علم الكنيسة

الكنيسة فى عالم متغير



الكنيسة فى عالم متغير

الكنيسة
فى عالم متغير

الأنبا
رافائيل

“يخلق
الرب على كل مكان فى جبل صهيون وعلى محفلها سحابة نهاراً ودخاناً ولمعان نار
ملتهبة ليلاً. لأن على كل مجد غطاء. وتكون مظلة للغئ (للملجأ) نهاراً من الحر
ولملجأ ولمخبأ من السيل ومن المطر” (اش 4: 5،6).

 

هذه
هى الكنيسة التى جعلها الرب لنا واحة فى صحراء العالم، سحابة تظللنا من الشمس
الحارقة وناراً تضئ ظلمة الضلالة التى حولنا، ومظلة وملجأ ومخبأ نحتمى فيها وتحتها
من طوفان بحر العالم العتيد أن يغرق فيه كل البشرية.. لأن الحضارة كفيلة أن تأكل
نفسها كالنار.

 

ومعروف
أن التغير السريع هو سمة هذه العصر.. ولاشك أن الإنسان هو الضحية الأولى لهذا
التغير.. فنحن نفتح أعيننا كل يوم على جديد لم يستوعبه العقل ثم يحدث تغيير فى هذا
الجديد قبل أن ندركه.. ويظل الإنسان يلهث وراء الجديد والمتغير دون أ، يشبع أو
يفهم أو يسعد.. ولا أقصد فقط متغيرات التكنولوجيا بل معها تتغير أيضاً القيم
والمفاهيم والمبادئ والمناهج الفكرية.. فما كان بالأمس مجرماً يصير القاعدة فى
التعامل.. ويتلفت الإنسان حد له فى حيرة وكربة ويتساءل ما هو الصح؟ وكيف أعيش فى
هذا المجتمع المتغير؟.. قليل على الإنسان أن يسقط صريع الأمراض النفسية والتوتر
والإحساس بالضياع.

 

يجب
أن تكون هناك واحة ظليلة يلجأ إليها الإنسان ليجد ذاته ويسترد أنفاسه ويستريح
قليلاً – دون أن يفقد سعيه الدؤوب لملاحقة العصر – يستريح ليستر وليس أنفاسه فقط
بل إنسانيته ومعنى حياته وقيمة وجوده..

 

هذه
الواحدة هى الكنيسة – فى تقديرى – مما يلقى بعبء كبير على كنيسة هذا الجيل فيجب أن
تقوم بدروها ببراعة لكى تنفذ جيلاً بأكمله من الضياع فى محيطات التغيير اليومى
السريع.. وخطورة وحساسية المطلوب من الكنيسة فى دورها هذا أنها يجب أن تتمسك
بأصالتها وإلا ستحسب هى نفسها أحد آليات التغير المعاصر وتساهم هى أيضاً فى تدمير
الإنسان وفقدات الجذور.. ولكن فيما تحتفظ الكنيسة بأصالتها غير متغيرة وثابتة
وكلاسيكية يجب أن تتسم أيضاً بالمرونة لتناسب الجيل والزمان.. وهذه هى المعضلة
المطلوب من الكنيسة تحقيقها أن تحتفظ بأصالها وبمرونة أو يتغير الكتاب “يخرج من
كنزه جدوا وعتقاء” (مت 52: 13).

ثوابت
تحفظ للإنسان جذوره:

 

فالعتيق
فى الكنيسة ضرورى ليرى الإنسان جذوره ويدرك معنى وجوده وهدف حياته وموضوع رسالته
فى هذه الحياة، فنحن نحتاج بعض الثوابت الإيمانية، الإنسان يحتاج أن يؤمن بأن الله
موجود وأنه مهتم به ومبصيره وأنه يتبنى قضية خلاص.. نؤمن بأن الله تجسد من أجل أن
يكون معى وفىَّ ويتحدنى به.. وأنه بهذا التجسد قد خدم لى الخلاص من الموت والخطية
والفساد.. وإنه بتجسده قد عاش حياتنا ليشاركنا إنسانيتنا ويرتقى بها ويفتح لنا
أبواب الخلود والأبدية.. كم هو مبهج أن يدرك الإنسان أنه لا يعيش وحده بل الله
نفسه يعيش معه ويقاسم الحياة ويملأ عليه وجوده وحياته..

 

إن
الأفكار الملحدة قديرة بأن تقود العالم إلى الدمار النفسى والأخلاقى.. الله ضرورى
للإنسان.. وبالإنسان احتياج عميق للإله، لن يشبعه إلا الإيمان الحى بالله الحى.

 

الكنيسة
ثابتة فى هذا المضمار.. فإن وجدت الدنيا كلها تهتز غير ثابتة بسبب التغيير العنيف
السريع فالجأ سريعاً إلى الكنيسة ستجد هناك ثباتاً محبوباً وقيماً راسخة تتمسك بها
فتنجو “الساكن فى ستر العلى فى ظل القدير يبيت. أقول للرب ملجأى وحصنى إلهى
فأتكل عليه. لأنه ينجيك من فخ الصياد ومن الوبأ الخطر. بخوافيه يظللك وتحت أجنحته
تحتمى ترس ومحبة حقه.. لأنك قلت أنت يارب ملجأى. جعلت العلى مسكنك. لا يلاقيك شر
ولا تدنو ضربة من خيمتك.. لأنه تعلق بى أبخيه. أرفعه لأنه عرف أسمى يدعونى فاستجيب
له. معه أنا فى الضيق. أنقذه وأمجده. من طول الأيام أشبعه وأريه خلاص” (مز
91).

 

ثوابت
تحفظ للإنسان إنسانيته:

1-
حياة الشركة: لاشك أن الحضارة المعاصرة تقوم على النزعة الفردية.. وكل إنسان يفكر
فى نفسه ومجده ولا اعتبار للآخر.. ليس الإنسان هكذا.. بل خلقنا لنكون معاً ونتمتع
معاً.. لن يشبع الإنسان بفرديته وبعزلته.. بل يشبع بالجماعة.. والكنيسة هى هذه
الجماعة.. الكنيسة هى أروع مجال نحيا فيه حياة الشركة والحب.. فإذا كان العالم من
حولنا يلهث وراء الفردية البغيضة.. وإذا وجدت نفسك وحيداً لا يهتم بك الأخرون إلا
فيما يعود بالنفع عليهم ويستغلونك ويحيكون حولك ما يهزك ليثبت الآخر مكانك.. حينئذ
إلجأ إلى الواحدة ستجد قيم الشركة ما زالت تحفظ الإنسان إنسانيته.. ستدرك حينئذ إن
الحياة ما زالت بخير.. وستشبع بالجماعة المقدسة فى الكنيسة لكى تخرج ثانية إلى
المجتمع تحمل رسالة الحب والمشاركة وأنت شبعان بالحب والمشاركة.

2-
الشبع النفسى: يظن العالم أن الإنسان هو جسد فقط يحتاج الأكل والشرب والمتع الحسية
والمجد.. وفى سبيل ذلك يشفى الناس فى العمل من أجل إسعاد الجسد.. فإن أسعدوه يجدون
أنفسهم فى مأزق احتياج آخر لا يدركون كهنة.. وقد يتطور الأمر إلى أن ييأس الإنسان
من حياته وينتحر وهو فى قمة مجده المزعوم.. ليس الإنسان جسداً فقط كالبهائم..
ولكنه مشاعر وأحاسيس ونفس مرهفة يجب أن تشبع.. وأظن أن المسيحى محظوظ لأن ليتورجية
الكنيسة بما فيها من جمال وموسيقى وأبداع فنى رقيق وراقى كنيل بأن يشبعغ النفسى
والحواس فيخرج الإنسان من الكنيسة فى حالة شبع وزع يكفيه أن يسلك وسط اضطرابات
واحباطات العالم يسلك بنجاح وغلبة..

 

لذلك
ليست الليتورجيا الطويلة المنفومة مضيعة للوقت أو غير ملائمة للعصر.. بل هى بالعكس
احتياج عميق لشبع الإنسان إلا فسوف يجن.

3-
بالرجوع والسكون تخلصون بالهدوء والطمأنينة تكون قوتكم + اش 15: 30: لابد من
الراحة.. الإنسان يحتاج أن يستريح.. ويحتاج أن يهدأ قليلاً ليسترد قوته وعزمه
ونشاط ويعرف أن يفكر.. والإنسان الروحى لا يستريح إلا فى المسيح.. فتكون الكنيسة
بكلا سيكيتها ورتمها الهادى وأيقوناتها العتيقة.. وأضوائها الخافئة وألحانها
الشجية.. بالبخور والشموع وأجساد القديسين.. بالكاهن والمذبح والمنجلية.. بالجلية
الهادئة فى أحد أركان الكنيسة.. بالمناجاة الصامتة وسط صخب العالم.. بهذه كلها
يخلص الإنسان من ضجيج الحياة ويستعيد قوته التى تستنزفها المعيشة السامية.. ويعود
إلى العالم مرة أخرى ليبزل مزيداً من الجهد محققاً رسالته الإلهية فى الحياة
“أنتم نور العالم.. أنتم ملح الأرض”.

 

4-
الالتزام الاجتماعى والإنسانى: إن العالم اليوم يكرس القيم الأخلاقية.. ويتبنى
منهج اللاباحية وعدم الالتزام بالأخر.. صار الجنس للناس متعة واستغلالاً للآخر
وبدأت معالم الأسى تختفى ولم يعد هناك مجالاً للدفء العائلى والعاطفى الكل يسعى
وراء اللذة العابرة التى أفقدت الإنسان كرامته ومعناه الإنسانى ووسط هذا الضخم
الهائل من تيارات الإباحية تقف الكنيسة شامخة تردد قول السابق الصابغ يوحنا
المعمدان “لا يحل لك” ستقف الكنيسة شاهدة على انحراف العصر والناس..
وطوبى لمن يسمع ويعمل طوبى لمن يلتزم بالمبادئ الإنسانية.. ويرتبط بالآخر ارتباطاً
مقدساً كنسياً.. تنعدم معه الإنانية وينفتح الإنسان بكل طاقاته ليستوعب الآخر
ويحبه ويلتزم به إلى المنتهى لأنه “الغبطه فى العطاء أكثر من الأخذ”
وسعادة الإنسان الحقيقية فى أن يبذل ويعطى ويسعد الآخرين..

آه
لو يسمع العالم لصوت الكنيسة والإنجيل.

 

آه
لو تلتزم الكنيسة برسالتها دون تنازل عن روح الإنجيل.

آه
لو أدت الكنيسة رسالتها بوعى وانفتاح وتمسك ومرونة إذا لتغير العالم (المتغير)
وصار له مذاقه أجمل مما له الآن.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى