عهد قديم

الإصحاح التاسع عشر



الإصحاح التاسع عشر]]>الإصحاح التاسع عشر

 

لميكن ممكناً للخارج من أرض العبودية، السالك في طريق البرية، أن يبلغ أرض الموعدوأن يستقر في أورشليم دون استلامه الشريعة الإلهية أو الوصية (مز19:119). ولنقل أنالله أراد أن يفيض من نعمه على شعبه ولكن هناك شروط حتى يحدث هذا وهذه الشروط هيأن يلتزموا بالوصية والشريعة. وما هي هذه الوصية والشريعة إلا أنها كلمة الله،والمسيح هو كلمة الله، فكيف نفهم هذا؟ أن الوصية تحمل في داخلها السيد المسيح، منيدخل إلى أعماقها ويعيشها بالروح يلتقي بالكلمة الإلهي نفسه. لذلك تحدث مزمور(119) عن الشريعة الإلهية كسند للمرتل في غربته فهي سر فرحه وسط ألام البرية(آيات16،47،103) وسر تسبيحه (54) وسر غناه الداخلي (72) وقائدة للنفس (11،61،92)وسر حياته (25) وسر الاستنارة (105،135).

 

الآيات(1،2): “في الشهر الثالث بعد خروج بني إسرائيل من ارض مصر في ذلك اليوم جاءواإلى برية سيناء. ارتحلوا من رفيديم وجاءوا إلى برية سيناء فنزلوا في البرية هناكنزل إسرائيل مقابل الجبل.”

جاءواإلى برية سيناء= استقر الشعب هنا من الشهر الثالث للخروج وحتى العشرين من الشهرالثاني للسنة الثانية من الخروج (عد11:10) أي ما يقرب من سنة كاملة حدثت فيهاأحداث هامة شملت باقي الخروج وسفر اللاويين والعشرة إصحاحات الأولى من سفر العدد.وهنا في برية سيناء استلموا الوصايا وأقاموا خيمة الاجتماع. وكونه يحدد أن بدءاستلام الشريعة هو الشهر الثالث ورقم (3) هو رقم القيامة فهذا يشير لأن الوصية هيسر قيامة لنا في الأمجاد الإلهية.

 

آية(3): “وأما موسى فصعد إلى الله فناداه الرب من الجبل قائلاً هكذا تقول لبيتيعقوب وتخبر بني إسرائيل.”

تقوللبيت يعقوب وتخبر بني إسرائيل= بيت يعقوب تشير لشعب اليهود وأمنا بني إسرائيلفتشير للكنيسة فإسرائيل هو اسم يعقوب بعد أن أخذ نعمة من الله بل اسمه هو عطيةونعمة من الله حصل عليه بعد صراع مع ملاك الرب. وهذه الوصايا معطاة لكلا الشعبينلليهود وللكنيسة حالياً جسد المسيح.

 

آية(4): “انتم رأيتم ما صنعت بالمصريين وأنا حملتكم على أجنحة النسور وجئت بكمإلىّ.”

حملتكمعلى أجنحة النسور وجئت بكم إلىّ= النسر يطير عالياً ويحمل صغاره على جناحيهليحميهم من أي خطر ويطير بسرعة وحين يتعبون يستقرون عليه. وهذا ما عمله الله معشعبه. فهو أخذ شعبه عالياً (للسماويات) وهو حملنا وحمل شعبه وحفظهم من أي خطر وطاربهم بسرعة (خرج بهم من مصر بسرعة) وهو يعلمهم الطيران (علمهم الجهاد والحرب) ولكنههو راحتهم. وقوله جئت بكم إلىّ ليختبروا أحشاء محبته ويتعرفوا على أبوته.

 

الآيات(5،6): “فالآن أن سمعتم لصوتي وحفظتم عهدي تكونون لي خاصة من بين جميع الشعوبفان لي كل الأرض. وانتم تكونون لي مملكة كهنة وأمة مقدسة هذه هي الكلمات التي تكلمبها بني إسرائيل.”

هذههي غاية الشريعة تكونون لي خاصة من بين جميع الشعوب، وأنتم تكونون لي مملكة كهنةوأمة مقدسة. مع أن الله له كل الأرض لكنه يريد أن نكون خاصته، هو إله كل الأرضولكنه يهوه الرب لخاصته، لنا دالة النبوة، هو يحبنا وهو كل شئ لنا ونحن نحبه ونخضعله. ونكون أمة مقدسة تحمل طبيعته كقدوس. هو إله كل الأرض يهتم بالكل ولكن شعبه هوالابن البكر (وحلت الكنيسة روحياً مكانهم).

 

آية(8): “فأجاب جميع الشعب معا وقالوا كل ما تكلم به الرب نفعل فرد موسى كلامالشعب إلى الرب.”

اللهلا يلزمنا بالعهد ما لم نعلن قبولنا له أولاً. ولكن الشعب للأسف قبلوا العهدبالكلام ولم ينفذوه عملياً، فهم كسروا الوصية وحنثوا بالعهد. وكان الأفضل أنيقولوا ” ليعيننا الرب حتى نفعل” بدلاً من أن يقولوا “كل ما تكلمبه الرب نفعل” وظل شعب الله غير قادر أن يلتزم بالوصية حتى جاء المسيح المخلصالذي وحده يقدر أن يتمم مشيئة الرب ووصيته في كمالها، وفيه نصير نحن أيضاً كاملينغير كاسرين للناموس فرد موسى كلام الشعب إلى الرب= لا لأن الرب لم يعرف، لكنليتسلم موسى مزيد من التوجيهات.

 

آية(9): “فقال الرب لموسى ها أنا آت إليك في ظلام السحاب لكي يسمع الشعب حينماأتكلم معك فيؤمنوا بك أيضاً إلى الأبد واخبر موسى الرب بكلام الشعب.”

هاأنا آت إليك في ظلام السحاب= وقارن مع (آية16) فهذا حدث بالفعل. فهناك أمرانيحيطان بالرب هما السحاب والضباب (الظلام) فالسحاب يعلن مجد الله (خر34:40 +عد25:11 + 1مل10:8 + حز24:1 + أش1:19 + مت5:17 + مت30:24 + 1تس7:4) والسحاب يشيرلقديسي الله (أش1:19 + عب1:12) إذ هم باشتياقاتهم السماوية وحياتهم السماويةارتفعوا عن الأرضيات ومجدوا الله في حياتهم (لذلك يشبهون بالسحاب) وفي (أش1:19)فالسحابة السريعة التي أتى بها الرب إلى مصر هي العذراء مريم. أما الضباب فلأنهناك أسرار تحيط بالله فالشعب غير قادر على التعرف على الأسرار أما موسى فكان وحدهيقدر أن يفهم لذلك يقول الكتاب “جعل الظلمة حوله والسحاب والضباب أيضاًلحماية الشعب حتى يحجبوا عن الشعب نور الله ومجده اللذان لن يحتملهما الشعببحالته. نحن لا نستطيع أن ننظر لنور الشمس دون أن يكون هناك ساتر يحمي عيوننا.

ولماذاتكلم الله مع موسى أمام الشعب؟ فيؤمنوا بك أيضاً إلى الأبد بالإضافة إلى:

1.                سيعرفوا أن موسى لا يتكلم من عندياته بل أن اللهيكلمه وهو الذي أعطاه الناموس.

2.                إذا كان الله أعطى الناموس فسيخافوا أن يكسرواوصاياه.

3.                سيستمعوا لكلام موسى ويوقروه وهذا ما حدث فعلاًحتى اليوم.

4.                سيعرفوا أنه لا أحد يستطيع أن يقترب إلى اللهالمخوف إلا عن طريق وسيط في العهد القديم كان الوسيط هو موسى وفي العهد الجديدالوسيط هو المسيح (عب18:12-24).

 

الآيات(10،11): “فقال الرب لموسى اذهب إلى الشعب وقدسهم اليوم وغداً وليغسلواثيابهم. ويكونوا مستعدين لليوم الثالث لأنه في اليوم الثالث ينزل الرب أمام عيونجميع الشعب على جبل سيناء.”

قدسهماليوم وغداً.. لأنه في اليوم الثالث ينزل الرب أمام عيون جميع الشعب مرة أخرى نرىأن الله سيتراءى لهم في اليوم الثالث أي ما كان لأحد أن ينتفع بالوصية إن لم يتعرفعلى إمكانية تنفيذها خلال المسيح القائم من الأموات والواهب الطبيعة الجديدةالقادرة على تنفيذ الوصية الإلهية. وقوله “ينزل الرب” أي يتجلى مجدهأمام الشعب وتكرار رقم (3) يشير للتأكيدات المستمرة لقبول قوة القيامة فينا.

والتقديسالجسدي هنا يرمز للتقديس الروحي. وليغسلوا ثيابهم= هي استعدادات خارجية وداخليةليقابلوا الرب. خارجية بغسل الثياب وداخلية بعزل أي شر من داخلهم. فخلال الفضيلةيدخل الإنسان إلى الله أما خلال الرذيلة فيخرج من حضرة الله كما حدث مع قايين.وغسل الثياب يشير للمعمودية والتوبة التي هي معمودية ثانية.

 

آية(12): “وتقيم للشعب حدوداً من كل ناحية قائلاً احترزوا من أن تصعدوا إلىالجبل أو تمسوا طرفه كل من يمس الجبل يقتل قتلاً.”

هملم يحتملوا وجه موسى فبالتأكيد لن يحتملوا مجد الله دون ضباب يحميهم ويبقى علىحياتهم، لأن الإنسان مازال تحت الغضب الإلهي ولأن الإنسان كان مازال بخطاياه لمينقيه دم المسيح منعوا من الاقتراب بل كانوا يقتلون من يقترب. أما في العهد الجديدجاء المسيح وأكل وشرب مع الخطاة وجلس في وسطهم. في العهد القديم حدثت أصوات رعودوبروق حتى إرتعد الشعب بل حتى موسى قال أنا مرتعب ومرتعد (عب21:12) لكن في العهدالجديد جاء المسيح وجلس مع الخطاة على الجبل. في العهد القديم حتى وإن نزل الربوتراءى للشعب كان الشعب كمرفوضين إذا اقتربوا يقتلوا، أما في العهد الجديد فصرنامقبولين في المسيح المحبوب (أف5:1-7).

 

آية(13): “لا تمسه يد بل يرجم رجماً أو يرمى رمياً بهيمة كان أم إنساناً لا يعيشأما عند صوت البوق فهم يصعدون إلى الجبل.”

وإنمس أحد الجبل يرمي بسهم أو يرجم حتى لا تمسه يد. فهو بلمسه الجبل قد تقدس فيمتنععلى أي إنسان أن يتلامس معه. وقوله بهيمة كان أو إنساناً لا يعيش= فالبهيمة تشيرللإنسان الشهواني والإنسان يشير للعقلاني الذي يريد أن يعرف الله بعقله ويخضعهلمنطق البشر، كليهما لن يستطيعا أن يقتربا من الله. والإنسان المشغولة حواسهبالأمور المادية كالنظر والسمع وبالتالي فكره مشغول بهما (إنسان) أو هو مشغولبحواسه في الأمور الشهوانية (بهيمة) لن يستطيع أن يرتفع على جبل المعرفة ليرى اللهلذلك يطلب بولس الرسول منا أن نستأسر كل فكر إلى طاعة المسيح (2كو5:10) وقطعاًقوله كل فكر تشمل العواطف والأفكار حتى نستطيع أن نصعد على جبل معرفة الله معموسى. عند صوت البوق فهم يصعدون على الجبل= لم يكن كل واحد مسموح له أن يصعد إلىالجبل بل أشخاص معينين هم المسموح لهم (خر1:24،2،9،10) ولماذا استخدم صوت البوق؟فالبوق صوته يبعث في الإنسان اليقظة والرهبة أكثر من أي صوت آخر أو آلة أخرى(1تس16:4 + رؤ8) وكانت هذه الطريقة مستخدمة إذ كانوا لا يزالون أطفالاً والبوق هوصوت إنذار (وكانت نبوات الأنبياء تشبه ببوق هوشع 1:8). فيكون المعنى أن من يستجيبلإنذارات الله هو يصعد على الجبل.

 

آية(15): “وقال للشعب كونوا مستعدين لليوم الثالث لا تقربوا امرأة.”

لاتقربوا امرأة= ليس لأن العلاقات الزوجية تحمل شيئاً من الدنس، وإنما من أجل أنتتكرس كل الطاقات والعواطف والأفكار في إنتظار لقاء الرب. وفي هذا يقول المسيح منأحب أباً أو أماً.. لا يستحقني. ولذلك وضعت الكنيسة على أولادها أن يمتنعوا عنفراش الزوجية ليلة تناولهم “الكلمة الإلهية”.

 

آية(16): “[1]وحدثفي اليوم الثالث لما كان الصباح انه صارت رعود وبروق وسحاب ثقيل على الجبل وصوتبوق شديد جداً فارتعد كل الشعب الذي في المحلة.”

قارنمع العهد الجديد إذ كان المسيح يتكلم بصوت هادئ وديع ليجذب الكل إليه في العهدالقديم قُدِّم الناموس لأشرار ليرهبهم حتى يخافوا أن يخالفوه وفي العهد الجديديحدثنا كأبناء ناضجين يريدنا أصدقاء وأحباء له. في العهد القديم عاملهم كعبيد أمافي العهد الجديد فكأبناء. في العهد القديم كان يستحيل أن توجد شركة بين نار الله والخطاةولكن بتجسد المسيح صارت هذه الشركة لكل من يتواضع ويتوب.

 

آية(18): “وكان جبل سيناء كله يدخن من اجل أن الرب نزل عليه بالنار وصعد دخانهكدخان الأتون وارتجف كل الجبل جداً.”

الربنزل عليه بالنار= فإلهنا نار آكلة (مز3:79 + مز4:104 + عب29:12).

 

الآيات(20-25): “ونزل الرب على جبل سيناء إلى رأس الجبل ودعا الله موسى إلى رأسالجبل فصعد موسى. فقال الرب لموسى انحدر حذر الشعب لئلا يقتحموا إلى الرب لينظروافيسقط منهم كثيرون. وليتقدس أيضاً الكهنة الذين يقتربون إلى الرب لئلا يبطش بهمالرب. فقال موسى للرب لا يقدر الشعب أن يصعد إلى جبل سيناء لأنك أنت حذرتنا قائلاًأقم حدوداً للجبل وقدسه. فقال له الرب اذهب انحدر ثم اصعد أنت وهرون معك وأماالكهنة والشعب فلا يقتحموا ليصعدوا إلى الرب لئلا يبطش بهم. فانحدر موسى إلى الشعبوقال لهم.”

اللهفي محبته يدعو موسى حتى لا يخاف أن يصعد ثم يطلب إليه أن ينزل ثانية لينبه الشعبفالله خاف على شعبه لئلا يقتربوا بسبب حب إستطلاعهم واقتحامهم المقدسات الإلهيةالمهوبة. ولم يصعد بعد ذلك سوى موسى وهرون. موسى ممثلاً للكلمة الإلهية وهرونكممثل لكهنوت السيد المسيح. فالمسيح وحده الكلمة الإلهي رئيس كهنتنا يدخل إلىالمقدسات الإلهية وبدونه نهلك. ولاحظ أن موسى يقول للرب أن الشعب يعرف هذه الوصيةوالرب يكرر إذهب وإنحدر لتحذير الشعب ثانية وهذا يظهر مدى محبة الله لشعبه وحرصهعلى حياتهم. وليتقدس أيضاً الكهنة= كان الكهنوت اللاوي لم يتأسس بعد، والكهنة هناهم رؤساء البيوت الذين يقدمون ذبائح عن عائلاتهم.



[1] فائدة هذه الأمور هي إعداد القلب بالخشوع لكييروا الله، وهذا ما حدث مع إيليا أيضاً.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى