اللاهوت الروحي

الفصل السابع



الفصل السابع

الفصل
السابع

العمل
الإيجابي والعمل الداخلي

66-
أهمية العمل الإيجابي في مقاومة الخطية

كل
إنسان في بناء حياته الروحية يواجه أمرين هامين: أحدهما هو مقاومة الخطية في غيره
من الناس. لكي يشارك في نقاوة المجتمع الذي يعيش فيه. إنها حياة صراع ضد الخطية
والشيطان. تمثل الجانب السلبي من الحياة الروحية.

 

أما
الجانب الإيجابي في الحياة الروحية، فهو بناء النفس والروح بالفضيلة والحياة مع
الله ومذاقه بالفضيلة والحياة مع الله ومذاقه الملكوت. فيذوق محبة الله والتمتع
بعشرته في حياة مقدسة.

 

إن
الذي يجعل حياته كلها مقاومة للخطية، لاشك أنه يتعب كثيراً، لأن حياته ضائعة في
صراع مع الخطية التي قال عنها الكتاب إنها ” طرحت كثيرين جرحي، وكل قتلاها
أقوياء” (أم7: 26) وفي صراع مع الشيطان الذي هو عدو قاس وشرير لا يرحم. وفي
نفس الوقت هو مختبر للنفس البشرية على مدي الآف السنين. يعرف ضعفاتها ونقائصها.
ويعرف كيف يسقها..

 

لاشك
أن هذا العمل السلبي شاق وصعب. وقضاء الحياة فيه أمر يرهق النفس ارهافاً قد لا
تحتمله.

 

 فالصراع
مع أجناد الشر الروحية ليس أمراً سهلاً. لأن الشيطان وإن كان قد فقد طهارته
ونقاوته وقداسته السابقة. إلا أنه لم يفقد طبيعته كملاك. بكل ما في هذه الطبيعة من
قوة وبكل ما لها من إمكانيات..

 

ماذا
إذن؟ هل يترك الإنسان هذا الجانب السلبي؟ هل يترك مقاومة الخطية؟! كلا، بلا شك فإن
هذا يكون استسلاماً لها..؟

 

والرسول
يعاتب أمثال هؤلاء ويقول ” لم تقاوموا بعد حتى الدم مجاهدين ضد الخطية”
(عب12: 4).فالمفروض في الإنسان أن يقاوم الشيطان والخطية والجسد بكل ما له من قوة،
وبكل ما منحه الله من نعمة، ويستمر صامداً إلى آخر نسمة من حياته.

 

أنما
السؤال هو: لماذا تكون مقاومة الخطية صعبة؟ لماذا قال كثير من الآباء إن الحياة
الروحية تبدأ بالتغصب وقهر النفس؟

 

إنها
تكون هكذا صعبة إن كانت خالية من العمل الإيجابي.. إن كانت مجرد صراع.. ”
الروح يشتهي ضد الجسد، والجسد يشتهي ضد الروح. وهذان يقاوم أحدهما الآخر (غل5: 17).
ولماذا هذا الصراع؟ ذلك لأن محبة الله لم تدخل إلى القلب، ولم تستقر فيه بعد وكيف
تدخل محبة الله إلى القلب؟.. تدخل بالعمل الإيجابي.

 

67-
أهمية محبة الله

من
هنا كانت أهمية العمل الإيجابي في الحياة الروحية. لأنه بدونه تكون مقاومة الخطية
عملية صعبة ومريرة. وربما تكون أيضاً عملية خاسرة..! ولعلنا هنا نسأل:

 

لماذا
يتعب الإنسان في حروبه الروحية، ولماذا يتأرجح كثيراً بين الفشل والنجاح؟

ذلك
لأن محبة الله ليست داخل قلبه. فهو يحارب من فراغ. يقاوم الخطية ثم لا يصمد. لأنه
لا يملك السلاح الذي يحارب به. لا يملك القوة التي يصمد بها. ولا شك أن السلاح
القوي الذي تنتصر به على الخطية. هو محبة الله التي تجعلك تنفر من الخطية وتقول”
كيف أفعل هذا الشر العظيم واخطئ إلى الله” (تك39: 9).

 

إن
محبة الله إن دخلت إلى قلبك، ستهرب منه الخطية تماماً، هذه التي تشقي أنت في
مقاومتها، وتقع وتقوم مرات بغير ثبات!

 

إن
دخلت محبة الله إلى قلبك. لا تشعر بأي سلطان للخطية عليك. ولا تحتاج إلى جهد كبير
في مقاومتها بل لا تجد داخلك هذا الصراع بين الجسد والروح. لأنك ستكون بطبيعتك
نافراً من الخطية. كما أن الشيطان لا يجد له مكاناً فيك.. وكما قال السيد المسيح
له المجد ” رئيس هذا العالم يأتي، وليس له في شيء” (يو14: 30).

 

حالياً
تحتاج إلى صراع مع الخطية، لأن في داخلك شهوات عالمية تسقطك. توجد شهوات في قلبك
تقاوم الله. فيدخل وأعوانه معه. لذلك شهوة الروح تجد مقاومة في داخلك من شهوة
الجسد. أما إن كانت محبة الله في قلبك، فسيكون بيتك محصناً ضد أي خطية، فلا تجد
سهولة مطلقاً في اقتحامه. وحينئذ يمكنك أن تغني مع داود النبي، وتقول لنفسك
المحصنة ” سبحي الرب يا أورشليم. سبحي إلهك يا صهيون لأنه قوي مغاليق أبوابك،
وبارك بنيك فيك” (مز147).

 

محبة
الله في داخلك، تجعل الخطية ضعيفة جداً في مهاجمتها لك، لأن لا يوجد في داخلك ما
يتفق معها.. وتصبح أبواب قلبك مغلقة أمام الشيطان. لا يستطيع أن ينفذ إليها بضربة
شمال أو بضربة يمين. الحب في داخلك يحصن نفسك. وهذا الحب يلد في داخلك بنين كثيرين
هم ثمر الروح من الفضائل وأعمال البر.

 

لذلك
لا يقول المرتل لنفسك إن الله قد حصن مغاليق أبوابك. فقط من الناحية السلبية. إنما
يقول لها أيضاً من الناحية الإيجابية وبارك بنيك فيكِ”.

 

إنه
جهاد مريح وسهل ومفرح للقلب، أن تجاهد الجهاد الإيجابي من أجل معرفة الله والنمو
في محبته. وهو جهاد يختلف تماماً عن الجهاد السلبي في مقاومة الخطية والشيطان.

 

إن
ألذ شئ في الحياة الروحية هو هذا العمل الإيجابي. الذي هو مذاقه الله ومذاقه
الملكوت. وهو التمتع بالله. والمعيشة معه في عمق محبته. وفيه لا تعود تقاسي من
الحروب الروحية. ولا صراع ضد الخطية. لأنك لم تعد تتفق معها في طباعك. ولا يوجد في
داخلك ما يرضي بها..

 

هل
تظن أن الإنسان يسقط في الخطية، بسبب أن الخطية قوية، والعثرات شديدة، والشيطان
كثير الحيل؟! كلا، بل أنه يسقط بالأكثر لأن قلبه خال من محبة الله..

 

وإن
كان يحب الله. فلن يجد الخطية شهية على الإطلاق. ولا يجدها مطلقاً قوية في حروبها..
بل يري نفسه ينفر منها خاطئة جداً. ولا توافق طبعه النقي.

 

68-
الوصول إلى محبة الله

وكيف
يصل إلى ذلك؟

يصل
إلى ذلك بالعمل الإيجابي الروحي الذي يوصله إلى محبة الله. ومحبة الله تجعله لا
يخطئ. لأن المحبة لا تسقط أبداً” (1كو13: 8). وكما قال القديس يوحنا الرسول
إن الله محبة. والذي يثبت في المحبة يثبت في الله، والله فيه” (1يو4: 16)
” ولا يستطيع أن يخطئ، لأنه مولود من الله” (1يو3: 9). حاول إذن أن تملأ
قلبك من محبة الله، حينئذ تكون محبته في داخلك كنار ملتهبة، تحرق كل شهوات الخطية
وكل آثارها وكل أفكارها.

 

فما
هو العمل الإيجابي الذي يوصلك إلى كل هذا؟

 

فكر
كثيراً في الله. وتفكيرك في الله يلد محبته في قلبك. ومحبته تجعلك تفكر فيه
بالأكثر. وكل من الأمرين يوصل إلى الآخر ويقويه..

 

وإذ
ما أكثرت التفكير في الله. وفي سمائه وملائكته، وفي كلامه ووصاياه، وفي الأبدية
السعيدة معه، وإذا ما أكثرت التفكير في صفات الله الجميلة، وفي معاملات الله للناس،
حينئذ ستنشغل بالله. ومشغوليتك به ستجعلك تفكر فيه بالأكثر وتفكيرك فيه سيزيد
محبتك له. وهكذا تدور الدائرة.

 

تفكيرك
في الله هو العمل الإيجابي الأول في حياتك الروحية.. أي أن يكون الله أمامك
باستمرار، تتذكره كل حين، وكما قال داود النبي محبوب هو أسمك يارب. فهو طول النهار
تلاوتي” (مز119).

 

وتفكيرك
في الله يقدس فكرك. ويلد في قلبك مشاعر روحانية. وفي كل ذلك تستحي من أن تفكر في
شئ خاطئ. ولا يسهل عليك أن تخل بأفكارك المقدسة أي فكر نجس. أو حتى أي فكر عالمي.
وتشجيع للاستمرار في فكرك الإلهي.

 

والتفكير
في الله يوصلك إلى نقاوة القلب، لأنه لا شركة مطلقاً بين النور والظلمة.

 

وهنا
تتعود الصلاة. وتتعود أيضاً الهذيذ والتأمل. وتشعر بأنك في حضرة الله باستمرار.
وفي هذا الحضور الإلهي لا يجرؤ الشيطان أن يتقرب إليك. وإن اقترب سرعان ما يتركك.
لأنه لا يجد له مجالاً فيك. ولا يجدك متفرغاً له. ويري أن طرقك لا توافق طرقة..
وحتى إن حاربك بشئ. تكون حربة ضعيفة. لأنك مشغول بالله..

 

لهذا
تكون كل حرب الشيطان لك مركزة في إبعادك عن الانشغال بالله، وليس في محاربتك علناً
بالخطية..

 

فإن
استطاع أن يبعدك عن عملك الإيجابي الذي هو الانشغال بالله حينئذ يتدرج خطوة أخري
فيحاول إلقاءك في السلبيات.. وحتى في تلك الحالة تكون قد اكتسبت قوة عملك الروحي
السابق تستطيع أن تقاوم بها محاربات الشيطان. وفي هذه الحالة يحاربك الشيطان وهو
يحترمك، وهو يخافك، ويحترس منك، فلا تنزل عليك بكل ثقله.

 

أما
الإنسان البعيد عن العمل الإيجابي. فهو فريسة سهلة للشياطين. وهم لا يخافونه. إذ
يعرفون أنه بلا قوة في الداخل تقاومهم. قلنا إن العمل الإيجابي يشمل محبة الله،
ويأتي عن طريق التفكير في الله، وعن طريق الهذيذ والتأمل والانشغال بالله. وماذا
ايضاً:

 

إن
القراءة الروحية نافعة جداً كعمل إيجابي يشغل الفكر بالله، ويقدم له كذلك مادة
للتأمل وللصلاة. إنها تذكرني برفع البخور. الذي يعد المذبح لتقديم القرابين عليه.

 

فالقراءة
توجد فكرك في جو روحي وتذكرك بالله وقديسيه. وكلمة الرب فعالة، تعمل فيك، وتعطي
حرارة لروحياتك، وتدفعك بقوة إلى طريق الرب، كما أنها تعطيك استنارة في الفكر،
وتلد فيك مشاعر روحانية، وتقوي عزيمتك على السير في طريق الله..

 

ومثل
القراءة الروحية في فاعليتها، الاجتماعات الروحية أيضاً.

 

بكل
ما فيها من صلوات وقراءات، وتراتيل وألحان وجو روحي نافع لربط الإنسان بالله. يضاف
إلى ذلك ما فيها من كلمات روحية نافعة. كل ذلك يوجدك في بيئة روحانية، يشعر
الشيطان أنه غريب عنها..

 

والصدقات
الروحية نافعة جداً. إنها من العمل الإيجابية التي تقوي بها قلبك وتجذبك إلى الله.

 

وصديقك
الروحي، هو الصديق الذي كلما تراه، تذكر الله ووصاياه، وتتبكت على خطاياك، وتأخذ
منه قدوة حياة الفضيلة.

 

إن
الخطية لم تستطع أن تدخل في حياة لوط وأسرته. حينما كان لوط يعيش مع أبينا إبراهيم.
ولكنها وجدت مجالاً حينما ابتعد لوط عن هذه الصداقة الروحية وسكن في سادوم. يعذب
نفسه بأخطاء سكانها.

 

والتناول
من أهم الأعمال الإيجابية بتأثيراته العميقة في النفس، وربما يصحبه باستمرار من
توبة واعتراف.

 

وقد
قال السيد المسيح عمن يتناول ” يثبت في وأنا فيه” (يو6: 56). نقول في
صلوات القداس الإلهي نتناول من قدساتك طهارة لأنفسنا وأجسادنا وأرواحنا “..

 

فما
هو الذي لك من كل هذا العمل الإيجابي؟ وماذا لك أيضاً من جهة التداريب الروحية
التي تدرب بها نفسك على حياة الروح وثمار الروح. والتي تجعلك منشغل الفكر كل يوم
بأبديتك وكل ما تتطلبه من أعمال.. ثم ماذا أيضاً عن محاسبة النفس. وتبكيتها على كل
نقص وكل خطأ.. وماذا عن المطانيات والصوم والسلوك في حياة الروح..؟

 

69-
فائدة العمل الإيجابي

إنك
بكل هذا العمل الإيجابي، تقيم توازناً داخل نفسك بين تأثيرات العالم عليك والتأثير
الروحي.

أما
أن يأتي الشيطان ليحاربك. فلا يجد حولك انجيلاً، ولا مزموراً، ولا صلاة ولا هذيذاً
ولا تأملات روحية ولا اجتماعات، ولا أصواماً، ولا مطانيات، ولا اعتراف، ولا تناول..
فماذا يكون حالك إذن؟ وكيف تستطيع أن تقاوم الخطية بلا سلاح؟!

 

تكون
حينئذ مثل مدينة يحاربها العدو، وهي بلا جيش، بلا أسلحة، بلا تحصينات..! خذ هذه
قاعدة. وضعها أمامك: كل إنسان تجده ساقاً في الخطية، لابد أن تكون قد مرت عليه
فترة، وهو بعيد عن العمل الإيجابي، سواء من جهة الوسائط الروحية، أو من جهة العمل
الإيجابي في حياة الفضيلة ومحبة الله..

 

وهكذا
تكون الخطية قد أتته، وهو غير مستعد لها. أو اتته وهو في حالة ضعف أو فتور. انظروا
إن الرب قد قال:

 


صلوا لكي لا يكون هربكم في شتاء ولا في سبت” (متى24: 20).

 


في شتاء ” في حالة البرودة الروحية ولا ” في سبت ” في وقت لا تعمل
فيه عملاً من الأعمال. وكلا الأمرين يذكرانا بالبعد عن العمل الإيجابي الروحي..

 

لذلك
كن متيقظ القلب باستمرار. وليكن زيتك في مصباحك. وكما قال الرب في هذا الاستعداد.
وكلا احقاؤكم ممنطقة، ومصابيحكم موقدة” (لو12: 35). اهتم بالعمل الإيجابي
الروحي الذي يمنحك قوة لمقاومة الخطية. املأ مخازنك من الروحيات. لكي لا تقوى عليك
السنوات العجاف بكل ما فيها من جوع وقحط. واحتفظ بحصاتك في مقلاعك. حتى إن ظهر
أمامك جليات. يمكنك أن تتقدم إلى الصف وأنت تقول في ثقة ” اليوم يحسبك الرب
قي يدي” (1صم17: 46).

 

ولا
تقصر جهادك على مقاومة السلبيات فقط، فإنها عمل مضن. وإنما بالعمل الإيجابي تنال
قوة يمكنك بها التصدي للخطية. وليكن الرب معك..

 

70-
أهمية العمل الداخلي

الحياة
الروحية ليست مجرد ممارسات خارجية تعمل بالجسد. إنما المقياس الروحي لها يتوقف على
مدي روحانية الإنسان من الداخل، من حيث دوافعه ونياته، ومشاعر قلبه وحالة فكرة..
ولا ننسي قول الرب في ذلك: “يا إبني اعطني قلبك، لأن منه مخارج الحياة”
(أم4: 23).

 

الفضائل
إذن تبدأ في القلب. ومن القلب تخرج لتظهر في الأعمال الظاهرة وكل عمل خارجي فاضل
بدون القلب لا يحسب فضيلة على الإطلاق.

 

ولقد
رفض الله كل عبادة تقدم إليه دون أن تكون نابعة من قلب نقي. وقال موبخاً اليهود
هذا الشعب يكرمني بشفتيه. أما قلبه فمبتعد عني بعيداً” (مز7: 6).

 

لذلك
لا يصح أن تهتم بالفضائل الخارجية، ولا أن تكتفي بذلك.

 

ولنضرب
مثالاً لذلك: مقاومة الغصب. إنسان يريد أن يترك الغضب، فيدرب نفسه على أن يهدئ
ملامحه، ويهدئ حركاته، ويبعد عن الصوت العالي، وعن الصوت الحاد، ويبدو هادئاً،
بأعصاب هادئة بعيدة عن الانفعال. ولكن كل هذا هدوء خارجي. وربما يكون قلبه من داخل
في أتون من نار، مملوءاً من الغضب، المكبوت في داخله، وحسن طبعاً أنك لا تثور، حتى
لا تخطئ بلسانك وتفقد علاقاتك بالآخرين. ولكن..

 

وهدوء
القلب يأتي بتدريبه على الاحتمال، وعلى الوداعة، ومحبة الآخرين، وعلى لوم النفس
أيضاً. وهكذا تقنع نفسك من الداخل، حتى لا يتحرك قلبك حركة خاطئة، مهما كانت غير
ظاهرة للآخرين.

ولعل
هذا يذكرنا بقول الآباء عن: معنى تحويل الخد الآخر..

ما
معني من لطمك على خدك الأيمن حول له الآخر أيضاً؟ (متى5: 39).

قال
بعض الآباء كما في كتاب المعاهد ليوحنا كاسيان إن اللطمة الأولي هي من الخارج، على
الخد أي إهانة خارجية، تقابلها بتحويل الخد الآخر، الذي هو اللطمة الداخلية،
بتوجية اللوم إلى نفسك، بأن تقول لنفسك: أنا استحق كل هذا بسبب خطاياي. فاللطمة
الثانية تأخذها من قلبك في الداخل.

 

وحتى
إن أخذنا وصية تحويل الخد الآخر بالمعني الحرفي وليس بالمعني الرمزي يوافق ما حدث
لداود النبي لما تعرض ” شمعي ابن جيرا ” لسبه وإهانته حينئذ أراد قائد
جيش داود أن يقتل شمعي بن جيرا، فمعنه داود النبي قائلاً: “دعوه يسب، لأن
الرب قال له سب داود.. لعل الرب ينظر إلى مذلتي” ((2صم 16: 5 12).

 

وهذا
أيضاً يوافق قول القديس الأنبا أنطونيوس الكبير “إذا وبخك أحد من الخارج،
فوبخ نفسك من الداخل” وذلك لكي يصير هناك توازن في داخلك وخارجك، حتى لا تتعب..

 

فالبعض
يحتمل من الخارج في هدوء ظاهري بين داخله وخارجه..

 

ولكن
بالعمل الروحي الداخلي ينجو من هذا التناقص، إما عن طريق الاتضاع بلوم النفس وتذكر
خطاياه.. وإما عن طريق الفرح بالدخول في شركة آلام المسيح (في3: 10). وهكذا يشعر
بفرح في الآلام، مثلما حدث مع الآباء الرسل الذين بعد أن جلدوهم ” ذهبوا فرحن..
لأنهم حسبوا متسأهلين أن يهانوا من أجل أسمه” (أع5: 41). ننتقل إلى نقطة أخري
وهي: العمل الداخلي في التوبة.

 

71-
العمل الداخلي في التوبة

التوبة
من خارج هي ترك الخطية والبعد عنها وعن كل مسبباتها. ولكن قد يترك الإنسان الخطية،
ولا تزال في قلبه رغبة من نحوها. فهل نسمي هذه توبة؟! كلا، بل لابد أن يكون هناك
عمل داخلي، داخل القلب، حتى يصل الإنسان إلى كراهية الخطية. وتكون هذه هي التوبة
الحقيقية. حيث في قلبه شهوة الحياة مع الله، بدلاً من شهوة المادة والجسد..

 

وهنا
نود أن نشرح المعني الروحي للمطانيات أي السجود.

 

في
الميطانية يسجد الإنسان، ينحني وتلصق رأسه بالأرض أي التراب. هذا هو العمل الخارجي
الظاهر. ولكن هناك عملاً داخلياً يجب أن يصاحب انحناء الجسد، وهو أن تنحني النفس
من الداخل، في انسحاق بتركها لكبريائها، كما قال داود النبي ” لصقت بالتراب
نفسي” (مز119). قال أخ لأحد الآباء ” أحياناً اضرب المطانية للأخ
معتذراً، فلا يقبلها مني! “. فأجاب الأب ” ذلك لأنك تفعل ذلك بكبرياء
“.. أي أن الجسد قد انحني، بينما النفس مازالت في كبريائها، لم تلصق بالتراب..

 

التوبة
إذن سواء في التصالح مع الله والناس، هي عمل داخلي، في إقناع النفس تماماً بهذا
الطريق، ورغبته فيه، وندمها على ما سبق..

 

وكل
هذه أمور تتم في الداخل، وليس الأمر مجرد ترك العثرات من الخارج لأنه لو أحاطتنا
العثرات كلها من الخارج، فلن تستطيع أن تضرنا بشيء، مادام القلب منتصراً في الداخل.
وصدق القديس يوحنا ذهبي الفم حينما قال ” لا يستطيع أحد أن يضر إنساناً، ما
لم يضر هذا الإنسان نفسه “..

وهنا
ننتقل إلى نقطة أخري وهي:

 

72-
العمل الداخلي في التربية وفي الخدمة

كثيراً
ما يقف الوعاظ على المنابر، ويندون بأزياء النساء وبعدها عن الحشمة، كما يندون
بطول شعر الشباب وما شابه ذلك. وكل هذه أمور خارجية، قد يبعد عنها النساء والشبان
عن طريق الضغط عليهم، وتبقي مع ذلك قلوبهم غير نقية.

 

والحل
هو العمل الداخلي، بإدخال محبة الله ومحبة العفة إلى قلوب هؤلاء وأولئك، وإقناعهم
بأن جمال الروح أهم بكثير من جمال الجسد..

 

حينئذ
سيتركون ما هم فيه، عن اقتناع وبكل رضي، ويحبون الحشمة ويسلكون فيها بكل جدية..
ليس لمجرد الطاعة وليس عن خوف، وإنما بنقاوة قلب. وحينئذ لا يحتاجون إلى رقيب، ولا
إلى توبيخ. ولا يقعون في تناقض..

 

وهذه
هي التربية الحقة التي تعتمد على العمل الداخلي في الإقناع، وفي غرس المبادئ
السامية داخل النفس.

 

ربوا
أولادكم إذن من الداخل، وليس من الخارج.

 

أعملوا
بر وحياتكم داخل قلوبهم، قبل أن تستخدموا العصا من الخارج اغرسوا داخلهم محبة الله
أولاً. وثقوا أن محبة الله أقوي من العصا بكثير. وثقوا أن محبة الله تستطيع أن
تطرد كل خطية بهدوء من القلب. نقوا أولاً داخل الكأس والصفحة كما أمر المسيح له
المجد لكي يكون خارجها أيضاً نقياً (متى23: 26).

 

والعمل
الداخلي هدفه الانتصار على النفس أولاً، والوصول إلى تنقية النفس بعد ذلك.

 

ويستلزم
هذا إقناع النفس بالطريق السليم. ولكي تقتنع لابد من الفهم الحقيقي للأمور. فتفهم
ما معني الحياة وما هدفها؟ وما معنى الحرية وما حدودها؟ وما معني القوة؟ وما معني
الجمال؟ وما معني الرجولة؟ بل ما هو المفهوم الحقيقي للدين وأساليب التعامل بين
الناس؟

 

إننا
في التربية لا نسير الناس بالعصا، إنما بالإقناع وبالفهم السليم.

 

وتبقي
بعد هذا تقوية أرادتهم وكل هذا عمل داخلي، في القلب والفكر.

 

ما
أسهل من الخارج أن نعاقب وأن نضرب. ولكن هل هذه هي التربية؟! كلا، وإن أتت هذه
الطريقة بنتيجة، فغالباً ما تكون مؤقتة تزول بعد حين، بزوال الضغوط الخارجية.

 

وهل
الذي يخضع لهذه الضغوط يكون له أجر عند الله؟! أي أجر وهو مسير يسير في الفضيلة
خارجياً وبغير أرادته؟!

 

العمل
الداخلي إذن له اتجاهان: عملنا داخل أنفسنا، وداخل أنفس الناس. ننتقل إلى العمل
الداخلي بالنسبة إلى وسائط النعمة:

 

73-
العمل الداخلي في الصلاة والصوم

الصلاة:
هل هي مجرد كلام مع الله؟ أم لها عمل داخلي؟ ما هو؟

الكلام
مع الله هو العمل الخارجي الظاهر في الصلاة. ولكن لا شك هناك عمل داخلي أهم. وهو
الشعور بالصلة مع الله والتلامس معه أثناء الصلاة، وما يصحب ذلك من مشاعر الحب
والخشوع والإيمان والحرارة الروحية، والمتعة بالوجود في حضرة الله.

بل
أحياناً تخرج الصلاة عن حدود الكلام مع الله، كما قال الشيخ الروحاني.

سكت
لسانك لكي يتكلم قلبك. وسكت قلبك لكي يتكلم الله..

هذا
هو العمل الداخلي في الصلاة، وهو أولاً التقاء الإنسان مع الله..

وثانياً:
الاستماع إلى صوت الله داخل النفس، أو على الأقل الإحساس الروحي العميق بالحضرة
الإلهية. فهل وصلت إلى هذا، أم أنك تكتفي بالعمل الخارجي..

 

وهنا
نري بعضاً من العمل الداخلي يكون منك، وبعضاً آخر يصلك عن طريق الهبة من الله نفسه.

 

العمل
الداخلي في الصوم:

كثير
من الناس يقتصرون في أصومهم على العمل الخارجي الذي هو الامتناع عن الأكل،
والاقتصار بعد ذلك على أطعمة غير مشهية..

 

أما
العمل الداخلي للصوم الذي يهمله هؤلاء فهو منع النفس عن كل شهوة خاطئة، كما منع
الجسد من مشتهيات الطعام. وكذلك اتخاذ الصوم فترة ترتفع فيها الروح عن مستوي الجسد،
وتأخذ غذاءها الروحي المركز الذي يستمر معها حتى بعد الصوم..

فهل
أنت كذلك؟ أم تقتصر على العمل الخارجي الجسدي، وتظن أنك صائم؟

 

74-
العمل الداخلي في القراءة

القراءة
هي عمل خارجي. أما التأمل في ما تقرأه فهو عمل داخلي. ولذلك فالتأمل أهم من
القراءة.

والفهم
هو عمل داخلي، وكذلك التأثر والعمل بما تقرأ.

والمقصود
بالعمل الداخلي في القراءة هو العمل الروحي، وليس مجرد المعرفة التي تضيف بها معلومات
إلى ذهنك.

العمل
الداخلي في القراءة هو تحويل المعلومات إلى حياة.

 

75-
العمل الداخلي للصمت

عدم
الكلام هو المظهر الخارجي للصمت. ولكن الصمت لا يقتصر على هذا الجانب السلبي، إنما
له إيجابيات.

 

فالعمل
الداخلي للصمت هو أن يغوص الإنسان داخل نفسه، في استفادة روحية للتأمل والتفكير في
الإلهيات، وللصلاة. وهكذا ينتفع روحياً من صمته.

 

إنه
لا يتكلم مع الناس، لأنه في نفس الوقت يتكلم مع الله.. لذلك هو يجلس وحده، لكي
يتمتع بالله.

 

وبهذا
لا تكون الوحدة هي مجرد الإنسان وحده..

 

لأنه
أية فضيلة في أن يجلس الإنسان وحده؟! وربما يجلس وحده وتسرح الأفكار به هنا وهناك.

 

إن
جلوس الإنسان هو مجرد عمل خارجي غايته الجلوس مع الله، أو الانفراد بالله والتمتع
بعشرته الإلهية، في صلاة في تأمل، في تسبيح، في اعتراف، في حب.. فهذا هو العمل
الداخلي للوحدة.

 

لابد
أن نهتم بالعمل الداخلي بكل قوتنا، لأن الكتاب يقول: ملكوت الله داخلكم (لو17: 21).

 

إن
وصلنا بالعمل الداخلي إلى أن يكون ملكوت الله داخلنا، نكون بهذا قد وصلنا إلى عمق
العمل الروحي حيث يملك الله على القلب.. وعلى الفكر، وعلى كل ما فينا من مشاعر
وأحاسيس..

 

وكل
عبادة بنا إلى هذا الهدف، لابد أنها قد أخطأت الطريق.

 

والعمل
الداخلي له اتجاهان: عمل مع الله، وعمل مع النفس..

 

أنت
تعمل مع نفسك لكي تضبطها حسناً، وتراقب كل أفكارها وحواسها ورغباتها، وتبكتها إن
انحرفت، وتعيد مسارها إلى الوضع السليم، وتقنعها بطريق الرب وجماله، وتذكرها
بالأبدية لكي تعد ذاتها لها بكل جدية وجهاد..

 

وعملك
مع الله أن تصارع الله لكي يثبت ملكوته في قلبك. كذلك عملك مع الله هو المفاجأة
والحب..

 

لاشك
أن تكوين علاقة مع الله، وتعميقها يوم بعد يوم، هو عمل داخلي. وهذا العمل الداخلي
لا تصلح له المظاهر الخارجية ولا الشكليات، ولا السلوك في الطريق الروحي كمجرد
واجب..

 

والحياة
الروحية ليست مجرد ممارسات خارجية وقوانين ونواميس، إنما هي محبة لله وللناس.
والمحبة عمل داخلي، يحتاج إلى رعاية وحفظ وتنمية..

 

هذا
من جهة الذين في العالم. أما الرهبان فعملهم الداخلي يأخذ معني أكثر عمقاً وسمواً..
ولهذا نسأل:

 

ما
معنى عبارة راهب عمال؟

الراهب
العمال هو المنشغل باستمرار بالعمل الجواني، بحيث يكون عقله وفكره يشتغلان
باستمرار مع الله.

وإن
كان قد قيل عن الرهبنة إنها ” الانحلال من الكل، للارتباط بالواحد “..
يكون العمل الجواني للراهب إذن، هو كيف يربط عقله باستمرار بالله، وكيف يربط كل
عواطفه بمحبة الله، ويطرد كل فكر غير ذلك.

 

لهذا
عليه أن ينشغل بالصلاة والتأمل والتسبيح والترتيل والقراءة الروحية، حتى يكون عقله
مع الله دائماً. لأنه إن لم يفعل هكذا، سيشرد ذهنه بعيداً، ويقع في طياشة الأفكار.

 

وعمله
الجواني مع الله يدعوه بالضرورة إلى التزام الصمت..

 

وذلك
كما كان يقول القديس ارسانيوس ” لا استطيع أن أتكلم مع الله والناس في نفس
الوقت “..

 

وكما
قال أحد الآباء: الراهب الكثير الكلام، يدل على أنه فارغ من الداخل أي فارغ من
العمل الجواني.

 

لهذا
لجأ الأباء إلى الوحدة، وحصروا على الصمت وحفظ الحواس، لكي يستمروا في عملهم
الداخلي مع الله، حتى وصلوا إلى الصلاة الدائمة وإلى صلب العقل فلا يطيش هنا وهناك.

 

76-
فوائد العمل الجوّاني

لعل
في مقدمتها الارتباط الدائم بالله.. وأيضاً شعور الإنسان بضعفه إذ يشعر أنه عاجز
عن تنفيذ تدريب الانحلال من الكل للارتباط بالواحد. وهكذا كلما يزداد إلتصاقاً
بالله يزداد اتضاعاً.

 

والشيطان
لا يترك هذا العمل الجواني بدون حروب ومعوقات.

 

فيحاول
بقدر إمكانه أن يشتت الفكر، ويعوض عليه عشرات الموضوعات، ويشعره بأهميتها لينشغل
بها.. كما قد يرسل إليه من الزوار والأصدقاء من يشغله عن عمله الروحي، ويرسل إليه
مشغوليات لا تحصي.. بل قد تحاربه الرعاية أيضاً لتأخذ وقته واهتماماته بدلاً من
الانفراد بالله..!

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى