عهد قديم

الإصحاح الرابع عشر



الإصحاح الرابع عشر]]>الإصحاح الرابع عشر

 

أراد يوآبأن يكون هو الواسطة لمصالحة داود على إبنه أبشالوم، وكان دافعه:-

1- كان يعلم أن داود يحب إبشالوم جداً. مشتاقاً أنيرده إلى أورشليم ولكنه يخشى نقد الشعب لهُ، لهذا أوجد مجالاً للمصالحة أو علىالأقل لرده إلى أورشليم، الأمر الذى يفرح قلب داود حتى وإن تظاهر بغير ذلك.

2-   أدرك أنه وإن طال الزمن لابد وأن الأب سيصالحإبنه فقيامه بهذا الدور يكسبه صداقة الطرفين.

3- يعلم أن لإبشالوم شعبية كبيرة، فإن مات داودينقسم الشعب على نفسه، كثيرون يريدونه ملكاً وآخرون يتشككون بسبب غضب والده عليهلقتله أمنون وبهذا يحدث شقاق.

4- رجوع إبشالوم قاتل أخيه وصفح داود عنه ينزعمشاعر الضيق من داود تجاه يوآب لقتله أبنير. ولقد إستخدم يوآب فى الأمر أرملة تحكىقصة تتطابق تقريباً مع قصة داود وإبشالوم وهو يعرف أن الملك سيسمعها فهو يعرف رقةقلبه تجاه الأرامل ويعرف أنه سيصدر حكماً بالعفو عن إبنها القاتل حتى لا تعدمالأثنين معاً فيكون قد عفا عن إبنه.

 

الآيات(1-8) :-

وعلم يواب ابن صروية أنقلب الملك على ابشالوم. فأرسل يواب إلى تقوع واخذ من هناك امرأة حكيمةوقال لهاتظاهري بالحزن والبسي ثياب الحزن ولا تدهني بزيت بل كوني كامرأة لها أيام كثيرةوهي تنوح على ميت. وادخلي إلى الملك وكلميه بهذا الكلام وجعل يواب الكلام في فمها.وكلمت المرأة التقوعية الملك وخرت على وجهها إلى الأرض وسجدت وقالت اعن أيهاالملك. فقال لها الملك ما بالك فقالت أني امرأة أرملة قد مات رجلي. ولجاريتك ابنانفتخاصما في الحقل وليس من يفصل بينهما فضرب أحدهما الآخر وقتله. وهوذا العشيرةكلها قد قامت على جاريتك وقالوا سلمي ضارب أخيه لنقتله بنفس أخيه الذي قتله فنهلكالوارث أيضا فيطفئون جمرتي التي بقيت ولا يتركون لرجلي اسما ولا بقية على وجهالأرض. فقال الملك للمرأة اذهبي إلى بيتك وأنا أوصي فيك.

فى الأية (7) يطفئونجمرتى: تشبه إبنها الحى بأنه جمرة تضطرم نار [وهكذا سُمّى داود فى (2صم17:21)]ولغاية فى نفوس العشيرة تود أن تطفئ الجمرة لتستولى على الميراث. هذا بالإضافة إلىأنه الإبن الوحيد الذى سيحمل أسم رجلها الميت. ولقد تراءف عليها داود جداً ووعدهاأنه يوصى بها كى لا يموت إبنها آية (8).

 

آية (9) :-

فقالتالمرأة التقوعيه للملك علي الآثم يا سيدي الملك وعلى بيت أبى والملك وكرسيه نقيان

علّى الإثم: هنا المرأةتعرف أن حكم الناموس يشترط قتل القاتل ولكنها حالة إستثنائية فهى تطلب العفو وعلىأن تكون هى المتحملة لإثم إلغاء الناموس وكان ذلك جائزاً من أجل الرحمة (تث13:9،7:12) فالله رحمهم بالرغم من إستحقاقهم للموت بل باركهم. وعندئذ وعدها الملكبالعفو.

 

آية (11) :-

فقالت اذكر أيها الملكالرب إلهك حتى لا يكثر ولي الدم القتل لئلا يهلكوا ابني فقال حي هو الرب انه لاتسقط شعرة من شعر ابنك إلى الأرض.

لم تكتف بتوصية الملكوبوعده إذ تظاهرت بالخوف من ولى الدم لئلا يهلك دم إبنها. كل هذا لتستخرج عفواًشاملاً بقسم من الملك ولقد حصلت من الملك فعلاً على:-

‌أ-     وعداً أن يوصى بها وبأمرها فيترفقوا بها (آية8).

‌ب- الاّ يتعرض لها بأذية أى أحد (آية 10).

‌ج-  العفو عن إبنها وحكم فورى لصالحه آية (11) بلوبقسم (آية 11).

 

الآيات(12-17) :-

فقالت المرأة لتتكلمجاريتك كلمة إلى سيدي الملك فقال تكلمي. فقالت المرأة ولماذا افتكرت بمثل هذاالأمر على شعب الله ويتكلم الملك بهذا الكلام كمذنب بما أن الملك لا يرد منفية.لأنه لا بد أن نموت ونكون كالماء المهراق على الأرض الذي لا يجمع أيضا ولا ينزعالله نفسا بل يفكر أفكاراً حتى لا يطرد عنه منفية. والآن حيث آني جئت لأكلم الملكسيدي بهذا الأمر لان الشعب أخافني فقالت جاريتك اكلم الملك لعل الملك يفعل كقولأمته. لان الملك يسمع لينقذ أمته من يد الرجل الذي يريد أن يهلكني أنا وابني معامن نصيب الله. فقالت جاريتك ليكن كلام سيدي الملك عزاء لأنه سيدي الملك إنما هوكملاك الله لفهم الخير والشر والرب إلهك يكون معك.

هنا المرأة تفصح عنالمقصود هو إبشالوم. وفى تشبيهها فهى شبهت الشعب بالأم المحبة لإبنها إبشالوم دونتجاهل للقتيل أمنون. والملك هو ولى الدم ومن حقه أن يطالب بالدم لكنه يلزم أنيترفق بشعبه الذى يطلب العفو عن إبشالوم. وداود إستغل هذه القصة فهو يتوق لأن يعفوعن إبنه ويعود يراه. وفى آية (13) لماذا إفتكرت بمثل هذا الأمر على شعب الله:كأنها تقول إن كنت تتراءف على أرملة فتعفو عن إبنها القاتل فكم بالأولى أن تتراءفعلى شعب بأكمله. وواضح من الكلام أن الشعب كان يحب إبشالوم وقد برأه الشعب من دمأمنون لزنا أمنون مع أخته بل ربما رأوه بطلاً إذ إنتقم لشرف أخته وقتل الزانى.وقولها لماذا إفتكرت بمثل هذا الأمر على شعب الله أى لماذا أفتكرت هذا الفكر الردئعلى شعب الله أنك حرمتهُ من إبشالوم الذى أحبوه. ويتكلم الملك بهذا الكلامكمذنب: أى موقفك هذا بأن تظل حارماً الشعب من إبشالوم يجعلك كمذنب. وعليك أنتدين نفسك عندما تصدر مثل هذا الحكم على إبشالوم. بما أن الملك لا يرد منفيه:أى أن خطأ الملك الذى يجعله مذنب أنه لا يريد أن يرد إبنه المنفى. وفى (14)لابد أن نموت: ربما قصدت أن أيامنا جميعاً قليلة للغاية فلنحتمل بعضنا بعضاًوليسامح أحدنا الآخر وهل موت إبشالوم سيرد الحياة لأمنون. والكل سيموتون. وكانأمنون لابد وسيموت حتى ولو لم يقتله إبشالوم وبالتالى عليك أن تصفح. وكلنا سنموتولكن الله يدبر بشتى الطرق حتى لا يقطع عنهُ منفيه: بل يفكر أفكاراً حتى لايطرد عنهُ منفيه ولا ينزع الله نفساً: وهذه العبارة حلوة جداً بل هى نبوةوتعبير يكشف عن فهم روحى دقيق لطرق الله ومحبته فالله لا يسر بموت الخاطئ مثل أنيرجع ويحيا (حز23:18) وحزقيال قال هذا بعد قول المرأة بمئات السنين. والله لم ينزعإبشالوم ويقتله فإن كان الله لم يعاقبه فلماذا يقتله الملك. ومحبة الله للإنسانجعلته يتجسد ويصلب حتى يردنا نحن المنفيين وحتى لا ينزع نفوساً. فقد كنا مستحقينالموت ولكن الله فكر أفكاراً (وهذه تشير للأقنوم الثانى عقل الله وقوته) حتى لانبقى فى الموت. وربما أيضاً ذكرها للموت هنا فيه إستعجال للملك حتى يُسرع ويأتىبإبنه قبل أن يموت بلا صلح فلا أحد يضمن حياته. بل فى قولها لا ينزع اللهنفساً: تذكرة لداود أنه هو نفسه قد أخطأ فى موضوع أوريا ولم ينزع الله نفسهويقتله بل سامحه وإن كان قد أدبّه. آية (15) لأن الشعب أخافنى: لم تكنلتزعج الملك بهذه الرواية لولا أنها خافت من الشعب وهى خائفة أن ترجع للشعب وهى قدفشلت فى إقناع الملك وهى الآن أتت لعّل الملك يسمع ويفعل كقول أمته فواضحأن الشعب متعاطف جداً مع إبشالوم ومجنون به وربما هى تلح أن الشعب قد يثور إن لميرجع إبشالوم وفى (16) عادت للرمز مرة أخرى ومعنى الكلام أنها غامرت وثَقّلَتْ علىالملك وهى تعلم أنها معرضة للعقاب إن هى أَزْعَجَتْ الملك وقد يعاقبها هى وإبنهاأو ينفيها فتحرم من الميراث هى وإبنها وتضطر أن تعيش فى أرض غريبة وسط الوثنيين، ولكنها أتت واثقة أن الملك سيسمع منها وهى المرأة البسيطة ويلبى طلبها ولا يحرمهامن ميراثها. والكلام هنا عن حرمانها هى وإبنها يشير قطعاً لإبشالوم (هو الإبن)المحروم حالياً من أن يعيش وسط إسرائيل ووسط شعبه وها هو مضطر أن يعيش وسطالوثنيين ويشير لها كأم وهى رمز للشعب الذى لا يريد أن يُحرم من إبشالوم. وهى تخيفداود بأن إبنه يعيش الآن وسط الوثنيين وربما تأثر بعاداتهم وديانتهم بل عودته ربماتقوده للتوبة. وقطعاً فالرجل الذى تتكلم عنهُ هو الملك نفسه: لينقذ أمته من يدالرجل وفى آية (17) ليكن كلام سيدى عزاء: أى ياليتنى أسمع كلمة مفرحةمن سيدى وتوافقنى على طلبى وبحكمة ختمت المرأة حديثها بمدحها له: لأن سيدى إنماهو كملاك الله. صحيح أن يوآب هو الذى أرسلها لكن كل هذه الحكمة والكلامالمملوء حباً بل رؤية نبوية ومعرفة روحية ليس كلام يوآب الدموى بل كلامها هى وهىتستحق كل مديح لحكمتها المملوءة إتضاعاً.

 

الآيات(18-24) :-

فأجاب الملك و قالللمرأة لا تكتمي عني امرأ أسألك عنه فقالت المرأة ليتكلم سيدي الملك. فقال الملكهل يد يواب معك في هذا كله فأجابت المرأة وقالت حية هي نفسك يا سيدي الملك لا يحاديمينا أو يسارا عن كل ما تكلم به سيدي الملك لان عبدك يواب هو أوصاني وهو وضع فيفم جاريتك كل هذا الكلام. لأجل تحويل وجه الكلام فعل عبدك يواب هذا الأمر وسيديحكيم كحكمة ملاك الله ليعلم كل ما في الأرض. فقال الملك ليواب هانذا قد فعلت هذاالأمر فاذهب رد الفتى ابشالوم. فسقط يواب على وجهه إلى الأرض وسجد وبارك الملك وقال يواب اليوم علم عبدك أنى قد وجدت نعمة في عينيك يا سيدي الملك إذ فعل الملكقول عبده. ثم قام يواب وذهب إلى جشور وأتى بابشالوم إلى أورشليم. فقال الملكلينصرف إلى بيته ولا ير وجهي فانصرف ابشالوم إلى بيته ولم ير وجه الملك.

فهم داود أن وراء هذاالأمر يوآب والمرأة إعترفت بهذا وأمر داود يوآب أن يذهب ويأتى بإبشالوم على أن لايراه 1- حتى لا يظهر داود أنه تهاون فى حق أمنون. 2- لكى يتضع إبشالوم ويتوب. 3-حتى لا يكتسب إبشالوم مزيداً من الشعبية وهو يريد أن يكون العرش لسليمان.

 

الآيات(25-27) :-

ولم يكن في كل إسرائيلرجل جميل وممدوح جدا كابشالوم من باطن قدمه حتى هامته لم يكن فيه عيب. وعند حلقهرأسه إذ كان يحلقه في أخر كل سنة لأنه كان يثقل عليه فيحلقه كان يزن شعر رأسه مئتيشاقل بوزن الملك. وولد لابشالوم ثلاثة بنين و بنت واحدة اسمها ثامار وكانت امرأةجميلة المنظر.

لم يمدح إبشالوم إلاّفى جمال جسده الذى جذب قلوب الشعب. وكان شعره غزيراً جداً وجميلاً يدهنه بالأطيابويُزَيّنهُ بالذهب (برادة الذهب) ممّا زاد فى جماله وزاد فى وزنه (وقد كتب يوسيفوسأن هذه عادة يهودية أن يرش الشعر ببرادة الذهب) وكان يحلق شعره سنوياً ويزنه (وهذهعادة دينية فلسطينية). كان جماله هو الذى أعطاه شعبية ولكنه كان بلا قداسة فلمينفعه مديح الناس بل كان السبب فى هلاكه. هو يمثل من يفتخرون بأجسادهم (قوتهاوجمالها) لأنه ليس عندهم سوى هذا يفتخرون به. شعر رأسه 200 شاقل بوزن الملك:هو وزن الشعر والأطياب والزيوت وبرادة الذهب. على أن الشاقل المستخدم مختلف عليهممّا يجعل الـ 200 شاقل يتراوحوا بين 0.5 – 1 كجم.وتضيف السبعينية على أية (27) أن ثامار بنت إبشالوم كانت زوجة لرحبعام وأنجبت لهُأبيا (هذا نفس كلام يوسيفوس).

 

الآيات(28-33) :-

وأقام ابشالوم فيأورشليم سنتين ولم ير وجه الملك. فأرسل ابشالوم إلى يواب ليرسله إلى الملك فلم يشاأن يأتي إليه ثم أرسل أيضا ثانية فلم يشا أن يأتي. فقال لعبيده انظروا حقله يواببجانبي وله هناك شعير اذهبوا واحرقوه بالنار فاحرق عبيد ابشالوم الحقله بالنار.فقام يواب وجاء إلى ابشالوم إلى البيت وقال له لماذا احرق عبيدك حقلتي بالنار.فقال ابشالوم ليواب هانذا قد أرسلت إليك قائلا تعال إلى هنا فأرسلك إلى الملك تقوللماذا جئت من جشور خير لي لو كنت باقيا هناك فالان أنى أرى وجه الملك وأن وجد فيآثم فليقتلني. فجاء يواب إلى الملك واخبره ودعا ابشالوم فأتى إلى الملك وسجد علىوجهه إلى الأرض قدام الملك فقبل الملك ابشالوم.

بقى إبشالوم عامين فىأورشليم دون أن يتعلم الإتضاع أو يقدم توبة وأستمر عنيفاً فى أعماقه. وأرسل يستدعىيوآب فلم يذهب لأن يوآب خشى أن يعرف داود ويغضب. وكان طلب إبشالوم إمّا أن يعفوداود عنهُ أو يقتله وهو عَرِفَ نقطة ضعف أبيه أنه لا يمكن أن يقتله، وهناك نقطةأخرى فداود خشى أن يشهر به إبنه فى موضوع أوريا. ونجح إبشالوم فى العودة إلى القصرللتخطيط لثورة ضد أبيه الملك وإغتصاب العرش.

 

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى