مقالات

لِماذا تخلى الله عنا – اعتراف ومواجهة صادقة مع النفس

  • فقل لهم هكذا قال رب الجنود: ارجعوا إليَّ يقول رب الجنود فأرجع إليكم يقول رب الجنود؛ من أيام آبائكم حدتم عن فرائضي ولم تحفظوها، أرجعوا إليَّ أرجع إليكم قال رب الجنود، فقلتم بماذا نرجع؛ أحببتكم قال الرب وقلتم بم أحببتنا أليس عيسو أخاً ليعقوب يقول الرب وأحببت يعقوب (زكريا 1: 3؛ ملاخي 3: 7؛ 1: 2)

كثيراً ما كنت أتحير حينما أشعر بتخلي الله عني وعن من حولي، فأتوقف متسائلاً: يا تُرى ما هو السبب في عدم شعوي وشعور الناس بحضور الله وعمله!؛ ولماذا لم يعد أحد يشعر بهذا البذل العظيم الذي لله الحي ولا يقدر قيمة الفداء! وما هو المعوِّق الأساسي للمسيرة الروحية كما يحدث لغالبية الناس، بالرغم من أن محبة الله حاضره، ووعده بأنه لن يتخلى عنا قائم ويستحيل أن يتغير أو يتبدل بأي حال من الأحوال، فلماذا نشعر بهذا التخلي، ولماذا يصرخ الناس قائلين: أين أنت يا الله! أين تختفي في أزمنة الضيق ولماذا تتوارى عني؟ فلماذا يستمر هذا الصراخ ويكثر الأنين ونجد أن الله لا يسمع أو يستجيب لصلواتنا ولا لأصوامنا، فهل فعلاً تخلى عنا!
ولماذا يتخلى عن الذين دُعيَّ عليهم اسمه العظيم القدوس؟ بالرغم من أن وعده صادق ويستحيل أن يخالفه على الإطلاق، لأن فيه النعم والأمين، وهو أمين لا يقدر أن ينكر نفسه ولا عمله، أو يتراجع عن نطقه: أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر!

وسؤالي في لحظة صدق مع نفسي:
آه ماذا حدث يا رب، وهل ستظل الكنيسة في أوج مجدها وعمل الروح القدس فيها مغلق بين دفتي كتب تاريخ نقرأه ونسمعه ولا نتذوق حلاوته أبداً كواقع في حياتنا اليومية التي نعيشها على الأرض! فأين نحن الآن من الكنيسة وآباءها العِظام الذين تركوا كل شيء من قلبهم وباعوا وصلبوا شهواتهم ورغباتهم ولم يريدوا غنى آخر أو كنز آخر في قلبهم غير كنز الروح القدس، بل ولم يريدوا أيضاً أن يعرفوا شيئاًَ آخر غير يسوع وإياه مصلوباً بينهم! أليس نحن الأجيال التي انحدرت من الذين استلموا الإيمان من بعدهم وأبناء أجيالهم، فلماذا لم نتبع خطواتهم سوى في كتاباتنا وعِظاتنا التي صارت من فوق المنابر وعلى صفحات الأنترت والميديا وانحصرت في الشو الإعلامي والكتب المرقروأة والمسموعة.

فأين حياتنا في المسيح التي اقتصرت على الكلام بالفم فقط بلا تطبيق في حياتنا الشخصية والعملية، والتي بمقياس الإنجيل والوصية هي حياة المؤمن الحقيقي، والتي صارت بعيدة كل البعد عن حياتنا اليومية والتي ينبغي أن تكون في المسيح كما عاشها الرسل والآباء القديسين محبي المسيح الرب حافظي وصاياه.

فللأسف صار مبدأنا اليوم: أننا ضعفاء، والحمد لله على ما نحن فيه، ولم نعد نسعى لننال غنى حقيقي من الله واكتفينا بحجتنا (أصل أحنا ضعفاء ومش ممكن نصير مثل هؤلاء القديسين أبداً) وبذلك لا ننال بل ولن ننال شيئاً من الله لأننا نصدق ضعفنا ولا نؤمن بقوته ونصدق أنه قادر فعلاً أن يُعطينا الآن، وأنه هو هو أمس والغد بل وإلى الأبد، وقوته لنا أكيده لو فعلاً طلبناها ليس كلاماً بل بإصرار وإلحاح، عن احتياج ضروري، لا كمجرد كلام وتمنيات، لأننا إلى الآن لم نطلب باسمه شيئاً غير مرتابين، بل مؤمنين متأكدين ان باسمه يكون لنا، لأن فعلاً كل شيء به يكون وبدونه لا نستطيع شيئاً؛ فأين خدمتنا اليوم من خدمة القديسين مثل الرسل والآباء المعترفين وشهود يسوع؟ لماذا نحن ضعفاء وبالكاد إيماننا يسندنا أمام ضيق الأيام؛ فأين إيماننا! أين محبتنا! أين وأين وألف مليون أين!

في الحقيقة وأن تكلمت عن نفسي أنا، فأنا أرى إني المسئول الأول عن تخلي الله – أحياناً كثيرة عني – واختفاء صوته الذي أحياناً لا أستطيع سماعه ومعرفة مشيئته في حياتي، لأن الكتاب المقدس قد أعلن سبب تخلي الله عن النفس :

  • واللفيف الذي في وسطهم اشتهى شهوة فعاد بنو إسرائيل أيضاً وبكوا وقالوا من يطعمنا لحماً (عدد 11: 4)
    وعاد بنو إسرائيل يعملون الشر في عيني الرب، فشدد الرب عجلون ملك موآب على إسرائيل لأنهم عملوا الشر في عيني الرب (قضاة 3: 12)
    وعاد بنو إسرائيل يعملون الشر في عيني الرب بعد موت أهود (قضاة 4: 1)
    وعاد بنو إسرائيل يعملون الشرّ في عيني الرب وعبدوا البعليم والعشتاروث وآلهة آرام وآلهة صيدون وآلهة موآب وآلهة بني عمون وآلهة الفلسطينيين وتركوا الرب و لم يعبدوه (قضاة 10: 6)
    ثم عاد بنو إسرائيل يعملون الشرّ في عيني الرب فدفعهم الرب ليد الفلسطينيين أربعين سنة (قضاة 13: 1)

أليس هذا حالي وحال كل من لا يتبع وصية الله ولم ينتظر في المخدع حتى ينال قوتها، بل بتسرع يتشدق بها ويكتبها عظة وتعليم للآخرين ولا يُعلم نفسه لينال قوتها ليحيا بها، أليس اليوم الكلام والموسوعات والكتب أصبحت تلالاً ضخمة، بل ومن السهولة الوصول إليها لدرجة ان ممكن ان كل الشعب يصير مُعلماً للآخرين، والوعاظ والكُتاب وناقلي الموضوعات ومنسقيها والمجلات المسيحية.. الخ، أصبحوا جيشاً كبيراً جراراً، ولكن في هذه الزخم والزحام الشديد، لم يوجد بعد من يلمس يسوع! ولم يعد أحد يتكلم ببرهان الروح والقوة، بل كله أصبح كلام إنساني مُقنعاً للعقل والفكر ناسين قوة كرازة الرسل ومنهج حياتهم، فالرسول يقول: [وكلامي وكرازتي لم يكونا بكلام الحكمة الإنسانية المقنع، بل ببرهان الروح والقوة] (1كورنثوس 2: 4)

ففي زحمة واندفاع وتزاحم المُصلين في المناسبات والأعياد والاجتماعات التي تُثار في كل الكنائس وغيرها، أتوقف عند حدث جلل في حياة يسوع على الأرض وهو يسير وسط التلاميذ والجمع يزحمه بطريقة غير عادية، فتوقف فجأة لا ليقول من دفعني أو خبطني أو مسك فيَّ، بل قال، ويا لعجب ما قال: من لمسني!
وهذا قد أثار حفيظة القديس بطرس الرسول ليقول للرب: هوذا الجمع يزحمك وتقول: من لمسني!
فهذا هو العجب، هذا الزحام والرب يقول: من لمسني، وذلك لأنه لا يهمه من دفعه أو من أكرمه من الناس بشفتيه، أو حتى من يتحدث عنه، أو يكتب عن شخصه القدوس العظيم، أو يُجري بحثاً متعمقاً ومتخصصاً عنه أو عن تاريخه، أو يسير بجواره أو من وراءه، بل كان كل اهتمامه بمن لمسه لأن قوة فعلية خرجت منه!

هذا يبكتني بشدة، لأن كلمته بين يديَّ، ومخدعي وهبني إياه واعطاني الوقت لأجلس فيه معه، وأُناجيه وأُصلي إليه، بل وهبني عطية الإيمان العُظمى، واظهر لي ذاته، وأنا لم أتعلم بعد في كل وقت أن ألمسه لأنال منه قوة، لتظهر في حياتي وبها أغلب وانتصر على كل شيء وارتفع فوق كل الصعاب ناظراً حيث هو جالس لأطلب ما في السماء، ما هو فوق لا ما على الأرض، لأني أطلب السلام السماوي وليس الأرضي. وهذا هو سرّ ضعفنا كلنا، وعدم النهضة الحقيقية، لأننا لا نلمس يسوع القيامة لننال منه قوة، والقوة هي قوة الروح القدس، لأننا ونحن أشرار نعرف كيف نعطي أولادنا عطايا حسنة وجيدة، فكم يكون أبونا السماوي الذي يُعطي الروح القدس ويضرمه في قلب كل من يسأله !!! فاليوم (جيعنا) نطلب سلاماً أرضياً وهو حتماً زائلاً، لذلك لم نعد نرى أي استجابة، فخطأنا كله أننا لم نعد نطلب أن نلمس يسوع، لنحيا به، ونعيش الوصية لتكون هيَّ حياتنا كلنا!

لذلك أرى إني أنا المسئول الأول عن تخلي الله عني أو رجوعه إليَّ، لأن في كل لحظة صدق مع نفسي، أتحرك تائباً فأجد قوة الله تعود إليَّ وأنال منه قوة وشفاء عميق لنفسي، ولكني لا أكتفي بل أُريد ما هو أعظم لأنه هو الغني، وأنا الفقير ما زلت أحتاج إليه وبشدة، لا فيما يخص الأرضيات الزائلة، بل ما هو عنده من فوق، لأني لا أطلب ولن أطلب ما على الأرض لأني سأمت منه، بل أُريد ما هو فوق النازل من عند أبي الأنوار، قوة من الأعالي في سرّ التقوى والإيمان الحي الموهوب من الله القدوس الذي أطلب، هذا هو اعترافي وفضفضة قلبي أمام الله وأمام الجميع بكل إخلاص، لأني لا أطلب إلا تلك القوة التي أخذتها نازفة الدم حتى أنها استوقفت الرب يسوع ليقول: من لمسني !! لأنه عالماً أن قوة خرجت منه.

  • 1- إنما صالح الله لإسرائيل، لأنقياء القلب.
    2- أما أنا فكادت تزل قدماي، لولا قليل لزلقت خطواتي.
    13- حقاً قد زكيت قلبي باطلاً، وغسلت بالنقاوة يدي.
    14- وكنت مصاباً اليوم كله، وتأدبت كل صباح.
    21- لأنه تمرمر قلبي، وانتخست في كليتي.
    22- وأنا بليدٌ ولا أعرف، صرت كبهيم عندك.
    23- و لكني دائما معك، أمسكت بيدي اليُمنى.
    24- برأيك تهديني، وبعد، إلى مجدٍ تأخُذني.
    25- من لي في السماء، ومعك لا أُريد شيئاً في الارض.
    26- قد فني لحمي وقلبي، صخرة قلبي ونصيبي الله إلى الدهر.
    27- لأنه هوذا البعداء عنك يبيدون، تهلك كل من يزني عنك.
    28- اما أنا فالاقتراب إلى الله حسن لي، جعلت بالسيد الرب ملجأي لأُخبر بكل صنائعك – مزمور 73

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى