علم

الفصل الحادِي عشر



الفصل الحادِي عشر

الفصل
الحادِي عشر

آباء
أورشليم وسوريا

القديس
كيرلُس الأُورشليمي (تنيَّح 388م)

القديس
أبيفانيوس (تنيَّح 390م)

القديس
ديودوروس (315 – 403م)

 

آباء
أورشليم وسوريا

حينما
نتجه إلى الآباء الكنسيين في فلسطين وسوريا، نُلاحِظ أنَّ اللفظ ” ثيولوچيا “ ومُرادفاته لا يُستخدم بشكل كبير وشامِل،
فالقديس كيرلُس الأُورشليمي مثلاً يتحدَّث عن
الثيولوچيا “
مرَّة واحِدة! بمعنى الهيمنولوچيا (الترانيم)، والذُّكصولوجيا
(التَّسابيح والتَّماجيد) (1).

تحدَّث
القديس كيرلُس الأُورشليمي عن اسم الله القدوس فقال
اسم الله قدوس بطبيعته، قلنا أو لم نقُل، لذلك نُصلِّي أن يتقدس دائِماً فينا
عندما نتقدس نحن ونعمل ما يليق بالقداسة “
(2).

وفي
تعليمه عن الله يقول ” الله واحِد وحيد غير مولود، بلا
بِداية ولا تغيير، ليس فيه تنوُّع ولا مولود من آخر، ولا يعقُبه آخر، لم يبدأ في
زمن للحياة ولا ينتهي قط “.

وينصح القديس كيرلُس بعدم تصوُّر الثيولوچيا بشكل لأنَّ كثيرين
قدَّموا تصورات لله وجميعهم فشلوا، لأنه كامِل في النظر، وكامِل في القُّوة،
وكامِل في العظمة، وكامِل في العدل، وكامِل في المحبة المُترفِقة، ليس بمحصور
بفراغ بل خالِق كل الفراغ، موجود في الكل، لا يحدُّه شئ.

وعن كمال الله المُطلق يقول ” يكفينا أن نُدرِك ببساطة أنَّ لنا إله،
هذا الإله واحِد حي، حي إلى الأبد، يُشبِّه ذاته على الدوام بلا تغيير، ليس له آب
أقدر منه ولا خليفة، سلطانه بلا حدود، جوهره بلا تغيير “ (3).

وفي
فهم حقيقي للثيولوچيا يقول: ” نحن لا نتكلَّم عن الله
كما ينبغي في الحديث عنه، إنما نتكلَّم حسبما تسعِفنا الطاقة البشرية قدر ما
يحتمِل ضعفِنا، إنَّ أفضل معرِفة هي اعترافنا بجهلِنا فيما يخُص الله!! “.

أمَّا القديس أبيفانيوس أسقف سالاميس بقبرص، فيستخدِم اللفظ ”
ثيولوچيا “ في دِفاعياته عن تعليمه بخصوص الثَّالوث، ومن ثمَّ يقول كِتابه (
Panarion):

” نحن لا نُؤلِّه العالم لئلا نُحسب أغبياء، بل بالحري نُمجِّد
الثَّالوث: ثالوث الابن مع الآب وروحه القدوس الذي يفوق الطبيعة كلها “ (4).

والنقطة التي يركِز عليها أبيفانيوس هنا، كما في بقية نصوصه التي تتناول
لفظِة ” ثيولوچيا “، هي سمو الثَّالوث القدوس ومن ثمَّ دحض بدعِة أريوس الهرطوقي
الذي كان يتكلَّم عن ثالوثاً يتألَّف من عناصِر غير مخلوقة وأخرى مخلوقة!!

وتقوم
مُحاججِة أبيفانيوس على أساس أنه إذا كان الثَّالوث مزيجاً من عناصِر إلهية وأخرى
مخلوقة، فلا يمكن عِبادته على أساس تحريم الوثنية (عبادِة الأصنام) في (خر 20: 15،
تث 15: 6). ويمكن أيضاً عرض المُحاججة بطريقة عكسية: إن كان الثَّالوث معبوداً،
لزم أن يكون الثَّالوث هو الله (5).

ولمَّا
كان لاهوت الثَّالوث مُرتبِطاً ارتباطاً وثيقاً بعبادِة الثَّالوث وتُفهم العِبادة
على على أنها ذُكصولوجيا، لذلك لا نندهِش أنَّ القديس أبيفانيوس دائِماً ما
يُوظِّف اللفظة ذُكصولوجية كبديل للفظِة ” ثيولوچيا
، ففي كِتابه (
Panarion) مثلاً يتحدَّث عن ” الذُّكصولوجية
المُتجسِدة واللاهوت الكامِل لله اللوغُوس “ (6).

وإذ يُشير إلى عدم انقسام اللاهوت (الأُلوهية) ولاهوت الكنيسة
الواحِد (الثيولوچيا) يُعلِن:

” قد يزعم البعض أنها تعدُّد آلِهة، ولكنها ليست كذلك لأنَّ
الذُّكصولوجية واحِدة “ (7).

ويُؤكِد
القديس أبيفانيوس بشكل خاص على ” الثَّلاث تقديسات “ (
Trisagion) أي التَّسبِحة الذُّكصولوجية الثُّلاثية التقديس التي يُرددها
الشاروبيم من غير سكوت، والتي لا يفتُر السيرافيم عن تسبيحها، والتي يعتبِرها
الذُّكصولوجية الأسمى لله المُثلث الأقانيم، ويكتُب في كِتابه
Ancoratus:

يشدو
الملائِكة المُتضِعون في السماء بترنيمة الغلبة والخلاص مُمجدين مع السيرافيم
والشاروبيم الثَّالوث في مجد واحِد وصوت واحِد وجوهر واحِد، قائِلين قدوس قدوس
قدوس، مُؤلفين ثلاثة أصوات لكنها تتحدَّث في وِحدة وليس في تعدُّدية.

لأنهم
لا يقولون ” قدوس “ رابِعة، كما لو كان شئ أُضيف إلى
اسم الثَّالوث.

وهم لا يُردِّدون التقديس ثلاث مرَّات كما لو كان مجد الكمال الإلهي
ناقِصاً، لكن ثلاثاً ليُقدِّسوا بنفس الكرامة الآب والابن والروح القدس، أيضاً هم
لا يقولون ” قدوس وشِبه قدوس “ لكنهم يُردِّدون ” قدوس “ مُمجدين بنفس القدر معاً
وبصوتٍ واحِد وكلمة واحدة وكمال واحِد: ” ثالوث في واحِد وواحِد في ثالوث “ (8).

لقد كتب القديس أبيفانيوس أيضاً مُدافِعاً عن الهرطقات الحديثة
والقديمة في كِتابه: ” خزانِة العلاج لشِفاء كل الهرطقات “.

أمَّا ديودوروس أسقف طرسوس، والمُعاصِر للقديس أبيفانيوس
فيبدو أنه قد استخدم المُصطلح ” ثيولوچيا “ ومُشتقاته ” يتأمل لاهوتياً “ و”
لاهوتي “.

ومن
النصوص التي عُثِرَ عليها توجد ثلاث مرَّات تظهر فيها لفظِة ” ثيولوچيا “: الحالة الأولى في تفسيره للمزامير:

” كونوا شاكرين في العمل والقول ومجِّدوه بترانيم وتسابيح ”
ثيولوچيات ” لتدخلوا ملكوته الأبدي “ (9).

وهنا
تظهر كلِمة ” ثيولوچيا “ بمعنى ” ذُكصولوجيا “، وهي
طريق الإنسان لبلوغ ملكوت وعظمِة الله، فالاتحاد بالله والاقتراب من سِرُّه لا
يعتمِد على المعرِفة بل على العِبادة، واللاهوت عِبادة وليس معرِفة… إذ
نُصبِح إسرائيل الحقيقي بنقاوة القلب نرى الله، لأنَّ المعرِفة عن الله العظيمة
بطبيعتها لا يمكن أن يُدرِكها إلاَّ من يحيا في قداسة وسلام ونقاوة قلب تسبِق هذا
اللاهوت الذُّكصولوچي.

والنقاوة الداخلية، كتصنيف لاهوتي، ليست فكرة جديدة بل تُشكِّل
تقليداً مُشتركاً في التراث الكنسي الآبائي فقبل ديودوروس ركِّز أوريجانوس والبابا
أثناسيوس ويوسابيوس القيصري، والقديس أمبروسيوس الميلاني والقديس أُغسطينوس،
وأكَّدوا جميعاً كما رأينا على هذا المبدأ الروحي اللاهوتي.

ويُشير ديودوروس ببساطة إلى الانتشار المسكوني لهذه الفكرة حيث تأكدت
على وجه العموم أهمية التوبة (الميطانيا) والطهارة (الكاثارسيس) والنُّسك كشرط
أساسي للاَّهوت، وعلى الذينَ يسألون ويلِحون عن لاهوت المسيح وطبيعة الله والتثليث
والتوحيد أن يعيشوا أولاً كما يحِق للدعوة التي هم مدعوون إليها، بالحب والطهارة
والسلوك بلا عثرة والشهادة لله، عندئذٍ يُعلِن الله لهم ذاته ويُظهِر لهم مجده
الإلهي، فليس الله فكرة، وليست المسيحية أيديولوچية، إنما هي حياة العِشرة الإلهية
التي فيها نلمس عمل الله، ومن مِنَّا يستحِق هذه العطية؟!

ويربُط ديودوروس اللاهوت بالاعتراف بابن الله الوحيد، على أساس
أنَّ كلِمة الله في العهد القديم كانت تُنطق لاهوتياً، وأنَّ الاستعلان التجسُّدي
قد أعلن قُوة الروح القدس (10).

وما
قالهُ الأنبياء عن اللوغُوس كلِمة الله ليس اعلاناً بشرياً، بل بالحري عمل الروح
القدس الذي يُوجه التاريخ ويسوسه إلى مركز التدبير الإلهي (الإيكونوميا).

ويجب
أيضاً مُلاحظِة أنَّ بولس الرسول اعتُبِر لاهوتياً لأنه كتب عن ربنا يسوع، أنه ” هو سلامُنا “ (أف 2:
14)، ” الذي جاءَ وبشَّر بسلام للبعيدين والقريبين “ (أف 2: 17) (11).

===

مراجِع
الفصل

1)           
Myst.
Catech. 5, 6 P.G. 33, 1113 B
.

2)           
Cat. Lect.
23: 23
.

3)           
Ibid.

4)           
Panarion
76143, 3 G. C. S. P. 401, 4 – 6
.

5)           
Panarion 69,
31, 4 and 69, 36, 2 and especially Anocratus 70, 3; cf. also Panarion 66, 8, 6
and Anocratus 115, 8
.

6)           
Ibid. 69,
36, 1
.

7)           
Ibid., 69,
77, 6 Anocratus, 73, 4; Panarion 25, 6, 4
.

8)           
Anocratus
26, 1 – 3; 73, 9; Panarion 73, 10, 9
.

9)           
P.G. 33,
1663 D
.

10)       
P.G. 33, 1620
D
.

11)       
P.G. 33,
1611 B
.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى