علم

عزازيل التيس المرسل إلى البرية



عزازيل التيس المرسل إلى البرية

عزازيل
التيس المرسل إلى البرية

كيرلس
الأسكندرى

من
رسائل القديس كيرلس الكبير الرسالة 41

نسخة
من الرسالة التي كتبها القديس كيرلس إلى أكاكيوس عن التيس المرسل (إلى البرية).

 

1-
سررت كثيراً جداً بإستلام الرسائل المرسلة من قداستكم أخيراً وتعلقت بها وقبلّتها.
ويبدو أنك لست بعيداً عن إدراك ما قد وصلت أنا إليه. وإن مرسلات الرجال المخلصين
لها الكفاية أن تثمر مثل هذا الفكر. هذه هي مشاعري في هذه اللحظة. وأنا مقتنع
تماماً أن أفكار تقواكم ليست مختلفة عن أفكاري. ويلزم أن أقول هذا، حيث أنك قد
تفضلت لتطلب مني أن أعطي حديثاً حول” التيس المرسل”. وذلك لكيما يتضح
السر الخاص به.

 

2-
وحيث إن حكمتكم تملك إستعداداً ذهنياً للتعلم، ولك معرفة جيدة بالكتب المقدسة،
وتملك فهماً جديراً بالإحترام، فربما يكون أمراً غير ضروري أن يذكر أي شيء بواسطة
شيء بواسطة شخص آخر عن هذه الأمور التي يجرى بحثها. وحيث إنني عندما أقول ما يرد
على ذهني، لا يسبب هذا مشكلة، لذلك فقد كتبت إليك، لأنه ليس من الممكن أن أرفض
التكليف. ولكن إن حدث أن خانني التوفيق في الوصول إلى الدقة التي كنت أقصدها، فكن
متسامحاً. فالأشياء التي يصعب على العقل التأمل فيها، وإنما يصعب على توضيحها،
وليس من السهل إدراكها.

 

ومع
ذلك فلنا رجاء ليس ببعيد أن يوجهني المسيح بصلوات تقواكم في هذا الأمر أيضاً، وهو
الذي “يكشف العمائق من الظلام” (أي12: 22س)، و”يعطي الحكمة
للعميان” (مز145: 8س)، “ويعطي كلمة” (مز67: 11س) كما هو مكتوب.

 

3-
وهكذا فقد كتب في اللاويين عن التيس المرسل: “ويأخذ تيسين من المعز”
(لا16: 5) “ويوقفمها أمام الرب لدى باب خيمة الشهادة، ويلقي هرون قرعة ليحدد
ايهما للرب، وايهما “للمرسل” (لعزازيل) “.(لا16: 7،8) “والتيس
الذي تخرج عليه القرعة للرب يعمله ذبيحة خطية، أما التيس الذي تخرج عليه القرعة
للمرسل (عزازيل)، يوقفه حياً أمام الرب، ليكفر عنه بإرساله إلى البرية” (لا16:
9). وبعد أمور أخرى يذكر: ” ثم يذبح تيس الخطية الذي للشعب أمام الرب، ويدخل
بدمه إلى داخل الحجاب. ويفعل بدمه كما فعل بدم الثور وينضحه على الغطاء وقدام
الغطاء، فيكفر عن القدس من نجاسات بني إسرائيل ومن سيئاتهم مع كل خطاياهم. وهكذا
يفعل لخيمة الشهادة المنصوبة في وسط نجاساتهم” (لا16: 15،‍16).

 

وهذه
الأمور الخاصة بالتيس المذبوح وتقديس الخيمة المقدسة بدمه. وفيما يخص التيس الحي،
والتيس المرسل يتكلم الكتاب هكذا: “ويقدم التيس الحي. ويضع هرون يديه على رأس
التيس الحي ويقر عليه بكل ذنوب بني إسرائيل وكل سيئاتهم مع كل خطاياهم ويجعلها على
راس التيس الحي ويرسله بيد يلاقيه إلى البرية. ليحمل التيس عليه كل ذنوبهم إلى أرض
وقفرة قيطلق التيس في البرية” (لا16: 20،21) “كل الكتاب موحى به من الله
ونافع” (2تي3: 16). فأي كلام ينطق به الله انما يؤدي إلى خلاص من جميع الوجوه.
وبالنسبة لأولئك الذين يدركون قوة الحق، فإن جمال الحق يأتي إليهم كالنور ويشرق
على أذهانهم بمعرفة السر الخاص بالمسيح.

