علم

الكتاب الثاني: الفصل التاسع



الكتاب الثاني: الفصل التاسع

الكتاب
الثاني: الفصل التاسع

9-
كون أن الابن مُرسل من الآب
هذا لا يعني
أن الابن أقل من الآب

ملخص:

 الاعتراض
بأن الابن، بسبب أنه مُرسَل من الآب يصير على الأقل من جهة الاعتبار أقل من الآب،
نجيب عليه بأنه أيضاً أُرسل من الروح القدس الذي لا يُعتبر أعظم من الابن. علاوة
على ذلك، فإن الروح القدس بدوره قد أرسله الآب إلى الابن حتى تتضح وحدانية عملهم
(أي أقانيم الثالوث). فمِن واجبنا لذلك أن نميز بحرص بين ما هو ملائم أن يُنسب
للمسيح كإله، وما الذي يُنسب إليه كإنسان.

 

74
لا تنتابني أية مخاوف بخصوص الاعتراض الشائع من جهة المسيح أنه أقل من الآب بسبب
أنه مُرسَل منه لأنه رغم كونه كان مُرسلاً، إلاّ أنه لا ينتج عن هذا أن يكون أقل
في الطبيعة؛ ومن الجهة الأخرى، فإن لقبه المساوي في الكرامة (للآب) هو أمر ثابت
حقاً. وبما أن الجميع يكرمون الابن كما يكرمون الآب (يو23: 5)، فمن المؤكد أن
الابن ليس أقل من الآب، بسبب كونه مُرسَل (منه).

75
لذلك، لا ينبغي أن تلتفت إلى الحدود الضيقة للغة البشرية، بل لاحظ المعنى الواضح
للكلمات، وآمن بالحقائق التي تمَّت. تذكَّر أن ربنا يسوع المسيح قال في سفر إشعياء
إن الروح قد أرسله (إش1: 61). فهل لذلك يكون الابن أقل من الروح لأن الروح أرسله؟
وهكذا عندك المكتوب أن الابن يعلن نفسه أنه مُرسَل من الآب ومن روحه. إنه يقول:
” أنا الأوّل”، “وأنا الحي إلى الأبد، ويدي أسَّست الأرض ويميني
نشرت السموات ليقفن معاً” (إش13،12: 48). وأيضاً: ” أنا أنا تكلمت
ودعوته، أتيت به فينجَحُ طريقه، تقدموا إلىَّ واسمعوا هذا، لم أتكلم من البدء في
الخفاء، منذ وجوده أنا هناك، والآن السيد الرب أرسلني وروحه” (إش16،15: 48).
هنا بالحق نجد أن الذي صنع السماء والأرض هو نفسه الذي أرسله السيد الرب وروحه.
فها أنت ترى إذن أنه حتى فقر اللغة لا يقلل شيئاً من كرامة إرساليته، إذن فالآب
أرسله، كما أن الروح أرسله أيضاً.

76
ولكي تعرف أنه لا يوجد فرق فاصل في الجلالة والعظمة، فإن الابن أيضاً بدوره يرسل
الروح كما قال هو نفسه: ” متى جاء المعزى الذي سأرسله أنا إليكم من عند أبى،
روح الحق الذي من عند الآب ينبثق” (يو26: 15). أما عن كون المعزى نفسه مُرسل
من الآب، فقد بيّنه من قبل في قوله: ” المعزى الروح القدس الذي يُرسله الآب
باسمي” (يو26: 14). لاحظ وحدتهم من حيث إن الذي يُرسله الآب، فالابن أيضاً
يُرسله، والذي يرسله الآب يُرسله الروح أيضاً. وإلاّ كان الآريوسيون لا يعترفون أن
الابن قد أُرسل لأننا نقرأ أن الابن هو يد الآب اليمنى، فإنهم بأنفسهم يعترفون
فيما يخص الآب بما ينكرونه للابن، إلاّ إذا ربما اخترعوا لأنفسهم أباً آخر أو
ابناً آخر.

77
فلنكف إذن عن الجدل العقيم حول الألفاظ، لأن ملكوت الله كما هو مكتوب ليس ”
بكلام بل بقوة” (انظر 1كو20: 4)، ولننتبه إلى التمييز بين الألوهية والجسد،
ففي كليهما يتكلم ابن الله الواحد نفسه، لأن كلاً من الطبيعتين موجودة فيه، ورغم
أنه هو نفس الشخص الذي يتكلم، فهو لا يتكلم دائماً بنفس الطريقة. فأنت ترى فيه مجد
الله أحياناً، وفي أحيان أخرى ترى آلام الإنسان. فهو كإله يتكلم بأمور الله لأنه
هو الكلمة؛ وكإنسان هو يتكلم بأمور الإنسان لأنه يتكلم بطبيعتي.

78
” هذا هو الخبز الحي الذي نزل من السماء” (يو58: 6). هذا الخبز هو جسده
كما قال هو بنفسه: ” والخبز الذي أنا أعطى هو جسدي” (يو51: 6). هذا هو
الذي نزل من السماء، هذا هو الذي قدَّسه الآب وأرسله إلى العالم، والكتاب نفسه
يعلّمنا أن اللاهوت ليس في حاجة إلى تقديس بل الجسد، كما قال الرب نفسه: ”
لأجلهم أُقدس أنا ذاتي” (يو19: 17). وهذا لكى تعترف وتقرّ أنه إنما يتقدس في
الجسد لأجلنا، كما أنه هو الذي يُقدِّس (جسده) بقوة لاهوته.

79
هذا هو نفس الابن الذي أرسله الآب، ولكنه كما يقول الرسول: ” مولوداً من
امرأة، مولوداً تحت الناموس” (غلا4: 4). هذا هو نفسه الذي يقول: ” روح
الرب علىَّ، لأنه مسحني لأُبشِّر المساكين” (لو18: 4، إش1: 61)، هذا هو الذي
قال: ” تعليمي ليس لي بل للذي أرسلني، إن شاء أحد أن يعمل مشيئته يعرف
التعليم هل هو من الله أم أتكلم أنا من نفسي” (يو17،16: 7). فالتعليم الذي من
الله شيء والتعليم الذي من الإنسان شيء آخر. لذلك فإن اليهود عندما اعتبروه
إنساناً وسألوه عن تعليمه وقالوا: ” كيف هذا يعرف الكتب وهو لم يتعلم؟ أجابهم
يسوع: تعليمي ليس لي بل للذي أرسلني” (يو15: 17و16). فإن كان يُعلِّم وهو لم
يعرف أُبهة اللغة، يتضح أنه لا يُعلِّم كإنسان ولكن كإله، وهو لم يتعلم (من أحد)
ولكنه أبدع تعليمه (بنفسه).

80
لأنه هو الذي أوجد وأبدع كل طريق التعليم كما قرأنا من قبل، نظراً لأنه ابن الله
الذي قيل عنه: ” هذا هو إلهنا ولا يحاذيه آخر. هو أوجد طريق التعليم بكماله،
وبعد ذلك تراءى على الأرض وتخاطب مع الناس” (باروخ36: 338). كيف إذن وهو إله
لا يستطيع أن يكون له تعليمه الخاص، وهو الذي قد أوجد كل طريق التعليم قبل أن
يتراءى على الأرض؟ وكيف يكون أقل (من الآب) وهو الذي قيل عنه: ” ولا يحاذيه
آخر”؟. بالتأكيد فإنه يعلو على المقارنة، وهو إذا قورن بآخر فإن هذا الآخر لا
يمكن أن يكون محاذياً له. والآن إذا افترض أحد أن كلام النبوة هنا هو عن الآب،
فإنهم سيسقطون في تجديف سابيليوس، بأن ينسبوا للآب أنه اتخذ طبيعة بشرية.

81
فلنأتِ الآن إلى ما يلي: ” مَن يتكلم من نفسه يطلب مجد نفسه” (يو18: 7).
انظر الوحدة التي يُعلن بها الآب والابن بكل وضوح. الذي يتكلم لا يمكن إلاّ أن
يكون كائناً ومع ذلك فما يتكلم به لا يمكن أن يكون من نفسه وحده، لأنه كل ما فيه
هو موجود فيه طبيعياً من الآب.

82
والآن ما معنى تلك الكلمات: ” يطلب مجد نفسه”؟، إنها لا تعنى مجداً لا
يكون الآب مشتركاً فيه، لأنه في الحقيقة إن كلمة الله هو مجد الله. ويقول ربنا
أيضاً: ” لينظروا مجدي” (يو24: 17)، ولكن مجد الكلمة هو أيضاً مجد الآب
كما هو مكتوب: ” الرب يسوع المسيح في مجد الآب” (فى11: 2)، فمن جهة
لاهوته، فإن ابن الله له مجده الإلهي الذاتي، ليكون مجد الآب والابن واحداً. فمن
ثمَّ لا يكون أقل في البهاء وذلك لأن المجد واحد، ولا أقل في الألوهة لأن ملء
اللاهوت حالٌّ فيه (كو19: 1، 9: 2).

83
أنت تسأل معي، كيف كُتب: ” أيها الآب قد أتت الساعة، مجِّد ابنك”؟ (يو1:
17). أنت تقول إن الذي يتفوَّه بهذه الكلمات يحتاج إلى أن يتمجَّد، ولكن يا لقصر
نظرك! ألم تقرأ بقية المكتوب الذي يكمل: ” ليمجدك ابنك أيضاً”. هل
حَدَثَ مطلقاً أن الآب قد احتاج لأي مجد، حتى يمجِّده الابن؟.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى