تفسير الكتاب المقدس

الإصحاح الأول


ذبيحة المحرقة

معنى كلمة محرقة

:- أنها تحرق بالنار تماماً وهى بالإنجليزية holocaust وأصل الكلمة (حرق) causis (كلها) holou. والمسيح كان ذبيحة محرقة عندما تحمل نار الغضب الإلهى على الخطية وتحمل لعنة الناموس، فأرضى قلب الله الغاضب وعقد صلحاً بين الله والناس بدمه.

المحرقة هى أول ذبيحة

:- لماذا جاءت المحرقة متقدمة على باقى الذبائح ؟
المحرقة ترمز للتسليم والطاعة الكاملة بل تشير إلى عمق الإنسحاق. وهذا ما ظهر فى تجسد وحياة المسيح حتى صلبه. "أطاع حتى الموت موت الصليب" (فى٢ : ٥ - ٨) فالله خلق الإنسان فى الجنة لمحبته فى الإنسان ، وكان الله يُظهر حبه للإنسان بعطاياه الجيدة ، وينتظر منه فى مقابل هذا الحب الخضوع الكامل له علامة على محبته وثقته فى الله. ولكن تمرَّد الإنسان على الله وتحداه ، وصدَّق الحية وصدَّق خِدْعَتها ، ولم يثق فى الله ، فحزن قلب الله :- أولا لعدم طاعة آدم له . وثانيا على موت آدم . فماذا صنع المسيح بتجسده ؟ المسيح جاء وإتحد بنا وصرنا نحن جسده وهو رأس هذا الجسد. وحين يقول بولس الرسول "فحينئذ الإبن نفسه أيضاً سيخضع" (١كو١٥ : ٢٨) كان مفهومها أن المسيح يقف فى هذا اليوم ، يوم القيامة ، مع كنيسته قائلاً للآب "أيها الآب هذا ما أردتَه أنت أولاً... أن تعلن حبك للبشر وهم يقدمون لك الخضوع دليل ثقتهم فى حبك ، وها أنا والأولاد الذين أعطيتنى هم جسدى وأنا كرأس لهذا الجسد نقدم لك الخضوع وبهذا نعيد الصورة التى أردتها" . فنحن فى المسيح صرنا نُحسب طائعين.
وحتى يحقق المسيح هذا سبق فقدم هو الخضوع لمشيئة الآب فى تجسده حتى صلبه. وفى صلبه قال "لتكن لا إرادتى بل إرادتك" إذاً هذا الخضوع الكامل هو سبب مسرة الآب لذلك قال "هذا هو إبنى الحبيب الذى به سررت" . ولذلك أيضاً قيل عن ذبيحة المحرقة "كان الله يتنسم رائحة الرضا" . هنا رضا الله راجع للطاعة الكاملة التى للمسيح وهذه المحرقات هى رمز لها. وصار الله يرانا بلا لوم وكاملين طائعين فى المسيح (أف١ : ٤ + كو١ : ٢٨) ، فسرور الله وتنسم الله لرائحة الرضا راجع لفرح الله برجوع الإنسان لحضنه مرة أخرى

فى المسيح

. وكون أننا نصبح فى المسيح فذلك يبدأ بالمعمودية لذلك نسمع قول الآب يوم معمودية المسيح " هذا هو إبنى الحبيب الذى به سررت " .
+ والمحرقة هى أول الذبائح لأن حق الله ينبغى أن يستوفى أولاً قبل الكلام عن خلاص الإنسان . فإرضاء الله يجب أن يأتى قبل التفكير فى سعادة الإنسان وأبديته.
+ وهكذا كان الوضع فى الوصايا فوصايا حقوق الله (اللوح الأول) جاءت أولاً قبل وصايا المعاملات مع الناس (اللوح الثانى) ، وهكذا طلبات الصلاة الربانية.

طاعة المسيح لم تظهر فقط فى الصليب :-


لقد ظهرت هذه الطاعة أيضاً فى تجسده حين أخلى ذاته آخذاً صورة عبد. وفى حياته حين كان يقول "طعامى أن أصنع مشيئة الذى أرسلنى" و"ينبغى أن أكون فيما لأبى". وإذا قارننا هذه المواقف للمسيح مع قوله " من يحبنى يحفظ وصاياى " (يو١٤ : ٢٣) ، نفهم أنه إذا كان المسيح يقول هذا ويصنع هذا ، فإنما هذا كان بسبب الحب فهو قدم حياته كلها محرقة حب ملتهب ، لذلك إشتمه الآب رائحة سرور ورضا بإسم الكنيسة ولحسابها.
ولاحظ قول رب المجد " ان حفظتم وصاياي تثبتون في محبتي كما اني انا قد حفظت وصايا ابي واثبت في محبته" (يو١٥ : ١٠) . فما معنى أن المسيح ابن الله يحفظ وصايا أبيه ، وهل يمكن أن تأتى لحظة يمكن أن يخالف فيها رأى أبيه ؟! قطعا هذا لايمكن حدوثه فالآب والإبن فى وحدة ، الآب فى الإبن والإبن فى الآب ، وبالتالى فإن إرادة الآب هى نفسها إرادة الإبن فكيف يمكن أن يختلفا ؟! . وبهذا نفهم قول المسيح هنا هكذا...لأن المسيح ابن الله ثابت فى محبة أبيه فإرادتهما واحدة ، وبالنسبة لنا علينا أن نفهم أننا لكى نثبت فى محبة المسيح علينا أن نحفظ وصاياه ، وهذا نفس المعنى الذى نجده فى (يو١٤ : ٢٣) . وإذا فهمنا قول الكتاب " الله محبة " (١يو٤ : ٨) نفهم أن المحبة هى طبيعة جوهر الله . وأن " لذات الله مع بنى آدم " (أم٨ : ٣١) . إذاً فهذا الحب الإلهى متجه نحو الإنسان . ولنضع أمامنا أيضا أن الله " إلهنا نار آكلة " (عب١٢ : ٢٩). من هذه الآيات نستنتج أن النار التى كانت تشتعل على مذبح المحرقة ، بالإضافة لأنها هى نار الغضب الإلهى على الخطايا التى يحملها المسيح كحامل لخطايا البشر ، كانت هذه النيران هى أيضا نيران المحبة الإلهية التى تحرق خطايا البشر ليعود البشر لحضن الله بعد أن تحترق خطاياهم . وهذا ما جعل الله يتنسم رائحة الرضا والسرور مع ذبائح المحرقات بالذات . الله يشتاق أن نراه ونفرح به ونشعر ونفرح بمحبته فهذا ما سوف يجعلنا نتذوق الفرح الحقيقى ، ولكن كيف نراه ونحن قد سكنت فينا الخطية ؟! "إلهنا نار آكلة" فلسوف تحرقنا هذه النيران إذا رأيناه فى مجده بسبب الخطية التى تسكن فينا (رو٧ : ٢٠) فالله قدوس لا يطيق الخطية ، لذلك قال الله لموسى " لا يرانى الإنسان ويعيش "
(خر٣٣ : ٢٠) ، أما حين تحترق خطايانا يمكن أن نراه .
ونرجع لجمال الطقس القبطى لنجد أن القربان الذى نقدمه فى سر الإفخارستيا هو خبز مختمر ، والخمير رمز للشر ، وحين تدخل القربانة لنار الفرن تموت الخميرة وذلك إشارة لنار المحبة الإلهية التى أحرقت وقتلت خطايا البشر التى حملها المسيح .

موقف المسيحى من ذبيحة المحرقة :-


كيف يكون المسيحى موضع سرور ورضا الله ؟ ذلك بأن يقدم طاعة وخضوع كامل لله . وكيف أستطيع أن أقدم هذا الخضوع لله ؟ هذا لا يأتى سوى بأن نحب الله. وهناك من يلتهب بنار الحب الإلهى فيقدم نفسه محرقة لله، أى يقدم كل حياته الداخليه وتصرفاته الظاهرة كذبيحة حب ملتهبة لحساب الله ، ويصل هذا للإستشهاد. ولهذا يقول بولس الرسول "من يفصلنى عن محبة المسيح....." (رو٨ : ٣٥ - ٣٩) . ويقول "الذين صلبوا الجسد، الأهواء مع الشهوات " (غل٥ : ٢٤) . هذا ما له رائحة عذبة أمام الله فلماذا ؟ لأن من يفعل هذا فقد إرتفعت درجة محبته لنفس أسلوب محبة المسيح . والذى يصنع هذا ويقدم نفسه ذبيحة فهو خلال الإتحاد بالمصلوب يرتفع فى إشتياق معه إلى الصليب، كما على مذبح المحرقة. ويتقبل أى نوع من الألام شاكراً وبسرور (هذا السرور لا يدركه إلا من أحب إنسان حبا كبيرا ، فحينما يتألم هذا الحبيب يتمنى هذا الإنسان أن يشاركه ألامه ويفرح إن حدث هذا) . ومن إرتفعت درجة محبته للمسيح فحين ينظر للمسيح المصلوب يشتهى حمل الصليب معه ، بل يسبح الرب لو حدث أن حمل صليب التجربة وهذا معنى "نقدم عجول شفاهنا" (هو ١٤ : ٢) = أى نسبحك يا رب ونحن فى قمة الألم ، لأننا شاركناك ألامك فهذا التسبيح يحمل معنى الحب لله والثقة فيه ، وهذا التسبيح فى نظر الله لهو أثمن من تقديم عجول كمحرقات . ليس هذا فقط بل واثقين فى محبتك وأن كل ما تسمح به من تجارب أو ألام هو للخير فأنت صانع خيرات ، وحبك للبشر لا نهائى فكيف تسمح بما يضر من تحبهم بل بذلت ذاتك من أجلهم . مقدمين أنفسنا ذبائح حية (عجول محرقات) ولذلك يدعونا الرسول "قدموا أجسادكم ذبائح حية". وهذه هى أعلى درجات الحب أى الحب الباذل وهذا ما نسميه بالأغابى فى اليونانية ، وهذا ما وصل له الشهداء حين قدموا أنفسهم للموت حبا فى المسيح ، فوضعتهم الكنيسة فى أعلى الدرجات فى السماء فوق كل القديسين . وبهذا المعنى قال السيد المسيح " من لا يحمل صليبه ويأتى ورائى فلا يقدر أن يكون لى تلميذا " (لو١٤ : ٢٧) فمن يريد أن يلتحق بمدرسة المسيح ويصير تلميذا فى هذه المدرسة ، عليه أن يفهم أن مدرسة المسيح هى الحب الباذل حتى آخر قطرة دم حباً . وهذا معنى الصليب بالنسبة للمسيح الذى أحبنا باذلا نفسه على الصليب حتى آخر نقطة دم . ومن يقبل يفرح به الله كمدرس يفرح بتفوق تلميذه فلقد وصل لأعلى الدرجات السمائية وهى الحب الذى لا يطلب شيئا فى مقابله ، كمحبة المسيح لنا الذى بذل نفسه عنا ولا يطلب منا شيئا ، أو محبة أم لإبنها فهى تحبه ولا تطلب منه شيئا. وهذا النوع من المحبة هو ما يُطلق عليه الأغابى باليونانية .
والصليب الذى نقبله له نوعين :-
١) صليب مفروض علينا كالمرض مثلا ونقبله بفرح كشركة مع المسيح فى ألام صليبه ، كما إحتمل بولس الرسول صليب مرضه الجسدى .
٢) صليب إختيارى كمن يذهب للإستشهاد بإرادته ، أو كما قال بولس الرسول " أقمع جسدى وأستعبده ..." (١كو٩ : ٢٧) .
+ إذاً علينا أن نهتم بأن نبحث عن محبة الله وإرضاؤه قبل أن نفكر فى أبديتنا، ولذلك بكى داود على خطيته حتى بعد أن غفرها له الله. وإذا بحثنا كيف نرضى الله نكون قد إصطلحنا معه وصرنا مقبولين أمامه ورائحة سرور لديه.
+ فى ذبيحة المحرقة المسيح نفذ الوصية "حب الرب الهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل قوتك" (تث٦ : ٤) . فالكل يحترق على النار حباً. فالرأس يشير للفكر والأرجل تشير للسير أى الإتجاه الذى يقرر الإنسان أن يتجه إليه، والأحشاء للقلب والمشاعر، والشحم يشير لطاقة الجسم. فالمسيح قدم كل شئ فكانت أول كلماته وهو بعد صغير "ينبغى أن أكون فيما لأبى" وآخر كلماته على الصليب " قد أكمل" أى أنه أكمل العمل الذى أعطاه له الآب. وهكذا على المسيحى أن يقدم كل ماله لله، الرأس أى أفكاره يحفظها طاهرة والأرجل وهذا يشير للسلوك الخارجى والأحشاء وهذه تشير لتطهير القلب. وهذا ما يعنيه تكريس الإنسان للمسيح ، أى تقديس أو تخصيص كل أعضاء وحواس الإنسان لله .

كلمة محرقة تعنى أيضاً صعيدة :-


وكلمة محرقة بالعبرية هى "أعولة" ومعناها الشئ الذى يعلو ويصعد ويرتفع لأنها من ناحية ترفع كلها على المذبح لا يأكل منها أحد فكلها لله. والأهم أنها تصعد لله القدوس العلِّىْ كرائحة بخور . ولذلك يستخدم الفعل أُصْعِدَ مع هذه الذبيحة كثيراً فهى صعيدة ، مثلاً (تك٨ : ٢٠ + تث١٢ : ١٤) . ولاحظ فى الترجمة العربية قوله "ويوقد الكاهن " (لا١ : ٩ ، ١٣ ، ١٧) ولم يقل يحرق كما فى ذبيحة الخطية (لا٤ : ١٢) . وفى الأصل العبرى فكلمة يوقد هى المستخدمة لإيقاد البخور ، فهذه الذبيحة لها رائحة زكية أمام الله أما الكلمة المستخدمة مع ذبيحة الخطية فهى تعنى حرق بالمعنى العادى.

أنواع المحرقات :-


كانت المحرقات نوعان ١) عامة ٢) خاصة
١)

العامة

:- مثل المحرقة الصباحية والمحرقة المسائية وهذه تقدم يومياً (خر٢٩ : ٣٨ - ٤٢) . وهناك محرقات تقدم فى السبوت والأهلة والأعياد عن الشعب كله (عد٢٨ : ٩) .
٢)

الخاصة

:- كالتى قدمت فى مسح هرون وبنيه أو التى يقدمها كل شخص عن نفسه وهذه تنقسم لنوعان أ) إجبارية ب) إختيارية
أ‌)

الإجبارية :

- هذه يقدمها المريض (مثل الأبرص) حين يشفى .
ب‌)

الإختيارية

:- كالنذور وللشكر وفى الفرح.

الحيوانات التى تقدم للمحرقات :-

ثلاث أنواع البقر - الغنم - والطيور. وهذه هى الحيوانات الثمينة عند الشخص العادى فلا ينبغى أن نقدم لله إلا من أثمن ما عندنا، ومن ناحية أخرى فهى متواجدة بإستمرار. فلم يطلب الله منهم صيد وحوش مثلاً. المهم أن لا يظهروا فارغين أمام الله. بجانب أن هذه هى الحيوانات الطاهرة (لا ١١).

ملحوظة

:- فى المحرقات العامة (الصباحية والمسائية...... ) كان رئيس الكهنة يعترف بخطايا الشعب على رأس الذبيحة (لا١٦ : ٢١) وهذا ما يفعله الكاهن الآن فى دورة البخور وفى تقديم الحمل.
+ كلمة للرضا عنه لم تأتى مع ذبائح الخطية والإثم ولا مع ذبيحة السلامة، إنما جاءت هنا فقط مع ذبيحة المحرقة . وكذلك كلمة يُكفِّر هنا تختلف عن كلمة يُكفِّر فى ذبيحة الخطية ، فهى مع المحرقة تعنى الرضا أما مع ذبائح الخطية فهى للصفح. فى ذبيحة المحرقة الله يسر بكمال مقدم الذبيحة فهو بلا خطية. ولكن فى ذبيحة الخطية فمقدم الذبيحة يسترضى الله الذى كسر شريعته، هو يحاول أن يبقى وسط شعب الله لأن خطيته تجعله مطروداً خارجاً.
+ كانت حادثة العجل الذهبى وإرتدادهم عن الله فيها ، فمات منهم ٣٠٠٠ نفس كافية لإثبات ضرورة المصالحة مع الله حتى لا يظهر غضبه عليهم. (خروج ٣٢) .أية (١):-" ١وَدَعَا الرَّبُّ مُوسَى وَكَلَّمَهُ مِنْ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ قَائِلاً:"
سبق الشعب ورفض أن يتكلم مع الله حين خافوا من البرق والرعد والدخان ، ثم سلم الله الوصايا لموسى بعد ذلك. وهنا الله يستدعى موسى إلى خيمة الإجتماع إلى تابوت العهد (كرسى الرحمة). والمعنى أن الله أعطانا الوصية لنقترب إليه من خلالها. لكننا فى ضعفنا حسبنا كاسرين للوصية وسقطنا بالأكثر تحت لعنة الناموس. وهنا يعطى الله شريعة الذبائح ، فلا مصالحة إلا خلال ذبيحة الدم التى بدونها لا يسكن الله وسط شعبه. والإعلان لموسى هنا من حيث يظهر مجد الله بين الكاروبين. والخيمة تشير لتجسد المسيح فهى حلول الله وسط شعبه. فالله لو حل فى وسطهم على أساس صفاته التى أظهرها فى جبل سيناء لكانوا قد هلكوا بسبب أنهم خطاة. وفى الخيمة إعلان لمجد الله المستور داخل حجاب رمزاً لتجسد المسيح. وقداسة الله فوق جبل سيناء لم تختلف عن قداسة الله فوق تابوت العهد حيث كلم الله موسى هنا، إلا أن قداسته فى الحالة الأولى إقترنت بنار آكلة . وفى الحالة الثانية إمتزجت بالنعمة الكاملة وهذه الأخيرة ظهرت بملئها فى الفداء الذى بالمسيح وهذا هو الفداء الذى يشير له سفر اللاويين. ففى جبل سيناء كان هناك مجداً لله فى الأعالى لكن بدون سلام على الأرض ولا مسرة بالناس. والآن من فوق كرسى الرحمة يوجد رجاء بسلام على الأرض ورضا الله بالناس .أية (٢):- " ٢«كَلِّمْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَقُلْ لَهُمْ: إِذَا قَرَّبَ إِنْسَانٌ مِنْكُمْ قُرْبَانًا لِلرَّبِّ من الْبَهَائِمِ، فَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ تُقَرِّبُونَ قَرَابِينَكُمْ."

كلم بنى إسرائيل =

راجع (عب١ : ١) . هذه تظهر الإحتياج لوسيط بين الله والناس

. إنسان منكم =

لأنها مقدمة عن الجنس البشرى كله. فالآب يود أن يَشْتَمَّ فى الكل رائحة سرور ورضا. والمحرقة الحقيقية التى تفرح قلب الآب هى محرقة المسيح المصلوب والذى سيجمع البشر كجسد واحد وهو رأس هذا الجسد ، يقدم الحب والطاعة والخضوع للآب . والمسيح الإبن يقدمها (أى المحرقة) للآب كأن البشرية كلها كإنسان واحد هو جسده مقدم لله ، والوحى يعبِّر عن هذا بقوله

إنسان

منكم

.

قرباناً

= هى كلمة عبرية تعنى عطية.أية (٣):- " ٣إِنْ كَانَ قُرْبَانُهُ مُحْرَقَةً مِنَ الْبَقَرِ، فَذَكَرًا صَحِيحًا يُقَرِّبْهُ. إِلَى بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ يُقَدِّمُهُ لِلرِّضَا عَنْهُ أَمَامَ الرَّبِّ."

من البقر

= هذه للقادرين ، أما لغير القادرين فهؤلاء يقدمون من الغنم، والمعدمين يقدمون من الطيور.

فذكراً

= لأن المسيح هو عريس الكنيسة ، والكنيسة هى عروس المسيح والمسيح هو رأس الكنيسة كما أن الرجل هو رأس المرأة. وعن هذا سبق إرمياء وتنبأ قائلاً "لأن الرب قد خلق شيئاً حديثاً فى الأرض. أنثى تحيط برجل" (٣١ : ٢٢). ويقول إشعياء فى نبوة عن ولادة العذراء " قبل أن يأتى عليها المخاض ولدت ذكراً" (٦٦ : ٧) وفى سفر الرؤيا " ولدت إبناً ذكراً عتيداً أن يرعى جميع الأمم " (رؤ ١٢ : ٥) .

صحيحاً

= أى بلا عيب (هو العجل المسمن الذى قدم عن الإبن الضال) . وكان الكهنة يختمون الحيوانات بعد فحصها ، ومن يجدونه بلا عيب يضعون عليه ختماً لتقدم الذبائح من هذه الحيوانات المختومة. وهذا تفسير (يو٦ : ٢٧) أن المسيح كان بلا عيب أو خطية. وقارن مع (ملا١ : ٦ - ٨) فحين أهمل الكهنة إختيار الذبائح الصحيحة وقدموا لله الردئ منها وما فيه عيوب حزن الله .


يقربه

= هنا كان يسمح لمقدم الذبيحة غالباً أن يذبحها بنفسه أو يذبحها له اللاويين . ولكنه كان هو يأتى بنفسه مع الذبيحة إلى باب خيمة الإجتماع . وهذا إعلان منه أنه راضياً عن هذا ولم يجبره أحد على ذلك . وهذا فيه إشارة للمسيح الذى قدم نفسه للموت بإرادته فصار آدم الأخير، الذكر، رأس الكنيسة الذى بلا عيب.

إلى باب خيمة الإجتماع

= وليس فى الداخل فالمسيح تألم خارج أورشليم. هو جاء إلى خاصته وخاصته لم تقبله. وهكذا صنعوا بإبن صاحب الكرم (مت٢١ : ٣٨ ، ٣٩) قارن مع (عب١٣ : ١٣). وكان مقدمى الذبائح يقفون خارجاً كمن هم غير مستحقين للدخول فى شركة الجماعة. ولذلك أخذ واضعى طقوس العهد الجديد نفس الفكر، فقبل تقديم الحمل فى القداس تكون كل الصلوات من على باب الهيكل ومن الخارج، وهذا ينطبق على صلوات رفع بخور عشية ورفع بخور باكر. وهذه الصلوات هى إشارة للمحرقة الصباحية والمسائية. وكأن الصلوات التى تسبق تقديم الحمل تشير للعهد القديم ولذلك نصلى خارج الهيكل.

للرضا عنه

= المسيح مقبول ومرضى عنه لكماله أما نحن فنقبل فيه. ولاحظ أن باب خيمة الإجتماع أى قبل مذبح المحرقة النحاسى.

باب خيمة الإجتماع

= لا دخول للأقداس سوى بالإيمان بالمسيح " أنا هو الباب . إن دخل بى أحد فيخلص... " (يو١٠ : ٩) . وبعد الباب نجد مذبح المحرقة ويشير للصليب الذى حمله المسيح عنا كذبيحة محرقة ويشير لقبولنا حمل الصليب معه لنتقدم للداخل .أية (٤):- " ٤وَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِ الْمُحْرَقَةِ، فَيُرْضَى عَلَيْهِ لِلتَّكْفِيرِ عَنْهُ. "

يضع يده على رأس

= كان الطقس المعروف أن مقدم الذبيحة يضغط بكل قوته على رأس الذبيحة ويقول "أتوسل إليك يا الله فإننى أخطأت وتمردت وعصيت مرتكباً.... كذا وكذا لكننى عدت تائباً وليكن هذا للتكفير عنى" وهذا فى ذبيحة الخطية . ومعنى الضغط على رأس الحيوان يعني أن مقدم الذبيحة يلقى بكل أحماله ومتاعبه وخطاياه عليها ، ويعود لبيته فرحاً لأن خطاياه رفعت عنه وحملها الحيوان البرئ. والضغط بقوة يحمل فكرة قرار بالتخلى عن الخطية أى توبة قوية. وأما طقس شريعة المحرقة أو الكلمات التى كان يرددها مقدم هذه الذبيحة فغير معروفة. والمهم أن وضع يد المقدم وضغطها على رأس الذبيحة تشير لمعنى الوحدة مع الذبيحة ، وكأن الذبيحة صارت ممثلة لشخص مقدمها وكما صارت هذه الذبيحة موضع سرور الرب هكذا يصير مقدمها. وفى هذا إشارة لوحدتنا مع الرب يسوع فقد صرنا من لحمه ومن عظامه .أية (٥):- " ٥وَيَذْبَحُ الْعِجْلَ أَمَامَ الرَّبِّ، وَيُقَرِّبُ بَنوُ هَارُونَ الْكَهَنَةُ الدَّمَ، وَيَرُشُّونَهُ مُسْتَدِيرًا عَلَى الْمَذْبَحِ الَّذِي لَدَى بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ."

ويذبح العجل

= كان مقدم الذبيحة أو اللاويين هم الذين يقومون بالذبح.

أمام الرب

= حقاً العجل يذبح خارج الخيمة لكنه أمام الرب. والمسيح " يظهر أمام وجه الله لأجلنا " (عب٩ : ٢٤ + ٧ : ٢٥). ونحن فى المسيح ندخل إلى حضن الآب.

ويقرب بنو هرون الكهنة الدم

= الدم هو نفس الحيوان، فنفس الحيوان أى حياته فى دمه . والمعنى أن الذبيحة قدمت دمها فداء عن حياة الإنسان. وكان الكهنة يستقبلون الدم فى طشوت معدة لذلك. وكان رش الدم للتكفير حقاً للكهنة فقط (فالكهنوت رمز لكهنوت المسيح الذى قدم نفسه ذبيحة عنا).

ورش الدم مستديراً

= والدائرة تشير للأبدية فهى لا بداية لها ولا نهاية وكأن هذا الدم يعمل فينا أبدياً وينطلق بنا إلى السماء عينها ليدخل بنا إلى حضن الآب فنحيا فوق حدود الزمن وهذا الدم مقدم لكل البشر فى كل العالم وفى كل زمان ، لكل من يؤمن. وراجع (١يو١ : ٧ + عب٩ : ١٤، ٢٢ + ١بط١ : ١٨، ١٩ + رؤ٧ : ١٤ + ١٢ : ١١) لترى قوة دم المسيح فى التطهير. وكون دم المسيح دم رش (عب ١٢ : ٢٤) فهذا لأنه هو رئيس كهنتنا الذى يرش دمه علينا فنتطهر .

مستديراً

= إستوحى واضع الطقس القبطى نفس الفكرة ولذلك نجد الكاهن يدور بالحمل حول المذبح بعد إختيار الحمل ، وعند قوله "وهكذا الكأس أيضاً بعد العشاء مزجها من خمر وماء" يدور بإصبعه راسماً دائرة على حافة الكأس والمعنى أن دم المسيح هو لكل أحد ولكل زمان وحتى الأبدية وفى كل مكان.

عَلَى الْمَذْبَحِ الَّذِي لَدَى بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ =

قوة المذبح وقوة الذبيحة هى فى الدم ، والإشارة إلى

باب خيمة الإجتماع

راجع لأنه لا دخول ولا قبول لإنسان إلا بالإيمان بدم المسيح ، والثبات فى المسيح الذى هو الباب.أية (٦):- " ٦وَيَسْلَخُ الْمُحْرَقَةَ وَيُقَطِّعُهَا إِلَى قِطَعِهَا."

ويسلخ

= السلخ يشير للإستسلام الكامل فالذبيحة لا تستطيع أن تدافع عن نفسها الآن ومستسلمة تماماً. ولأن الغنم هذا هو طبعها فهى تشير للإستسلام الكامل فهى لا تسلخ وهكذا المسيح كان " كخروف داجن وشاة سيقت للذبح ". ويشير أيضاً السلخ للعرى فقد تعرت الذبيحة مما تلبسه والمسيح تعرى ليسترنا. هكذا لبس آدم أقمصة من جلد. ويشير السلخ أيضاً للطاعة الكاملة ظاهرية وباطنية. فالسلخ إعلان لطاعة المسيح الباطنية. فهى ليست طاعة ظاهرة فى التصرفات الخارجية فقط ، بل بإقتناع داخلى ، لأن السلخ هو نزع الغطاء الخارجى فيظهر الداخل.

ويقطعها إلى قطعها

= مرة أخرى نعود لواضع الطقس القبطى الذى إستوحى نفس الفكرة فنجد الكاهن يقسم القربانة لقطع ثم يعيد ترتيبها على شكلها الأصلى فى الصينية. وراجع آية (٨)

ويرتب بنو هرون القطع

. وكانوا غالباً يعيدون ترتيبها على المذبح لتأخذ شكل الحيوان الأصلى رأسه وأكارعه وأعضاؤه. وهذا ما يفعله الكاهن القبطى اليوم والمعنى أن هذا الجسد المكسور ، مكسور لأجلنا ، ليجمعنا المسيح فيه فنصير جسده ، هو الرأس ونحن أعضاء جسده ، كنا متفرقين كما تقطعت الذبيحة إلى أعضاء متفرقة ، ثم جمعها الكاهن ورتبها لتعود فى شكل جسد واحد تقبل الصليب الموضوع عليها بشكر.أية (٧):- " ٧وَيَجْعَلُ بَنُو هَارُونَ الْكَاهِنِ نَارًا عَلَى الْمَذْبَحِ، وَيُرَتِّبُونَ حَطَبًا عَلَى النَّارِ.

ناراً

= كانت النار لا تطفأ أبداً رمزا لمحبة الله الدائمة التى تريد خلاصنا ، وهى التى أرسلها الله لتأكل الذبائح فى يوم تكريس هرون وبنيه . وكان شحم الذبائح هو ما يساعد على إضرام النار.

ويرتبون حطباً على النار

= الحطب أى الخشب وهذا يرمز للصليب (خشبة الصليب).أية (٨):- " ٨وَيُرَتِّبُ بَنُو هَارُونَ الْكَهَنَةُ الْقِطَعَ مَعَ الرَّأْسِ وَالشَّحْمِ فَوْقَ الْحَطَبِ الَّذِي عَلَى النَّارِ الَّتِي عَلَى الْمَذْبَحِ."

ويرتب بنو هرون القطع

= هذا يشير إلى أن الصليب حمل المسيح رأس الكنيسة ، وأيضاً على أعضاء جسده أى الكنيسة أن تقبل حمل الصليب مع رأسها ، فالمسيح صلب عنا، ونحن نقبل الصليب حبا فيه. فالكنيسة هى جسد المسيح المتألم تشاركه طاعته للآب وحبه (راجع تفسير كو١ : ٢٤) . وقال يعقوب فى نبوته عن يهوذا إبنه الذى من نسله أتى المسيح ، وقد جاءت كلمات يعقوب نبوة عن المسيح " جثا وربض كأسد ولبؤة " (تك٤٩ : ٩) وبهذا المفهوم يقول بولس الرسول " أنا صلبت للعالم " (غل٦ : ١٤). وهنا الكل على النار، وهكذا المسيح قدم نفسه جسداً وروحاً ونفساً على مذبح الصليب. وهذا يشير للقلب الذى تشعله نار الله لتحرق الخطايا ، ثم يشتعل حباً فيريد أن يأتى بكل نفس لله (رو١ : ١٣ - ١٥ + نش١ : ٤) . ثم يشتعل غيرة على أولاد الله فيحترق حين يضعف أحدهم (٢كو١١ : ٢٩) .أية (٩):- " ٩وَأَمَّا أَحْشَاؤُهُ وَأَكَارِعُهُ فَيَغْسِلُهَا بِمَاءٍ، وَيُوقِدُ الْكَاهِنُ الْجَمِيعَ عَلَى الْمَذْبَحِ مُحْرَقَةً، وَقُودَ رَائِحَةِ سَرُورٍ لِلرَّبِّ."

فيغسلها بماء

= الغسيل لأعضاء الإنسان هو للتطهير ، فالإنسان كله يحتاج لغسيل كامل بسبب طبيعته الساقطة. أما بالنسبة للمسيح الذى بلا خطية فغسيل القطع يشير لطهارة المسيح الذبيح ، وأنه بلا عيب . لذلك فهو يذبح عن غيره. يذبح لنصير نحن مقبولين فيه . وبالنسبة للكنيسة فيشير لعمل المعمودية التى بها تغتسل طبيعتنا الداخلية بعمل دم الذبيحة، وتتجدد بصلب الإنسان العتيق والتمتع بالإنسان الجديد. وهنا يلتحم الدم مع الماء كما خرج دم وماء من جنب المسيح. ولاحظ الشكل الموجود على المذبح، الأعضاء المغسولة للحيوان المذبوح مرتبة على خشب والنار تأكل الجميع. ما هذا سوى الكنيسة المعتمدة المقدسة بالدم التى صلبت أهوائها مع شهواتها "مع المسيح صلبت" ونار الروح القدس روح الإحراق (إش٤ : ٤) يغسل الخطايا ثم يشعل محبتها لله ، فتصير رائحتها رائحة سرور أمام الرب. والروح القدس هو النار الذى يهبنا التبنى لله الآب فى إستحقاقات الصليب ، فالروح القدس يثبتنا فى المسيح إبن الله فنصير أبناء الله بالتبنى .الأيات (١٠-١٣):-" ١٠«وَإِنْ كَانَ قُرْبَانُهُ مِنَ الْغَنَمِ الضَّأْنِ أَوِ الْمَعْزِ مُحْرَقَةً، فَذَكَرًا صَحِيحًا يُقَرِّبُهُ. ١١وَيَذْبَحُهُ عَلَى جَانِبِ الْمَذْبَحِ إِلَى الشِّمَالِ أَمَامَ الرَّبِّ، وَيَرُشُّ بَنُو هَارُونَ الْكَهَنَةُ دَمَهُ عَلَى الْمَذْبَحِ مُسْتَدِيرًا. ١٢وَيُقَطِّعُهُ إِلَى قِطَعِهِ، مَعَ رَأْسِهِ وَشَحْمِهِ. وَيُرَتِّبُهُنَّ الْكَاهِنُ فَوْقَ الْحَطَبِ الَّذِي عَلَى النَّارِ الَّتِي عَلَى الْمَذْبَحِ. ١٣وَأَمَّا الأَحْشَاءُ وَالأَكَارِعُ فَيَغْسِلُهَا بِمَاءٍ، وَيُقَرِّبُ الْكَاهِنُ الْجَمِيعَ، وَيُوقِدُ عَلَى الْمَذْبَحِ. إِنَّهُ مُحْرَقَةٌ، وَقُودُ رَائِحَةِ سَرُورٍ لِلرَّبِّ."محرقة الأغنام يقدمها غير القادرين. وهى لها نفس الطقس السابق ما عدا أنها لا تسلخ. ونجد هنا إشارة لأنها تذبح على جانب المذبح إلى الشمال، والشمال هو الناحية البحرية مكان هبوب الريح اللطيفة. ففى هذه الذبائح إرضاء الله. وقد يكون هذا المكان هو المناسب للذبح فهو المكان الخالى كما هو واضح بالرسم. وهناك سبب آخر أن المسيح قد صلب فى موضع الجمجمة (لو٢٣ : ٣٣) وهذا المكان على الجانب الشمالى من أورشليم. ومن هذا الجانب الشمالى رمز الريح اللطيفة نجد إشارة للصليب الذى بسببه رضى الله على الإنسان ، فكانت نعمته التى تشبه الريح اللطيفة بعد سنين من عذاب الهواء اللافح الساخن من غضبه على البشرية. ولكن لماذا أشير للجانب الشمالى فى ذبائح الغنم بالذات، ولماذا سمى المسيح حمل الله ولم يُسَمَّى بأى إسم آخر من الحيوانات التى تقدم ذبائح؟ السبب أن الغنم رمز للطاعة الكاملة فهى صفة خاصة بالغنم . وأيضاً فالمحرقة الدائمة (الصباحية والمسائية) من الغنم إشارة للمسيح الذى يشفع فينا دائماً أمام الآب بدمه فيرضى الآب .

ملحوظة :-

الشمال يأتى منه الرياح الباردة المنعشة فيكون رمزا للتعزيات ، أما الجنوب فيأتى منه الرياح الساخنة ولذلك يرمز الجنوب للتجارب . ولكن لنلاحظ من ناحية أخرى أنه لو إستخدمت رموز الشمال والجنوب للإشارة إلى الحالة الروحية للإنسان ، نجد أن الشمال البارد يشير للبرودة الروحية والخطية وبالتالى عدم القبول ، والجنوب الحار يشير للحرارة الروحية . هذه مجرد رموز وعلينا أن نفهمها ونفسرها بحسب النص الذى ندرسه . لذلك نضيف هنا أن الشمال مكان الرفض للخطاة (الجداء ستكون على اليسار مت٢٥ : ٣٣) ، فالمسيح كحامل لخطايانا وُضِعَ موضع الرفض ليأتى لنا بالتعزيات (الرياح الباردة من الشمال) .الأيات (١٤-١٧):-" ١٤«وَإِنْ كَانَ قُرْبَانُهُ لِلرَّبِّ مِنَ الطَّيْرِ مُحْرَقَةً، يُقَرِّبُ قُرْبَانَهُ مِنَ الْيَمَامِ أَوْ مِنْ أَفْرَاخِ الْحَمَامِ. ١٥يُقَدِّمُهُ الْكَاهِنُ إِلَى الْمَذْبَحِ، وَيَحُزُّ رَأْسَهُ، وَيُوقِدُ عَلَى الْمَذْبَحِ، وَيُعْصَرُ دَمُهُ عَلَى حَائِطِ الْمَذْبَحِ. ١٦وَيَنْزِعُ حَوْصَلَتَهُ بِفَرْثِهَا وَيَطْرَحُهَا إِلَى جَانِبِ الْمَذْبَحِ شَرْقًا إِلَى مَكَانِ الرَّمَادِ. ١٧وَيَشُقُّهُ بَيْنَ جَنَاحَيْهِ. لاَ يَفْصِلُهُ. وَيُوقِدُهُ الْكَاهِنُ عَلَى الْمَذْبَحِ فَوْقَ الْحَطَبِ الَّذِي عَلَى النَّارِ. إِنَّهُ مُحْرَقَةٌ، وَقُودُ رَائِحَةِ سَرُورٍ لِلرَّبِّ."هى المحرقة التى يقدمها المعدمين. الطيور (يمام وحمام) والكلمة العبرية تشير أنه لابد أن يكون الطير ذكراً. وهنا تنزع الحوصلة والريش وترمى ، فكل ما هو غير نقى يرمى خارجاً. ولم يقال فى حالة الطير أن مقدم الذبيحة يضع يده على رأس الطير فهى صغيرة جداً ، ويكفى مقدمها أنه يقدمها بيديه. ونلاحظ هنا أن الكاهن هو الذى يقوم بكل العمل (الذبح أيضاً وليس اللاويين هم الذين يذبحون الطير) . وفى هذا رفع لشأن الفقراء والمسيح إمتدح فلسى الأرملة. وكان الكاهن يعصر دم الطير مباشرة على المذبح لقلة مقدار الدم. وراجع (لو٢ : ٢٤) فأبوى المسيح قدموا محرقة من الطيور فالمسيح أتى فقيراً. الله لا يطلب القيمة المادية بل القلب. ولهذا نجد هنا فقط أن

الكاهن يعصر دم الطير

مباشرة على المذبح لقلة مقدار الدم. وراجع (لو٢ : ٢٤) فأبوى المسيح قدموا محرقة من الطيور فالمسيح أتى فقيراً. الله لا يطلب القيمة المادية بل القلب. ولهذا نجد هنا فقط

وإن كان قربانه للرب

فقوله للرب لم يذكر مع النوعين الآخرين ، أى البقر والغنم .
والحمام واليمام سبق الإشارة لهما ويشيران للوداعة والبساطة. وبعض اليمام لا يقبل الذكر منه سوى أنثى واحدة لا يقترب إلى غيرها حتى إن ماتت ، فهو رمز للطهارة . وكلمة بساطة تترجم كثيرا فى الكتاب المقدس singlehearted أى يكون القلب غير منقسم بل له إتجاه واحد ، وهو البحث عن مجد الله ، وبهذا نفهم قول الوحى

وإن كان قربانه للرب

أنه يعنى تقديم القلب كله للرب " يا إبنى إعطنى قلبك " (أم٢٣ : ٢٦) . ومن يفعل يكون جسده كله نيراً (مت٦ : ٢٢) ، فمثل هذا الإنسان يتحد به المسيح نور العالم.

ويحز رأسه

= فالطريقة التى كانت ذبيحة الحمام واليمام تقدم بها طريقة عنيفة لطائر نقى وديع بل ووحشية مع طائر مسالم !! ..... ولماذا التعجب أو ليس هذا ما حدث مع المسيح الذى سالم جميع الناس ولم يكن فى فمه غش..... ولاحظ مشهد الصليب.

ويشقه بين جناحيه لا يفصله

= هذا مثل ما حدث مع خروف الفصح الذى لا تكسر عظامه. وعدم كسر العظام قد يشير أنه هو نفسه كامل بلا عيب وهو مصلوب ومذبوح لأجلنا. ولاحظ أن الكنيسة تُسمَّى اليمامة كمسيحها (نش٢ : ١٢) .

تأملات


+ ياليتنا نقدم أنفسنا ذبيحة محرقة ، فالعجل هو الجموح الجسدى وشهواته ، فلنصلبها ونقدم طاعة وتسليم لإرادة الله فنصير حملان وهنا ننطلق للسماويات كالحمام ، ونمتلئ من الروح القدس (الذى ظهر على هيئة حمامة) . فتهب علينا ريح الشمال الباردة أى تعزيات الله السماوية.
+ حقا التدلاج فى الذبائح التى تقدم مرتبطة بالحالة المادية لمقدم الذبيحة ، فالغنى يقدم عجلا والأقل مقدرة يقدم من الغنم والمعدم يقدم طيرا . ولكن هذه الحيوانات تعبر عن ماذا يجب أن نقدمه كمحرقة يشتمها الله كرائحة سرور :-
١)

العجل

:- له طاقة عضلية كبيرة فهل نكرس طاقاتنا الجسمانية لخدمة الله.
٢)

الأغنام

:- تمثل الطاعة الكاملة فهل نصنع مثلها ونطيع الله دون تذمر .
٣)

الطيور

:- هل يمكن أن نحيا فى السماويات مثلها .
+ وهناك ملحوظة أخرى فالعجول مرتبطة بالقادرين الأغنياء، ثم الحملان مرتبطة بالأقل قدرة، والطيور السماوية مرتبطة بمن لا قدرة لهم ، وحقاً قوته فى الضعف تُكْمَل وعلى من يحس بقدراته وجموحه أن يقاومها ويبدأ فى طاعة الله فيحلق بعد ذلك فى السماويات.

ملاحظات على ذبيحة المحرقة

١- من الواضح أن للمحرقة مكاناً خاصاً بين الذبائح كلها. فهى ذكرت أولاً فى هذا السفر فى الترتيب، بل تعتبر من بعض الوجوه أساس كل التقدمات. فكثيراً ما نقرأ عن تقدمة ذبائح محرقة مع تقدمة دقيق (لا٢٣ : ١٨) . وكانت ذبيحة السلامة تحرق على المحرقة (لا٣ : ٥). بل كان مذبح النحاس الذى فى الدار الخارجية للخيمة يسمى مذبح المحرقة. وكانت تتقد عليه المحرقة الدائمة ليلاً ونهاراً، لأن الله قصد أن يبقى أمامه دائماً ما هو ثمين فى عينيه.
٢- يتردد فى ذبيحة الخطية القول "يكفر عنه فيصفح عنه" أما فى المحرقة فالتكفير ليس للصفح عن الخطية، بل لقبول الشخص نفسه أى للرضا عنه أمام الرب. ووضع مقدم الذبيحة يده على رأس الذبيحة كأنه يتحد بها فى كل قيمتها وكمال قبولها أمام الله فإن كان الله يقبلها فهو يقبل مقدمها.
٣- فى قول معلمنا بولس الرسول "وأسلكوا فى المحبة كما أحبنا المسيح أيضاً وأسلم نفسه لأجلنا قرباناً وذبيحة لله رائحة طيبة" (أف ٥ : ٢). نرى هنا مقطعين للآية:-

المقطع لأول

: أنه

أسلم نفسه لأجلنا

هذا هو الوجه الأول للصليب من ناحيتى كإنسان ، أى كيف أرى أنا الصليب أو كيف أفهمه أو كيف أستفيد منه . فالمسيح قدم نفسه

ذبيحة خطية لأجلى

فأصير أنا مقبولا إذ غفرت خطيتى .

أما المقطع الثانى

: المسيح كان

قرباناً وذبيحة لله

، هذه هى ذبيحة

المحرقة.

هذه من وجهة نظر المسيح فى الصليب ، كيف يرى المسيح الصليب ؟ فى نظر المسيح الصليب هو حب باذل لآخر نقطة دم حبا فينا ، حب لايطلب مقابل (الأغابى) .

ملحوظة أخرى على سلخ المحرقة، فهو قَبِل أن يتعرى ليكسينا بعد أن تعرينا ، فالسلخ يشير لخلع الغطاء الخارجى أى للعرى الذى قبله المسيح على الصليب لأجلنا ليسترنا.

الذبيحة التى غطى بها الله عُرىْ آدم


قال الكتاب " وصنع الرب الإله لآدم أقمصة من جلد وألبسهما " (تك٣ : ٢٠) . الله غطى عريهما ، ولكن من الذى ذبح الحيوان ، هل هو الله أم آدم ؟ لم يذكر الكتاب إجابة لهذا السؤال ، فلماذا ؟ الإجابة ... نقول أنه من المنطقى أن آدم هو من ذبح الحيوان ، ليتسلم من الله طقس تقديم الذبائح لإسترضاء الله ، وألبس الله آدم من جلد الذبيحة ليستره ، ولكن كان هذا ستراً مؤقتا . أما الستر الحقيقى الذى سيستر فضيحة خطايانا سيكون فى ملء الزمان بصليب المسيح

إبن الله ... وإبن آدم

فى نفس الوقت

، و

الذى سيقدم ذبيحة نفسه كمحرقة . وابن الله (المسيح) يُدعى هنا الرب الإله . ولأن المسيح هو الذى سيقدم الذبيحة التى تسترنا تُرِكَ السؤال بلا إجابة . فمن قدم الذبيحة الحقيقية هو المسيح إبن الله وإبن آدم فى آنٍ واحد. هو مقدم المحرقة الحقيقية التى تفرح قلب الله إذ هى التى تستر الإنسان حقيقة ، وتعيده إلى حضن الله .
زر الذهاب إلى الأعلى

معاني الكلمات في الأصحاح

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

Please consider supporting us by disabling your ad blocker!