 

4-
أما أولئك الذين ليس لهم ذهن مرتباً حسناً، ولكنهم كما لو كانوا يعرجون ويلعبون
مثل الأطفال، فالأمور المختارة للتفكير تكون عندهم موضع إزدراء وأحياناً موضع
إتهام. وأقول هذه الأمور بخصوص كتابات تقواكم التي قوبلت بالتساؤلات. لأنه ربما
بعض أولئك قد فكروا أن الأول من التيسين مخصص لله – لأنه هو فوق الكل -كتكريس
وذبيحة، بينما الآخر مرسل إلى البرية وإلى شيطان شرير ونجس، وذلك بيد كاهن وبواسطة
وحي شرعي. لذلك، فمن هذه النقطة، فإن الأمر يعتبر غباء ومثيراً للضحك. ويمكن أن
نقول لأولئك الذين قبلوا الأمر على أنه هو هكذا، وكيف أنه لم يكن ضرورياً أن نتأمل
فيه أكثر من ذلك، لأنه كيف يكون الذي هو خالق كل الأشياء، والذي يعلو على كل فكر
وكلام، والذي هو وحده إله ورب الطبيعة، يقبل المتمرد، أي الشيطان، كما لو كان
شريكاً في سلطانه ومجده؟ ونحن قد سمعناه يقول بوضوح بواسطة أحد الأنبياء القديسين:
” مجدي لا أعطيه لآخر” (أش42: 8). ولكن إن كان الناموس قد أوصى بواسطة
موسى الكلي الحكمة، أن كل من يريد أن يقدم ذبيحة، فمن الضروري أن يقدم الذبيحة له
وله وحده فإن كان هو الذي أعلن الناموس قد أخبر أنه من الضروري أن المجد اللائق به،
وبه وحده يعطي للارواح النجسة، فكيف لا يكون مناقضاً لكلماته نفسها، لأن ما أوصاهم
أن لا يفعلوه، قد أمر أنه ينبغي أن يفعل.

5-
ولكن من الأمور الغريبة جداً، أن يفكر أحد أن الله الذي يمارس سلطانه على الكل، لا
يبالي بالكرامة والمجد، واللذين يحقان له ويريد أن يلبسهما لآخرين، رغم أنه يقول
بوضوح، بواسطة موسى: ” للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد” (متى4: ‍10)، وتث6:
13)، وايضاً يقول” لا يكن لك آلهة أخرى سواي” (خر20: 3). ولهذا السبب،
فإن موسى الموحى إليه من الله، تصرف بما يتفق مع الأحكام المعطاة من فوق من الله،
ويقول لأولئك الذين من دم إسرائيل: “هذه هي الفرائض والأحكام التي تحفظون
لتعلموها في الأرض التي أعطاك الرب إله آبائك لتمتلكها كل الأيام التي تحيون على
الأرض. تخربون جميع الأماكن حيث عبدت الأمم التي يرثونها، آلهتها على الجبال
الشامخة وعلى التلال وتحت شجرة خضراء. وتهدمون مذابحهم، وتكسرون أنصابهم وتحرقون
سواريهم بالنار، وتقطعون تماثيل آلهتهم وتمحون إسمهم من ذلك المكان” (تث12: 1-3).

 

6-
إذن كيف يمكن أن ذلك الذي يعطي الأوامر بالإنتقال من ضلال اليونانيين (الأمميين)
إلى نور الحق بواسطة موسى، وأن يحرقوا الأوثان لتصير رماداً مع معابدها، ويهدموا
مذابحها، ويكسروا أنصابها حتى لا تبقى بقية من شرورهم، فكيف يشركهم في مجده كما سبق
أن قلت، ويصل إلى درجة أن يأمر الأسرائيليين بأن يقدموا لهم نفس الحيوانات المخصصة
له كفعل عبادة، بأن يرسلوا أحد التيسين إلى البرية؟ إنه أدان إسرائيل بشدة، لأنهم
صنعوا عجلاً في البرية قائلاً لموسى، إذهب، إنزل، لأنه قد فسد شعبك الذي أصعدته من
أرض مصر، زاغوا سريعاً عن الطريق الذي أوصيتهم به، صنعوا لهم عجلاً” (خر32: 7،8).
ونراه أيضاً وقد أوقع قصاصاً مراً على أولئك الذين إشتركوا في تقديم الذبيحة إلى
بعل فغور، حينما تورطوا مع النساء الموآبيات، وإنجذبوا بجمال أجسادهن إلى الإرتداد،
فقد كان عدد الذين هلكوا منهم بسبب هذه الجريمة، عدداً كبيراً (أنظر عد25: 1،9).
ولكنه يصير لوماً موجهاً للمشيئة الإلهية غير الملومة، إن سقط البعض وهلكوا منهم
بسبب عبادة آلهة أخرى، هذا من ناحية. بينما أن الله نفسه الذي غضب على المتمردين،
يكون قد أمر أن القوة الرديئة المضادة له، تحسب مستحقة للتقدمات، تلك القوة التي
ربما البعض قد لا يبصرون قوة الكتب المقدسة – ولكننا عمى عيون أذهانهم الدخلية –
ويدعونها “التيس المرسل”. ولكننا إذ نسلم أذهاننا للوحي، لا بإهمال أو
بكسل، بل بدقة ويقظة بأقصى ما يستطاع، فإننا نكون غيورين جداً نحو إصطياد الجمال
العجيب الذي للحق.

 

7-
وبالتأكيد نقول إن إله الكل بإعطائه الشريعة للأقدمين بواسطة موسى، لأجل طرح ضلال
الشرك جانباً، ولأجل إنارة أولئك الذين في الظلمة لا يمكن أن يحتمل بالمرة أن يكون
طريقاً وباباً أو بالحري معلماً للحاجة إلى تكريم الشياطين النجسين. ولكن بالتفكير
العميق فيما تحوية الكتب المقدسة سنكتشف الحقيقة الخفية وسيكون من الواجب حينما
ننظر في ظلال الناموس أن نسأل منّ من الأنبياء القديسين الذي قال بحق: “من هو
حكيم حتى يفهم هذه الأمور، وفهيم حتى يعرفها.” (هو14: 9). وكما هو مكتوب
“لأن الناموس إذ له ظل الخيرات العتيدة لا نفس صورة الأشياء ” (عب10: 1).
ومع ذلك فإن الظلال تحمل الحق، وإن كانت ليست هي نفسها الحق على الإطلاق. وبسبب
هذا فإن موسى الموحى إليه من الله وضع برقعاً على وجهه وهكذا تكلم لبني إسرائيل،
مبيناً بهذا العمل أن الشخص يمكن أن يرى جمال الكلمات تنطق بواسطته لا بأشكال
ظاهرة من الخارج بل بتأملات خفية في الداخل.

 

8-
لذلك تعالوا بنا ننزع برقع الناموس ونجعل وجه موسى مكشوفاً بدون أغطية ولننظر
الحقيقة العارية. لأنه أمر بإحضار تيسين وتلقي عليهما قرعتان، حتى أن أحد التيسين
يدعى “الرب” والآخر يدعى “التيس المرسل”. وبناء على ذلك فإن
إسمي التيسين هما “رب”و “تيس مرسل”. وبواسطة كليهما يشار إلى
واحد الإبن الوحيد الرب يسوع المسيح. وبحرصنا على التدقيق في التفكير باقصى ما
يستطاع، فإننا سنخبر كيف يكون الأمر هكذا. وعليه فإن التيس أو ذكر الماعز، كان هو
ذبيحة خطية بحسب أمر الناموس. لأن الكتاب الموحى به من الله، في مواضع كثيرة يشير
بالخراف إلى الأبرار، أما محب الشر فيشير إليه بالتيس. وما هو السبب في ذلك؟ لأن
الإنسان البار مملوء بمجد كل فضيلة ولهذا فمن المناسب أن يعتبر مثمراً. والخراف
تحمل الصوف ولهذا السبب يشبه الرجل البار بالخروف، وهذا لائق جداً. ولكن الواحد
منا يرى نفس الخاطئ أنها عارية وعقيمة ومعدمة من كل الأعمال الصالحة. لذلك فالتيس
مثال لتلك النفس لأن هذا الحيوان غير منتج وقيمته أقل من الخروف. لهذا السبب أيضاً
يقول ربنا يسوع المسيح: ” حينما يجلس إبن الإنسان على كرسي مجده، يقيم الخراف
عن يمينه والجداء عن يساره” (متى25: 31-32). فيعطي لأولئك الذين عن يمينه –
حيث أن لهم ثمار البر – الملكوت المعد لهم، أما أولئك الذين عن يساره فالنار
والعذاب الأبدي – ويعاقبهم بالعقوبات المعدة لإبليس.

 

9-
وبناء على ذلك فالتيس (ذكر الماعز) قد قدم ذبيحة خطية وهذا سوف تفهمه، حيث أن
الناموس يقول بوضوح: “إذا أخطأ رئيس وعمل بسهو واحد من جميع مناهي الرب التي
لا ينبغي عملها وأثم، ثم أُعلِم بخطيته التي أخطأ بها، يأتي بقربانه تيساً من
المعز ذكراً صحيحاً” (لا4: 22،23). وفي موضع آخر يقول إله الكل نفسه عن أولئك
الذين أعطي لهم الكهنوت بحسب الشريعة: “يأكلون خطايا شعبي” (هو4: 8)، أي
يأكلون ذبائح الخطايا. لأن قسم ونصيب الكهنة هو النصيب الذي يحق للرب بحسب المكتوب
(أنظر تث18: 1،3).

 

10-
لهذا صار المسيح”ذبيحة عن خطايانا حسب الكتب المقدسة”(أنظر 1كو15: 3)
ولهذا السبب نقول أنه دعى خطية، وهكذا يكتب بولس الحكيم جداً: ” لأنه جعل
الذي لم يعرف خطية، خطية لأجلنا”(2كو5: 21)، والمقصود هنا هو الآب (فهو الذي
جعله خطية). لأننا لا نقول أن المسيح صار خاطئاً حاشا – بل لكونه باراً، وبالحري
هو البر نفسه، لأنه لم يعرف خطية، فالآب جعله ذبيحة عن خطايا العالم. “لقد
أحصي مع الأثمة” (إش53: 12) وقد إحتمل الدينونة الأكثر مناسبة الأثمة.
وإشعياء النبي الملهم من الله يصدق على هذا أيضاً قائلاً “كلنا كغنم ضللنا
ملنا كل واحد إلى طريقه والرب وضع عليه آثام جميعنا” (إش53: 6). “لأجلنا
إحتمل الآلام”…وبجلدته شفينا” (إش53: 4،5). ويكتب بطرس الحكيم جداً
قائلاً: “الذي حمل خطايانا في جسده على خشبة” (1بط2: 24).

 

11-
لذلك نصيب معاناة الموت كان أمراً معلقاً على هؤلاء الذين على الأرض بسبب التعدي
في آدم وبسبب الخطية التي سقطت منذ آدم حتى وقتنا. ولكن كلمة الله الآب، إذ هو غني
في لطفه ومحبته للبشر صار جسداً، أي إنساناً، مشابهاً لنا نحن الذين تحت الخطية
وقد إحتمل نصيبنا كما يكتب بولس الفائق جداً: ” ذاق بنعمة الله الموت لأجل
الجميع” (عب2: 9). وجعل حياته على سبيل المبادلة عن حياة الكل، فقد مات واحد
عن الجميع لكي يعيش الجميع لله مقدسين ومحيين وحاصلين على الحياة بدمه (أنظر رو5: 12،13).
“متبررين مجاناً بنعمته” (رو3: 24). كما يقول البشير المطوب يوحنا: “دم
يسوع المسيح يطهرنا من كل خطية” (1يو: 7).

 

12-
لذلك فإن إسم التيس المذبوح هو “رب”، وقبل الذبح نصيباً له. وهذه ذبيحة
مقدسة. وكانت مقدسة كمثال للمسيح الذي لن يمت عن نفسه بل عنا، وكما قلت، فقد قدس
الكنيسة بدمه. ثم يقول موسى: “ثم يذبح التيس الواحد للخطية والواحد للشعب
أمام الرب، ويدخل بدمه داخل الحجاب، ويرش دمه على مكان الكفارة، وأمام مكان
الكفارة فيكفر عن القدس من نجاسات بني إسرائيل ومن سيئاتهم مع كل خطاياهم. وهكذا
يفعل لخيمة الشهادة القائمة بينهم في وسط نجاساتهم” (لا16: 15،16س).لأن
المسيح دخل إلى قدس الأقداس ليس بدم تيوس وعجول بل بدم نفسه…فوجد فداء أبدياً
(عب9: 12). وكما قلت، يقدس المسكن الذي هو أكثر حقيقة، أي الكنيسة وكل الذين فيها.
لذلك يكتب بولس بوحي إلهي قائلاً: “لذلك يسوع أيضاً لكي يقدس الشعب بدم نفسه
تألم خارج الباب” (عب13: 12). ومرة أخرى يقول: “فكونوا متمثلين بالله
كأولاد أحباء وإسلكوا في المحبة كما أحبنا المسيح أيضاً وأسلم نفسه لأجلنا قرباناً
وذبيحة لله رائحة طيبة ” (أف5: 1،2) فلا ينبغي أن نرى في التيس المذبوح سوى
عمانوئيل محطماً الموت والخطية بواسطة موته في الجسد، لأنه كان حراً بين
الأموات”(مز87: 5س)، أي غير مدنس بخطايا وليس مذنباً معنا بما يستحق حكم
الموت.

 

13-
فلنره في التيس الآخر الحي المرسل، ففي تألمه نراه كإنسان وفي عدم تألمه نراه كإله.
وأيضاً نراه في موته بالجسد، ولكنه أعظم من الموت. وأيضاً (نراه) في عدم بقائه في
القبر مثلنا حسب تصور جنون اليهود، وفي عدم إمساك أبواب الهاوية به مع بقية
الأموات كما قال تلميذه: “لأنك لن تترك نفسي في الهاوية ولا تدع قدوسك يرى
فساداً” (أع2: 27،ومز15: 10)، لأنه قام محطماً الهاوية “وقائلاً للأسرى
أخرجوا وللذين في الظلام أظهروا”(إش49: 9). وصعد إلى أبيه فوق في السماء إلى
الموضع الذي لا يمكن للبشر الدخول إليه، إذ أخذ على نفسه خطايانا وصار كفارة عنها.
ولذلك يكتب يوحنا للمؤمنين بوحي إلهى قائلاً: ” يا أولادي أكتب هذا لكي لا
تخطئوا. وإن أخطأ أحد فلنا شفيع عند الآب يسوع المسيح البار وهو كفارة لخطايانا.

 

ليس
لخطايانا فقط بل لخطايا كل العالم أيضاً” (1يو2: 1،2).

 

14-
ولكني اظن أنه ينبغي أن أقارن بين نصوص الكتب المقدسة لتذكير سامعي. والكتب تقول
ما يلي: ” ويقدم التيس الحي ويضع هارون يديه على رأس التيس الحي ويقر عليه
بكل ذنوب بني إسرائيل وكل سيئاتهم مع كل خطاياهم ويجعلها على رأس التيس الحي
ويرسله بيد إنسان مستعد إلى البرية ” (لا16: 20-22س).

 

لذلك
لاحظوا كيف يدعو التيس الثاني بالتيس الأول الحي، في حين أن التيس الأول هو الذي
ذبح. فكما قلت إن الإبن الواحد والوحيد الرب يسوع المسيح يشار إليه في الأثنين
معاً كمتألم في جسده الخاص وخارج الألم، كما في الموت وكما فوق الوت. لأن كلمة
الله كان حياً رغم أن جسده المقدس ذاق الموت، وكلمة الله ظل غير متألم، رغم أنه
جعل آلام جسده خاصة به ونسبها إلى نفسه.

 

15-
ولعل المرء يرى أن هذا سر عميق وعظيم وهو مدون لنا بطريقة أخرى في سفر اللاويين.
لأن الناموس يعلن بواسطة موسى أن الأبرص قد صار دنساً، وقد أمر أن يرسل بعيداً عن
المحلة كجنس. لكن لو حدث أن مرضه قد برئ تماماً، فعندئذ يأمر بأن يُقبل. وأضاف
قائلاً:

 

“هذه
تكون شريعة الأبرص يوم طهره. يؤتي به إلى الكاهن ويخرج الكاهن إلى خارج المحلة فأن
رأي الكاهن وإذا ضربة البرص قد برئت من الأبرص، يأمر أن يؤخذ للمتطهر عصفوران حيان
طاهران.. ويأمر الكاهن أن يذبح العصفور الواحد في إناء خزف على ماء حي. أما العصفور
الحي فيغمسه في دم العصفور المذبوح على الماء الحي.

 

وينضح
على المتطهر من البرص سبع مرات فيطهره ثم يطلق العصفور الحي على وجه الصحراء”.
(لا14: 2-7). لذلك يوجد عصفوران نقيان. أي طاهران وبلا عيب، بحسب الشريعة. واحد
يذبح على ماء حي، أما الآخر فيظل غير مذبوح ويغطس في دم العصفور المذبوح وفي ماء
حي، ويرسل بنفس الطريقة التي أرسل بها التيس إلى البرية.

 

16-
وفي هذا مثال لنا يمكن أن يشار إليه، وأيضاً السر العظيم والجليل الذي لمخلصنا.
لأنه هو من فوق أي من أبيه، وهو الكلمة من السماء، وفي هذا هو يشّبه بحق، بالعصفور.
وهو بالتدبير صار بيننا في شبهنا ” وأخذ صورة عبد” (في2: 6،7). ومع ذلك
فهو من فوق. وهو قال بوضوح مخاطباً اليهود: “أنتم من أسفل أما أنا فمن فوق.
أنا لست من هذا العالم” (يو8: 23). وأيضاً قال: ” ليس أحد صعد إلى
السماء الذي نزل من السماء إبن الإنسان” (يو3: 13).

 

وكما
قلت حالاً أن حتى بعد أن صار جسداً أي إنساناً كاملاً، فهو لم يكن من الأرض أو من
التراب مثلنا بل نراه سماوي وفوق العالم، مثلما يُدَرك الله. ومع ذلك فمن، الممكن
أن نراه في العصفوران كما في التيسين، متألماً بجسده حسب الكتب، ولكنه أيضاً ظل
بعيداً عن الآلم، وهو مائت كإنسان ولكنه حي كإله، لأن الكلمة هو الحياة (أنظر يو1:
4). وتلميذه الكلي الحكمة قال: ” مماتاً في الجسد ولكنه محيي في الروح”
(1بط3: 18).

 

17-
ومع ذلك فحتى وإن ذاق الموت في طبيعته الخاصة فإن الكلمة لا يشترك في الموت بل نسب
لذاته آلام جسده الخاص كما سبق أن قلت. لأن العصفور الحي غُمس في دم العصفور
المذبوح، ولأنه إصطبغ بدمه فكما لو أنه شارك في آلامه وأرسل إلى البرية. وكلمة
الله الوحيد الجنس صعد إلى السموات بجسده المتحد به. وكان هذا منظراً غريباً في
السموات. وجمهور الملائكة القديسين تعجبوا حينما رأوا ملك المجد ورب القوات مثلنا
في الهيئة وقالوا: ” من هو هذا الآتي من آدوم (أي من الأرض) بثياب حمر من
بوصور” (إش63: 1) ولكن “بوصور” تترجم جسد أي ألم مبرح وضيق. عندئذ
سألوه: ” ما هذه الجروح في وسط يديك” فأجابهم: ” هي التي جرحت بها
في بيت أحبائي” (زك13: 6س).

 

كما
أنه أظهر يديه لتوما الذي شك وفيها علامات المسامير وأمر توما أن يلمس الفتحة في
جنبه وذلك بعد القيامة من الأموات تماماً حسب تدبير الخلاص، هكذا أيضاً فبعد أن
صار في السماء عّرف الملائكة القديسين أن إسرائيل المحبوب قد طرد خارجاً بعدل،
وفقد صداقة الملائكة كلية ولهذا السبب أراهم ثيابه مصبوغة بالدم، والجروح في يديه
لا بسبب أن جروحه غير قابلة للزوال، لأنه حينما قام من الأموات، فقد أبطل الفساد
ومعه كل ما هو من الفساد ولكن كما قلت: ” لكي تُعّرف تدبيراً الآن عند
الرؤساء والسلاطين في السمويات، وحكمة الله المتنوعة حسب قصد الدهور الذي صنعه في
المسيح” (أنظر أف3: 10،11). لأن بولس الأكثر في القداسة هكذا يكتب للبعض.
لذلك كما أن سر المسيح يشار إليه بحكمة في التيسين، هكذا يشار إليه أيضاً في
العصفورين.

 

18-
ولكن ربما يقول أحد: كيف إذن تقول أن الإبن والرب يسوع المسيح هو واحد وهو نفسه،
رغم أنه قد ذُكر تيسان وعصفوران؟ ألا يبين الناموس بدون غموض وبلا شك أنه يوجد
إبنان ومسيحان بطريقة ما كلية. والبعض قد إنحدروا إلى درجة من عدم التقوى حتى
يفكروا ويقولوا أن كلمة الله الآب هو مسيح واحد على حدة، والآخر هو من نسل داود،
ولكننا نقول لهؤلاء الذين يفكرون بمثل هذا الأفكار أن تفكيرهم هذا ناتج عن جهل.
وبولس الملهم من الله يكتب: ” رب واحد إيمان واحد معمودية واحدة” (أف4: 5).
فإن قالوا إبنان فيكون هنالك ربان وإيمانان ومعموديتان.

 

19-
فهل بولس الذي كان المسيح يتكلم فيه كما قال هو نفسه كان يرى أكاذيب!! على أن
الأمر ليس هكذا، حاشا! لذلك فهناك رب واحد ومعمودية واحدة. لأننا نؤمن برب واحد
يسوع المسيح أي كلمة الله الوحيد المتأنس والمتجسد. وبسبب هذا “إعتمدنا
بموته” (رو6: 3). ونحن نعرف أنه هو وحده رب وإله غير مقسمين إياه إلى إله
وإنسان، بل كما قلت، نؤكد أن كلمة الله الآب نفسه صار إنساناً مع يقائه إلهاً،
لأنه غير متغير وغير متحول بحسب طبيعته.

 

20-
إذن فان كان هؤلاء المضادون يقولون أنه يوجد إبنان، أحدهما على حدة من نسل داود،
والآخر على حدة، الكلمة الذي من الله الآب، دعهم يبيّنون هل الكلمة الذي من الله
الآب هو أفضل من جهة الطبيعة عن ذلك الذي هو من نسل داود أم لا، وكذلك من جهة
الإختلافات التي لا تقارن؟. لأن ما هي طبيعة الإنسان بالمقارنة بالطبيعة الإلهية
الفائقة جداً؟ ولكني أظن أنهم سيقولون – رغم أنهم لم يقولوا – أن الكلمة الذي من
الله الآب هو افضل بالطبيعة.

 

إذن
فماذا نفعل نحن ونرى أن التيسين ليسا من طبيعتين مختلفتين إحداهما عن الأخرى، بل
بالحري من نفس من النوع، ولا يختلفان من جهة الطبيعة أحدهما عن الآخر. ونفس ما
قلناه سينطبق أيضاً في حالة العصفورين. وحيث أن التيسين من نفس النوع وكذلك أيضاً
العصفورين، لذلك يجب أن يسلّموا بأن كلمة الله ليس مختلفاً عن الإنسان. ولكنهم لن
يوافقوا، كما أظن، على مثل هذا القول، لأنه يوجد فرق عظيم جداً بين الألوهية
والبشرية.

21-
وينبغي أن تفهم الأمثلة بحسب الشرح الذي يلائمها لأن الأمثلة هي أقل بكثير من
الحقائق وهي مؤشرات جزئية للأمور التي تشير إليها. ولكننا نقول أن الناموس كان
ظلاً ومثالاً وهو مثل صورة موضوعة لكي يراها أولئك الذين يلاحظون الأشياء الحقيقية.
ولكن الخطوط الظلية في اللوحات الفنية هي العناصر الأولى في تكوين الصور، وعندما
يضاف بريق الألوان إلى هذه الظلال حينئذ يضيئ جمال الصورة. لذلك كان من الملائم أن
الناموس المعطي بواسطة موسى – وهو يقصد أن يرسم بوضوح سر المسيح – ما كان ينبغي أن
يقدم سر المسيح بواسطة واحد من التيسين أو واحد من العصفورين يموت ويحيا في نفس
الوقت، لكي لا يبدو هذا العمل المعجزي كأنه إستعراض مسرحي. ولكنه يشير بواحد منهما
إلى معاناة ذبحه، ويقدمه في الآخر حياً وقد أطلق حراً.

 

22-
ولكي أوضح أن تفكيري من جهة هذا الأمر ليس بعيداً عن الإحتمال أظن أنه من الضروري
أن أضيف صورة أخرى إلى ما سبق ذكره، وعلى ذلك نجد أنه في سفر الخليقة قد كتب ما
يلي:

“وحدث
بعد هذه الأمور أن الله إمتحن إبراهيم وقال له: إبراهيم إبراهيم فقال هأنذا، فقال
له: خذ إبنك الحبيب إسحق الذي تحبه واذهب إلى أرض عالية وقدمه هناك محرقة على أحد
الجبال الذي أعلمك به. فقام ابرآم باكراً وأسرج حماره، وأخذ معه غلامين وإسحق إبنه
وشقق حطباً لمحرق. وقام ومشى وفي اليوم الثالث أتى إلى الموضع الذي أخبره الله به.
ورفع إيرآم عينه وأبصر من بعيد وقال إبرآم لغلاميه: إجلسا أنتما هنا مع الحمار،
وأما أنا وإسحق فنذهب إلى هناك ونسجد ثم نرجع إليكما. وأخذ إبراهيم حطب المحرقة
ووضعه على إسحق إبنه. وأخذ بيده النار والسكين، فذهبا كلاهما معاً.” (تك22: 1-6).

 

وبعد
أيات أخرى نقرأ “بنى إبراهيم هناك مذبحاً ورتب الحطب. وربط إسحق إبنه على
المذبح فوق الحطب، ثم مد إبراهيم يده وأخذ سكيناً ليذبح إبنه” (تك22: 9،10).

 

وعلى
ذلك، إن رغب أحد منا أن يرى قصة إبراهيم مرسومة في لوحة وما هي الكيفية التي يكون
الرسام قد رسمها بها؟ فهل يفعل ذلك في رسم يبين فيه إبراهيم وهو يعمل كل الأمور
التي ذكرت أم في لوحات متتابعة ومتمايزة، أي في صور مختلفة.

 

ولكن
في الإحتمال الأكثر يظهر إيراهيم نفسه مثلاً أحدى اللوحات، جالساً على حماره
وآخذاً إبنه معه، ويتبعهما غلاماه. وفي صورة أيضاً يظهر الحمار في الخلف وفي أسفل
مع الغلامين، وإسحق حاملاً الحطب بينما إبراهيم ممسكاً في يديه السكين والنار. وفي
الواقع الأمر يظهر إبراهيم في وضع آخر في رسم مختلف بعد أن ربط الشاب فوق الحطب،
والسكين في يديه اليمنى لكي يبدأ الذبح.

 

ولكنه
لن يكون إبراهيم آخر في لوحة، رغم أنه في أكثر المرات يرى في وضع متميز، بل يكون
هو نفس الشخص في كل مرة، وهذا يتوقف على مهارة الفنان الذي يرسمه باستمرار بحسب
إحتياج الموقف. لأنه لن يكون مقبولاً بأي حال أحدنا وهو يفعل كل الأعمال المذكورة،
في رسم واحد.

 

23-
وعلى ذلك فالناموس كان صورة، وفي الناموس كانت أمثلة الأشياء تتمحض بالحق.
والنتيجة أنه حتى إن أمر الناموس بتقديم تيسين أو عصفورين، بإيضاح سر المسيح،
فالذي في الأثنين كان واحداً، في الألم وفيما هو خارج الألم، في الموت وفوق الموت
والصعود إلى السموات بكورة للإنسانية كما لو كانت أعيدت الإنسانية ثانية من جديد
إلى عدم الفساد.

 

24-
لأنه أعاد لنا الطريق المؤدي إلى فوق ونحن سوف نتبعه في الوقت المناسب. لأنه
يقول” أنا أمضي لأعد لكم مكاناً…وأتي ايضاً لآخذكم إلىّ حتى حيث أكون أنا
تكونون أنتم ايضاً معي” (يو14: 2،3). فنحن لنا الرجاء الحقيقي.

 

25-
لذلك قد كتبت هذه الأمور التي عرفت3ها، ويبقى دور وقاركم أن تجروا فحصاً دقيقاً
علىما قد كتبته، حتى إذا ما إكتشفت أن هناك حاجة إلى تحسين ما، فهذا يمكن أن
ينفعنا نحن والشعب عندنا هنا. لأن المسيح هو الذي يكشف أموراً عميقة وخفية، ويغرس
الفهم في قلوبنا، لأن فيه وعنده ” مذخر كل كنوز الحكمة والعلم.” (كو2: 3).

الذي
بواسطته ومعه يليق المجد والقدرة لله الآب مع الروح القدس إلى دهر الدهور.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى