علم

17- حقيقة إله المسيحيين



17- حقيقة إله المسيحيين

17- حقيقة إله المسيحيين

 إن
هدف عبادتنا هو الله الواحد، الذي بكلمته الآمرة، وحكمته المُرَتّبة، وقوّته
القديرة، خلق من لا شيء وجود عالمنا، بكل عناصره، أجساده، أرواحه، لجلال عظمته –
ربّنا إله واحد نحن له عابدون، هو من أنشأ بكلمته ودبّر بعنايته وقدّر بقدرته هذا
الكون الفسيح بكلّ ما يحوي من عناصر وكائنات جسمانيّة وروحانيّة، وأبدعه من العدم
ليكون حلية لجلاله، لذا أطلق اليونان على العالم اسم “كوسموس”[1].
لا تدركه الأبصار وإن تبدّى لها، غير مُعَبّر عنه رغم أنه في النعمة ظهر، ولا
تبلغه الأفهام وإن تجلّى لها من خلال نعمته، ولا تطاله العقول وإن بان جلاله
لألباب البشر: فهو الحقّ سبحانه؛ وإنّ ما يمكن أن يُرى ويُلمس ويُعقل هو دون
الأعين الّتي تلتقطه والأيدي الّتي تلمسه والأذهان الّتي تتمثّله؛ أمّا ما هو
لامتناه فلا يُدرَك إلاّ بذاته. ما يجعل الله قابلا للإدراك هو أنّه ممتنع عن
الإدراك؛ هكذا تجلّيه قدرته العظيمة للبشر فهو لهم معلوم ومجهول معا؛ وهذا أسوأ
جرم لأولئك الّذين يرفضون الإقرار بما لا يستطيعون جهله. أفتريدون أن نبيّنه لكم
وهو جليّ في كلّ أعماله وآلائه الّتي تتعهّدنا وتحفظ بقاءنا وتسلّينا وحتّى تلك
الّتي تملؤنا رهبة بل وبشهادة النّفس الّتي فينا؟ فمع احتجازها في سجن البدن
وحصرها بتقاليد فاسدة، وإنهاكها باللّذّات والشّهوات، وإخضاعها لسلطان آلهة زائفة،
لمّا تستفيق أخيرا من غشيتها كمن سكر أو نوم أو سقم ما وتستعيد بشيء من العسر
صحّتها، تسمّي الله باسمه المجرّد وحده، لأنّه اسمه الأوحد الحقّ الّذي يناسبه.
“الله العظيم”، “الله الودود”، “الله الكريم”: بهذا
يلهج كلّ لسان ويستشهده ويفوّض له أمره: “الله يرى”، “على الله
متّكلي”، “على الله عوضي”؛ فأيّة شهادة من النّفس المجبولة على
فطرة التّوحيد[2]! لا تولّي
وهي تقول هذا نحو الكابتول بل نحو السّماء؛ إذ يعلم أنّ فيها عرش الله الحيّ، ومنه
هو، من هناك نزلت[3].



[1]  كوسموس: Kosmos في
الأصل تعني النّظام.

[2]  النّفس المجبولة على فطرة
التّوحيد (
أو
المسيحيّة)
animae
naturaliter christianae
لذا فالوثنيّة
ابتعاد عن الفطرة بل جرم :”إنّ الشّرك لظلم عظيم” ( 31: 13). ويذكّر هذا
بالحديث الشّريف: “يولد الولد على دين الفطرة فأبواه ينصّرانه أو يهوّدانه أو
يمجّسانه.” ومن كتب ترتلّيانوس: “شهادة النّفس”. في
“الاعترافات” كذلك يدعونا أغسطينوس إلى البحث عن الله بداخلنا. كذلك جعل
الغزاليّ معرفة النّفس مقدّمة ووسيلة لمعرفة الله.

[3]  احتجاز النّفس في سجن البدن: فهي من العالم العلويّ وقد
تستفيق فتذكره، أفكار أفلاطونيّة ( انظر “فيدون”) وفيثاغوريّة نجد صدى
منها في عينيّة ابن سينا: هبطت إليك من المحلّ الأرفع  ورقاء ذات تعزّز
وتمنّع.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى