكذب والشتيمة والسرقة، ونعلم
أنه يخدم الله بأمانة ويعمل الخير للقريب. وهكذا إذا عرفنا إنساناً شريراً حسبناه
كذلك، ولو لم يظهر منه ما يدل على الأخلاق الشريرة. ومعرفتنا أنه شرير الطبع
تجعلنا نتوقع منه الشر. وإذا قيل إن شهادة شعورنا الباطن هي من تأثير تربيتنا
المسيحية، أجبنا: يؤيد حكمنا هذا جميع بني جنسنا بدليل وجود ألفاظ في جميع اللغات
المعروفة للتمييز بين الأعمال الاختيارية والأخلاق. ومن المعلوم أن تلك الألفاظ
ناتجة من المشاهدات، فوجود ألفاظ تُعبّر عن صفات النفس الباطنة كالإحسان والإنصاف
والأمانة والاستقامة يعني أن الناس يميّزون بالبديهة أن للأخلاق صفة كما للأعمال.

(2)
من الحكم العام أن حقيقة العمل تُعرف من النية التي تؤدي إليه، وأنها المحرك له.
فالذي يؤدي الواجبات الدينية أو يسجد لله لينال مدح الناس، لا يستحق عمله أن يوصف
بالصلاح بل هو إهانة لله. ومعلوم أن المذهب البيلاجي يقول إنه ليس في الإنسان ما
يُعتبر طبيعة أخلاقية، مع أن الأعمال الشخصية ليس لها صفة أخلاقية غير ما تكتسبه
من النية التي تصدر عنها.

(3)
من الكتاب المقدس الذي يصدق جميع أحكام العقل البديهية والعامة، ويميّز دائماً بين
حال قلب الإنسان وأعماله، وينسب لنياته القلبية صفة أدبية وكذلك لأعماله، ولكن
باعتبار صدور الأعمال من النيات فقط (عب 4: 12). وخلاصة تعليم المسيح في هذا الشأن
قوله “اجعلوا الشجرة جيدة وثمرها جيداً. أو اجعلوا الشجرة رديةً وثمرها
ردياً. لأن من الثمر تُعرَف الشجرة” (مت 12: 33) وقوله “لا تقدر شجرة
جيدة أن تصنع أثماراً ردية، ولا شجرة ردية أن تصنع أثماراً جيدة” (مت 7: 18)
فطبيعة الشجرة الباطنة الراسخة تعيّن طبيعة الثمرة، وأما الثمرة نفسها فتبيّن
طبيعة الشجرة لا تكوينها. وكذلك تُعيِّن حقيقة أعمال الإنسان حالة قلبه، كما قال
المسيح للفريسيين “كيف تقدرون أن تتكلموا بالصالحات وأنتم أشرار؟ فإنه من
فضلة القلب يتكلم الفم. الإنسان الصالح من الكنز الصالح في القلب يُخرِج الصالحات،
والإنسان الشرير من الكنز الشرير يخرج الشرور” (مت 12: 34، 35). فالإنسان
الصالح هو الصالح في الداخل، أو من له قلب صالح أو طبيعة صالحة فينتج أعمالاً
صالحة لأنه هو نفسه صالح. والشرير هو مَن كان قلبه شريراً أي حال أخلاقه الراسخة
شريرة في نفسها، أو من دأبها أن تعمل الشر. قال المسيح “مِن القلب تخرج
الأفكار الشريرة، قتل، زنى، فسق، سرقة، شهادة زور، تجديف” أي أن القلب مصدر
كل ما يفعله الإنسان. والقلب، أي طبيعة الإنسان الباطنة أعمق من الإرادة ومن
الشعور. وهذا التعليم واضح في الكتاب المقدس. قال المرنم “بالإثم صُوّرت،
وبالخطية حبلت بي أمي” وقال الرسول “وكنا بالطبيعة أبناء الغضب”
وقال المسيح “المولود من الجسد جسد هو” أي فاسد أخلاقياً. فإذا أنكرنا
أن للأخلاق الداخلية المتميّزة عن الأعمال سجية أخلاقية، فإننا نناقض بعض التعاليم
الواضحة الموحى بها من الله في الكتاب المقدس.

(4)
من إيمان الكنيسة العام، وهو أن كل إنسان يحتاج للتجديد وتغيير طبيعته، أو إدخال
حياة جديدة لنفسه. وأجمعت الكنائس على أن الطبيعة الأخلاقية لا تختص بالأعمال
الاختيارية، بل تشمل صفات النفس وأخلاقها وميولها، وذلك واضح في كل عقائدها في
البر الأصلي والخطية الأصلية والتجديد والتقديس.

9 – ما هو المبدأ الثاني الجوهري الذي يُظهِر
خطأ التعليم البيلاجي في حالة الإنسان الأصلية؟

*
هو أن صلاح أخلاقيات الإنسان يتوقف على طبيعته، وطبيعة النفس تتوقف على طبيعة
الأخلاق الداخلية لها، لا على أصلها. أي أن جودة تلك الأخلاق الداخلية أو رداءتها،
سواء كانت ذاتية فيه أو موروثة من أجداده أو مكتسبة، تتوقف على طبيعتها. غير أن
البعض أنكروا ذلك وقالوا إن صفات نفوسنا وميولها تنتج من أعمالنا الاختيارية، أي
ليست موروثة فينا، ولولا ذلك ما كان لها صفة أخلاقية. فسلّموا بعلاقة الصفة
الأخلاقية بالأخلاق المتميّزة عن الأعمال الاختيارية، ولكنهم أصرّوا على أن ذلك
يكون متى حصل الإنسان على تلك الأخلاق من نفسه، وأنكروا مسؤولية الإنسان عن حالة
قلبه الداخلية، وقالوا إنها غير ناتجة عن عمله الاختياري.

10 – ما هي الأدلة على أن صلاح أخلاقيات
الإنسان يتوقف على طبيعته؟

*
(1) حُكم عقولنا، فإننا نحكم على أنفسنا بالنظر لما نحن عليه دون اعتبار كيفية
وصولنا لتلك الحال. مثال ذلك: إذا شعرنا أننا لا نحب الله كما ينبغي وأننا دنيويون
أنانيون متكبرون، لا يستريح ضميرنا. وشعورنا بأن تلك الأخلاق الشريرة مولودة فينا
لا يخفف عذاب الضمير، بل نظل نئن تحت حمل الخطية الموروثة والساكنة فينا، كما نئن
تحت ثقل الأخطاء التي ارتكبناها. وإذا اشتهر إنسانٌ بأعمال حقيرة نحكم عليه حالاً
بأنه حقير دون أن نتوقف للبحث عن أخلاقه، ذاتية هي أم موروثة من أجداده أم مكتسبة.
وإذا أظهر شخصٌ من بدء حياته اتجاهات جيدة، صار موضوع احترامنا دون التفات لأصل
تلك الاتجاهات. فقولنا إن أحداً متكبر أو ذميم الخلق لا يخفف جرمه بل يثقله ويزيد
لومنا له بالنسبة لرسوخ تلك الصفات الشريرة في طبيعته. وكذلك إذا وُصف أحد بصفات حسنة
طبيعية زاد حبنا له.

(2)
شهادة الكتاب المقدس، وهي أن الله صنع الإنسان مستقيماً، وأن الله خلق الملائكة
قديسين، وأن البشر منذ السقوط يولدون بالخطية، وأن قوة الله لا إرادة الإنسان
تغيّر القلب وتنشئ الأخلاق الجديدة في طبيعتنا. وهو دائماً يحكم بأن الخاطئ ملوم
ويستحق الدينونة سواء كان خطؤه موروثاً أو مُكتسَباً، كما أنه يحكم بالرضى على
القديسين سواء خُلقوا مقدسين كالملائكة أو صاروا هكذا بقوة الروح القدس بواسطة
التجديد والتقديس. وفي هذا لا يناقض الكتاب حكم العقل الإنساني البديهي بل يصحّحه
ويثبته. وهذا هو إيمان الكنيسة العام في كل القرون. فإن جميع الكنائس المسيحية
تقبل التعليم بالخطية الأصلية والتجديد على صورة تتضمن هذا المبدأ.

فيتضح
من الأدلة السابقة بُطل المبدإ البيلاجي الذي قاد إلى أخطاء لاهوتية خطيرة، فإنه
لما كان يقول إنه لا يمكن تبرير إنسان ولا دينونته إلا لأجل طبيعته الشخصية
الاكتسابية التي حصل عليها من ذاته، استلزم ذلك أنه لا يمكن أن نحسب خطية آدم أو
بر المسيح لأحدٍ من الناس، وأنه يجب أن يكون أساس الدينونة الوحيد هو الخطية
المكتسَبة، وأساس البر الوحيد هو برنا الشخصي، وأدى ذلك لهدم عمودين جوهريين من
أعمدة التعليم الإنجيلي. وقد نشأ الإشكال في هذا البحث من مزج شيئين متميزين: (أ)
حساب الإنسان حسب طبيعته. و(ب) تعليل وجود تلك الطبيعة فيه. فإنه لا بد أن الله
يحاسبنا كما نحن. أما كيف صرنا كما نحن، فذلك بحث آخر.

ويعلّمنا
الكتاب المقدس حل هذا الاختلاف بما أعلنه لنا من مبدإ “النيابة” الذي
بموجبه سقط الجنس البشري في آدم، وحُسب عليهم جرم خطيته الأولى، وولدنا بطبيعة
فاسدة. كما أنه بموجب مبدإ “النيابة” نتبرر ببر المسيح المحسوب
للمؤمنين.

11 – ما هو التعليم الثاني في حالة الإنسان
الأصلية الذي يخالف به البيلاجيون الكتاب المقدس، وما هي أدلتهم عليه؟

*
هو أن الإنسان خُلق قابلاً للموت، وكان لا بد من موته سواء أخطأ أم لم يخطئ، وهم
بذلك ينفون أن الموت نتيجة المعصية أو قصاصها، ويقولون إن آدم كان تحت طائلة الموت
ولو لم يسقط، بسبب بنية طبيعته الأصلية. وأما أدلتهم على هذا التعليم فهي:

(1)
بنية آدم الجسدية لم تُخلق موافقة لدوامه إلى الأبد بل كانت في ذاتها قابلة
للتلاشي، وهي تحتاج دائماً للراحة بالنوم، ولتتجدد بالطعام، ولا بد أن تشيخ وتفسد.

(2)
بنية سائر الحيوانات تؤكد لنا أن خالقها لم يقصد لها أن تعيش إلى ما لا نهاية، كما
خلقها ذكراً وأنثى ليدوم جنسها بواسطة التوالد. وقالوا إن هذا يبرهن أن الخالق
أراد توالد الأشخاص لا دوامهم. وهذا يصدق على الإنسان كما يصدق على غيره من
الحيوان، فلا بد أن الإنسان كان معيّناً للموت كذلك منذ البدء، بغضّ النظر عن
الخطية.

(3)
يقول الرسول “الإنسان الأول من الأرض ترابي” وله جسد طبيعي. ولما كان
الجسد غير مؤهّل للخلود، لأن لحماً ودماً لا يقدران أن يرثا ملكوت الله، كان نوال
الجسد الروحاني بعد القيامة (1كو 15: 42-50). فاستدل البيلاجيون من ذلك أن الله لم
يخلق آدم ليكون خالداً في هذه الدنيا، بدليل أنه لم يؤهله أصلاً لذلك، بل أعطاه
جسداً قابلاً للفساد.

12 – كيف يتبيَّن بُطل اعتقاد البيلاجيين أن الإنسان خُلق أصلاً
قابلاً للموت؟

*
لأجل إبطال هذا المذهب يجب النظر لأمرين:

(1)
هل كان آدم قابلاً للموت لو لم يخطئ؟ والجواب الصحيح هو: لا! فالكتاب يقول إن
الموت هو أجرة الخطية، وقال الله لآدم “يوم تأكل منها موتاً تموت” وهو
يعني أنه إن كان لا يأكل لا يموت. ثم قوله “لأنك ترابٌ وإلى ترابٍ تعود”
يعني أن الرجوع للتراب هو من باب العقاب. وقول الرسول إن الموت دخل بالخطية (رو 5:
12) وإن في آدم يموت الجميع موتاً جسدياً (1كو 15: 22). فالموت هو عقاب الخطية،
ولولا معصية أبوينا الأوّلَين لما حُكم به عليهما.

(2)
هل تكوَّن جسده أصلاً مؤهَّلاً للبقاء؟ في هذا آراء مختلفة. قال كثيرون من الآباء
إن آدم وُضع في الفردوس الأرضي ليصرف مدة امتحانه فيه، فإن أطاع يُنقل إلى الفردوس
السماوي المرموز إليه بالأرضي. وقال مارتن لوثر إن أبوينا الأولين لو لم يخطئا
لأذن لهما الله بالأكل من شجرة الحياة على الدوام، وهذا يحفظ جسديهما في نضارة
الشباب الدائمة. وقال آخرون إن آدم لو ثبت في كماله لأصاب جسده وأجساد ذريته تغيير
كالتغيير الذي علّمنا الرسول أنه يطرأ على الذين يبقون في الحياة لوقت مجيء المسيح
ثانيةً، فإنهم لا يموتون بل يتغيرون، ويلبس الفاسد عدم فساد ويلبس المائت عدم موت.
فيلزم عن ذلك: (أ) لو لم يخطئ آدم لم يمُت (ب) لو قصد الرسول بقوله “لبسنا
صورة الترابي” أن أجسادنا الحاضرة تشبه جسد آدم كما كوّنه الله أصلاً، لنتج
أن جسد آدم كان كأجسادنا يحتاج إلى التغيير ليؤهَّل للخلود.

13 – ما هو تعليم الكنيسة التقليدية في حالة الإنسان الأصلية؟

*
بين تعليمها في حالة الإنسان الأصلية وتعليم الإنجيليين موافقة تكاد تكون تامة.
وينحصر الخلاف بين الفريقين في قضية واحدة، هي أن الإنجيليين يعتقدون أن البر
الأصلي في آدم كان طبيعياً، وأما التقليديون فيعتقدون أنه كان فوق الطبيعة. فقالوا
إن الله خلق نفس الإنسان وجسده متحاربَين. وليتوافقا يجب أن يخضع الجسد للروح،
فمنح الله الإنسان عطيةً فوق طبيعية هي البر الأصلي. فلما سقط آدم فقد بسقوطه هذا
البر الذي يفوق الطبيعة. أما الإنجيليون فيعتقدون أن البر الأصلي طبيعي مخلوق مع
الإنسان، وأن آدم بطبيعته كان يحب الله ويميّز مجده، كما كان بطبعه يحب نفسه
ويميّز جمال الخليقة. وأنه خُلق قادراً بطبيعته (بدون احتياج لموهبة جديدة فوق ما
له من المواهب) أن يتمم غاية وجوده العظمى، وهي أن يمجد الله ويتمتع به إلى الأبد.

14 – ما هي الاعتراضات على تعليم الكنيسة التقليدية في هذا الموضوع؟

*
هي: (1) أنه يقلّل شأن تركيب طبيعتنا الأصلية، لأنه يقول إن الميل إلى الشر غُرس
فيها عند خروجها من يد الله. وهو يقلل أيضاً عدل الله وصلاحه ونصوص كتابه على أن
الإنسان أُبدئ في حالة جيدة (تك 1: 27 وجا 7: 29 ويع 3: 9).

(2)
إنه نشأ من مبدإ خاطئ وهو أن المادة شر في نفسها، وسُمي هذا المذهب بالمانوي نسبة
إلى مانو أو مانيج الفارسي. وأن النزاع بين الجسد والروح أو بين الخير والشر لا بد
منه، لأن جسد الإنسان مادي. وذلك يناقض تعليم كلمة الله أن المادة ليست شراً، وأن
اتحاد النفس والجسد ليس فيه ميل ضروري للشر يقتضي إصلاحاً على سبيل المعجزة.

(3)
نتج من تعليمها أن الخطية الأصلية هي مجرد ضياع البر الأصلي، وأن الطبيعة البشرية
صارت بعد السقوط كما كانت قبله تماماً، قبل إضافة موهبة البر الأصلي الفائقة
الطبيعة إلى الإنسان، وأن النزاع بين الجسد والروح هو أصلي طبيعي، ولذلك هو ليس
خطية، وأن الشهوة ليست من طبيعة الخطية، وهي تبقى بعد المعمودية (أو التجديد) التي
حسب تعليم التقليديين تزيل كل خطية. وبما أنها ليست شراً في نفسها فهي لا تقلّل
استحقاق الأعمال الصالحة، و تجعل الطاعة الكاملة ممكنة، خاصةً أعمال المؤمنين
التطوعية. ولذلك ارتبط هذا الاعتقاد بكل نظامهم اللاهوتي. وهو يناقض تعليم كتاب
الله في حالة الإنسان الأصلية وفي الخطية وفي الفداء.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى