علم الانسان

الخليقة الجديدة ووحدة البشرية والحياة الأبدية



الخليقة الجديدة ووحدة البشرية والحياة الأبدية

الخليقة
الجديدة
ووحدة البشرية والحياة الأبدية

كيفية
اتحادنا بالمسيح في جسد واحد:

“لأننا
أعضاء جسمه،

من
لحمه ومن عظامه” (أف 30: 5)

هذا
سرٌّ نشتاق إليه،

ولكن
لا نستطيع أن نفهمه.

ليس
كل ما نعرفه نستطيع أن نفهمه،

وسبب
ذلك هو أن السرَّ يفوق إمكانيات ومدركات العقل البشري.

كيف
نكون كلنا جسداً واحداً في المسيح؟

بل
و”من لحمه ومن عظامه” .. إلى هذه الدرجة؟

لكن
الذي يساعدنا على قبول هذه الحقيقة،

هو
أن الرب القائم من بين الأموات قال:

“جسُّوني
وانظروا، فإنَّ الروح ليس له لحم وعظام كما تَرَوْن لي” (لو 39: 24)

إذن،
جسد القيامة له لحم وعظام،

ونحن
مخلوقون من جديد من ذات جسد المسيح القائم من بين الأموات.

فيحقُّ
لنا بالتالي أن نكون “من لحمه ومن عظامه” كما كانت حواء من لحم ومن عظام
آدم.

كيف،
إذن، نكون جسداً واحداً في المسيح
([1])؟

هذا
اتحاد أعظم وأكمل من مجرَّد اتحاد عريس بعروس.

هذا
تعبير عن عودة البشرية إلى “إنسان واحد” (أف 15: 2)،

إلى
“إنسان كامل، إلى قياس قامة ملء المسيح” (أف 13: 4)

هنا
يعيد المسيح للبشرية وحدتها الأصلية التي كانت لها قبل الخطية،

لأن
البشرية قبل الخطية كانت إنساناً واحداً هو آدم المخلوق على صورة الله،

ولم
يأتِ التناسل والتكاثر إلاَّ بعد الخطية وحُكْم الموت وكنتيجة لهما.

فالخطية
فتَّتتْ الطبيعة البشرية الواحدة إلى آلاف القِطَع(
[2]).

فلما
رَفَعَ المسيح خطايا البشرية كلها وأبطلها على الصليب،

كانت
النتيجة الحتمية أن تعود البشرية المُفتَّتة من آدم إلى وحدتها الأصلية،

لأن
سبب الانقسام، وهو الخطية، قد رُفِع من الوسط.

ولكن
كيف يصير المسيح فينا ونحن فيه؟

كيف
نصير واحداً في الآب وفي الابن؟

هل
ندخل إلى عمق كيان الله؟ إلى عمق الثالوث؟

كيف
يدخل الجزء (أنا) في المطلق الكامل دون أن يفقد الجزء وجوده الخاص؟

هذا
سرٌّ يعجز الشرح اللاهوتي عن الاقتراب إليه.

لكن
القديس يوحنا يُقدِّمها في منتهى البساطة:

“أما
شركتنا نحن فهي مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح.

ونكتب
إليكم هذا لكي يكون فرحكم كاملاً” (1يو 3: 1و4)

الفرح
الكامل هنا دليل على أننا لن نفقد وجودنا الخاص بدخولنا في المطلق الكامل،

لأن
الفرح شعورٌ يستقر في الذات.

والشعور
الذاتي لن ينعدم بدخولنا في المطلق!

فكيف
يدخل الجزء المحدود في المطلق غير المحدود دون أن يفقد وجوده؟

التجسُّد
أساس الاتحاد:

في
التجسُّد أخذ منَّا المسيح جسداً محدوداً ووحَّده بكيانه الإلهي غير المحدود،

فخرجت
البشرية في المسيح من المحدود إلى اللامحدود،

وهكذا
احتوى المسيحُ البشريةَ وكل بشري(
[3]).

فالمسيح
أخذ وجوداً زمنياً ووحَّده بوجوده الأزلي غير الزمني.

وبذلك
وضع أساس الاتحاد بين الزمني واللازمني، وبين المحدود واللامحدود،

وأخرج
الوجود البشري المحدود من محدوديته وأعطاه إمكانية الاتحاد بغير المحدود.

ولكن
ظلَّت هذه الإمكانية محقَّقة في كيان المسيح الشخصي فقط،

حتى
يوم الصليب حين أخذ المسيح خطايا البشرية كلها في نفسه ومات بها ثم قام.

فخَلَق
البشرية فيه من جديد بقيامته، بطبيعة جديدة مأخوذة منه،

لها
نفس إمكانية الاتحاد بين المحدود واللامحدود، وبين الزمني واللازمني:

“أنتم
فيَّ وأنا فيكم” (يو 20: 14)

فالتجسُّد
كان بداية لَمّ شمل البشرية المفتَّتة من آدم بسبب الخطية،

لَمّ
شملها في ابن الله الذي وحَّدها في نفسه.

فلما
رُفِعَتْ الخطية بالصليب،

عادت
البشرية المفتَّتة إلى صورتها الأصلية بشبه خالقها.

فبالقيامة،
أي بخلق البشرية من جديد من طبيعة المسيح،

يتحقَّق
سرُّ توحيد الزمني باللازمني والمحدود باللامحدود.

الصليب
حقَّق غاية التجسُّد:

التجسُّد
كان بداية احتواء البشرية في ابن الله الوحيد.

هذا
الاحتواء مُنح مبدئياً للإنسان في شخص المسيح نفسه لَمَّا تجسَّد،

لكن
الخطية عوَّقت اكتماله.

غير
أن هذا الاحتواء تحقَّق للبشرية كلها بالكمال لَمَّا لَبِسَ المسيح خطيتها في جسده،

ومات
بها فأخلاها من الموت والانقسام وفكَّها من محدوديتها،

وأعطاها
إمكانية الاتحاد باللازمني واللامحدود في المسيح.

فالصليب
حقَّق، إذن، للبشرية كلها الاتحاد الذي تمَّمه المسيح في شخصه بالتجسُّد،

وبالقيامة
دخلت البشرية خلقتها الجديدة وتهيَّأت للحياة الأبدية مع الله.

(مساء
عيد القيامة عام 1999)



اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى