علم

أثناسيوس واللاهوت السكندرى



أثناسيوس واللاهوت السكندرى

أثناسيوس
واللاهوت السكندرى

 

اباء الاسكندرية و فكرهم اللاهوتى

ركز
آباء مدرسة الإسكندرية في فكرهم اللاهوتي على نعمة الله كعطية مستمرة ديناميكية
لتجديد طبيعتنا البشرية بالروح القدس الذي يهبنا الاتحاد مع الآب في الابن. ففي
شخص السيد المسيح لا نحصل فقط على مغفرة الخطايا بالروح القدس، بل ننال “حياة
جديدة” متحررة من الخطية كنعمة أو عطية إلهية. يتحدث القديس بولس عن خلع
الإنسان العتيق أو “الطبيعة العتيقة الفاسدة” ولبس الجديد أو الإنسان
الداخلي أو الطبيعة المتجددة في الروح، الإنسان الجديد الذي يحمل سمات الله من برٍ
وقداسةٍ (2 كو 21: 5؛ رو 1: 8). بالنعمة الإلهية نُعتبر أعضاء في جسد المسيح،
أولاد الله، لنا قوة ممارسة حياة القداسة لأننا قد تقدسنا في المسيح وتكرسنا للآب.
فالمؤمن ككل، بروحه وجسده وعواطفه وحواسه وفكره، يتقدس وتتحول طاقاته إلى آلات
للبر (رو 13: 6). المسيح القائم من بين الأموات كائن في حياة المؤمن كهبة إلهية
تقدم له المجد الداخلي وعربون الأمجاد السماوية الأبدية.

 

يُدعى
هذا المفهوم عن تجديد الطبيعة البشرية “التأله”، حيث يشارك المؤمن
الطبيعة الإلهية (2 بط 4: 1)، فيصير المسيح له برًا وقداسة (1 كو 30: 1). ويمكن تلخيص
لاهوت الإسكندرية في بضع كلمات: “أخذ الله بشريتنا حتى يشاركه الإنسان
حياته” أو “صار الله إنسانًا كي ما يصير البشر آلهة “.

 

واجه
القديس مرقس الرسول ثلاثة تيارات خطيرة بالإسكندرية، وهي:

 


اعتزاز المصريين بما بلغوه من تقدم علمي وفني لايزال يدهش العالم الحديث مثل هندسة
المعابد والأهرامات وفن التحنيط والرسم والنحت الخ.


اعتزاز المجتمع اليوناني السكندري بالفلسفة اليونانية والثقافة الهيلينية التي
سادت العالم حتى في أثناء انتشار الإمبراطورية الرومانية.


اعتزاز المجتمع اليهودي بالإسكندرية بالديانة اليهودية بصورة حرفية، وشعورهم انهم
دون غيرهم شعب الله، مستلمو الشريعة الموسوية وأصحاب الوعود الإلهية، ولهم العهد
الإلهي الخ.

 

كما
يشهد القديس جيروم أن القديس مرقس الرسول أنشأ أول معهد مسيحي علمي في العالم، وهو
مدرسة الإسكندرية المسيحية، لقد تفاعل القديس أثناسيوس الرسولي مع الفكر اللاهوتي
السكندري، فحمل إلي العالم فكر مدرسة الإسكندرية من جوانبه المتعددة.

 

نظرة اثناسيوس اللاهوتية الخلاصية

كان
القديس أثناسيوس في كل حواراته اللاهوتية مهتما بخلاص الإنسان(1)، فكان يؤكد
بحرارة أن الله وحده يقدر أن يخلص الجنس البشري الساقط .(2)

في
كل مقالاته ضد الأريوسيين ما يشغل ذهنه هو تجديد طبيعتنا بواسطة ابن اللَّه
المتجسد:

 

“إن
كان من أجلنا قدَّس نفسه (يو18: 17،19)، وقد صنع هذا إذ صار إنسانًا، فمن الواضح
أن حلول الروح عليه وهو في الأردن كان حلولاً علينا إذ يحمل جسدنا “.(3)

 

“عندما
قيل أنه مُسح بطريقة بشرية (مز7: 45،8)، فنحن الذين مُسحنا فيه، وهكذا عندما اعتمد
فنحن الذين اعتمدنا فيه “(4)

 

“لم
يكن إنسانًا صار إلهًا، بل هو اللَّه صار إنسانًا ليؤلهنا (نحمل عمله فينا)”
(5)

 

فكر اثناسيوس السوتريولوجى (الخلاصى)

1-)
“ما كنا نخلص لو لم يصر اللَّه الكلمة (اللوغوس) إنسانًا، فإن الإنسان في
حاجة إلى الخالق ليُخلّص طبيعته الساقطة ويردها إلى أصلها، واهبًا إيّاها صورة
اللَّه، ومصلحًا إيّاها من الفساد إلى عدم الفساد، فيه تغلب البشرية الموت ويُعاد
خلقتها” (6)

 

2-)
“لما كان ابن اللَّه واحدًا مع الآب في الجوهر، قدّم نفسه ذبيحة قادرة على
الإيفاء بدين خطايانا وتحقيق العدالة والرحمة الإلهية في نفس الوقت.”

 

3-)
“اللوغوس هو اللَّه غالب الشيطان ليس لأجل نفسه فقط وإنما لأجلنا جميعًا.”

 

4-)
“بكونه اللَّه الحق أعاد لنا كرامتنا، واهبًا إيّانا البنوة للآب فيه بالروح
القدس. يقول القديس أثناسيوس: [صار إنسانُا لنصير نحن آلهة .”، (7) “وإن
كان يوجد ابن واحد بالطبيعة، ابن حقيقي وحيد الجنس، صرنا نحن أبناء ليس بالطبيعة
والحق بل بنعمته التي تدعونا، وإن كنا بشرًا على الأرض لكننا دُعينا آلهة .”
(8)

 

5-)
“التجسد قدمنا لله، كلمة اللَّه المتجسد يعلن الآب لنا، والآب يجتذبنا نحو
الابن (يو26: 17؛ 44: 6).”

 

تعليم اثناسيوس الكريستولوجى Christology

1-)
يُعلن (9) القديس أثناسيوس أن تجسد المسيح وموته ليسا عارًا لله بل هما لمجده،
صارا سببًا لنعبد الرب . (10)

 

2-)
أخذ ناسوتًا كاملاً، إذ يقول: “لم يأخذ المخلص جسدًا بدون نفس، ولا بدون حواس
أو عقل، فإنه لم يكن ممكنًا عندما صار الرب إنسانًا لأجلنا، أن يكون جسده بل عقل،
وإلا ما كان الخلاص الذي قدمه الكلمة نفسه خاصًا بالنفس أيضًا مع الجسد .”(11)

 

3-)
اللوغوس ليس أداة خارجية لتحقيق الخلقة؛ فإن اللَّه ليس في عوز إلى أداة للخلق أو
حتى للخلاص. اللوغوس هو واحد مع الآب في الجوهر. “فلو أن الجوهر الإلهي غير
مثمر في ذاته بل عقيم كما يقولون، يكون كنورٍ لا يُضيء، وكينبوعٍ جاف؛ أما يخجلون
من هذا القول عن طاقته العاملة؟!” (12)

 

تعليم اثناسيوس عن الروح القدس

يدافع
عن لاهوت الروح القدس في رده على الأريوسيين القائلين بأنه مخلوق أقل من اللوغوس.
كما كتب أيضًا عن الروح القدس في أربع رسائل وجهها إلى الأسقف سيرابيون.

 

لاهوتياته
بخصوص الروح القدس هي بعينها كلاهوتياته عن المسيح. يلزم أن يكون الروح القدس هو
اللَّه، لأنه لو كان مخلوقًا ما كنا ننال شركة مع اللَّه فيه.

 

1-)
يقول: “إن كنا بشركة الروح صرنا “شركاء في الطبيعة الإلهية” 2بط4: 1…
فإن طبيعته هو اللَّه .”(13)

 

2-)
يعلن القديس أثناسيوس عن عمل الروح القدس في حياتنا. إنه ينبوع التقديس الحقيقي،
به نتقبل المسحة والختم لنكون شركاء المسيح، شركاء في الطبيعة الإلهية. خلال
المعمودية والمسحة ننعم بالعضوية في الكنيسة به , الروح القدس هو الذي يعين
الأساقفة ليرعوا قطيع اللَّه.

 

3-)
بالروح القدس نثبت في اللَّه: “خارج الروح نحن غرباء وبعيدون عن اللَّه،
وبشركة الروح نصير مُمسكين في اللاهوت، حتى أن وجودنا في الآب ليس منا بل من عند
الروح الذي فينا ويسكن فينا. فبالاعتراف بالحق نحفظه فينا، وكما يقول يوحنا: “من
اعترف أن يسوع هو ابن اللَّه، فاللَّه يثبت فيه وهو في اللَّه” (1يو15: 4) .”
(14)

 

في
صراعه ضد الهراطقة كان هدفه واضحًا، إذ كان يتوق إلى خلاص حتى الهراطقة. يقول عنه
كواستن عالم الاباء الالمانى الكبير: “بالرغم من مقته الشديد للخطأ، وعنفه في
مقاومته، فقد كان يتحلى بسجية يندر وجودها في شخصية كهذه، إذ كان قادرًا وسط حمية
المعركة أن يسامح ويلاطف الذين ضلوا بنية صالحة .” (15)

 

يقول
عن منهجه فى الحوار: [عمل الدين ليس الضغط بل الاقناع .] (16)

 

نظرة اثناسيوس الكتابية

اختار
الشاب أنطونيوس طريق الرهبنة عند سماعه كلمات الإنجيل: “اذهب وبع كل مالك
ووزعه على الفقراء وتعال اتبعني ” (مت 21: 19). لقد كرس كل حياته ليتمم
الوصية الإنجيلية. عاش كل حياته لا يملك سوى الانجيل، مكتوبا لا على ورق بل في
داخل نفسه.

 

جاء
تلميذه القديس أثناسيوس يكرس كل حياته لقراءة الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد
والتمتع بعمل كلمة اللَّه فيه. لم يكتب تفسيرًا له، ولا كرس حياته للكتاب خلال
الفكر الرهباني كمعلمه، لكنه جاءت حياته كتابيه، وجاءت كتاباته كلها تعتمد على
الكتاب المقدس، خاصة في حواره مع الأريوسيين.

 

يقول:
“عملات الحق تكون أكثر أصالة إذا استخرجت من الكتاب المقدس عن أن تُستخرج من
مصادر أخرى .” (17)

 

نظرته للكنيسة المسكونية

فتحت
مدرسة الإسكندرية أبوابها منذ بدء نشأتها لتضم طلبة من جنسيات مختلفة، فجاء إليها
كثيرون يدرسون معا، ويعيشون معا، صاروا أساقفة وقادة يحملون روح الحب الحقيقي،
وشركة الإيمان الواحد والفكر الواحد.

 

حمل
القديس أثناسيوس ذات الفكر فآمن بالحياة الكنسية المسكونية التي تقوم على روح الحب
مع وحدة الإيمان. فمنذ شبابه وهو بعد شماس أشترك في المجمع المسكوني الأول، في
نيقية عام 325 م، حيث وضع قانون الإيمان الذي تردده أغلب الكنائس اليوم. انجذبت
أنظار أساقفة العالم كله نحو هذا الشاب بروح الإعجاب، إذ وجدوا فيه قلبًا مسكونيًا
حيًا يشتهي الحفاظ على الإيمان الرسولي المسلم للعالم كله. كتب عنه جون هنرى
نيومان: “هذا الرجل الفائق… هو أداة رئيسية بعد الرسل، سلمت الحقائق
المسيحية القدسية وأمنت بالكلمة .” (18) وقالت ليديا كيسيش: “لو لم يقف
أثناسيوس من أجل إيماننا ربما ما كانت الكنيسة قد صارت ما هي عليه .”(19)

 

مفهوم اثناسيوس للكنيسة للحياة سماوية

تربي
القديس أثناسيوس بالفكر السكندري الممتص دومًا في الحياة السماوية كحياة نختبر
عربونها في هذا العالم. يرى الكنيسة هي الحياة المقامة في المسيح يسوع، وممارسة
للفرح الداخلي، والدخول إلى السماء.

 

يقول
عن السيد المسيح: “لقد أقام الساقطين وشفى المرضى وأشبع الجياع وسدّ احتياجات
الفقراء، لكن ما هو أكثر عجبًا أنه أقامنا نحن جميعًا من الأموات، مبطلاً الموت،
وأحضرنا من الضيق والأنين إلى الراحة وسعادة العيد، إلى الفرح الذي يبلغ حتى
السماء .” (20)

 

يرى
الكنيسة وقد حملت السمة السماوية تشارك السمائيين طعامهم السماوي، إذ يقول: “الرب
هو طعام الأرواح الممجدة والملائكة أيضًا. هو فرح كل الطغمات السمائية. هو كل شيء
للجميع. إنه لطيف مع الكل حسب حنو رأفاته. لقد أعطانا الرب بالفعل طعام الملائكة
(مز25: 78) .”(21)

 

نظرة اثناسيوس إلى وحدة الحياة الجديدة

من
أهم سمات اللاهوت السكندري حتى النسكي هو النظرة إلى وحدة الحياة الجديدة في
المسيح يسوع، فالمؤمن إن كان متزوجًا أو راهبًا، في دير أو كان متوحدا، في كنيسته
أو عمله يحمل حياة واحدة جديدة هي “الحياة في المسيح”. هذا ما نلمسه من
تصرفات القديس أنبا أنطونيوس حينما التقى بالأخ زكاوس أحد تلاميذ القديس باخوميوس
لم يسفه من نظام الشركة كنظامٍ جديدٍ، بل بكل اتساع قلب شجعه، قائلاً: “أنتم
جميعكم صرتم كالأب باخوميوس، أقول لكم، أنها لخدمة عظيمة قام بها أن يجمع أخوة
كثيرين هكذا، سالكا طريق الرسل “. (22)

 

حياة
القديس أثناسيوس الرسولي تكشف عن هذه الوحدة للحياة في المسيح يسوع، فنراه
اللاهوتي البارع في الدفاع عن لاهوت الكلمة المتجسد ولاهوت الروح القدس بفكر كتابي
حي وقلب ناري متقد. وفي نفس الوقت نراه الراعي الحقيقي، الذي في أبوته لا يهتم
بالحوارات اللاهوتية الجافة، بل باللاهوت الخلاصي، حيث يشتاق إلى الدخول بكل نفس
إلى خبرة الحياة الجديدة. إنه الرجل الكنسي الذي يهتم بالصلوات الجماعية ويقود
بنفسه السهر في التسبيح، وهو الناسك العابد الذي يمارس الحياة النسكية في حجرته
الخاصة كما افتقد الأديرة كراهب حقيقي. أينما وجد سواء على كرسي الرعاية، أو في
حواراته اللاهوتية، أو في دير من الأديرة أو في المنفى، أو هاربًا في مقبرة، أو
مختفيًا لدى أسرة من شعبه، يحمل الحياة الجديدة التي في المسيح يسوع.

===

(1)Quasten: Patrology, vol. 3, p. 70.

(2)G.N.D. Kelly: Early Christian Doctrines, 1960.
p. 284
.

(3)Or. Arians, Disc. 1: 47.

(4)Or. Arians, Disc. 1: 48.

(5)Or. Arians, Disc. 1: 39.

(6)De Incarnatione, 8,9.

(7)De Incarnatione, 54: 3.

(8)Or. Arians, Disc. 3: 19.

(9)Quosten: Patrology, vol. 3, p. 72-76.

(10)Or. Arions, Disc. 1: 42.

(11)Tom. Ad Ant,7.

(12)Or. Arians, Disc. 2: 2.

(13)Ep. ad Serapion 1: 24.

(14)Or. Arians, Disc. 3: 24

(15)Quasten: Patrology, vol. 3, p. 20.

(16)Hist. Arian, 67.

(17)De Decretis 32.

(18)Penguin Dictionary of Saints, p. 53.

(19)L. Kksich: They Walked with God.

(20)Paschal Letters 6: 9.

(21)Paschal Letters 9: 8.

(22)Derwas G. Chitty: The Desert A City, p.2.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى