علم

ضد الزنى



ضد الزنى

ضد
الزنى

للقديس
إغريغوريوس النيصّيصى

 

“أما
الزاني فإنه يجرم إلى جسده” (كورنثوس الأولى 18: 6). إن بوق مواعظ الرسل
الهائل يخطر الجند بكثير من قوانين الفضائل ليبعد الناس عن خطر الإهمال مضيفاً إلى
ذلك المرسوم الحربي الآتي: أهربوا من الزنى لأن كل خطيئة يفعلها الإنسان هي خارج
الجسد أما الزاني فهو يجرم إلى جسده. إن أبطال الحروب وقادتها يتقنون الفنون
الحربية بمهارة، فتارةً يهجمون على الأعداء وتارةً يبتعدون عنهم هاربين. هكذا توجد
حروب روحية وفيها يطلب منّا استعمال المهارة في الكرّ والفرّ. ولهذا، فالقديس بولس
الرسول الخبير بأساليب الحرب الروحية يقود جنوده ويدرّبهم على استعمال أنواع
المهارة؛ فتارةً يحثهم على الثبات أثناء المعركة: “انهضوا إذن وشدّوا
أحقاءَكم بالحق” (أفسس 14: 6). وتارة يأمر العدو بالفرار: “اهربوا من
الزنى” (1كور18: 6). فإن حصلت الحرب لعدم الإيمان، فالأنفع النهوض ضدّها. وإن
هددك العدو بمكره، فالأفضل أن تعمل ضده مضمراً له المحبة، وإن صوّب نحوك سهم
المذمة فحارب كذبه وقِفْ إزاءه وجهاً لوجه. وإن رسم بكلامه لك صورة الزنى فأدِرْ
له ظهرَك واهرب منه حتى لا تلتقيه، لأن الزنى يصوب سهامه إلى العين رأساً. لذلك
يجب أن تضع نصب عينيك قول قائد جنود المسيح: “اهربوا من الزنى لأن الزنى
نقيصة يجب الفرار منها أكثر من سواها”. إن الخطيئة في غير الزنى تراعي الخاطئ
وتحافظ عليه لأن الفعل يقع على غيره، مثلاً في السرقة يقع الضرر على المسروق، وفي
الذم والقدح فإن الضرر منها ينال المذمومين. وهكذا إذا أمعنّا النظر في أعمال
الخطيئة نرى غالباً أن الربح ينال في الظاهر المعتدين. أما الزنى فلا يعرف هذا
التقييم ولا يفصل الجسد عن العمل. الزنى يسبب الضرر للإثنين معاً لأنه يدنّس
الزاني والزانية بالإتحاد بالزنى، فالذي يدنّس جسد غيره يدنس نفسه أيضاً. قد لا
يموت القاتل حينما يقتل غيره أما الزاني فإنه يُعَد دنِساً أيضاً.

اهربوا
من الزنى يوصي الرسول المملوء حكمة. لأن كل خطيئة يفعلها الإنسان هي خارج جسده.
أمّا الزاني فيجرم إلى جسده؛ وهو ليس كالقاتل الذي يجرم إلى جسد غيره فقط ويحافظ
على جسده، ولا كالطماع والسارق وغيرهما الذين يقصدون الضرر بغيرهم ويحافظون على
أجسادهم… يُقدِم السارق على السرقة ليغذّي جسده. أما الزاني فيسلب جسده ويضعفه
ويدنّسه. إن مجد الآخرين يؤلِم الحسود. أما الزاني فيهدم جسده بيده. كلّ خطيئة عار
لأنها تثلم شرف النفس. أما الزاني فهو عبد الخطيئة الأحمق، لأنه بإرادته يدفن نفسه
ويجمع كوماً من الأقذار حوله. أفليس من العته أن يسير الإنسان بين الأقذار، وأن
يدور حول ما يشينه وأن لا ينزع عنه الأطمار الوسخة البالية؟

 

إن
الزاني يُفصل عن جسد الكنيسة المقدسة ويهدم نفسه بالفساد اليومي أي بملذات الخطيئة
ويتعرّض للشيطان الذي طبع عليه نتانته وفساده. إن حالة الزاني الخارجية لا تقل
رداءة عن حالته الداخلية فهو غمّ لوالديه وعار لأقربائه وسخرية لأهل البيت وموضوع
للهزء أمام الجيران ومدعاة احتقار الجميع. إنهم يهربون منه ويطردونه إذا رام
الزواج، وإذا تزوّج فهو زوج مشبوه. لذلك أوصى الرسول بالفرار من الزنى.

 

إن
كلمات الرسول تذكرنا فوراً بيوسف الفتى الضعيف الذي تمت له الغلبة والمجد بهربه من
الزنى المصري. أمور كثيرة كانت تغويه. السن الذي يقوى فيه حب الملذات، وغواية
السيدة الجميلة ومراودتها له. فما أعظم فضل العفاف! لقد حوّل السيدة إلى أمة للعبد.
إن سهم الزنى لم يصادف المادة المحرقة في النفس، فانطفأ وخمد في الثياب. لم يغفل
الروح المستيقظ عن التضليل الموجّه إليه ولم يصغِ العقل للفتنة القوية المغررة به.
إن المغرِي على الزنى كان واقفاً بالمرصاد يجذب الرداء مع الزانية شاعراً بحيلتها،
وغير عالم أنه داخل في العراك مع فتى ماهر مدرب عفيف قادر على التخلص من السقوط في
شرك المكر والدهاء. الكتاب المقدس يقول: “وترك رداءه بيدها هارباً منها إلى
الخارج”. ماذا كانت نتيجة هذا الفجور المصري؟ إنها ترمي الذنب على يوسف إذ
أسرعت إلى زوجها قائلة: “كيف جئتنا برجل عبراني ليتلاعب بنا وكان عندما رفعت
صوتي وصرخت أنه ترك رداءه بجانبي وهرب خارجاً” (تكوين 13: 39-15). هنا أيضاً
يُفترى على يوسف العفيف بالرداء. نعم أيها الأخوة إن الجرم ثبت في بادىء الأمر على
يوسف بسبب الرداء لأن المرأة اتهمته بالزنى حينما أخذت الرداء بيدها. وهنا يصحّ أن
نتذكر كلام السيد المسيح “وعلى لباسي يقترعون” (مز 19: 21). إن الله
العالِم بكل شيء لم يمجّد البطريرك يوسف قبل التجربة، لكنه أراه المستقبل في الحلم
معلناً له أنه يهيئ المجد للمتقين. لقد سمع بتعريضه للتجربة ليسد أفواه لائميه.
فلو لم تظهر فضيلة العفاف في يوسف لقال اللائمون أن الحادثة هي عمل الصدفة العمياء.
فلكي يتلافى الله هذه الأحاديث عن البار سمح بوقوعه في التجربة حتى تكون شهادة له
وردعاً للمفترين.

 

إذن
لنكرهْ الأساليب التي تحبّب إلينا الزنى ولنبتعد عنها ولنغمض عيوننا عن ملذاته
وفتنه وليكن العفاف حارساً لأجسادنا، ولتسدّ الطهارة أعضاءنا حتى تكون أجسادنا
مسكناً للروح القدس، ولنكتب على صفحات القلب الحكم المعلِن مصير الخطأة الرهيب: “من
يفسد هيكل الله يدمره الله” (1كورنثوس 7: 3).

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى