بدع وهرطقات

الفصل الثالث



الفصل الثالث

الفصل الثالث

1- الرد على الافتراءات فيما يختص بإنسانية الرب يسوع

2- الرد على الافتراءات فيما يختص بكفارة المسيح

 

1-الرد على الافتراءات فيما يختص
بإنسانية الرب يسوع المسيح

 بعد أن استعرضنا أقوال الناس
وحكمتهم البشرية، نأتي إلى أقوال الله الصادقة الأمينة بخصوص “تعليم
المسيح” كما يقول الرسول بولس عن الكلمة الموحى بها “التي تتكلم بها
أيضاً لا بأقوال تعلمها حكمة إنسانية بل بما يعلمه الروح القدس” (1 كو 2: 13)
نأتي أولاً إلى شهادة الرسل الثلاثة: بولس وبطرس ويوحنا عن أمجاد الرب يسوع في
الناسوت وأن الخطيئة بالنسبة له كانت مستبعدة تماماً. لأن المسيح لم يتخذ الناسوت
في حالة الإنحراف البتة بل بحالة فريدة استثنائية غير قابلة للخطأ. وشهادات الرسل
تأتي مرتبطة مع عمله الفدائي لأنه لو كان فيه ذرة من الخطية لما أمكن أن يكون
فادياً للخطاة. والفداء هو أساس كل البركات التي نالها المؤمنون به.

 1- شهادة بولس عن شخص الرب يسوع
“أنه لم يعرف خطية” (2 كو 5: 19، 20) “أن الله كان في المسيح
مصالحاً العالم لنفسه غير حاسب لهم خطاياهم وواضعاً فينا (أي الرسل) كلمة المصالحة،
إذاً نسعى كسفراء عن المسيح كأن الله يعظ بنا نطلب عن المسيح تصالحوا مع الله (وما
هو أساس المصالحة؟) لأنه جعل الذي لم يعرف خطية خطية (أي ذبيحة خطية) لأجلنا لنصير
نحن بر الله فيه” فلو أن المسيح عرف خطية ما كان أهلاً أن يجعل ذبيحة خطية،
وما كان في إمكانه أن يكون مصالحاً للناس مع الله. في الرمز في العهد القديم في
سفر اللاويين تكلم عن ذبيحة الخطية وذبيحة الإثم أكثر من كل الذبائح الأخرى وهي
التي كانت تقدم عن خطايا الإنسان: يشدد أنها بلا عيب ويذكر أربع مرات أنها
“قدس الأقداس” (لاويين 4، 5).

 والنتيجة ليست فقط مصالحة الخاطئ
مع الله، ولكن هذا الخاطئ بالإيمان يصبح متحداً مع المسيح، يصبح “بر الله في
المسيح” ويا لها من نتيجة مباركة.قال الرسول بولس للكورنثيين “ومنه أنتم
بالمسيح يسوع أو (به أنتم في المسيح يسوع) الذي صار لنا حكمة من الله وبراً وقداسة
وفداء. حتى كما هو مكتوب من افتخر فليفتخر بالرب” (1 كو 1: 30، 31). نحن
المؤمنين عند إيمان رفضنا حكمتنا وبرّنا لأن المسيح هو حكمتنا وهو برنا أمام الله.
لكن السبتيين يسلبون أمجاد الرب يسع كما يسلبون أفراح المؤمنين بالمسيح كبرّهم
أمام الله وليست أعمالهم.

 2- شهادة بطرس الرسول عن شخص الرب
يسوع “انه لم يفعل خطية” غذ يقول في رسالته الأولى “الذي لم يفعل خطية
ولا وجد في فمه مكر… الذي حمل هو في نفسه خطايانا في جسده على الخشبة (الصليب)
لكي نموت عن الخطايا فنحيا للبر (1 بط 2: 22 -24) لأنه لو فعل خطية ما كان في
إمكانه أن يحمل خطايانا على خشبة الصليب. ويقول بطرس أيضاً عن دم المسيح كمن هو
ثمن فدائنا “عالمين (إذ قد علمتم) أنكم قد أفديتم لا بأشياء تفنى بفضة أو ذهب…
بل بدم كريم كما من حمل بلا عيب ولا دنس،دم المسيح معروفاً سابقاً قبل تأسيس
العالم” (1 بط 1: 18 – 20). كما يقول أيضاً عن المسيح أنه “تألم مرة
واحدة (لا تحتاج إلى تكرار) من أجل الخطايا. البار من أجل الأثمة لكي يقربنا إلى
الله” (1 بط 3: 18).

 إن جميع بني البشر هم الأثمة وهو
الوحيد البار. فما أعظم الفرق بينه وبيننا نحن الذين نولد وارثين للخطية ثم نفعلها
“هاأنذا بالإثم صورت وبالخطية حبلت بي أمي” (مز 51: 5) لكنه هو الوحيد
الذي قيل عنه قبل ولادته “القدوس” (لوقا 1: 35). جميع بني البشر هم
المديونون، لا فرق بين مديون بخمسمائة دينار ومديون بخمسين: الاثنان لم يكن لهما
مايوفيان (لوقا 7: 41، 42) أما المسيح فهو المداين وهو الذي في سلطانه أن يسامح
ويغفر الخطايا لكل من يؤمن على أساس الدم المسفوك. نعم لقد وفّى الدّين كاملاً
للعدل الإلهي. “لكي يكون الله باراً (عادلاً) ويبرر من هو من الإيمان
بيسوع” (رو 3: 26).

 3-شهادة يوحنا الرسول عن شخص الرب
يسوع “ليس فيه خطية” إذ يقول “وتعلمون أن ذاك (المسيح) أظهر لكي
يرفع خطايانا وليس فيه خطية” (1 يو 3: 5) لأنه لو كان فيه خطية لما أمكن أن
يرفع خطايانا.

 ما هي الكيفية التي بها دخل ابن
الله إلى العالم؟ إن طريقة دخوله كانت بالولادة من مريم العذراء وليس بخليقة خاصة
كآدم. كانت ولادته المعجزية موضوع بشارة خاصة لمريم بيد الملاك الذي أعلن لها في
عذراويتها “الروح القدس يحل عليك وقوة العلي تظللك ولذلك أيضاً القدوس
المولود منك يدعى ابن الله” (لو 1: 35). لقد كان هو ابن الله قبل ولادته وبعد
ولادته. إن كيفية تظليل العلي لمريم لا تدرك والكتاب لم يصفها ومريم نفسها تقول
بالروح القدس “إن القدير صنع بي عظائم” لذلك كان ميلاده لا مثيل له في
تاريخ البشرية. والآية العظيمة هي أن قدوس الله ولد بلا أثر للخطية من امرأة هي
نفسها ولدت بالخطية نظير بني البشر واحتاجت إلى المخلص وقد وجدته وابتهجت به (لو 1:
47) “لأن الذي حبل به فيها هو من الروح القدس” (مت 1: 20) فبقوة تأثيره
المقدس وتظليله الشامل أبعد كل ظل للخطية وتجنب كل أثر للأثم. وبلغة الرموز كان
الدقيق النقي ملتوتاً بالزيت (أي حبل به بالروح القدس) ثم مسكوباً عليه الزيت أي
مسح بالروح القدس. فعند معموديته من يوحنا في نهر الأردن انفتحت السماء له وصوت من
السموات قائلاً هذا هو ابني الحبيب به سررت. وروح الله نزل من السماء مثل حمامة
وأتى عليه. وفي معموديته إشارة إلى موته عن الخطاة الذين يتوبون ومسرة الله به كمن
سيقوم بهذا العمل لمجد الله وخلاص التائبين، كما قال “لهذا يحبني الآب لأني
أضع نفسي لآخذها أيضاً (أي يضع نفسه بالموت ويأخذها بالقيامة). ليس أحد يأخذها مني
بل أضعها أنا من ذاتي (أي يموت بإرادته). لي سلطان أن أضعها ولي سلطان أن آخذها
أيضاً هذه الوصية قبلتها من أبي ” (يو 10: 17،18).

 كان معيناً أن يأتي من امرأة (لكي
يسحق رأس الحية أي إبليس –تكوين 3) وكان معّيناً أن يُحبل به من الروح القدس.
الأمر الذي لم يكنه آدم ولا خلافه هكذا هيأ الله جسداً للابن لكي يكون في الطبيعة
الناسوتية هو الوحيد قدوس الله. هذا شيء كان لابد منه وخلافه ما كان يليق بالبن
بصفته موضوع مسرة الآب طيلة أيام جسد كالإناء الكامل اللائق لقوة الروح القدس في
الخدمة وكذبيحة الخطية في آخر خدمته على الأرض. وما أعظم الفرق بيننا نحن المؤمنين
وبينه، نحن الذين حتى عند ولادتنا من الله نُمسح بالروح القدس لكن على أساس دمه
الكريم. أما جسده هو فكان هيكل الله بغير حاجة دم.

 إن الروح القدس وهو الحارس لمجد
الرب يسوع، عند الكلام عن تجسد الرب يسوع يقول “فإذ قد تشارك الأولاد في اللحم
والدم اشترك هو أيضاً كذلك فيهما” (عب 2: 14)وهناك اختلاف واضح بين كلمة
“تشارك
Partake وفي الأصل اليوناني koinoneo وبين كلمة اشترك took a part وفي الأصل اليوناني meteko أي أنه له المجد أخذ نصيباً في اللحم والدم. عن الرب يسوع ولو أنه
تجسّد لكي يموت – لكنه في تجسده يقف فريداً أيضاً. لقد اشترك في اللحم والدم ولم
يتشارك – جميع البشر متشاركين على قدم المساواة. وجميع البشر جاءوا إلى العالم ليس
بإرادتهم. أما هو فقد جاء إلى العالم بإرادته.وُلد بإرادته ومات بإرادته كما سبقت
الإشارة (يوحنا 10: 17، 18) عند معموديته يقول متى البشير “وإذا السموات قد
انفتحت له” (مت 13: 16)،
the heavens were opened to him.and Io وإذا and Io معناها انتبه أيها القارئ لمن انفتحت السموات؟ إن السموات لم
تنفتح لإنسان ما تكريماً إلا هو فقط. والروح القدس نزل عليه وصوت من السموات
قائلاً “هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت” تنبيهاً للجميع أن هذا الشخص
يختلف عن باقي البشر الخطاة. فإنه هو “البار” الوحيد ابن الله.

 وبخلاف الشهادة له عند العمودية
هناك شهادة أخرى عن نتيجة التجربة من إبليس. لقد أصعده الروح القدس إلى البرية لكي
يجرّب من إبليس. كان ينبغي أن يجرّب من إبليس كما جرّب دم في جنة عدن. لكن الرب
يسوع جُرّب في ظروف قاسية بعكس الظروف التي كان آدم محاطاً بها. لم يكن آدم جائعاً
عندما كسر الوصية وأكل من الشجرة التي منعه الله من الأكل منها امتحاناً لطاعته
وكان له أن يأكل من ثمر شجر الجنة. أما الرب يسوع فقد أصعده الروح إلى البرية
المقفرة وكان صائماً وجائعاً، نلاحظ أن الله هو الذي أصعده لكي يجرّب من إبليس.
كان ينبغي أن الله يعطي برهاناً لنا إن رجل مشوراته المعيّن أن يقدم ذبيحة عن ذنب
البشر لا يمكن أن يهزم لأنه قدوس وأنه الوحيد الذي يغلب المجرب. وقد غلبه بكلمة الله.
كان انتصاره على الشيطان أكيداً، وذلك لأنه لم يكن للشيطان في المسيح شيء كما قال
له المجد “رئيس هذا لعالم يأتي وليس له فيّ شيء” (يو 14: 30). ليس فقط
لا يمكن أن يهزم بل ويستحيل أن يخطئ. من أجل ذلك “قد أُظهر لكي يرفع خطايانا
وليس فيه خطية” (1يو 3: 5) ليس فقط لكي “يحملها” كما سبقت الإشارة
(1بط 2: 24) بل لكي يرفعها. لقد أتمّ الأمرين بعملية واحدة إتماماً كاملاً. هذه
العملية استغرقت ثلاث ساعات فيها أظلمت الشمس عندما كان ابن الله على الصليب لكي
يكفّر عن خطايانا. في نهاية الساعات الثلاث صرخ تلك الصرخة الرهيبة “إلهي
إلهي لماذا تركتني” أي صرخة الكفارة. لم يصرخ عدما دُقت المسامير في يديه
ورجليه ولكنه صرخ عندما شب الكأس الرهيبة التي ملأتها خطايانا. لقد شربها كلها
بالنيابة عنا ولم يبق لنا شيئاً.

 إن حياته هنا على الأرض أي
“في أيام جسده” معطاة لنا في الأناجيل الأربعة (شهادة للعالم في أربعة
أطراف الأرض). حياته كالإنسان الذي عاش على أرضنا كان مرموزاً إليها في سفر
اللاويين بتقدمة الدقيق. والتقدمات في (لاويين2) توصف بأنها قداس أقداس. وفي
التقدمة نرى نقاوته وقداسته التي كانت معرضة للتجارب المحرقة كإنسان هنا على الأرض
بكيفية تختلف عن كل إنسان آخر. والتقدمة التي تعمل على صاج (لاويين 6: 19-22)
تُشير إلى التجارب المحرقة التي أتت على الرب يسوع ليس في السر بل علانية أمام
الجميع وكان تأثيرها أن نشرت رائحة البخور العطرة التي ملأت السماء حينئذ. وفي
حياته احتمل إهانات البشر وبصفة خاصة ليلة آلامه. احتقر بكل أنواع الاحتقار كما لم
يحتقر انسان من قبل. كانت النار تستعر فيه على مرأى من الناس. لكن في تجاربه سطع
نور سماوي. نعم كان ينبغي أن يختبر هما على الأرض قبل أن يقدم قرباناً وذبيحة لله
رائحة طيبة. وفي الأناجيل الأربعة نرى الذبائح الأربع. في يوحنا نرى المحرقة التي
فيها شبع قلب الله الآب “الكأس التي أعطاني الآب ألا أشربها” (يو 18: 11)
وفي انجيلي متى ومرقس نرى ذبيحة الإثم وذبيحة الخطية “إلهي إلهي لماذا
تركتني” وفي لوقا نرى ذبيحة السلامة (قارن لو 15: 23). إن الروح القدس يضع
أسواراً عالية وحراسة مشددة حول ناسوت الرب يسوع لئلا تمتهن كرامته بسبب اتضاعه
وصيرورته انساناً. لذلك حتى في الرمز مشدّداً أن الذبيحة تكون “بلا عيب”
ففي ذبيحة الخطية وذبيحة الإثم اللتين تصوران لنا المسيح كمن حمل خطايانا يقول
عنها “إنها قدس الأقداس” (لاويين 6: 17، 25) وعن المحرقة يقول
“فللرضا عنكم يكون ذكراً صحيحاً من البقر أو الغنم أو المعز، كل ما كان فيه
عيب لا تقربوه لأنه لا يكون للرضا عنكم” (لاويين 22: 19، 20) لأن المحرقة
تعلن لنا سرور الله في المسيح كمن قدّم نفسه لمجد الله وفي قبول ذبيحة المسيح قبول
المؤمنين به الذين أصبحوا متحدين معه. ونشكر الله لأننا نحن المؤمنين صرنا مقبولين
أمام الله وقد رضي الله عنا ليس بسبب صلاح فينا ولكن بسبب إيماننا بالمسيح كما جاء
في رسالة أفسس أن الله أنعم علينا في المحبوب (أف 1: 6) أي جعلنا مقبولين مرضياً
عنا لأننا “في المسيح”.

 كان هو الذبيحة الحقيقية التي كل
الذبائح لم تكن إلا رمزاً له. وكان هو الكاهن الحقيقي وكان هرون رمزاً له. وعن
صفته كرئيس كهنة يشهد الروح القدس قائلاً “لأنه كان يليق بنا رئيس كهنة مثل
هذا قدوس بلا شر ولا دنس قد انفصل عن الخطاة وصار أعلى من السموات… فإن الناموس
يقيم أناساً بهم ضعف رؤساء كهنة وأما كلمة القسم التي بعد الناموس فتقيم ابناً
مكملاً إلى الأبد” (عب 7: 26 – 28).

 في الإصحاح الأول من رسالة كولوسي
يتكلم الروح القدس عن مجد الرب يسوع في الخليقة “فإنه فيه قد خلق الكل (أي
بمقتضى سلطانه) ما في السموات وما على الأرض، ما يرى وما لا يرى (كل الأشياء
كبيرها وصغيرها) سواء كان عروشاً أم سيادات أم رياسات أم سلاطين. الكل به (أي
بواسطته) وله (أي لأجل مجده) قد خلق… وفيه يقوم الكل” (كو 1: 16) لقد تكلم
في (ع 14) عن مجده في الفداء “الذي لنا فيه الفداء بدمه غفران الخطايا”
ثم في (ع 19) “لأنه فيه سر أن يحل كل الملء” كان هو الله منذ الأزل ولما
تجسد حل فيه كل ملء اللاهوت جسدياً ولا يزال يحل فيه إلى الأبد. نلاحظ أن الفعل
يحل
dwells هو في صيغة المضارع الذي يفيد الاستمرار. نعم
إن الملء الإلهي حل في جسد مهيأ له. كامل وقدوس وغير قابل للخطأ. وقال عنه “هيأت
لي جسداً” وذلك عند دخوله إلى العالم، ليكون الذبيحة التي بها يتمجد الله،
“لأنه لا يمكن أن دم ثيران وتيوس يرفع خطايا. لذلك عند دخوله إلى العالم يقول:
ذبيحة وقرباناً لم ترد لكن هيأت لي جسداً” (عب 10: 5) جسد مهيأ بقوة الروح
القدس بلا ذرة من الخطية (لوقا 1: 35).

 هذه الأقوال وغيرها كثير هي بمثابة
الامتحان الأول لأجل الأرواح التي تكلم عنها يوحنا الرسول في رسالته (1 يو 4: 1)
“أيها الأحباء لا تصدقوا كل روح بل امتحنوا الرواح هل هي من الله لأن
الأنبياء كذبة كثيرين قد خرجوا إلى العالم. ومن الأقوال السابقة يتضح كذب أقوال
السبتيين عن المسيح “أنه لبس طبيعة بشرية خاطئة مثل كل أبناء آدم” (كتاب
يسوع وانتظار الإنسانية صفحة 54، وكتاب “الكتاب يتكلم” صفحة 197)

 وكما جدفوا على شخصه المعبود
يجدفون وينكرون “كمال كفارته على الصليب” وهنا ننتقل إلى النقطة الثانية
من تعليمهم بخصوص الكفارة.

متى تمت الكفارة لخطايا المؤمنين؟

 كانت بداية السبتيين تفسيراً
مضللاً عن نبوة دانيال (ص8: 14) كما سبقت الإشارة في الفصل الأول. والأساس المضلل
بنوا عليه تعليماً تجديفياً به ينكرون كمال كفارة المسيح التي تمت على الصليب.
قالوا أنه في سنة 1844 حدث حادثٌ سماوي دُعى “تطهير القدس” (كتاب
اعترافات الإيمان فقرة 13، وكتاب مأساة العصور صفحة 364).

 أما ما هو هذا الحادث الذي حدث سنة
1844 وقد أخفاه الرب هذه ال 1800 سنة عن المؤمنين ولم يعلنه للرسل المؤسسين أمثال
بطرس ويوحنا وبولس، مع أن الرب قال للتلاميذ في ليلة آلامه “لا أعود أسميكم
عبيداً لأن العبد لا يعلم ما يعمل سيده لكني سميتكم أحباء لأني أعلمتكم بكل ما
سمعته من أبي” (يوحنا 15: 15) ولكن كما سبقت الإشارة، أن الأنبياء الكذبة
يعطون أقوالاً غامضة قالوا “أن المسيح خلا الثمانية عشر قرناً كان يمارس
رسالته في المكان الأول من القدس… ونتيجة لذلك توضع بالإيمان خطايا كل اللذين
يتوبون عن المخلص وذلك في القدس السماوي، لذلك يجب تطهير القدس السماوي تطهيراً
حقيقياً بإبعاد الخطايا المسجلة فيه” (كتاب مأساة العصور صفحة 413).

 ويفهم من ذلك حسب اعتقادهم أن
الكفارة لم تتم على الصليب وهذا ما قاله صريحاً أحدهم الذي قال “أن الكفارة
أو المصالحة لم تتم كاملاً على الصليب لأن موت المسيح والكفارة ليسا هما شيئاً
واحداً!! وأن المسيح لم ينجز عمل الكفارة كاملاً حين أراق دمه على الصليب”
(إريان سميث في كتابه عن ” القدس” صفحة 181).

 أليس هذا شيئاً عجيباً فما الذي
عمل المسيح في الصليب وما الذي لم يعمله إن لم يكن عمله كاملاً؟ وهو الذي قيل عنه
“بعدما صنع بنفسه تطهيراً لخطايانا جلس في يمين العظمة في الأعالي”
جلوسه عبد اليمين برهان كمال تطهير خطايا المؤمنين (عب 1: 3) كما جاء في نفس
الرسالة (ص 10: 12) “بعدما قدّم عن الخطايا ذبيحة واحدة جلس إلى الأبد عن
يمين الله”. في عمل المسيح على الصليب قد أُبعدت جميع خطايا المؤمنين على مدى
العصور – أُبعدت إلى الأبد – وذلك بعكس الكاهن في العهد القديم الذي يقوم كل يوم
يخدم ويقدم مراراً كثيرة تلك الذبائح عينها التي لا تستطيع البتة أن تنزع الخطية.
ولم يكن للكاهن في العهد القديم كرسي يجلس عليه. على نقيض ذلك كان الأمر مع المسيح
الذي بعدما قدم ذبيحة واحدة (ذبيحة نفسه) من أجل الخطايا جلس. لقد قدّم الذبيحة
وانتهى الأمر لكن السبتيين يقولون كلا! إن الكفارة في الصليب لم تكن كاملة لكن
“ليكن الله صادقاً وكل إنسان كاذباً”!.

 وما هو أردأ من ذلك أن “مسز
هوايت” نبية السبتيين في تفسيرها لما جاء في سفر اللاويين (أصحاح 16) تقول عن
“تيس عزازيل” أنه رمز للشيطان وتقول في كتابها (مأساة العصور صفحة 713)
“حين يرفع رئيس الكهنة بقوة دم الذبيحة الخطايا عن القدس كان يضعها على التيس
المرسل (تيس عزازيل) هكذا يسوع باستحقاق دمه سيبعد خطايا شعبه من القدس السماوي في
نهاية خدمته وسيضعها على الشيطان، الذي سيحمل القصاص الأخير”. هذا ما يعلّم
به السبتيون، يعلّمون تعليماً تجديفياً مفاده أن الشيطان في النهاية سيصبح ذبيحة
كفارية عن الخطايا. فهل يوجد تجديف أفظع من هذا؟ لكن هذا ما سبق وأنبأ به الروح
القدس “لكن الروح يقول صريحاً أنه في الأزمنة الأخيرة يرتد قوم عن الإيمان
تابعين أرواحاً مضلة وتعليم شياطين” (1 تى 4: 1).

 

2- الرد على الافتراءات فيما يختص
بكفارة المسيح

 متى حمل المسيح خطايانا أو متى تمت
الكفارة عن خطايا المؤمنين؟

 الإجابة: تم ذلك في الثلاث ساعات
التي أظلمت فيها الشمس كما جاء في (متى27: 45 – 50) في هذه الساعات الثلاث تمت
الكفارة.ليس قبل ذلك وليس بعد ذلك. من المذود الذي وضع فيه الرب يسوع عند ولادته
من مريم العذراء وحتى ساعة الصلب لم يكن المسيح مكفّراً عن خطايانا. الكفارة تمت
كاملة غير ناقصة على الصليب فقط. ومن يقول بخلاف ذلك فهو مبتدع ولا يستحق أن يدعى
مسيحياً والبراهين على ذلك واضحة في أجزاء كثيرة من كلمة الله:

 يقول الرسول بطرس في (1 بط 2: 24)
الذي حَمَل هو نفسه خطايانا في جسده على الخشبة (أي خشبة الصليب). فعلى الصليب فقط
حمل هو خطايانا. كما جاء أيضاً في رسالة يوحنا (1 يو 3: 5) “وتعلمون أن ذاك
أظهر لكي يرفع خطايانا وليس فيه خطية” أي أنه فعل الأمرين معاً “حمل
خطايانا ورفع خطايانا بعملية واحدة استغرقت ثلاث ساعات كما سبق وذكرنا كما جاء في
(مت 27: 45- 50) حيث نقرأ “ومن الساعة السادسة (أي منتصف النهار)كانت ظلمة
على كل الأرض إلى الساعة التاسعة. وفي الساعة التاسعة (أي ساعة تقديم الذبيحة
المسائية) صرخ يسوع بصوت عظيم قائلاً إيلي إيلي لما شبقتني أي إلهي إلهي لماذا
تركتني” وهذه هي صرخة الكفارة. تم ذلك في الساعة التاسعة أي ساعة تقديم
الذبيحة المسائية وسبق الكلام عنها في الفصل الأول عند الكلام عن المحرقة الدائمة.
في هذه الثلاث ساعات تمت الكفارة وليس سنة 1844 كما يدعى السبتيون. إن الشيطان
وراء كل بدعة يقول الرسول بولس عن الشيطان “لأننا لا نجهل أفكاره” وما
يقصده الشيطان من وراء هذه البدعة أن يجعل ذبيحة المسيح بلا قيمة.

 إن الكفارة كانت كاملة والروح القدس
يرينا النتائج المترتبة عليها وهي:

 1-وإذا حجاب الهيكل قد انشق إلى م
فوق إلى أسفل” (ع 51) إن كلمة “وإذا” ويقابلها بالإنجليزية “
And lo” هي ملفتة. إن الروح القدس سجل هذه
الكلمة التي معناها “إلتفت” أيها القارئ إلى النتائج المباركة لإكمال
الكفارة. إن حجاب الهيكل الذي كان يحجب الله وراءه قد انشق من فوق (أي أن الله هو
الذي فعل ذلك) إلى أسفل. أي لم يعد الله محتجباً كما كان من قبل إتمام الكفارة
“حقاً أنت إله محتجب يا إله إسرائيل المخلص” (أشعياء 45: 15). أما وقد
تمت الكفارة فقد تمت المصالحة ” وأنتم الذين كنتم قبلاً أجنبيين وأعداء في
الفكر في الأعمال الشريرة قد صالحكم الآن في جسم بشريته بالموت ليحضركم قديسين
وبلا لوم ولا شكوى أمامه” (كو 1: 22) لقد صالحنا الله لنفسه بموت ابنه.
وسيصير الكلام عن هذه المصالحة فيما بعد والتي أساسها دم الصليب.

 2- إن متى البشير يتابع الكلام عن
بعض نتائج كمال كفارة المسيح بالقول “والقبور تفتحت وقام كثير من أجساد
القديسين الراقدين وخرجوا من القبور بعد قيامته ودخلوا المدينة المقدسة وظهروا
لكثيرين” (ع 52) إن قيامتهم كانت بعد قيامة الرب في اليوم الثالث، لأنه هو باكورة
الراقدين هؤلاء يختلفون عن الذين أقامهم الرب في أيام جسده والذين أقيموا في أجساد
مائتة (قابلة للموت) مثل اليعازر، الذي أقامه الرب ثم بعد ذلك مات مرة أخرى. أما
هؤلاء فقد قاموا بأجساد القيامة غير القابلة للموت مرة أخرى. فإنهم ظهروا واختفوا.
نظير المسيح بعد قيامته. وأجساد القيامة لها هذه الخاصية أي الظهور والاختفاء إذا
أرادت.

 أما شهادة الروح القدس في الرسائل
عن إتمام المصالحة بناء على كفارة المسيح فإننا نورد بعض الشواهد: ويجب أن نميّز
أن أساس المصالحة هو موت المسيح. والإيمان هو الوسيلة للحصول على المصالحة
“لأنه بدون إيمان لا يمكن إرضاؤه” (عب 11: 6).

 1- “لأنه إن كنا ونحن أعداء
قد صولحنا مع الله بموت ابنه فبالأولى كثيراً ونحن مصالحون نخلص بحياته (رو 5: 10)
لأنه حي في كل حين ليشفع فينا (عب 7: 25).

 2- “ولكن الكل من الله الذي
صالحنا لنفسه بيسوع المسيح” (2كو 5: 18).

 3- “لأنه فيه سُرّ أن يحل كل
الملء (الإلهي) وأن يصالح به الكل لنفسه عاملاً الصلح بدم صليبه (أي إذ عمل الصلح
بدم صليبه)…. وأنتم الذين كنتم فبلاً أجنبيين وأعداء…. قد صالحكم الآن…
بالموت” (كو 1: 19- 22).

 لكن ما هو الإيمان الذي هو الوسيلة
للحصول على الخلاص ونوال الحياة الأبدية؟ يقول الرسول في (رو 10: 9) “لأنك إن
اعترفت بفمك بالرب يسوع (أو بيسوع ربّاً وسيداً لك) وآمنت بقلبك أن الله أقامه من
الأموات خلصت. لأن القلب يؤمن به للبر والفم يعترف به للخلاص”.والإيمان
بالقلب أن الله أقام المسيح من الأموات معناه أن الله قبل عمل المسيح الكفاري الذي
أُكمل على الصليب، ولذلك أقامه من (بين) الأموات. ولا دخل لمشاعر النفس وانفعالتها
في الأمر، بل معنى الإيمان، أن الشخص الذي آمن لم يعد يقاوم الحق بل أصبح طائعاً
مرحباً ببشارة الخلاص التي أرسلها له الله. والقلب يؤمن به للبر المؤسس على تقدير
الله لعمل الرب يسوع الكفاري، كذلك الفم يعترف به للخلاص وبهذا يكرم الله الذي
أرسل ابنه الوحيد كفارة لخطايانا (1يو 4: 10) برهان محبته ويكرم الرب يسوع الذي
أطاع حتى الموت موت الصليب. ولذلك فإن الضرورة الأولى هي طبيعة من الله تتوق إلى
الله ليهبها ما يقدمه الإنجيل. ومعنى ذلك أنه لابد أن يولد الإنسان من الله (يوحنا
3: 7، 8)قبل أن يرتاح راحة حقيقية على كفارة المسيح. ذلك لأنه إذ يحصل على الحياة
الجديدة بهذه الكيفية يدرك في الحال ضرورة الكفارة وقيمتها.

 قبل أن يحصل الإنسان على الحياة
بواسطة الولادة من الله لا يكون عنده الشعور الكافي بالخطية إذ كيف يتسنى له قبل
ذلك أن يعرف طبيعة الله القدوسة معرفة صحيحة. إنه لا يعرف سوى الرعب من الله وهذا
يتوفر لدى الوثنى كما هو متوفر لدى الشياطين الذين قيل عنهم “يؤمنون ويقشعرون
(أي يرتعبون) ” (يع 2: 19) فالإيمان لا يأتي عن طريق الرعب من الدينونة، ولكن
عن طريق إدراك محبة الله. “بهذا أظهرت محبة الله فينا (أو تجاهنا أي في
حالتنا) أن الله أرسل ابنه الوحيد كفارة لخطايانا” (1يو 4: 9، 10). ونتيجة
الإيمان “فرح لا ينطق به ومجيد” (قارن 1بط 1: 8، لوقا 15: 24، أعمال 8: 39،
أعمال 16: 34).

 واضح جداً ن أقوال الله في الرسائل
أن الكفارة تمت مرة واحدة على الصليب لا تتكرر، برهان كفايتها وذلك بالمباينة مع
الذبائح الكثيرة التي كانت تقدّم كل يوم في ظل الناموس وإليك أيها القارئ بعض
الشواهد:

1- “فإن المسيح تألم مرة واحدة
من أجل الخطايا… لكي يقربنا إلى الله”.

2- ” كان يليق بنا رئيس كهنة
مثل هذا قدوس… وصار أعلى من السموات

الذي ليس له اضطرار كل يوم مثل
رؤساء الكهنة أن يقدم ذبائح… لأنه فعل هذا مرة واحدة إذ قدم نفسه” (عب 7: 26،27).

 3- “وليس بدم تيوس وعجول بل
بدم نفسه دخل مرة واحدة إلى الأقداس فوجد فداء أبدياً (أو محصلات فداء أبدياً) (عب
9: 12).

 4- “ولا ليقدّم نفسه مراراً
كثيرة… ولكن الآن قد أظهر مرة عند انقضاء الدهور (الدهور المتعاقبة وآخرها دهر
الناموس) ليبطل الخطية بذبيحة نفسه” (عب 9: 25، 26).

 5- “فبهذه المشيئة نحن مقدسون
بتقديم جسد يسوع المسيح مرة واحدة” (عب 10: 10).

 6- “وأما هذا فبعدما قدمّ عن
الخطايا ذبيحة واحدة جلس إلى الأبد عن يمين الله” (عب 10: 12).

 7- “لأنه بقربان واحد قد أكمل
إلى الأبد المقدسين” (عب 10: 14).

 وخلاصة الأقوال السابقة: أنه ما
كان ممكناً أننا نحن الخطاة ننال خلاصاً يتفق مع برّ الله وعدله إلا بموت المسيح
على الصليب حاملاً حملنا الثقيل وهو خطايانا. وهذه هي الكفارة.

 إن الإنجيل أي البشارة المفرحة
التي بشرنا بها هي “أن المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكتب (العهد القديم)
وأنه دفن وأنه قام في اليوم الثالث حسب الكتب” (1كو 15: 3، 4) ثلاث حقائق مات،
دُفن، قام، في الثلاث ساعات الظلمة حمل خطايانا ورفعها ثم مات (مات بإرادته بعد
إكمال العمل) ودفن ولما دُفن دُفنت معه خطايانا في اقبر ولما قام في اليوم الثالث
لم يقم حاملاً خطايانا لكي يصعد بها إلى السماء ويضعها في القدس السماوي ثم يحملها
الشيطان أخيراً كما يقول السبتيون.

هذه الأقوال ليست إلاَّ تعاليم
شياطين (1 تى 4: 1) ويحاولون إثبات ذلك بواسطة رمز في العهد القديم يفسرونه
تفسيراً شيطانياً. لأن المعروف أن جميع الذبائح في العهد القديم إنما هي رمز
للمسيح الذي هو الذبيحة الواحدة الحقيقية لذلك كانت الشروط مشدّدة أن تكون جميع
الذبائح بلا عيب بما في ذلك التيسين اللذين يقدمان يوم الكفارة السنوية في اليوم
العاشر من الشهر السابع من السنة العبرية (لاويين 16). وإذا رجعنا إلى الشهادة
الرمزية عن الكفارة نقرأ “ومن جماعة بني اسرائيل يأخذ تيسين من المعز لذبيحة
خطية” (لا 16: 5) واضح أن كلا الحيوانين الطاهرين اللذين بلا عيب، أي ذبيحة
مقدسة. ويلقي عليها قرعة: قرعة للرب وقرعة للشعب، والتيس الثاني، قرعة الشعب، يسمى
تيس عزازيل (ومعناه بالعبرية الذي يذهب بعيداً) وهو المكمل للأول. وكان رئيس
الكهنة (الممثل للشعب يعترف على رأسه بكل ذنوب بني اسرائيل وكل خطاياهم ثم يرسله
إلى أرض بعيدة. وهو شهادة لنيابة المسيح في حمل خطايانا، كما أن التيس المذبوح
شهادة للتكفير عن الخطية المقضى عليها أمام الرب تبريراً لطبيعته – كلاهما يرمزان
لعمل المسيح الكفاري – التيس الأول قرعة الرب لمجد الله الذي شوهته الخطية في هذا
العالم. أي موته لكي يقابل مطاليب قداسة الله لكي يتمجد الله من جهة الخطية، إذ
كان ينبغي أن يتمجد الله من جهة الخطية بموت المسيح حتى ولو لم يخلص إنسان واحد
أما تيس عزازيل قرعة الشعب فلأجل غفران خطايا الشعب فكان يلزم الاعتراف بالخطايا
على رأسه ويرسل بعيداً (وهذا هو معنى اسم عزازيل) لكي يستطيع المؤمنون أن يفرحوا
بغفران خطاياهم ويقولوا “كبعد المشرق عن المغرب أبعد عنا معاصينا”
(مزمور 103: 12) كلا التيسين رمز للمسيح الذي مات على الصليب “لأجل مجد الله
ولأجل خلاص المؤمنين الذين أتوا إلى الله معترفين بخطاياهم. وبذلك تم المكتوب
“الرحمة والحق التقيا، البر والسلام تلاثما” (مزمور 85: 10) “الرب
بار (عادل) في كل طرقه ورحيم في جميع أعماله” (مزمور 145). “العدل والحق
قاعدة كرسيه. الرحمة والأمانة تتقدمان أمام وجهه” (مزمور 89: 14) الرب بار
(عادل) عندما يدين الأشرار، والرب بار (عادل) عندما يخلص المؤمنين لأنه استوفى حقه
من بديلهم على الصليب، كما قيل في رسالة رومية (رسالة التبرير) “ليكون الله
باراً (عادلاً) ويبرر من هو من الإيمان بيسوع” (رو 3: 26). لقد بذل الله ابنه
الوحيد، بذله كحمل الله لأن قداسته تطلبت ذبيحة بلا عيب، ومحبته أعدت هذه الذبيحة
(يو 3: 16) لا يوجد تناقض بين عدالة الله ومحبة الله.

 رأينا أن التيسين كلاهما رمز
للمسيح. كما أن العصفورين اللذين يؤخذان عند تطهير الأبرص قيل عنهما “عصفوران
حيّان طاهران” يذبح الواحد في إناء خزف على ماء حي والعصفور الآخر يغمس في دم
العصفور المذبوح على الماء الحي ويطلق على وجه الصحراء، كلاهما رمز للمسيح في موته
وفي قيامته. (لاويين 14).

 هذا هو الحق الواضح في الإنجيل. أن
العهد القديم يفسر في نور العهد الجديد ولا تفسر الرموز طبقاً للخيال البشري
والذهن الفاسد الذي يستولي عليه الشيطان ولا تحكمه كلمة الله لكي يهين المسيح
ويحتقر عمل المسيح. يقول السبتيون أن “تيس عزازيل” الذي هو ذبيحة خطية
بلا عيب هو رمز للشيطان. هل الشيطان بلا عيب؟ هل الشيطان يحمل خطايا المؤمنين؟ إن
الشيطان له رمز واحد في العهد الجديد إنه يدعى الحية القديمة لأنه دخل قديماً في
الحية وتكلم بواسطتها لكي يخدع حوّاء. وعنه يقول بولس للكورنثيين “ولكن أخاف
أنه كما خدعت الحية حواء بمكرها هكذا تفسد أذهانكم على البساطة التي في
المسيح” (2 كو 11: 3). كما جاء في سفر الرؤيا (ص 20: 1) “ورأيت ملاكاً
نازلاً من السماء… فقبض على التنين، الحية القديمة الذي هو إبليس والشيطان: إبليس
اسمه باللغة اليونانية. والشيطان اسمه باللغة العبرية ومعنى الاسم: الخصم أو
المشتكى. ويرمز له بتنين كناية عن القوة الهائلة والقسوة ويرمز له بالحية كناية عن
المكر.

 رأينا في تفسيرهم لنبوة دانيال عن
ال 2300 صباح ومساء بدعة فيها إهانة للمسيح. ومضمون البدعة أن عمل المسيح لم يكن
كاملاً في الصليب. ثم رأينا تفسيرهم للكفارة السنوية (لاويين 16) أن “تيس
عزازيل) الذي هو لذبيحة خطية طاهرة بلا عيب أنهم جعلوا التيس الطاهر رمزاً للشيطان.
أنهم يكرمون الشيطان ويهينون المسيح وينطبق عليهم ما قاله الرسول بولس أنه
“في الأزمنة الأخيرة يرتد قوم عن الإيمان تابعين أرواحاً مضلة وتعاليم
شياطين” (1 تى 4: 1).

 ومن ضمن تعاليمهم الشيطانية قولهم
عن المسيح أنه هو “الملاك ميخائيل” (آرثر ليكى في كتابه {الله والإنسان
العصري صفحة 88، 89} وهم في ذلك شركاء مع شهود يهوه في هذا التفسير. ويبنون
تفسيرهم الهرطوقي هذا على أساس أن اسم “ميخائيل” باللغة العبرية معناه
“شبه الله” أو “مثل الله” مع أن الترجمة الصحيحة كما يقول
العارفون باللغة العبرية أن الاسم معناه “من مثل الله؟” أي لا يوجد شبيه
لله. والرب نفسه له المجد يستنكر ذلك إذ يقول في إشعياء (ص 40: 25) “فبمن
تشبهونني فأساويه يقول القدوس؟” إن الرب يسوع لا يقال عنه قط أنه “مثل
الله” أو “شبه الله” لأن هذا تجديف فظيع على الرب. بل إن المسيح هو
“صورة الله غير المنظور” (كولوسي 1: 15) أي هو “الله الحقيقي”
كما قال عنه يوحنا في رسالته الأولى (ص 5: 20) “هذا هو الإله الحق (أي الله
الحقيقي) والحياة الأبدية” “
He is the true God and eternal life” ولتوضيح الفرق بين “الشبه”
و”الصورة” نرجع إلى كلمة الله نفسها. ففي الكلام عن الناموس في (عب 10: 1)
قيل “لأن الناموس إذ له ظل (أو شبه) الخيرات العتيدة لا نفس صورة
الأشياء” “أي ليس حقيقة الأشياء..” كما قيل عن الكهنة اللاويين
الذين يقدمون قرابين حسب الناموس “الذين يخدمون شبه السماويات وظلها”
(عب 8: 5) كما قيا أيضاً “لأن المسيح لم يدخل إلى أقداس مصنوعة بيد، أشباه
الحقيقية بل إلى السماء عينها” (عب 9: 23). كما جاء أيضاً في (2 كو 4: 4)
“إله هذا الدهر قد أعمى أذهان غير المؤمنين لئلا تضيء لهم إنارة انجيل مجد
المسيح الذي هو صورة الله” أي هو الله نفسه.

 إن أول ذكر للملاك ميخائيل جاء في
(دانيال 10: 13) “وهوذا ميخائيل، واحد من الرؤساء الأولين جاء لإعانتي”
ثم في (ع 21) “ولا أحد يتمسك معي على هؤلاء إلا ميخائيل رئيسكم” أي رئيس
ملائكة مخصص لشعب دانيال (أي اليهود). وقد ذكر ذلك صراحة في (دا 12: 10) “في
ذلك الوقت يقوم ميخائيل الرئيس العظيم القائم لبني شعبك” (أي اليهود). كما
ورد ذكره في رسالة يهوذا (ع 9) مخاصماً إبليس ومحاجاً عن جسد موسى. وكما نفهم من
القرينة أن ميخائيل منع إبليس من كشف قبر موسى حماية لشعب اسرائيل من أن يكون جسد
موسى موضع تكريم وعبادة لبني اسرائيل وبذلك يكون فخاً لهم.

 وأخيراً نقرأ عن ميخائيل محارباً
إبليس (التنين) وإسقاطه مع ملائكته من مكانهم في السماء (رؤ 12). كلاّ! ليس المسيح
هو ميخائيل بل هو الذي خلق ميخائيل وكل الرئاسات الملائكية وجميع الملائكة كما جاء
عنه في الرسالة للعبرانيين أنه هو “الصانع ملائكته رياحاً (أو أرواحاً)،
وخدّامه لهيب نار” (عب 1: 7) وهو الذي قيل عنه في (دانيال 7: 10) “ألوف
ألوف تخدمه وربوات ربوات وقوف قدامه”. هو الذي في محضره تغطى الملائكة
السرافيم وجوههم وأرجلهم بأجنحتهم” (أشعياء 6، يو 12: 41).

 ثم من الذي تجسد وصار جسداً ووجد
في الهيئة كإنسان؟ هل هو ميخائيل أم الكلمة الأزلي (يوحنا 1: 14) والذي قيل عنه
“إنه حقاً ليس يمسك الملائكة” (عب 1: 16)؟ لا يمكن أن يقال عن رئيس
ملائكة “أنه ليس يمسك ملائكة” ومهما كانت عظمة ميخائيل فهو مخلوق محدود
وأما الخالق غير المحدود هو الذي تنازل لكي يكون الفدية هو “ابن محبته”
الذي لنا فيه الفداء بدمه غفران الخطايا (كولوسي 1: 13، 14) لكي تكون الفدية غير
محدودة كافية لأجل جميع البشر. “وهو مات لأجل الجميع” (2 كو 5: 14، 15).

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى