كتب

كتاب اليوبيلات



كتاب اليوبيلات

كتاب
اليوبيلات

او
التكوين الصغير

 

Book Of Jubiles

 

كتاب
اليوبيلات أو  التكوين الصغير أو رؤيا موسى. دوِّن في القرن 2 ق.م. وُجد في القرن
19 في نسخة حبشيّة. ولكن وجدت منه مقاطع عبريّة في قمران. يستعيد هذا الكتاب الخبر
البيبلي منذ الخلق إلى الخروج في أسلوب جلياني، ويقسم الكرونولوجيا إلى حقبات من
49 سنة (7 أسابيع) وسبع سنوات. كان أهل قمران يتبعون روزنامة كتاب اليوبيلات وهي
روزنامة شمسية.

 

كتاب
اليوبيلات

اليوبيل
في الأصل هو سنة مقدّسة (وبالتالي مميّزة) تعود مرّة كل 50 سنة. وكتاب اليوبيلات
يضمّ عددًا من هذه السنوات. إنّ يوب سمّي أيضًا “التكوين الصغير”
و”كتاب القسمة” (بمعنى أنّ التاريخ قُسم إلى أجزاء). وسمّاه العالم
القديم : “رؤيا موسى”، رؤيا آدم”، “وصيّة آدم”،
“وصيّة الأوّلين”. دُوّن في العبريّة في القرن الثاني ق.م. ولكنّه لم
يُحفظ كاملاً إلاّ في نسخة حبشيّة نُقلت عن نصّ يونانيّ ضاع، وجزئيًّا في نصّ
لاتينيّ ونصّ سرياني. أمّا الترجمة اليونانيّة فنجدها في استشهادات الآباء. ووجود
أجزاء لتسعة مخطوطات لهذا الكتاب في قمران (المغارة الأولى والثانية والثالثة
والرابعة) يدلّ على أنّ عالم قمران هو المحيط الذي تكوَّن فيه هذا الكتاب. مع أنّ
كتاب اليوبيلات يقدّم نفسه على أنه وحي أعطي لموسى على جبل سيناء، فهو يشكّل في
الواقع ترجومًا إخباريًّا (هاغاده) حول سفر التكوين وخر 1-14. هو يستعيد تاريخ
اسرائيل من خلق العالم حتى عطيّة الشريعة على جبل سيناء. وهو يجعل هذه الأخبار في
49 حقبة من 49 سنة (أي يوبيل). قصّر مواد تك وخر أو وسّعها ذاكرًا الأخبار. نحن
هنا أمام تقليد كهنوتيّ خاص ينقل مواد قديمة. لقد استلهم الكاتب أمورًا نجدها في
كتاب أخنوخ الحبشي، وفي وصيّة لاوي التي وُجدت في قمران، وفي منحول التكوين. في
هذا الكتاب، أراد المؤلّف أن يشدّد على اختيار اسرائيل، على مديح الشريعة، على
الدفاع عن التقاليد الكهنوتيّة وأهمّها الكلندار الشمسيّ (بدل القمريّ).

 

مدخل الى كتاب اليوبيلات

النصّ
الأصلي لكتاب اليوبيلات هو النصّ العبريّ الذي ظلّ متداولاً خلال القرون الوسطى في
أوروبا، بحسب شهادة مدارش متأخّرة في العالم اليهودي. وبعد سنة 1952 وصلت إلينا
أجزاء من هذا النصّ في مخطوطات قمران، وقد طُبعت في كتاب. تُرجم النصّ العبري إلى
اليوناني. وضاعت هذه الترجمة فلم يبق منها إلا نتف عند ابيفانيوس أسقف سلامينة،
وبعض المؤرخين والشرّاح البيزنطيّين. وقد جُمعت هي أيضًا في كتاب ثم أضيفت نصوص
أخرى. وعُرفت في اللغة السريانية مقاطع من كتاب اليوبيلات في كرونيكة سريانية تعود
إلى القرن الثاني عشر، وقد نُشرت سنة 1904. يعتبر ناشرها اوجان تيسران أن هذه
النصوص ترتكز على معرفة للنصّ الأصليّ، ولكنها لا تشكّل ترجمة بل تكييفًا للنصّ واختيارًا
لمقاطع أعيدت كتابتها. وانطلقت من الترجمة اليونانيّة ترجمتان معروفتان. الأولى
إلى الحبشيّة والثانية إلى اللاتينيّة. تفرّدت الكنيسة الحبشيّة فاعترفت بقانونيّة
كتاب اليوبيلات، ونقلت إلينا النصّ كاملاً كما تُرجم مع سائر أسفار الكتاب المقدس،
أي بين القرن الرابع والقرن السادس. نُشر هذا النصّ أكثر من مرّة، ونُقل إلى
اللغات الحديثة. أما الترجمة اللاتينيّة فعُرفت سنة 1861 في طرس من ميلانو
بإيطاليا، يعود إلى القرن السادس. وهذا النص اللاتيني يوافق الفصول التالية في
الترجمة الحبشيّة: 13: 10- 21؛ 15: 20- 31؛ 16: 5- 17: 5؛ 18: 10- 19: 25؛ 20: 5-
21: 10؛ 22: 2- 19؛ 23: 8؛ 23: 24؛ 24: 13- 25: 1؛ 26: 8- 22؛ 27: 11- 23؛ 28: 16-
27؛ 29: 8- 30 26؛ 31: 9- 18، 29- 32؛ 32: 1- 8، 18- 34؛ 33: 1- 8، 18- 23؛ 34: 1-
5؛ 35: 3- 12؛ 36: 20- 27: 5؛ 38: 1- 16؛ 39: 9- 40: 8؛ 41: 6- 18؛ 42: 2- 14؛ 45:
8- 46: 1؛ 46: 12- 48: 5؛ 49: 7- 22

 

دراسة فى كتاب اليوبيلات

1-
مضمون الكتاب وعنوانه

يقدّم
كتاب اليوبيلات نفسه كخبر وحي كُشف لموسى على جبل سيناء. بعد فصل أول يحدِّث فيه
الربّ موسى مسبقًا بجحود إسرائيل وتوبته، يتّخذ الكتاب شكل خبر يرويه بصيغة
المتكلّم “ملاكُ الحضور”. فهذا الملاك قد أعطاه الله تعليماته ليخبر
موسى بكل شيء “منذ بداية الخلق حتّى بناء المعبد بينهم إلى الأبد” (1:
27). أما مواد الكتاب فتبدأ مع سفر التكوين وتنتهي في خر 20، وهي موزّعة في
كرونولوجيا تقسم الزمن إلى يوبيلات، إلى وحدات، تتألّف كل منها من 49 سنة، أو سبعة
أسابيع من السنين. لا يضمّ الكاتب كل النصوص البيبليّة، بل يتبع خطًا إخباريا في
سفري التكوين والخروج، وينطلق في براهينه من تفاصيل يجدها في النصّ أو يضيفها، مثل
قتال يعقوب وعيسو (37: 1- 38: 14).

وقد
اتّخذ كتاب اليوبيلات أكثر من عنوان في العبري: كتاب تقسيم الأزمنة بيوبيلاتها
وأسابيعها. في اليونانيّة وفي السريانية: اليوبيلات. وقد سمّي التكوين الصغير،
لأنه يبدو كملخّص لسفر التكوين. أما في الحبشيّة فاسمه خبر توزيع أيام الشريعة
وشهادة الزمن.

 

2-
متى دوّن الكتاب ومن دوّنه

منذ
عُرف كتاب اليوبيلات حتى نهاية القرن التاسع عشر، اعتبر العلماء أن هذا الكتاب
دوِّن خلال القرن الأول ق م. وكانت دراسات في القرن العشرين عادت بتأليف يوب إلى
القرن الثاني ق م، في بدايته أو في نصفه. ومنذ اكتشاف مخطوطات البحر الميت، وبينها
أجزاء من هذا الكتاب، اتّخذ البحثُ منحى جديدًا. فقد حدّدت الباليوغرافيا زمن بعض
الأجزاء مثل المغارة الرابعة 16 يوب أ و 17 يوب أ: حوالى القرن الأول ق م. من
الواضح أن الكتاب الذي يعكس تعاليم هامّة في العالم اليهوديّ، قد دُوِّن قبل أن
تتكوّن جماعة قمران. ويُطرح السؤال: متى نفت هذه المجموعة نفسها فابتعدت عن سائر
الشعب؟ هناك شبه إجماع يقول إن هذا تمّ مع رئاسة كهنوت يوناتان (152- 142) أو
سمعان (142- 134). هذا يعني أن يوب دوّنت حوالى 150- 140 ق م. ورأى عدد من العلماء
في يوب تلميحًا إلى الحرب المكابيّة. إن كان هذا الأمر صحيحًا، فلا نستطيع أن نجعل
الكتاب قبل سنة 166. ومع ذلك فقد اعتبر آخرون أن هذه التلميحات تبقى مفتوحة على
تفاسير أخرى، وأن يوب 23 قد لا يشير إلى قرار انطيوخس الرابع الذي منع ممارسة
الشريعة اليهودية (167)، ولا إلى ردّ المكابيين على هذا القرار. بالإضافة إلى ذلك،
قد يشير 4: 19 إلى 1 أخن 83- 90 الذي دوِّن على ما يبدو بعد سنة 164. هذا يعني أن
يوب دوّن بين سنة 170 وسنة 140.

ويُطرح
السؤال الثاني بعد سؤال تاريخ التدوين: من دوّن كتاب اليوبيلات؟

هناك
سبب هام يجعلنا نعتقد بأن يوب قد دوّن بيد الكهنة. فهذا القول ينتج عن طبيعة
الكتاب الذي يشدّد على المواضيع الكهنوتيّة. ويتوقّف عند الأبرار الذين بهم انتقل
التشريع الكهنوتي منذ القديم، ويُبرز وضع لاوي بين أبناء يعقوب.

ردّد
يوب ووسّع مقاطع ربطها الشرّاح بالتقليد الكهنوتي مثل خبر الخلق في تك 1، خبر
الختان في تك 17. كما أضاف عددًا من القطع التي تكشف الاتجاه الكهنوتي لدى الكاتب.
فالكلام عن شريعة السبت في ف 2 (آ 1، 17- 33) وفي ف 50 (آ 6- 13) يشكّل تضمينًا
يحيط بأخبار الكتاب. ويرد موضوع الكلندار المقدس، أو روزنامة الأيام والأعياد: فقد
كُشف لأخنوخ (4: 17-18)، وأُوضحت بعض عناصره عبر أحداث الطوفان (6: 23- 28)، وقد
احتفل الآباء بالأعياد في تاريخها الدقيق. مثلا، عيد الأسابيع (6: 17- 22؛ 15: 1-
2؛ 44: 1- 4؛ رج 22: 1-6)، وعيد المظال (16: 20- 31؛ 32: 4- 7، 27- 29)، وعيد
الفطير أو الخبز بلا خمير (18: 18- 19؛ 49: 22- 23)، وعيد التكفير، يوم كيبور (34:
18- 19)، وعيد الفصح (49: 1- 22 أ).

وتحدّث
الكاتب مرارًا عن الذبائح: قدّم آدم ذبيحة ساعة ترك جنّة عدن (3: 27). وأحرق أخنوخ
البخور على جبل في عدن (4: 25). وكفَّر نوح عن خطايا الأرض (6: 1- 4: رج 7: 3- 5؛
تك 8: 20). وأعطى إبراهيم تعاليم موسَّعة حول تقدمة الذبائح ونوع الحطب المستعمل
فيها (21: 7- 16). وتضّمن وصفُ الاحتفالات بالأعياد، أمورًا حول الذبائح المقدمّة
(15: 1- 2؛ 16: 20- 31).

وبين
الأمور التي اهتمّ بها الكهنة، نذكر تحريم أكل الدم أكثر من مرة (6: 7- 14؛ 7: 31-
32؛ 21: 6، 17- 18؛ رج تك 9: 6). كما نذكر العشور (13: 25- 27؛ 32: 2، 5، 8-15)،
والختان (15: 25- 34؛ 20: 3)، وفصل الأمّة المقدّسة عن الأمم (22: 16- 18؛ 25: 4-
10؛ رج 27: 10؛ 30: 6- 16؛ ق 16: 17- 18؛ 22: 12)، وتجنّب النجاسة والدنس (3: 8-
14؛ 6: 37؛ 7: 20- 21؛ 11: 17؛ 16: 5- 6؛ 20: 3- 7؛ 21: 21- 23؛ 22: 16- 23؛ 23:
14، 17، 21…). في هذا المنظار، لا ندهش إن كان نسل إسحاق قد صار “مملكة
وكهنة وأمّة مقدسة” (16: 18).

هذه
الشرائع الكهنوتيّة وغيرها قد نُقلت كتابة في خطّ رجال أبرار منذ القدم. كان أخنوخ
أول من تعلّم الكتابة (4: 17)، فنقل التعليم إلى متوشالح الذي نقله بدوره إلى
لامك، فتسلّمه نوح (7: 38-39: موضوع البكور وسنة الاعفاء). أعطى نوح إلى ابنه سام
كتابه حول الطبّ (مجال الكهنة) لمحاربة تأثير الأرواح الشريرة (10: 14). بعد ذلك،
تعلّم إبراهيم قراءة كتب آبائه (12: 27؛ رج 21: 10 حيث يُذكر نوح وأخنوخ)، ونقل
التقليد إلى يعقوب (39: 6- 7). وفي النهاية، لاحظ الكاتب أن يعقوب أعطى كل كتبه
وكتب أجداده إلى لاوي “بحيث يحفظها ويجدّدها لأبنائه حتّى هذا اليوم”
(45: 16).

كان
لاوي ثالث أبناء يعقوب، وقد أعطى اسمه لقبيلة اللاويين، وهكذا صار جدَّ كهنة
إسرائيل، حسب التوراة. حتى الآن لم يُقل شيء عن قيامه بوظيفة كهنوتيّة. ومع ذلك
فإن يوب يقول ان الله رسمه كاهنًا، فبدأ الخدمة في هذه الوظيفة في زمن مبكر. في تك
49: 5- 7، انتقد يعقوب لاوي وشمعون لأنهما قتلا أهل شكيم. أما يوب فقد اعتبرهما
بارين لما فعلا، واعتبر أن نسل لاوي قد اختير للكهنوت إلى الأبد على أساس ما فعله
الجد في شكيم (30: 17- 20). وحين أخذ يعقوب ابنيه لاوي ويهوذا ليرى والديه
المسنّين، أمسك إسحاق لاوي (هو أكبر من يهوذا) بيده اليمنى وباركه أولاً (31:
12-17)، وتنبّأ أنه سيكون هو ونسله كهنة وأمراء وقضاة ورؤساء الأمة. هذا يعني أنهم
يعلّمون ويباركون، ويأكلون من مائدة الله. وبعد ذلك، بارك إسحاق يهوذا وأخذه بيده اليسرى
(آ 18- 20). في ف 32، يصوّر يعقوبُ وهو يعدّ أبناءه. بدأ مع بنيامين، فكان لاوي
العاشر: هو حصّة الرب، وقد “ألبسه أبوه اللباس الكهنوتي وملأ يديه” (أي
رسمه) (32: 3). في هذا السياق الذي يتحدّث عن العشور، نقرأ في آ 9 أن لاوي مارس
الكهنوت في بيت إيل، وأن يعقوب قد سلّمه قبل موته كل كتبه وكتب آبائه (45: 16).

هذا
التشديد الكبير على عالم الكهنة، يعكس وظيفة الكاتب (هو كاهن)، كما يعكس مقامُ
لاوي وضعَ رئيس الكهنة في العالم اليهوديّ مع الهيكل الثاني. حين قرأنا المواد
التشريعيّة في يوب لاحظنا أنها لا تتوافق مع تقليد الفريسيين ولا مع تقليد
الصادوقيين، بل تبدو قريبة جدًا من عالم الاسيانيين. هناك الكلندار الشمسي كنقطة
أساسيّة تجمع يوب مع مخطوطات البحر الميت ولا سيّما درج الهيكل. هذا يعني أن كاتب
اليوبيلات انتمى إلى هذه الحركة التي اكتُشفت آثارها سنة 1947 في مغاور قمران.

 

3-
لاهوت كتاب اليوبيلات

ان
الفصل الأول من يوب يجعل أخبار ف 2-50 في سياق جديد، حين يقرأ سفري التكوين
والخروج. فالربّ الذي كشف لموسى ما كان في البدء وما سيصير، كشف خبرًا كاملاً عن
توزيع أيام الشريعة، وشهادة الزمان كله (1: 4)، قد أعلمه أن عليه أن يسجّل الوحي
“في كتاب لكي تستطيع أجيالهم أن ترى أني ما تخلّيت عنهم رغم كل الشرّ الذي
اقترفوه حين تجاوزوا الترتيبات التي أعلنها اليوم بيني وبينك، على جبل سيناء، من
أجل أجيالهم. فحين يحصل لهم كل هذا، يعرفون أني أبرّ منهم في كل أحكامهم وفي كل
أعمالهم ويعرفون حقًا أني كنت معهم” (1: 5- 6).

فالناس
الذين يتوجّه إليهم الكتاب، قد عاشوا بعد موسى بزمن طويل، وهم مقتنعون بأمانة الله
وأهميّة المحافظة على العهد. فبعد جحود إسرائيل في الأرض (1: 7- 8) والسبي الذي
تلا هذا الجحود (1: 13- 14)، أعلم الربّ موسى بأن المنفيّين سيتوبون (1: 15) فيفيض
عليهم نعمه بما فيها بناء المعبد الأبدي بينهم (1: 16- 18). توسّل موسى من أجل
الشعب (1: 19- 21)، ولكن الرب كررّ أنه بعد الاعتراف بالخطايا والتوبة يأتي الزمن
الجديد، الزمن الذي لن يرتدّ فيه أحد عن الربّ (1: 22- 25). فالجيل الآتي، جيل
الكاتب، يتقبَّل هذا التعليم حول أمانة الله وخيانة إسرائيل وقوّة الاعتراف
بالخطايا والتوبة، والطاعة لمتطلّبات العهد. كل هذا يفتح الطريق ليوم جديد من
العلاقة بين الرب وشعبه المقدس.

ونلاحظ
في يوب تعليم الكاتب الاسكاتولوجيّ في إطار الشريعة وإسرائيل في المستقبل.
فإسرائيل الذي تسلّم العهد، ما خضع لمتطلّباته (15: 33- 34؛ 23: 16، 19…). وأعطى
ف 1 وف 23 لمحة سريعة إلى الصعوبات العظيمة التي تصيب الأمّة الجاحدة لأنها تجاوزت
العهد والوصيّة. كما أشارا إلى تبدّل، وإلى طريق يسيرون فيها، فصوّرا عهدًا
مثاليًا جديدًا. وهنا يبدو التشديد على الشريعة واضحًا. وبعد أن صوّر الكاتب
العقوبات التي سيقاسيها إسرائيل (23: 22- 25)، يقول: “في ذلك الزمان، يبدأ
الأولاد بدراسة الشريعة، والبحث عن الوصايا، والعودة إلى سبيل البّر” (23:
26). ومدى الحياة البشريّة الذي قصِّر بسبب الشر، سيطول بحيث يقارب ألف سنة (23:
27- 28). “يُتموّن حياتهم في السلام والفرح. ولن يكون شيطان أو مدمّر شرّير.
بل تكون كل أيامهم أيام بركة وشفاء” (23: 29).

ما
تطلّع الكاتب إلى مسيح، مع أن لاوي ويهوذا ونسلهما هم في قلب اهتماماته (31: 12-
20). وما تطلّع إلى قيامة الموتى. لا يُذكر المسيح أبدًا. وما نقرأه في 23: 30
يجعلنا في حالة اسكاتولوجّية من السعادة. فالكاتب يتحدّث بالأحرى عن موت الأبرار
فيقول: “ترتاح عظامهم في الأرض، ويكون لأرواحهم فرح عظيم” (23: 31).
وقال عن الذين سيحيون في دهر جديد: “تتعلّق نفوسهم بي وبكل وصاياي، فأكون أباهم
ويكونون أبنائي” (1: 24). في ذلك الوقت سيقيم الربّ إلى الأبد مع إسرائيل في
معبده على جبل صهيون (1: 17، 27- 29؛ رج 4: 26).

وتعليم
الكاتب حول مركزيّة الشريعة وأهميّتها من أجل المستقبل، تتيح له أن يجعل أساس
ممارسة الشريعة في زمان أباء سفر التكوين، لا في زمان موسى. مثلاً، مراحل النجاسة
لدى المرأة التي تحبل بصبيّ أو ببنت، قد تأسّست على الزمن الذي قضاه آدم وحواء
خارج الجنّة قبل أن يُدخلهما الربُّ إليها (3: 8- 14؛ رج لا 12: 2- 5). وشريعة
المثل تعود إلى قايين الذي قتل أخاه بحجر، فسقط عليه البيت وقُتل بحجر (4: 31- 32؛
رج خر 21: 24؛ لا 24: 19- 20؛ تث 19: 21). كان نوح أول من احتفل بعيد الأسابيع (6:
17- 22). وتبعه إبراهيم فاحتفل بهذا اليوم المقدّس الذي صار تذكّرًا لعهد نوح
وإبراهيم وموسى (6: 17- 22؛ 15: 1- 2). وعيد المظال (16: 20- 23؛ 32: 4- 9، 27-
29) وعيد الفطير (18: 18- 19) وعيد التكفير (34: 17- 19، يتذكّر عذاب يعقوب حين
علم ب “موت” يوسف)، قد أدخلت في زمن الآباء. والسبب الذي دفع الكاتب إلى
وضع هذه الممارسات قبل وقتها، هو أنه أراد أن يؤثّر على قرّائه بأن هذه الأعمال
الاسيانية من الطاعة للعهد، ليست تجديدات جاءت في زمن متأخّر، بل هي فُرضت منذ
زمان الآباء. لها قوّة القانون بعد أن دوِّنت في اللوحات السماويّة (3: 10، 31؛ 6:
17؛ 15: 25؛ 16: 28- 29…). هي لا تتبدّل. هي لكل زمان. هي أبديّة. بل مورست في
السماء مثل السبت (2: 30) وعيد الأسابيع (6: 18) والختان (15: 27). نحافظ بدقّة
على هذه الفرائض في الزمن الحاضر إذا أردنا أن يتحقّق المثال الذي نتطلع إليه في
المستقبل.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى