علم

الفصل الثَّالِث



الفصل الثَّالِث

الفصل
الثَّالِث

هيبوليتس
الرُّوماني (170 – 236م)

 

هيبوليتس
الرُّوماني

من
المُحتمل أنَّ هيبوليتس الرُّوماني كانَ يُونانِياً تحوَّل إلى المسيحية في روما،
وقد وظَّف ألفاظ ” ثيولوچيا “ و” ثيولوچي “ و” المُناظرة عن الله “ بطريقة اختلفت
بعض الشئ عن اُسلُوب المُدافِعين.

فاللاهوت
بالنسبة له يتعلَّق إمَّا بالفسلفة التي تختص بالله أو الآراء المختلفة عن الآلهة،
وهذه المفاهيم الفلسفية والدينية عن الثيولوچيا تُشتق من معرفة هيبوليتس العميقة
بالفلسفة والدين القديمين والواضِحة في كِتاباته، وعلى وجه العموم فإنَّ هيبوليتس
أحجم عن استخدام لفظِة ” ثيولوچي “ في مضمون تعليمه المسيحي.

ويبدو
أنه كان يألف تعاليم الآباء المُدافِعين الذينَ استخدموا اللفظة لكنه كان أكثر
تحفُّظاً في استخدام اليونانية والمفاهيم في عرض التعليم المسيحي، ويُخبِرنا
هيبوليتس أنَّ:


الفلاسِفة واللاهوتيون الذينَ سعوا لاكتشاف من هو الله، وما هي طبيعته، لم يتفِقوا
في اكتشافاتِهِم “ (1).

وحُكماء
العالم هؤلاء، إذ فشلوا في تعميق فِكرهم عن عظمِة الله الحقيقي، قد ألَّهوا عناصِر
الطبيعة (2).

وهم
قد ألَّهوا ذلك العنصر الخاص الذي ظهر لهم أنه العِلَّة (
Тό αίτον) لكل الكائِنات الموجودة في الكون (3).

وقد
سَلَك الفارِسيون والبابِليون والمصريون هذا المسلك، فالفارِسيون ألَّهوا النور،
والبابِليون ألَّهوا الظَّلام، والمصريون تحدَّثوا عن الله بأنه الواحِد غير
المُنقسِم
Monad الذي وُلِدَ ذاتِياً والذي خلق كل الأشياء من ذاته (4).

فاللاهوت
إذن الخاص بالفلاسِفة هو بالنسبة لهيبوليتس قضية المبدأ الأوَّل اللامخلوق (5) (
ήπρωτη
άρχή ή
άγέννητοσ
).

وقُدماء
اللاهوتيين في هذا التقليد هم موسايوس (القرن السَّادِس الميلادي) ولينوس (الشخصية
الأُسطورية)، وأورفيوس (الشخصية الأُسطورية)، وسولون (640 – 560 ق. م)، وفيثاغورث
(530 ق. م)، وأفلاطون (427 – 347 ق. م)، وأرِسطو (384 – 322 ق. م)، ويُؤكِد
هيبوليتس بوجه خاص على سولون وفيثاغورث الذي استعار من المصريين فكرِة أنَّ ”
الواحِد “ هو لمبدأ اللامخلوق، أصل كل شئ (6).

لكن
اللاهوت الذي ناقشه هيبوليتس بشكل أعمق كان لاهوت أرِسطو، وهو يرى أنَّ أرِسطو
يُقسِّم العالم إلى أماكِن عديدة ومُتنوِعة (7).

فهناك
المسافة من الأرض إلى القمر والتي لا يُهيمِن عليها أي سُلطان خاص أو قُوَّة عُليا
بل متروكة تتطور وِفقاً لطبيعتها الذَّاتِية (8).

وفيما
وراء القمر هناك جزء آخر تحكمه قُوَّة مُعيَّنة، ثم هناك سطح السماء وهو غير
مادِّي، هو نوع من ” المادَّة الخامِسة “ (
Пεμπτουσία).

وهذه
المادَّة فائِقة للطبيعة، لا تخضع لنواميس الطبيعة، وهذا التقسيم الكوني هو تقسيم
فلسفي.

ويُميِز
أرِسطو بين الفلسفة الطبيعية (الفيزيقا) التي تشمل القمر، وبين الفلسفة التي ما
وراء الطبيعة (الميتافيزيقا)، والتي تمتد إلى السماء، ثم يُميِّز بينهما وبين
الفلسفة الفائِقة للطبيعة ” الثيولوچيا “ (9) التي تتصِل بالأماكِن الأعلى أي
الأثير (10).

وهناك
صِلة في أصل التسمية (أتيمولوچية) فيما بين كلِمة (أثير
αιθήρ)، والفِعْل (ثين θείν) والصِفة (ثايوس θείοσ) والاسم (ثيوس θεόσ) (11).

وفي
مواضِع أخرى من كتابات أرِسطو نجد أنه (كِتابه
Meleorologies) (12) يتحدَّث عن المكان الأثيري كجسم أكثر إلهية من العناصِر
الكونية الأخرى.

وفي
مبحثه عن ” السماويات “ يتحدَّث أرِسطو بألفاظ مُشابِهة (13) عن ” المادَّة
الخامِسة “ التي تختلِف عن تراكيب هذا العالم هنا، لأنها أكثر إلهية من كل المواد
الأخرى (
θειοτερα) (14).

وهيبوليتس
يُسمِّي هذا المكان الخامِس أو الجسم الخامِس (إلهياً بنوعٍ ما) (
Θεολογού
μενον
)
وهذه المادَّة الأثيرية يجب تمييزها عن أربع مواد أخرى أساسية في هذا العالم أي
النار والأرض والماء والهواء لأنها أكثر شفافية ونقاوة (
Λεπτότερον) وهي حقاً نوع من الروح (Пνεύμα) (15).

وما
يُستنبط من تحليل هيبوليتس لثيولوچيا الفلاسِفة يمكن ايجازه في عبارتين،
فالثيولوچيا مُؤسسة على الفحص العقلاني للعالم بغرض اكتشاف هذه العِلَّة التي تمنح
حالة ثيولوچية.

ويُضاد
هيبوليتس الثيولوچيا الكوزمولوچية الكونية لليونان مع ثيولوچيا اليهود، التي
يُسميها ” توقير الله “ (
Θεοσέβεια) والتي ليست نتيجة انجازات أو اجتهادات الإنسان بل هل معلومة datum مصدرها الله نفسه وموسى هو ” المُعلِّم الذي أعطاه الله (لنا) “
(16)، ” والناموس هو ناموس الله “ (
Τού
θεού νόμοσ
) (17).

ويُقسِّم
هيبوليتس ” توقير الله “ عند اليهود إلى أربع حالات:

الثيولوچيا
(اللاهوت)، والفيزياء، والأخلاقيات، والليتورچيات (18).

ويُشير
اللاهوت إلى الإيمان والتعليم عن الله الحقيقي الواحِد، الخالِق ورب الجميع الذي
خلق كل الأشياء من العدم وليس من مادَّة سابِقة الوجود (19).

لكننا
نجِد أنَّ هيبوليتس قد هاجم ” ثيئودوتس “ و” أرتامون “ الهرطوقيين لأنهما هجرا
الأسفار الإلهية المُقدسة، ووهبا نفسهما لدراسِة ” إقليدس وأرِسطو “.

إتهم
هيبوليتس اليونانيين، بأنهم مجَّدوا أجزاء من الخليقة بعبارات أنيقة جميلة، ولكنهم
جهلوا خالِق الأشياء جميعها الذي خلقها من العدم بحسب حِكمته ومعرِفته السابِقة.

إلاَّ
أنَّ لاهوت هيبوليتس الرُّوماني، شابه شئ من التدرُج في الثَّالوث، لكنه أكَّد على
الخلاص بقوله: ” أنَّ الكلمة اتخذ جسد آدم ليُجدِّد الإنسان ويُعيد له خلوده “.

أكَّد
هيبوليتس الرُّوماني على لاهوت الثَّالوث:


أنه يستحيل أن نُمجِّد الله دون أن نتجه مباشرةً إلى الاعتراف بكل اُقنوم في
الثَّالوث القدوس “.

وعن
دعوِة الله للأُمم يقول:


من هو هذا الذي أُعلِنَ عنه (ووجدته الأُمم) إلاَّ كلِمة الآب، عندما أرسلهُ الآب،
وفيه للناس القُوَّة الصادِرة عنه!! “ (20).

تكلَّم
هيبوليتس عن لاهوت المسيح ربنا الذي سبق وأشار عنه الأنبياء في العتيقة بقوله ”
كان كل الملوك والكهنة يُدعون مُسحاء، إذ مُسِحوا بالدُّهن المُقدس الذي أعدَّهُ
موسى قديماً، هؤلاء حملوا اسم الرب في أشخاصِهِم مُظهرين مُقدماً الرمز، ومُقدمين
صورة حتى يأتي الملِك الكامِل والكاهِن الذي في السماء الذي وحده يعمل إرادِة الآب
“ (21).

===

مراجِع
الفصل

1)           
Against the
Heresies, IV, 43, 1
.

2)           
Ibid.

3)           
Ibid.

4)           
Ibid, 43, 3
– 4
.

وعن
كيفيِة ولادِة كل الأشياء من الواحِد (الموناد) (اُنظُر 43، 5 – 6).

5)           
Ibid. VI,
23, 1
.

6)           
Ibid, 23, 1.

7)           
VII, 19, 2.

8)           
Ibid.

9)           
Ibid. VII,
19, 3
.

10)       
CF. On
Heaven, 270, B. 22 – 24
.

11)       
CF. Platois
Cratylus 410 B
.

12)       
Ibid. 339 B,
25 – 27
.

13)       
Ibid. 376 B,
29
.

14)       
Ibid. 269 a
30
.

15)       
Ibid. 1, 20,
4
.

16)       
Elegchos,
IX, 18, 1
.

17)       
Ibid.

18)       
Ibid. IX,
30, 1
.

19)       
Ibid. 30, 2
ff
.

20)       
Against the
Heresy of one Noetus 12
.

21)       
Frag. From
Common. On Daniel 2: 14
.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى