علم

الكتاب الأول: الفصل العاشر



الكتاب الأول: الفصل العاشر

الكتاب
الأول: الفصل العاشر

10-
أزلية المسيح في تعليم الرسول
: الولادة
الإلهية تفوق إدراكنا وتعابيرنا

ملخص:

 إن
أزلية المسيح يُبرهَن عليها من تعليم الرسول. والقديس أمبروسيوس يحضنا على
الاعتقاد بأن الميلاد الإلهي لا يجب أن يُفكَّر فيه بأنه على نمط التناسل البشرى،
ولا يجب أن يُنظر إليه في فضول. من ثمَّ وبسبب الصعوبات الناجمة، فإنه يرفض أن
يبحث في هذا الموضوع، ويقول إنه مهما كانت العبارات والاصطلاحات (التي يُعبَّر
بها) والتي نستمدها من معرفتنا البشرية الشخصية، فهذه عندما تُستخدم في الميلاد
الإلهي، فإنه يجب علينا أن نفهمها بمعنى روحي.

 

62
لدينا هنا برهان آخر يبّين بوضوح أزلية الابن. فالرسول يقول إن قوة الله والألوهة
هما أزليان، وإن المسيح هو قوة الله، لأنه مكتوب أن المسيح هو: ” قوة الله
وحكمة الله” (1كو23: 1و24)، فإن كان المسيح هو قوة الله، فمن ثمَّ نظراً لأن
قوة الله هي أزلية فيكون المسيح أيضاً أزلياً.

63
فأنت لا تقدر إذن أيها الهرطوقي أن تبنى عقيدة مزيفة من خلال عُرف التناسل البشرى،
ولا أن تجمع مدلولات من خلال حديثنا هذا، إذ أنه لا يمكننا أن نحيط بعظمة الألوهة
غير المحدودة من خلال لغتنا المحدودة، لأنه: ” ليس لعظمته استقصاء”
(مز3: 145). إن كنت تبحث في أن تُعطى حساباً عن ميلاد إنسان، فإنه يلزمك أن نحدد
زمناً، أمّا الميلاد الإلهي فهو فوق كل الأشياء، إنه يبلغ أقصى بُعده واتساعه،
ويرتفع فوق كل فكر وإحساس، لأنه مكتوب: ” ليس أحد يأتي إلى الآب إلاّ
بي” (يو6: 14). لذلك فمهما تخيلت فيما يتعلق بالآب، حتى ولو كان أزليته، فلن
تستطيع أن تدرك شيئاً عنه إلاّ بمعونة الابن، ولا يمكن لأي فهم أو إدراك أن يرتفع
إلى الآب إلاّ بالابن. إن الآب يقول: ” هذا هو ابني الحبيب” (مت5: 17،
مر7: 9، لو35: 9). عليك أن تلاحظ وتنتبه إلى أن لفظة: “هو”، أي هو كائن
كما هو إلى الأبد، ومن ثمَّ فإن داود تحرك ليقول: ” يارب إن كلمتك مثبتة في
السموات إلى الأبد” (مز89: 119). إن ما يثبت لا يكف عن أن يكون موجوداً
وأزلياً.

64
ولكنك قد تسألني كيف يكون المسيح ابناً إن لم يكن له أبٌ موجود قبله؟ وأنا بدوري
أسألك كيف ومتى تظن أنت أن الابن قد وُلِدَ؟ أما بالنسبة لي فإن معرفة سر ميلاده
تفوق ما يمكنني إدراكه[1]، والفكر يعجز واللسان يبكم، ودائماً، ولست أنا فقط، ولكن
الملائكة أيضاً. إنه سر أسمى من قدرة القوات (الملائكة)، وفوق الملائكة وفوق
الشاروبيم والساروفيم، وفوق كل الموجودات التي لها حسٌّ وإدراكٌ، لأنه مكتوب:
” سلام المسيح الذي يفوق كل فهم” (فى7: 4)، فإن كان سلام المسيح يفوق كل
فهم، فكيف لا يكون هذا الميلاد العجيب فوق كل إدراك؟

65
فعليك إذن (مثل الملائكة) أن تُغطِّى وجهك بيدك[2]، إذ لم يُعطَ لك أن تتطلَّع إلى
الأسرار العجيبة! إنه من الجائز والمسموح به لنا أن نعرف أن الابن مولود، لا أن
نجادل في طريقة ميلاده. إنني لا يمكنني أن أنكر الأمر الأول، أما الثاني فإنني
أخشى أن أبحث فيه، لأنه إن كان بولس يقول إن الكلمات التي سمعها عندما اختُطِف إلى
السماء الثالثة لا يُنطق بها[3]، فكيف يمكننا نحن أن نشرح سر هذا الميلاد من الآب،
الشيء الذي لا يمكننا أن نسمعه ولا أن نبلغه بعقلنا؟

66
ولكنك إن كنت تجبرنى على قبول قاعدة الولادة البشرية، حتى تدعنى أسمح لك أن تقول
إن الآب كان موجوداً قبل الابن، فعليك أن تفكر، هل الأمثلة التي تُستمد من
المخلوقات الأرضية، تكون مناسبة لتُبيّن وتُوضح الميلاد الإلهي. فإن كنا نتكلم
بحسب ما هو معتاد أن يحدث بين الناس، فإنه لا يمكنك أن تنكر أنه في الإنسان فإن
التغيُّرات التي تحدث في كيان الأب (الوالد) تحدث قبل تلك التي تحدث في أبنائه.
فالأب هو الأول في النمو، وفي الدخول في الشيخوخة، وفي أن يحزن، وفي أن يبكى. إذن
فإن كان الابن يأتى بعده في الزمن، فالأب يكون أقدم في الخبرة عن الابن. وإن كان
الابن يُولد، فإن الوالد يفلت من عار الولادة.

67
لماذا تجد لذة في هذا العذاب بالأسئلة. أنت تسمع اسم ابن الله، فإمّا أن تلغيه
وتبطله، أو أن تقرّ وتعترف بطبيعته الحقيقية. أنت تسمعه يتكلم عن الرحِم، فعليك أن
تعترف بحقيقة الميلاد الذي لا شك فيه[4]، وتسمع عن قلبه فعليك أن تعترف أنه يوجد
هنا كلمة الله[5]. وعن يده اليمنى فعليك أن تعترف بقوته[6]. وعن وجهه فاعترف
بحكمته[7]. فعندما نتكلم عن الله، فلا يجب أن نفهم هذه الكلمات، كما نفهمها حينما
نتكلم عن الأجساد. إن ميلاد الابن يفوق الفهم، والآب يلد الابن بدون ألم[8]، ومع
ذلك فإن الإله الحق قد وَلَدَ الإله الحق من ذاته وولده قبل كل الدهور. الآب يحب
الابن[9]، بينما أنت تفحص بقلق عن شخصه. إن الآب قد سُرَّ به[10]، أمَّا أنت فإنك
تشترك مع اليهود إذ تنظر إليه بعين شريرة؛ الآب يعرف الابن[11]، وأنت تشترك مع
الوثنيين بسبّك وإهانتك وشتيمتك له[12].

===

[1] مز6: 139: ” عجيبة هذه المعرفة فوقى، ارتَفَعَتْ لا أستطيعها”.

[2] قارن إشعياء5: 6.

2[3] كو2: 125.

[4] قد يكون الشاهد هنا هو إش5: 49س ” والآن قال الرب جابلى من الرحم
(البطن)”.

1[5] صم14: 13 “.. قد انتخب الرب لنفسه رجلاً حسب قلبه..”.

[6] مز2: 97 ” أحيَت (خلَّصت) له يمينه وذراعه القدوسة.. “.

[7] مز9: 27 ” لا تحجب وجهك عنى..”.

[8] أي دون أن يعتريه أي تغيير فى نفسه.

[9] يو20: 5 ” لأن الآب يحب الابن “.

[10] انظر مت17: 3، مر11: 1، لو22: 3.

[11] انظر يو22: 5و23، يو35: 3، يو1: 17و2و5.

[12] انظر لو36: 23و37.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى