اللاهوت الروحي

الباب الرابع



الباب الرابع

الباب الرابع
قبول المسيح وسر المعمودية

1 هل يصح
أن يقال لمسيحيين معمدين “اقبل المسيح”؟

2 هل يخرج
الله من قلب المسيحيين المعمدين؟

 حتى
يحتاجوا إلى دعوته لدخول قلوبهم من جديد؟

3 أسباب الانفصال عن الله.

4 نتائج الانفصال عن الله.

5 هل يدخل
الله في قلبي عندما أطلبه رغم أنه قد سبق ونلت المعمودية؟

6 معمودية الكبار ومعمودية الصغار.

تدور
عدة تساؤلات في ذهن البعض عن المفهوم السليم للآية: “هأنذا واقف على الباب
وأقرع إن سمع أحد صوتي وفتح الباب أدخل إليه وأتعشى معه وهو معي” (رؤ3: 20)
وخاصة ارتباطها بسر المعمودية، فدعنا أيها الحبيب نوضح الإجابات على هذه التساؤلات
باختصار فيما يلي.

 

هل يصح أن يقال لمسيحيين
معمدين
“اقبل المسيح”؟

هذه
العبارة “هأنذا واقف على الباب وأقرع إن سمع أحد صوتي وفتح الباب أدخل إليه
وأتعشى معه وهو معي” (رؤ3: 20) إذا رجعنا إلى الكتاب المقدس وبالتحديد سفر
الرؤيا حيث وردت هذه الآية، نجد أنها قيلت لملاك كنيسة اللاودكيين أي الكنيسة التي
في لاودكية.

 

 وملاك
الكنيسة هنا بحسب ما أجمع عليه الآباء هو خادمها أو أسقفها. وبالتأكيد كان هذا
الأسقف مسيحيا معمدا. وبالرغم من هذا كان صوت الرب له قائلا: “أنا واقف على
الباب وأقرع.. “

 

 ومن
هنا لا توجد أية غضاضة من توجيه هذه العبارة لأناس معمدين تنطبق حالتهم الروحية مع
حالة ملاك هذه الكنيسة من فتور روحي واحتياج إلى هذا الحل الإلهي. ولهذا نجد هذه
العبارة يرددها كثيرا قداسة البابا في عظاته وكتاباته للمسيحيين المعمدين:

(1)
يقول قداسته: [الله واقف على الباب وهو الذي يقرع..! وهو الذي يقول في كل
حين: “هأنذا واقف على الباب وأقرع إن سمع أحد صوتي وفتح الباب، أدخل إليه
وأتعشى معه وهو معي”] (رؤ3: 20)

 (كتاب
حياة الرجاء صفحة 49)

 (2)
وفي هذا يقول قداسة البابا [هوذا المسيح ما يزال واقفا وحده يقرع على الباب
حتى إذا فتحت له يدخل ويتعشى معك وأنت معه. فهل ما تزال مصرا أن تتركه واقفا
وحده؟]

 (كتاب
انطلاق الروح ص 107)

(3)
يقول: [أنا واقف على أبواب قلوبكم أقرع لكي تفتحوا لي “رؤ3: 20” إنما
المشكلة تأتي من جهتكم أنتم فإن سمع أحد صوتي وفتح الباب أدخل إليه]. لذلك أقول
“ارجعوا إلي” أي افتحوا أبواب قلوبكم المغلقة دوني.. “فأرجع
إليكم” أي أدخل إلى هذه القلوب التي أخرجتموني منها، برفضكم إياي في
خطاياكم..].

(كتاب
الرجوع إلى الله صفحة 45)

 

هل يخرج الله من قلب
المسيحيين المعمدين؟ حتى يحتاجوا إلى دعوته لدخول قلوبهم من جديد؟

الإجابة:
إنه
على المستوى اللاهوتي والعقيدي نقول لا. لأن الله لا يخلو منه مكان، كما
نقول في الأجبية: “أيها الملك السماوي.. الحاضر في كل مكان والمالئ
الكل..”

 ولكن على المستوى الروحي نجد إجابة على
هذا التساؤل بتعبيرات لها مدلولاتها الروحية التي نورد بعضا منها:

 

(1) عدم وجود الله في القلب:

 الواقع
أن هذا التعبير صعب للغاية، فكيف لإنسان مسيحي معمد لا يكون الله في قلبه. نعم على
المستوى اللاهوتي والعقيدي نقول إن هذا الأمر في غاية الصعوبة، ولكن على المستوى
الروحي والعملي يعبر عن حالة الشخص البعيد عن الله بهذا التعبير. ونستطيع أن نفهم
ذلك من أقوال معلم الأجيال فيما يلي:

 

 [أ]
يقول قداسة الباب شنوده الثالث: [كلنا نقول نحب المسيح.. والمسيح داخل قلوبنا
وأفكارنا أما من جهة العمل فهذا مستحيل، وقد نبه يوحنا الرسول عن هذه
النقطة وقال “يا أخوتي لا نحب لا باللسان ولا بالكلام بل بالعمل والحق”]

 (كتاب
اليقظة الروحية صفحة 13)

 [ب]
فعن عدم وجود مجال لله في داخل الإنسان المسيحي المعمد بسبب حياته المنحرفة في
الخطية قال قداسة البابا: [الشيطان.. يقدم للإنسان عاطفة ما تشغل كل قلبه..
وتستحوذ على كل اهتماماته ومعها لا يكون لله مجال في داخله]

(كتاب
اليقظة الروحية ص23و24)

 

[ت]
ومن أقواله أيضا في هذا الصدد: “ويبحث الله عن مكان في قلبه فلا يجد،
فقلبه مشغول على الدوام بهذه العاطفة التي استولت عليه.. ويشعر هذا الإنسان أن هذه
العاطفة هي الوحيدة التي تشبعه! وتسأل عن مركز الله في قلبه أو مركز الروح أو
الأبدية فلا تجد..
الله الذي هو المالك الحقيقي لقلبك أصبح لا يجد له مكانا
فيه
“.

 (كتاب
اليقظة الروحية ص25و26)

[ث]
يقول أيضا قداسته عن المسيحيين الاسميين الذين يعيشون بعيدا عن الله في حياة
الخطية [الشخص الذي يحب الخطية لابد سيسقط فيها.. أمثال هؤلاء.. ما زالوا يعتقدون
أن الشر لذيذ، والخطية حلوة ومشتهاة.. إنهم لم ينتصروا في الداخل، ولم يسكن
الله في قلوبهم
..]

 (كتاب انطلاق الروح ص79و80)

[ج] ويقول أيضا: [كيف يكون روح الله القدوس
ساكنا فينا
(1كو 3: 16) ونحن نرتكب الخطية، بينما هيكل الله مقدس هو (1كو3:
17)]

 (كتاب الرجوع إلى الله صفحة 13)

هذا
وهناك تعبير آخر أكثر صعوبة عن هذه الحالة هو:

 

(2)
رفض الله وطرده من القلب:

 [أ]
وهذا ما عبر عنه قداسة البابا شنوده الثالث بقوله:

[وتسأل
عن مركز الله في قلبه أو مركز الروح أو الأبدية فلا تجد.. إلا هذه الحقيقة
المرة: لقد طردنا صاحب البيت وأسكنا في مكانه الغرباء]. (كتاب اليقظة
الروحية ص26)

 

[ب]
يقول قداسة البابا شنوده الثالث بلسان الرب يسوع المسيح: [أنا واقف على أبواب
قلوبكم أقرع لكي تفتحوا لي “رؤ3: 20” إنما المشكلة تأتي من جهتكم أنتم
فإن سمع أحد صوتي وفتح الباب أدخل إليه]. لذلك أقول “ارجعوا إلي” أي
افتحوا أبواب قلوبكم المغلقة دوني.. “فأرجع إليكم” أي أدخل إلى هذه
القلوب التي أخرجتموني منها، برفضكم إياي في خطاياكم..].
(كتاب الرجوع إلى
الله صفحة 45)

[ت]
وأيضا يقول قداسته: [الخطاة ينفصلون عن إرادة الله، وينفصلون عن إدارة الله.. وقد
عبر الله عن هذا الانفصال بقوله: “رفضوني” و”تركوني”.
فقال: “تركوني أنا ينبوع الماء الحي وحفروا لأنفسهم آبار، آبارا مشققة
لا تضبط ماء” (ار2: 13). وقال أيضا “رفضوني أنا الحبيب مثل ميت
مرذول” (مز37: 21). نعم الخطية هي.. ترك لله ورفض له. فالخاطي لا يشعر
بحب نحو الله ولا بدالة معه].

 (كتاب
الرجوع إلى الله صفحة 9)

 

[ث]
ومن أقواله أيضا عن هذه الحالة الصعبة: [المسيح المرفوض لا يجد منادي عندما
يقول: “هأنذا واقف على الباب وأقرع إن سمع أحد صوتي وفتح الباب أدخل إليه
وأتعشى معه وهو معي”

 ويكمل
كلامه قائلا: ولكي لا نلوم الآخرين مفروض أن نطبق هذا على أنفسنا، فكثيرين يقولون
أن المسيح جاء إلى اليهود وهم رفضوه، ولكن أنت يا عزيزي هل قبلته؟ نحن
نرفضه كل يوم
.. فيرد قائلا “رفضوني أنا الحبيب مثل الميت
المرذول” المسيح مازال يقرع على الباب “صوت حبيبي قارعا، افتحي لي يا
حبيبتي.. لأن رأسي امتلأ من الطل وقصصي من ندى الليل”. المسيح يتوسل بكلمات
كلها رقة للنفس البشرية.. ولكننا نرد قائلين له “قد خلعت ثوبي فكيف
ألبسه” المسيح المرفوض الأبرع جمالا من بني البشر قلبا محبا حنونا]

 (كتاب
محبة الله 12و13)

[ج]
وفي هذا المعنى يقول القمص تادرس يعقوب: [إنك لا تسمح لي (أي للمسيح) أن أدخل
إلى أعماقك
، بل تدفعني منها. أريد أن أقيم عرشي فيك.. إني أقرع باب قلبك
وأنت لا تفتح
. إنك تنساني منشغلا بالتراب، أما أنا فلا أنساك]

 (مكتبة
للفتيان الجزء الثالث صفحة 243)

(3)
تحدي الله:

 يقول
قداسة البابا شنوده الثالث:

 [الخاطئ
له طريق آخر غير طريق الله. إنه قد انفصل عن الله في التصرف وفي الأسلوب وفي
المشيئة. فأصبحت له مشيئة غير مشيئة الله، وصار يريد ما لا يريده الله، وأنه
إنسان يتحدى الله بلا خوف،
ويكسر وصاياه. وفي كسره لوصايا الله يكون قد انفصل
عن محبته أيضا]

 (كتاب
الرجوع إلى الله صفحة 8)

 

(4)
بل هناك تعبير هو أكثر صعوبة من كل التعبيرات السابقة عن حالة المسيحي المعمد
المنفصل عن الله وهو تعبير الموت:

 

[أ]
فقد كتب البابا شنوده الثالث قائلا: “وبالانفصال عن الله انفصال عن
الحياة”، لأن الله هو الحق والحياة (يو14: 6) وإذا انفصل الإنسان عن الحياة
الحقيقية التي هي الثبات في الله أصبح من الناحية الروحية ميتا، حسبما قال
الأب عن ابنه الضال “ابني هذا كان ميتا..” (لو15: 24) وصار ينطبق
على الإنسان قول الرب “لك اسم أنك حي وأنت ميت” (رؤ3: 1)

 (كتاب
الرجوع إلى الله صفحة 32)

 

[ب]
وكتب عن ذلك أيضا قائلا: [الإنسان الذي يعيش في الخطية بعيدا عن الله يشبهه الكتاب
المقدس بإنسان نائم.. بل إن القديس بولس لا يعتبره نوما فقط، بل ما هو أكثر من هذا
إنه موت، لأن الخطية هي موت. والخطاة “أموات
بالخطايا”] (أفسس2: 5) لذلك يقول الرسول “استيقظ أيها النائم وقم من الأموات
فيضيء لك المسيح” (أف5: 14)]

 (كتاب
اليقظة الروحية صفحة 7و8)

 

أسباب الانفصال عن الله

الواقع
أن هناك عدة أسباب تودي بالإنسان إلى الانفصال عن الله منها:

 

(1)
نسيان الله:

[أ]
يقول
قداسة البابا شنوده الثالث: [الإنسان في الخطية في دوامة ينسى فيها روحه
وينسى الله]
(اليقظة الروحية صفحة 8)

 

[ب]
ويقول قداسته أيضا: [وفي كل هذا تُنسى الحياة الروحية، ويُنسى الله أيضا]
(اليقظة الروحية صفحة 15)

 (2)
الهروب من الله:

 يقول
قداسة البابا شنوده الثالث عن هذا السبب الذي يقود إلى الانفصال عن الله: [أمثال
هؤلاء يرون أن اليقظة الروحية يقظة مريرة، تتعبهم وتحرمهم من لذاتهم. لذلك هم يهربون
باستمرار من الله
]

 (كتاب
اليقظة الروحية صفحة36)

 

(3)
الاستقلال عن الله:

 وعن
هذا السبب يقول قداسة الباب شنوده الثالث: [الخطية إذن هي انفصال عن محبة الله،
وعن وصاياه. هي حياة إنسان قد أعلن استقلاله عن الله وعن ملكوته وصار يسلك حسب
هواه، دون أن يضع الله أمامه
]

 (كتاب
الرجوع إلى الله صفحة9)

 

(4)
عدم محبة الله:

 وعن
ذلك السبب علق قداسة البابا قائلا: [نعم إن الخطية هي انفصال عن الله، ترك له،
ورفض له. الخاطي لا يشعر بحب نحو الله، ولا بدالة معه. أصبح القلب يحب
أشياء أخرى، قد حلت محل الله فيه،
ولم يعد الله في اهتمامه.. ولا يشغل قلبه.
ففي هذه الحالة ينفصل القلب عن الله]

 (كتاب
الرجوع إلى الله صفحة10)

 

نتائج الانفصال عن الله

للانفصال
عن الله نتائج مريرة منها:

(1) عدم الإدراك:

 فلا
يدرك حالته التي هو فيها، وأيضا لا يدرك ما كان له من امتيازات مباركة.

 [أ]
عن هذا قال قداسة البابا الأنبا شنوده الثالث: [الإنسان الذي يعيش في الخطية بعيدا
عن الله يشبهه الكتاب المقدس بإنسان نائم
لا
يدري بنفسه ولا بحالته كيف هو
فهو
محتاج أن يستيقظ]

 (كتاب
اليقظة الروحية صفحة 7)

[ب]
وقال أيضا: [الخطاة أموات بالخطايا، لذلك يقول الرسول: استيقظ أيها النائم وقم من
الأموات فيضيء لك المسيح (أف5: 14). قم انتبه لنفسك. وارجع إلى الصحو، لتدري ما
أنت فيه.. الشخص الخاطي كإنسان مخدر لا يدري ما هو فيه، إحساسه الروحي معطل،
فهو لا يحس ما هو فيه، ولا ماذا يفعل..]

 (كتاب
اليقظة الروحية8)

[ج]
ويقول قداسته أيضا: [حقا إن الشيطان حينما يريد أن يوقع شخصا يخدر ضميره أولا أو
يقوده بطريقة ما إلى حالة الغفوة والغفلة هذه، التي تعطل الحس الروحي فلا يدرك
ما هو فيه
]

 (كتاب
اليقظة الروحية صفحة 9)

 

(2) عدم إعطاء القلب
لله:

من
نتائج الانفصال عن الله أيضا أن الإنسان لا يعطي قلبه لله.

[أ]
وعن هذا قال قداسة البابا شنوده الثالث: [مشغوليات الإنسان تسيطر على وقته، فلا
يعطيه لله، والعواطف تسيطر على قلبه فلا يعطيه لله]

 (كتاب
اليقظة الروحية صفحة 35)

 

(3)
بيع المسيح:

 وأيضا
من نتائج الانفصال عن الله بيع المسيح.

 وعن
هذا قال قداسة البابا الأنبا شنوده [نظر إليها (إلى بائيسة) القديس (يوحنا القصير)
وقال لها: لماذا استهنت بالسيد المسيح بهذا المقدار؟.. كيف أضلك الشيطان حتى بعت
المسيح
بهذا الثمن الرخيص؟! وأحنى القديس رأسه إلى الأرض وبكى بكاء مرا.
وتأثرت بائيسة من توبيخه لها وتأثرت من بكائه واستيقظ ضميرها.. وقالت للقديس: هل
لي توبة؟ فأجابها: نعم، ولكن ليس في هذا المكان.. اقتنعت وسلمت نفسها لهذا الذي
أتى من أجل خلاص نفسها.]

 (كتاب
اليقظة الروحية صفحة 55)

 

(4)
إنعدام العلاقة مع الله:

نعم
عندما ينفصل الإنسان عن الله تنعدم علاقته بالله.

وعن
هذه النتيجة قال قداسة البابا شنوده الثالث: [.. وهناك أناس علاقتهم بالله طقسية
بلا روح! علاقة فروض! يؤدي الإنسان الفرض في موعده، دون أن يحس بوجود الله فيما
يفعل!
يصلي الصلاة في موعدها. ويقرأ الكتاب المقدس بنظام متبع، وضميره يتعب إن
لم يقرأ ولم يصلي. لأنه لم يؤدي واجبه (الروحي). كل هؤلاء حتى الآن ليست لهم
علاقة بالله.
لا الجدل في الله والإلهيات، ولا تذكاره في المناسبات والرسميات،
ولا الطقوس الخالية من الروح، التي هي مجرد فروض وواجبات، لا شيء من هذا كله يشعر
فيه الإنسان أن له علاقة روحية مع الله]

 (مقال
اللقاء مع الله جريدة وطني بتاريخ 16/5/19963)

 

 وقال
أيضا قداسته: [إن القلب هو الأساس، وبه نميز بين اثنين: إنسان يصلي المزامير فيخرج
بها الشياطين، وآخر يصلي المزامير وكأنه لم يصلِّ إذ لا علاقة في قلبه مع الله]

(كتاب
الرجوع إلى الله صفحة37)

 

(5)
فقدان رتبة البنوية:

 كتب
المتنيح الأرشيذياكون حبيب جرجس عن هذه الحقيقة المرة تحت عنوان نتائج سر التوبة
قائلا: [نتائج سر التوبة هي: .. والحصول على رتبة البنوية التي فقدها الخاطي
بخطيته
(لو15: 1724)]

(كتاب أسرار الكنيسة السبعة ص116)

 

 هذه
بعض النتائج المريرة للانفصال عن الله. فليحمنا الرب من ذلك وليعطنا أن ننتبه
لحياتنا حتى لا نصل إلى مرارة هذه النتائج.

 

 

هل يدخل الله في قلبي عندما
أطلبه رغم أنه قد سبق ونلت المعمودية؟

مما
لاشك فيه أن الإنسان عندما يعمد سواء كان طفلا أو بالغا فإنه بسر المعمودية يولد
من الماء والروح، وينال طبيعة جديدة وغفران الخطية الجدية والخطايا الفعلية
السابقة للمعمودية، وينال أيضا نعمة التبني ويكون فيه الروح القدس روح المسيح من
خلال سر الميرون، هذا إلى جوار كل بركات ومفاعيل هذين السرين المقدسين.

كل
هذا قد تم بالفعل على المستوى السرائري المقدس، ولكن المشكلة كما مر بنا
واتضح لنا من أقوال قداسة البابا شنوده الثالث أن الإنسان على المستوى الروحي
ينفصل عن الله بخطاياه التي يفعلها بعد المعمودية، لذلك فهو يحتاج إلى سر التوبة
التي هي معمودية ثانية كما قرر مجمع قرطاجنة، لكي يستعيد التمتع بهذه البركات التي
نسيها بسبب الخطية، وأخرج نفسه من دائرة بركتها.

 

من
أقوال قداسة البابا شنوده الثالث بهذا الخصوص ما يلي:

(1)
يقول قداسة البابا شنوده الثالث بلسان الرب يسوع المسيح: [أنا واقف على أبواب
قلوبكم أقرع لكي تفتحوا لي (رؤ3: 20) إنما المشكلة تأتي من جهتكم أنتم فإن سمع أحد
صوتي وفتح الباب أدخل إليه]. لذلك أقول “ارجعوا إلي” أي افتحوا
أبواب قلوبكم المغلقة دوني
.. “فأرجع إليكم” أي أدخل إلى هذه
القلوب
التي أخرجتموني منها، برفضكم إياي في خطاياكم..].

 (كتاب
الرجوع إلى الله صفحة 45)

[ب]
ومن أقوال قداسته أيضا: [لكي لا نلوم الآخرين مفروض أن نطبق هذا على أنفسنا،
فكثيرين يقولون أن المسيح جاء إلى اليهود وهم رفضوه، ولكن أنت يا عزيزي
هل قبلته؟]

 (كتاب
محبة الله 12و13)

 

من
كل هذا يتضح أنه على المستوى الروحي يمكن أن نفتح قلوبنا للرب بعد أن أغلقناها
دونه، حتى يدخلها بعد أن أخرجناه منها، ونقبله ملكا بعد أن رفضناه وطردناه بسبب
خطايانا.

 

وسائل تمليك المسيح على القلب

وضعت
لنا الكنيسة وسائط مقدسة من خلالها يحتل المسيح مكانته اللائقة به في قلوبنا منها:

 (1)
بالتوبة:
التوبة
هي الرجوع إلى الله وعندما يرجع الإنسان إلى الله يسكن الله داخله كما وضح قداسة
البابا الأنبا شنوده الثالث بقوله: [التوبة لا تقتصر على الصلح، إذ بها يعود الله
فيسكن في قلب الإنسان، ويتحول هذا القلب إلى سماء. أما غير التائبين فكيف يسكن
الله في قلوبهم حيث تسكن الخطية؟‍]

(كتاب التوبة والنقاوة ص
8)

(2) وممارسة وسائط
النعمة الكنسية والطقسية بطريقة سليمة
وليست طريقة روتينية
خالية من الروح.

وعن
هذا قال قداسة البابا شنوده الثالث: [.. وهناك أناس علاقتهم بالله طقسية بلا روح!
علاقة فروض! يؤدي الإنسان الفرض في موعده، دون أن يحس بوجود الله فيما يفعل!
يصلي الصلاة في موعدها. ويقرأ الكتاب المقدس بنظام متبع، وضميره يتعب إن لم يقرأ
ولم يصلي. لأنه لم يؤدي واجبه (الروحي). كل هؤلاء حتى الآن ليست لهم علاقة
بالله.
لا الجدل في الله والإلهيات، ولا تذكاره في المناسبات والرسميات، ولا
الطقوس الخالية من الروح، التي هي مجرد فروض وواجبات، لا شيء من هذا كله يشعر فيه
الإنسان أن له علاقة روحية مع الله]

 (مقال
اللقاء مع الله جريدة وطني 16/5/1996)

 

(3)
وبالصلاة:
بالصلاة
نستطيع أن نتكلم إلى الله ونطلب منه ما نريد وهو يستجيب لنا بحسب وعده
“اسألوا تعطوا اطلبوا تجدوا اقرعوا يفتح لكم” (مت7: 7). وتعلمنا الكنيسة
أن نطلب حلول الروح فينا بالصلاة وقت الساعة الثالثة قائلين: “أيها الملك
السمائي المعزي روح الحق الحاضر في كل مكان والمالئ الكل.. هلم تفضل وحل فينا..”
(الأجبية)

 

[أ]
وعن هذه الوسيلة قال قداسة البابا شنوده الثالث: [الصلاة هي فتح القلب لله لكي
يدخل ويطهره.]

 (سلسلة
الوسائط الروحية ص10)

 

[ب]
وقال أيضا: [خاطب الرب وقل له: أريد يارب أن ألقاك، أريد أن أشعر بك في حياتي،
أريد أن أعاشرك وأحبك، وتلتهب بك عواطفي. أريد كما دخلت عقلي أن تدخل قلبي أيضا.
وكما اقتنع بك فكريا أن أختبرك عمليا..]

(مقال
اللقاء مع الله جريدة وطني 16/5/1996)

 [ج]
وقال أيضا قداسته: [اسكب نفسك أمام الله وقل له: أنا يارب أريدك.. الق نفسك أمام
الله وصارع معه وقل له: سوف لا أقوم من ههنا إلا وقد أخذت منك بركة خاصة وشعرت أنك
أرجعتني إليك وحسبتني من أولادك]

 (كتاب
الرجوع إلى الله ص 53)

(4)
وبفتح القلب للرب:
إنها من أهم وسائل القبول أن يفتح الإنسان قلبه
ليدخل ملك المجد بحسب قول الرب نفسه “.. إن سمع أحد صوتي وفتح الباب أدخل
إليه وأتعشى معه وهو معي” (رؤ3: 20).

وعن
هذه الوسيلة قال قداسة البابا الأنبا شنوده:

[أ]
[عجيب أن الله الحنون يسعى وراء الإنسان، والإنسان يرفض الله. الله العظيم يسعى
إلى التراب والرماد، والتراب والرماد يغلق قلبه أمام الله. الله يتكلم وينادي وهذا
المخلوق يسد أذنيه ويسد قلبه، ويرفض أن يفتح للرب. الله يقرع على الباب.. والإنسان
يغلق بابه.. إنها قساوة قلب.. أن يقسو الإنسان على الله نفسه فهذا كثير.. ولكن
ليست كل القلوب هكذا، فهناك قلوب طيبة لا تحتمل طرقة الله على بابها، فتقوم
لتفتح له بلا إبطاء حالما تسمع صوته الإلهي]

 (كتاب التوبة والنقاوة ص
134)

 [ب]
وقال أيضا قداسته: [من محبة الله لنا أنه يقف على باب قلب كل واحد منا ويقرع
لكي نفتح له
(رؤ3: 20) يقول لكل نفس من نفوسنا “افتحي لي يا أختي يا
حبيبتي يا كاملتي”(نش5: 2). وإن تباطأت النفس في أن تفتح له، يظل
منتظرا قارعا على أبواب قلوبنا، حتى يمتلئ رأسه من الطل وقصصه من ندى الليل (نش5:
2)]

 (كتاب
المحبة قمة الفضائل ص 32)

 [ج]
ومن أقوال قداسته أيضا: [الله المحب الذي لا تسعه السموات ولا سماء السموات (1مل8:
27) يريد أن يسكن فينا. إن أعظم سماء يريد الرب أن يسكنها هي قلبك،
وأعظم هيكل يوجد فيه هو قلبك، بل أعظم عرش يجلس عليه هو قلبك، كما
قيل في قصيدة “همسة حب”:

في
سماء أنت حقا إنما كل قلب عاش في الحب سماك

عرشك
الأقدس قلب قد خلا من هوى الكل فلا يهوي سواك

..
ألم يقل الكتاب “ملكوت الله داخلكم” (لو17: 21) نعم داخل هذه القلوب، افتح
قلبك
..]

(كتاب
المحبة قمة الفضائل ص 33)

[د]
ويختم قداسته إحدى عظاته قائلا: [فليتنا نتعظ ونستيقظ لخلاص نفوسنا، ونقبل
المسيح
في كل وقت ولا نرفضه كما يفعل الأشرار، فيكون نور لحياتنا وخلاصا
لأنفسنا]

 (كتاب
محبة الله ص25)

 هكذا
رأيت أيها الحبيب كيف يمكن للإنسان أن يقبل المسيح في قلبه من خلال: التوبة،
ووسائط النعمة الكنسية، والصلاة، وفتح القلب لله.

 

معمودية الكبار ومعمودية
الصغار

سر
المعمودية هو باب الأسرار وبه تتم الولادة الثانية، وتجديد الطبيعة، وغفران الخطية
الجدية المتوارثة من آدم، والخطايا الفعلية السابقة للمعمودية، وإعداد الجسد ليكون
هيكلا لله وروح الله ليسكن فيه بسر الميرون.

 والمتقدمون
للمعمودية إما أن يكونوا كبارا بالغين، أو أطفالا صغار السن.

 

(1)
معمودية الكبار:

 يشترط
في معمودية الكبار البالغين أربعة شروط، وضحها المتنيح حبيب جرجس بقوله:

[الواجبات
المطلوبة من المعتمدين هي:

أولا:
الإيمان:
الإيمان
بالرب يسوع (مر16: 16).

ثانيا:
الاعتراف:
الاعتراف
بهذا الإيمان علنا وصريحا.

ثالثا:
التوبة:
التوبة
حسب قول بطرس الرسول “توبوا وليعتمد

كل
واحد منكم على اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا” (أع2: 38)

رابعا:
جحد الشيطان:
بما أن ابن الله أظهر لينقض أعمال إبليس، لذلك يجب على
المعتمد قبل كل شيء أن يجحد الشيطان ويرفض أعماله]

(كتاب
أسرار الكنيسة السبعة صفحة 56)

 

(2)
معمودية الصغار:

 بخصوص
معمودية الأطفال فإنهم يعمدون على إيمان والديهم. ولكن يلزم أن يتابعوا بالتعليم
حتى سن النضج، ليعيشوا في حياة الإيمان والتوبة. هكذا جاء في كتاب الأنوار في
الأسرار للقس جراسيموس السرياني:

[إن
المطلوب من المعتمدين حين يبلغوا سن الرشد هو الإيمان والتوبة]

 

 ولهذا
قال القديس كيرلس الأورشليمي:

[كما
أن القلم أو الرمح لا منفعة له بدون من يستعمله، كذلك نعمة العماد، تظل عاطلة
منتظرة إيمان الإنسان]

 (مجلة
مرقس نوفمبر 1969)

 

من
هنا جاءت أهمية متابعة الأطفال المعمدين حتى يبلغوا سن النضج. هذه المتابعة كانت
تتم بطريقتين:

 

(1)
الأشابين:

 وهم
الذين يتعهدون الأطفال بالتعليم والتربية الروحية ويقودنهم إلى حياة النعمة
والتوبة والإيمان، وفي ذلك قال المتنيح حبيب جرجس:

[لما
كان الأطفال لا يدركون ماهية الإيمان ولا يستطيعون إعلان إيمانهم، ولا يفقهون معنى
المعمودية، ولا يمكن تلمذتهم، فلذلك رأت الكنيسة منذ القديم أن تعمدهم على إيمان
والديهم، وتتعهد أشابينهم الذين يتكفلون بتربيتهم التربية المسيحية وتعليمهم حقائق
الإيمان، ويتعهدون بذلك أمام الكنيسة]

(أسرار
الكنيسة السبعة ص57و58)

 

 ولقد
مارست الكنيسة تقليدا رائعا دام فيها حتى القرن الرابع عشر بشهادة مخطوطة لأحد
علماء الكنيسة في ذلك القرن ويدعى يوحنا ابن أبي زكريا ابن سباع واسم المخطوطة
(الجوهرة النفيسة في علوم الكنيسة)
. ومضمون هذا التقليد أن يحضر الإشبين الشخص
الذي تعهده منذ الطفولية وكان ابنه الروحي، ويوقفه أمام الهيكل في الكنيسة عندما
يبلغ سن الوعي والإدراك، ليعطي تقريرا عن متابعته له، وليعلن هذا الشخص جحده
للشيطان إيمانه بالمسيح، أمام الكنيسة، فجاء فيها ما يلي:

 

[وعلى
الإشبين بعد المعمودية تعهد ابنه الروحي.. وافتقاده في كل وقت، وتعليمه
الكتب، وملاحظته بعين الرعاية الأبوية الروحانية حتى يكبر سنه. وإذا كبر وأدرك،
ونضج عقله، يوقفه على باب الهيكل الموضع الذي استلمه منه عندما كان طفلا، ويقول
له:

 

اعلم
يا ولدي أنك لما كنت طفلا كنت عبدا للشيطان، وأراد والداك عتقك منه بالمعمودية
المقدسة، وسألا مسكنتي أن أضمنك من كاهن الكنيسة، وأجحد عنك الشيطان الذي كنت أنت
من أجناده قبل المعمودية، وقد جحدت عنك الشيطان واعترفت عنك بالمسيح له المجد، وقد
أكلت من جسد المسيح وشربت من دمه وصرت هيكلا للروح القدس.

وأنت
الآن قائم أمام هيكل الله، الموضع الذي تسلمتك منه. فاعلم أن من جحد وآمن بالمسيح،
وجب عليه ترك العظمة والبغض والحقد.. لأن هذه كلها أعمال الشيطان التي جحدتها عنك
وأنت طفل.

 

وأنت
قد آمنت بالمسيح
، ومن آمن بالمسيح وجب عليه الحب، والاتضاع والطهارة التي لا
يعاين أحد الله إلا بها.

 

ومن
هنا تسلمتك، وهنا أسلمك لنفسك، ولا يعود الله يطالبني بشيء من جهتك، لأنك قد عرفت
عقلك، وعلمت الجيد من الرديء.

وسلام
المسيح يثبت قلبك في الإيمان المستقيم إلى النفس الأخير آمين]

(مخطوطة
الجوهرة النفيسة في علوم الكنيسة)

 

وقد
أكد المتنيح حبيب جرجس هذا الطقس بقوله:

[هذا
الطقس لايزال جاريا في جميع الكنائس الكاثوليكية والأرثوذكسية والبروتستانتية. فقد
جاء في الصلاة العامة للكنيسة الأسقفية: .. ينبغي أن هذا الطفل يعمد على يدكم
(أيها الأشابين) معشر كفلائه إلى أن يبلغ، فيتعين عليه وفاء ذلك بأن يرفض
الشيطان، وجميع أعماله، ويؤمن بكلمة الله
المقدسة راسخا، ويحافظ على وصاياه
مطيعا]

(كتاب
أسرار الكنيسة السبعة ص57)

 

(2)
فصول الموعوظين:

هذه
الفصول كانت تشتمل على ثلاث فئات كما هو واضح من كتاب القديس كيرلس الأورشليمي:

[أما
عناصر الموعوظين فثلاث:

1
موعوظون من أصل يهودي.

2
موعوظون من أصل وثني.

 3
موعوظون هم أطفال المسيحيين المؤمنين]

(كتاب
كيرلس الأورشليمي ص21)

 

وجاء
في ذات الكتاب عن الأطفال أيضا ما يلي:

[إن
أطفال المؤمنين إذ ينالون المعمودية في الطفولة ينضمون إلى صفوف الموعوظين حالما
يستطيعون التعلم]

(كتاب
كيرلس الأورشليمي ص22)

 

وهكذا
حرصت الكنيسة أنه من خلال الأشابين وفصول الموعوظين أن يتأهل الأطفال عند سن النضج
أن يدركوا مفهوم الإيمان ويقدموا توبة واعية. ولعله من هنا جاءت فكرة مدارس
التربية الكنسية للأطفال التي أسسها المتنيح الأرشيذياكون حبيب جرجس.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى