كتب

المديح العاشر



المديح العاشر

المديح العاشر

 

مضايق
معلم البرّ،

وثقته
في نموّ “الفرع” وانتصار جماعته

(20)
أمدحك أيها السيّد لأنك ما أهملت اليتيم وما احتقرت المسكين. فقدرتك لا حدود لها،
ومجدك (21) ولا أعظم. والجبابرة المدهشون هم خدّام لك. وفي الكُناسة وضعتُ قدمي،
وسط المتأهبّين (22) للبرّ لأصعد من الضجّة جميع المساكين الذين هم موضوع نعمتك.

وأنا
كنت عرضة لتهجّمات أعدائي وموضع خصام (23) وخلاف لرفاقي، وموضوع حسد وغضب للداخلين
في عهدي، وموضوع تذمّر وانتقاد لجميع الذين جمعتُهم. وجميع الذين أكلوا خبزي (24)
رفعوا عليّ العقب. وقال السوء عني بشفة آثمة، جميعُ الذين التأموا في جماعتي. وأهل
مشورتي (25) تمرّدوا حولي. والسرّ الذي أخفيته فيّ ذهبوا يفترون عليه لدى أهل
الشرّ. ولكي تمجّد طريقي، وبسبب (26) ذنوبي، ستَرت ينبوع العقل وسرّ الحقّ.

أما
هم، فقلبهم كان سوءاً. تصوّروا مخطّطات بليعال، وفتحوا (27) ألسنة الخداع كسمّ
الحيّات الذي ينبت كالشوك. وكالزواحف في التراب رموا كسهام الهاوية سمّ الأفاعي
(28) التي لا يؤثّر فيها الحاوي، وصار هذا عذاباً لا شفاء منه وجرحاً خبيثاً في
أعضاء عبدك بحيث تزعزع الروح وتلاشت (29) القوّة فما عاد يستطيع الوقوف.

وأدركوني
في مضيق لا ملجأ فيه، ولم يكن لي موضع راحة حين طاردوني. وأنشدوا (30) على الكنارة
دعواي وعلى القيثارة تذمّراتهم في جوقة واحدة. وسيطر الخراب والدمار، وحلّ بي
الرعب وعذاب شبيه بعذاب (31) التي تلد. وارتعش قلبي فيّ. لبستُ السواد والتصق
لساني بحنكي لأن قلبهم امتلأ جهالة، ورغبتهم (32) ظهرت لتملأني مرارة. ونور وجهي
أظلم في ليل داكن. وبريقي تحوّل إلى سواد. أما أنت يا إلهي (33) فقد فتحتَ فسحة في
قلبي. وزادوا أيضاً على ضيقي: سجنوني في الظلمات، وأكلت خبز النواح، وشرابي كان في
دموع لا نهاية لها. فإن عينيّ أظلمتا بسبب الغمّ وغرقت نفسي في مرارة يوميّة.
الخوف والحزن (35) أحاطا بي، والعار غطّى وجهي. وتحوّل خبزي لي نزاعاً، وشرابي
خصومة دخلت في عظامي (36) لتقلب الروح وتتلف العزم. وبحسب أسرار الخطيئة حوّلوا
أعمال الله بذنوبهم.

لقد
قُيّدتُ بحبال (37) لا تنقطع وبسلاسل لا تتحطّم. وسجنني سورٌ متين مع مصاريع من
حديد وأبواب من نحاس (38). وشابه سجني الهوة التي لا غور لها (39)، وقيود بليعال
شدّت على نفسي فما استطاعت أن تفلت…

6…
(2) اكتأب قلبي بسبب التجديف… (3) في شقاء عظيم ودمار لا حدود له…

أما
أ،ت يا إلهي (4) فقد كشفت اذني لتعليم الذين يوّبخون بالبرّ، ونجّيتني (5) من حلقة
الباكل وجماعة العنف، وأدخلتني إلى مجلس القداسة… (6) وعرفتُ أن هناك أملاً
للذين يرتدّون عن معصيتهم ويتخلّون عن الخطيئة.. سائرين (7) في طريق قلبك بدون
التواء.

وتعزّيتُ
عن زمجرة الشعب وضجيج الممالك حين اجتمعتْ، لأني أعرف أنك (8) ترفع بعد قليل أحياء
شعبك وبقيّة ميراثك بعد أن نقيّتهم فتنقّوا من كل ذنب. فجميع (9) أعمالهم هي في
حقك، وبالنظر إلى نعمتك تدينهم برحمة عظيمة ومغفرة وافرة. وبحسب أقوال فمك تعلّمهم
(10)، وبحسب استقامة حقّك تجلسهم في مجلسك لمجدك. لأجلك خلقتني لكي أتمّ الشريعة
وأعلّم بفمي (11) أهل مجلسك وسط بني البشر لكي يخبروا أجيال الأبد بعجائبك
ويتأمّلوا في جبروتك (12) بلا انقطاع. فتعرف جميع الأمم حقّك وكل الشعوب مجدك.
لأنك أدخلتهم في عهد مجدك (13) لدى كل أهل مجلسك وفي قسمة يشاركون فيها ملائكة الوجه.
فلا يعامل أحد أبنائك بوقاحة… (14)… وهم يتوبون بيدك المجيدة ويكونون أمراء في
قسمة النور.

وأخرجتَ
(15) نبتة كالزهرة التي تزهر إلى الأبد لتنمي الفرع من أجل أغصان الغرس الأبدي.
ويمدّ الفرع ظلّه على كل الأرض ورأسه (16) يرتفع حتى السماء وتنزل جذوره حتى
اللجج، وجميع أنهار عدن تروي أغصانه فيصبح غابة (17) عظيمة، ومجدُ غايته يمتدّ بلا
حدود على العالم وحتى الجحيم إلى الأبد، ويكون ينبوع نور كعين (18) أبدية لا تنضب.
بلهيبها البرّاق يحترق كل أبناء الظلمة، ونارُها تأكل كل أهل (19) الشرّ حتى
فنائهم.

والذين
انضمّوا إلى شهادتي أغواهم مخترعو الكذب فما ثابروا على خدمة البرّ. (20) وأ،ت يا
الله أمرتهم بأن يطلبوا البرّ خارج طرقهم وفي طريق قداستك حيث الخلاص وحيث الاقلف
والنجس والسارق (21) لا يعبرون. ولكنهم يترنّحون خارج طريق قلبك ويسقطون فريسة
الشقاء. وبليعال، كمشير لهم (22) هو مع قلبهم. وبحسب قصد الكفر يتنجّسون بالخطيئة.

وأنا
كنت كبخّار على سفينة: في هيجان (23) البحار أمواجهم، وجميع مياههم المرتفعة هدرت
عليّ. نفخت ريح دوار وما من فسحة تعيد النفس ولا (24) سبيل يوجّه الطريق على وجه
المياه. ودوّنت اللجة بكآبتي، ونزلت نفسي إلى أبواب الموت.

وكنتُ
(25) كمن دخل إلى مدينة حصينة، كمن اعتصم وراء سور منيع بانتظار النجاة. واستندتُ
إلى حقّك يا إلهي. فأنت (26) تضع الاساس على الصخر والخشب، على حبل البرّ ومطمار
الحق، لكي ترى الحجارة المختبرة لبناء بيت (27) متين لا يزعزعه شيء ولا يتعثّر من
يدخل إليه.

لا
يدخله غريب. وتكون أبوابه محميّة فلا (28) يدخلها أحد، ومصاريعه متينة فلا يحطّمها
أحد. لا تدخلها زمرة بأسلحة حربها إلى أن يتمّ كل المرسوم (39) المتعلّق بحروب
الكفر.

حينئذ
ينحدر سيف الله في وقت الدينونة، وكل أبناء الحق يستيقظون ليدمّروا (30) الكفر فلا
يعود لأبناء الاثم من وجود، والجبّار يشدّ قوسه ويرفع الحصار ويدعوهم (31) إلى
الرحب الواسع، فتُخرج أبوابُ الأبد سلاح الحرب. يكونون أقوياء من أقصى الأرض إلى
أقصاها ويقاتلون (32) صدّهم. ولا نجاة لجانب الشرّ. حتى الفناء يدوسونهم بالأرجل
فلا تبقى بقيّة. ولا أمل لكثرة الفرسان (33) ولا ملجأ لجبابرة القتال.

فلله
العليّ القتال… (34) والذين رقدوا في التراب نصبوا سارية، وأهل الدود رفعوا
راية…

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى