اللاهوت الروحي

معرفة الخلاص



معرفة الخلاص

معرفة الخلاص

القمص زكريا
بطرس

“لتعطي شعبه معرفة
الخلاص”
(لو1: 77)

مقدمة

الخلاص
هو قصة الحب الإلهي معلنة على الصليب، وتكتمل فصولها على طول الزمان.

وفي بساطة نستطيع أن
نقول إن الخلاص معناه (الإنقاذ) فمثلا قولنا: “الخلاص من الغرق” نعني
بذلك: “الإنقاذ من الغرق”..

وبهذا المعني نفهم خلاص
المسيح لنا في جوانبه الثلاثة أنه:

أولا:
إنقاذ من عقوبة الخطية.

ثانياً:
إنقاذ من سلطان الخطية.

ثالثاً:
إنقاذ من جسد الخطية.

 

دعنا أيها القارئ العزيز نستوضح معاني هذا
الكلام باختصار شديد.

وأريدك أن تعلم أن الهدف ليس هو مجرد المعرفة،
بل بالدرجة الأولى نحن نهدف إلى الفائدة الروحية من هذا الكلام، وذلك بأن تطبقه
على حياتك الخاصة، وتحوله إلى حديث بينك وبين الله طالبا أن يمتعك بكل حقيقة
تقرأها لتحيا بموجبها.

 

وإن أردت المزيد عن هذه المواضيع فاقرأ:

كتاب الخلاص في المفهوم الأرثوذكسي، وكتاب بدعة
الخلاص في لحظة لقداسة البابا شنوده الثالث، الذي بصلوات قداسته نرجو بركة لحياتنا.
آمين.

 

 

الفصل الأول

إنقاذ من عقوبة الخطية

إذا ارتكب أحد منا خطية معينة من الخطايا فإنه
يتبكت ويتألم لأنه يرى شدة غضب الله بسبب هذه الخطية، ويحس بأنه يستحق الموت، لأنه
فعل الشر في عيني الرب إلهه..

هذا
شعور سليم لأن الكتاب المقدس يقول: “أجرة الخطية هي موت” (رو23: 6).

فإن
كان هذا هو شعورنا فإننا نستطيع أن نفهم معنى الخلاص. فالخلاص هو إنقاذنا من عقوبة
الخطية ودينونتها. وبالتالي فهو إنقاذ من عقدة الشعور بالذنب التي نشعر بها بسبب
الخطية. فالكتاب المقدس يعلنها صريحة أنه “لا شئ من الدينونة الآن على الذين
هم في المسيح يسوع السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح” (رو1: 8).

فالرب
يسوع المسيح بموته على الصليب قد فدانا من عقوبة الخطية، واحتمل في جسده عقوبة
خطايانا ليطلقنا مبررين. يقول الكتاب المقدس: “والرب قد وضع عليه إثم
جميعنا” (اش6: 53).

هل
تثق يا أخي وتؤمن في كفاية دم المسيح المسفوك عنك ليرفع عنك العقوبة التي تستحقها؟
فالكتاب المقدس يقول: “ونحن متبررين الآن بدمه نخلص به من الغضب” (رو9: 5).

أم
أنك تعيش حزينا مرتجفا من العقاب الأبدي غير واثق في تبرير الرب لك بدمه. الواقع
إنك إن لم تثق في ذلك، فانك تنقص من قيمة دم المسيح وعمله الكفاري على الصليب!!.

أليس
على هذا الأساس الإيماني المتين صار قبولنا لسر المعمودية المقدسة، وممارستنا لسر
التوبة والاعتراف، حتى نحصل على الخلاص من عقوبة خطايانا؟!

فالمعمودية هي موت
ودفن وقيامة مع المسيح لحياة جديدة تختلف تماما عن حياة أهل العالم الذين يعيشون
لأنفسهم ولذواتهم. فالحياة الجديدة هي حياة محصورة في المسيح ولأجله ولتمجيد اسمه.

أما
سر التوبة فهو الندامة على السلوك الخاطئ، والأعمال التي يسقط فيها الإنسان
عن ضعف أو جهل أو كسل، ثم يقوم ليواصل مسيرته الروحية بعد التخلص من دنس الخطية.
فالكتاب المقدس يقول: “إن اعترفنا بخطايانا فهو أمين وعادل حتى يغفر لنا
خطايانا ويطهرنا من كل إثم” (1يو1: 9)

 

ولكن هل معنى هذا أننا
نتمادى في خطايانا وشرورنا على حساب دم المسيح؟ كلا..

 

أريدك أن تلاحظ جيداً
أن الكتاب عندما قال: “إذاً لا شئ من الدينونة الآن على الذين هم في المسيح
يسوع” أكمل قائلا: “السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح” (رو1: 8).

 

والسيد المسيح نفسه قال
لمريض بيت حسدا بعد أن شفاه من مرض الجسد ومرض الخطية “ها أنت قد برئت فلا
تخطئ أيضاً لئلا يكون لك أشر” (يو14: 5).

 

وبولس الرسول يؤكد هذا
القول بقوله: “فماذا نقول. أنبقى في الخطية لكي تكثر النعمة. حاشا. نحن الذين
متنا عن الخطية كيف نعيش بعد فيها” (رو1: 6،2).

 

فالخلاص من عقوبة
الخطية قد تم فعلاً بدم المسيح وموته الكفاري على الصليب، وينتقل إلينا عن طريق
أسرار الكنيسة. وعن هذا قال قداسة البابا شنوده الثالث:

 

[حقا إن الخلاص قد تم
على الصليب بالفداء بدم المسيح، ولكن نقل هذا الخلاص إلى الناس تقوم به الكنيسة عن
طريق الكهنوت والأسرار المقدسة]

(كتاب بدعة الخلاص في
لحظة ص47)

كان هذا عن الجانب
الأول من الخلاص، أما الجانب الثاني للخلاص فهو:

 

الفصل الثاني

إنقاذ من سلطان الخطية

هذا هو المعنى الثاني
للخلاص أو الجانب الثاني للخلاص. فالإنقاذ من سلطان الخطية ومحبتها لا يقل أهمية
وقيمة عن الإنقاذ من قصاص الخطية وعقوبتها.

 

وربما يتواجه التائب مع
ضعفه عن أن يتخلص من سلطان الخطية وقوتها، وقد يصل به الأمر إلى حد اليأس!!!

 

ولكن شكراً لله بيسوع
المسيح ربنا الذي قيل عنه “فمن ثم يقدر أن يخلص أيضاً إلى التمام الذين
يتقدمون به إلى الله.. إذ هو حيٌّ في كل حين ليشفع فيهم” (عب25: 7).

 

والخلاص أو التحرير من
سلطان الخطية له جانبان:

 

أولاً: الجانب
الإلهي:

فمن المؤكد أن الرب
يسوع لم يسدد الدين الذي علينا فحسب بل قد وهبنا روحه الذي يحررنا من سلطان الخطية
ومحبتها والعبودية لها. هوذا معلمنا بولس الرسول يتكلم عن اختباره في هذا الأمر،
فبعد أن كان يصرخ متأوِّها: “أرى ناموساً آخر في أعضائي يحارب ناموس ذهني
ويسبيني إلى ناموس الخطية الكائن في أعضائي.. ويحي أنا الإنسان الشقي من ينقذني من
جسد هذا الموت” (رو23: 7،24)، نراه بعد ذلك يقول “إن ناموس روح الحياة
في المسيح قد أعتقني من ناموس الخطية والموت” (رو2: 8)، وقال أيضا
“أستطيع كل شيء في المسيح الذي يقويني” (في13: 4).

 

السر في هزيمتك
المتوالية يا أخي هو أنك لم تدع الروح القدس يملأ كيانك كله ليحررك من عبودية
الخطية، فداوم الصلاة بثقة ورغبة كاملة كما علمتنا الكنيسة أن نقول: “أيها
الملك السمائي المعزي روح الحق الكائن في كل مكان والمالئ الكل كنز الصالحات ومعطي
الحياة هلم تفضل وحل فينا وطهرنا من كل دنس أيها الصالح وخلص نفوسنا”
(الأجبية).

 

ومع هذا فإن قوة المسيح
تسري فينا أساساً من خلال سر الميرون [أو سر التثبيت] وسر التناول [أيضا لنثبت في
الرب ويثبت هو فينا]، فعندما نثبت فيه نستطيع أن نقوم بجانبنا البشري.

 

ثانيا: الجانب
البشري:

والجانب
البشري يشمل ضرورة الجهاد ضد العالم والشيطان وضد الإنسان العتيق الفاسد.

 

(1)
الجهاد ضد العالم:
معلمنا يوحنا الحبيب يدعونا إلى محاربة محبة
العالم إذ يقول: “لا تحبوا العالم ولا الأشياء التي في العالم. إن أحب أحد
العالم فليست فيه محبة الله. لأن كل ما في العالم شهوة الجسد وشهوة العيون وتعظم
المعيشة..” (1يو15: 2-17) ولهذا ينبغي على المؤمن أن يكون في حرب دائما ليرفض
عروض العالم وأفكاره التي تفصله عن الشركة مع فاديه ومخلصه الرب يسوع المسيح.

 

(2)
الجهاد ضد الشيطان:
يقول معلمنا بطرس الرسول “اصحوا واسهروا
لأن إبليس خصمكم كأسد زائر يجول ملتمسا من يبتلعه هو، فقاوموه راسخين في الإيمان..”
(1بط5: 18و19) لذلك ينبغي أن نقاوم الشيطان في جهاد مقدس كل أيام حياتنا.

 

 [أ]
الجهاد ضد الإنسان العتيق
: يقول معلمنا بولس الرسول “عالمين هذا أن
إنساننا العتيق قد صلب معه ليُبطل جسد الخطية كي لا نعود نستعبد أيضا للخطية.. إذن
لا تملكن الخطية في جسدكم المائت لكي تطيعوها في شهواته” (رومية 6: 6و12)

 

يلاحظ
من هذا الكلام حقيقتان:

v              
الحقيقة الأولى: هي أن إنساننا العتيق قد صلب مع
المسيح بالمعمودية.

v              
والحقيقة الثانية: هي أن هذا الجسد المائت
لازالت له شهوات ينبغي أن لا نطيعها.

 

فكيف
يكون ذلك؟ كيف يكون للجسد المائت شهوات؟

ويمكن حل
هذه المشكلة العويصة بهذا المثال الذي يفسر لنا هذا الأمر ويحل الإشكال: فإن
المجرم المحكوم عليه بالإعدام لا ينفذ فيه حكم الإعدام في قاعة المحكمة عقب صدور
الحكم مباشرة، ولكنه يعاد إلى السجن لينتظر موعد تنفيذ الحكم. ففي هذه الفترة من
لحظة صدور الحكم حتى تنفيذه، هل يعتبر هذا المجرم ميتاً أم لا؟

الواقع أنه
ميت وفي نفس الوقت غير ميت. ميت قانونا ولكنه حي على أرض الواقع.

 

هكذا
الإنسان العتيق الفاسد يعتبر ميتا قانونا منذ المعمودية، التي قبل فيها المعمد حكم
الموت على جسده العتيق، ولكنه في الواقع لا يزال حيا حتى ينفذ فيه حكم الموت يوم
المجيء الثاني للرب يسوع المسيح. ولهذا وجب الجهاد ضد شهوات هذا الجسد، وهذا هو
مفهوم الجهاد الروحي ضد الإنسان العتيق الفاسد.

وعن هذا
النوع من الخلاص قال قداسة البابا شنوده الثالث: “إني أخلص يارب بموتك، وأخلص
بحياتك فيَّ. وهذه هي الفكرة السليمة عن الخلاص في المفهوم الأرثوذكسي، نحن قد
خلصنا بموت المسيح عندما متنا معه بالمعمودية، ونخلص أيضا بحياة المسيح فينا،
بتسليمنا الكامل لمشيئته في حياتنا”.

(كتاب
الخلاص في المفهوم الأرثوذكسي ص 31)

بقي أن نوضح
الجانب الثالث للخلاص وهو الإنقاذ من جسد الخطية.

 

الفصل الثالث

إنقاذ من جسد الخطية

هذا هو الجانب الثالث
من مفهوم الخلاص. فالمؤمن يظل طيلة أيام حياته في حرب طاحنة ضد الشيطان والجسد
والعالم، لذلك فهو ينتظر مجيء الرب يسوع من السماء ليخلصه من جسد الخطية. لهذا
فكمال خلاصنا هو بتغيير أجسادنا الترابية إلى أجسام روحانية عند ظهور ربنا بمجده،
فمعلمنا بولس الرسول يقول “هوذا سر أقوله لكم لا نرقد كلنا ولكننا كلنا نتغير
في لحظة في طرفة عين عند البوق الأخير.. فإنه سيبوق فيقام الأموات عديمي فساد ونحن
نتغير”. (1كو51: 15،52). ولهذا فلسان حال المؤمن هو: “آمين تعال أيها
الرب يسوع”. (رؤ20: 22).

وفي
هذا يقول قداسة البابا شنوده الثالث: “هذا هو الخلاص الأخير عندما
نخلع هذا الجسد المائت ونلبس جسد المجد.. بعد مجيء المسيح الثاني”

(كتاب
الخلاص في المفهوم الأرثوذكسي ص 108)

 

وقد
وضح القديس أوغسطينوس مفهوم الخلاص هذا بكل جلاء إذ قال: “إذا سألني
أحد عما إذا كنا قد خلصنا بالمعمودية؟ فأنا لا أستطيع أن أنكر ذلك إذ يقول الرسول
“خلصنا بغسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس” (تى5: 3).

 

ولكن
إن سألني عما إذا كنا قد خلصنا تماما من كل ناحية بواسطة المعمودية؟ أجيب بأن
الأمر ليس كذلك. فقد قال نفس الرسول “لأننا بالرجاء خلصنا ولكن الرجاء
المنظور ليس رجاء لأن ما ينظره أحد كيف يرجوه أيضاً. ولكن إن كنا نرجو ما لسنا
ننظره فإننا نتوقعه بالصبر” (رو24: 8،25).

 

ثم يعود القديس
أوغسطينوس
موضحاً فيقول: “لأن المعمودية تمحي كل الخطايا عامة.. ولكنها
لا تنزع الضعف البشري الذي يظل يقاومه المتجدد في جهاده الحسن”. ويكمل قائلا
“ولكن هذا الضعف الذي نقاومه بين سقطة وقيام حتى الموت سينتهي بتجديد آخر قال
عنه الرب: “في التجديد متى جلس ابن الإنسان على كرسي مجده تجلسون أنتم على
اثني عشر كرسياً” (مت28: 19). فيسمى الرب القيامة الأخيرة تجديداً وقد سماها
بولس الرسول (تبني وفداء) إذ قال “نحن الذين لنا باكورة الروح نحن أنفسنا
أيضاً نئن في أنفسنا متوقعين التبني والفداء أجسادنا” (رو3: 8).

 

ثم يتساءل القديس
أوغسطينوس
قائلا: “ألم نتجدد؟ ألم نحصل على التبني والفداء بالمعمودية
المقدسة؟ نعم ولكن يوجد أيضاً تجديد وتبني وفداء يجب أن نتوقعه بالصبر”.

(Nicene &
Post Nicene Fathers First Series Volume 5 Page 404)

ختاما
أرجو لك يا أخي القارئ كل نعمة في جهادك الروحي لتنعم بالحياة الأبدية التي إليها
دعيت. كن معافى.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى