علم التاريخ

الأقباط فى عصر دولة السلاطين المماليك 1250- 1587م



الأقباط فى عصر دولة السلاطين المماليك 1250- 1587م

الأقباط
فى عصر دولة السلاطين المماليك 1250- 1587م

انتهت
الدولة الأيوبية بموت الملك الصالح أيوب، حيث قامت دولة المماليك البحرية منذ عام
1250 الى عام 1381، ثم تلتها دولة المماليك البرجية (الشراكسة) منذ عام 1381 حتى
فتح العثمانيين لمصر فى عام 1517

وكان
هؤلاء المماليك (ومفردها مملوك = رقيق او عبد) عبيدا بيضا يشترون بالمال من تجار
النخاسة فى اسواق الرقيق، أو من أسرى الحرب، وممن يختطفون من الاطفال او الشباب
بأساليب الخداع والاستيلاء من جلابة الرقيق أو من يبيعونهم أهاليهم خشية فقرا،
وكان معظم الجلابة او تجار الرقيق فى تلك الفترة من الاقاليم الجبلية الكائنة فى
شمال وشرق اوربا الوسطى، وكانوا فى معظم من اصل تركى اولئك كانوا ابشع الناس آنئذ
طباعا وتعاملا

وهكذا
كان المماليك لا ينتمون الى جنس بعينه أو الى أصل واحد، فمنهم الاتراك ومنهم من
حول بحر القلزم او من القوقاز فى اسيا الصغرى وبلاد (ارمينيا جورجيا وما جاورهم
الان) وكان منهم عدد قليل من اوكرانيا ومن فارس وبلاد ما وراء النهر (دجله)

وكانت
مصربحكم موقعها وضعف القوات فيها وكثرة خيراتها والاطماع فيها كل هذا دفع الى
تشجيع تجار الرقيق هؤلاء فى التواجد فيها فراجت تجارتهم النكراء هذه وأصبحت
(بورصة) للمضاربة على اثمان هؤلاء البشر التعساء، ومن ثم نشأ هؤلاء امام كل هذه
العوامل والاجتماعية فى شكل بناء نفسى فاسد جعل منهم شخصيات لا يمكن الجزم بكنهها
وانما كانوا مجموعة من امراض نفسية انعكس ظلها على التعامل بينهم وبين الشعوب التى
حكموها وبخاصة من حالتهم فى الدين الذى فرض عليهم (الاسلام) خاصة وان منهم من كان
يدرك انه من اصل مسيحى

ومن
هذا النسيج النفسى المتباين لم يكن سهلا على هؤلاء المماليك مشاركة الشعب المصرى
آماله ولغتة العربية التى يجهلونها، والاسلام الذى ادخلوا عليه وانتموا اليه بسطحية
وليس عن ايمان، بل كل ما كانوا يتدربون عليه هو الطاعة العمياء (لاستاذهم) او
قائدهم او من اشتراهم واطعمهم من جوع وأنهم من خلاف، يخملوا شخصية فى شخصيتهم
وطباعة بين طباعهم، وماتوا فداءه

ولم
يدخل الجلابة برقيقهم الى مصر فجأة وانما شجعهم الملوك الايوبيون فى اواخر عهدهم
على الشراء منهم ليكونوا حرسا له وجنودا مخلصين فى جنسهم، فاشترى الصالح نجم الدين
ايوب الفا منهم جندهم لخدمته، بل ودفع منهم الكثيرين فكانوا امراء الدولة وحاجبها
(وزراءها) وظل عددهم يتكاثر شيئا فشيئا وقويت شوكتهم، والغوا حيشا جرارا عظيما
هددا من الدولة المصرية فى اواخر عهده، واستغل الصراع الدائم بين البيت الايوبى،
فشعر المماليك بكيانهم، وقبضوا على ازمة الامور فى مصر، وانهم ارقى من المصريين
واقوى من سادتهم الايوبيين، واستطاعوا بذلك إنشاء دولتهم على حطام دولة بنى أيوب
إلا أنهم إزاء تكوينهم هذا وأصولهم المختلفة ظلوا فى صراع متباين جعلهم ينفصلون
الى قسمين قسم سكن حول ضفاف النيل فى منطقة جزيرة الروضة التى يحددها النيل وكان
يسمى البحر الاعظم فسموا بالمماليك البحرية، والقسم الاخر تخص باراج قلعة صلاح
الدين بالجبل قسموا بالمماليك البرجية ولشعورهم بأنهم حماة بنى ايوب فأحسوا بانهم
اعلى قدرا من المصريين جميعا، وظلوا منفصلين عنهم بشكل عام وتعالوا على الاقباط
منهم على وجه الخصوص، على الرغم من ان بعضا من هؤلاء المماليك قد تزوجوا من بنات
المسيحيين الاقباط، الا انها لم تكن علاقة قوية بينهم، وظلوا محتفظين بشخصيتهم
المتعالية وما تميزوا بهم من كبرياء، اورتهم صراعا حادا وداميا مع بعضهم البعض،
وكانوا فى صراعهم يتداخل معهم المصريون علهم يلقمونهم عظمة من اسلابهم وللاسف كم
اشتركوا معهم فى اضطهاد الاقباط تحت دعوى رابطة الدين

 

وضع
الاقباط فى تلك الفترة:

كان
وضع الاقباط سيئا للغاية فى نهاية عصر الايوبيين وبداية عصر المماليك للاسباب
السابق ذكرها، الا اننا نضيف سببا أخر، وهو سوط الحروب الصليبية الذى لم يصب
المسلمين بقدر ما اصاب الاقباط بشكل مباشر وغير مباشر

فموجة
اضطهاد الاقباط الاخيرة كانت عميقة وكبيرة وطويلة، فقد بدأت منذ عهد الحاكم بأمر
الله الفاطمى وانحسرت شيئا ما فى نهايته لترتفع مرة اخرى فى العصر الايوبى والعصر
المملوكى وهذه الطفرة الاخيرة كانت بسبب الحروب الصليبية، فعند ما رأى المسلمون فى
الشرق محافل الجيوش الاوربية حاملة الصليب لم يفرقوا بين صليب واخر واعتبروا
الجهاد الدينى على كل المسيحيين فى مصر وخارجها، بالاضافة الى اساليب الاوربين
ومنهم اليهود فى استنفار الحكام المصريين على الاقباط تهديد لهم وانتقا ما منهم كى
يقفوا فى صفوفهم ضد المسلمين، بينما حسب الاقباط المسألة وحسموها إذ كيف يقفون
أمام بقية نسيجهم فى مواطنهم فى صف الاجانب الذين لا يعرفونهم وبينهم نار مجمع
خلقيدونية 451، وظلوا كاظمين غيظهم منهم وصامدين جراحهم من المصريين المسلمين
والحكام الايوبيين وغيرهم انتظارا لا انتهاء الازمة، وان كان قد كلفهم هذا الشئ
الكثير: من قتل وهدم منازل وكنائس مصادرة ممتلكات وبيع البعض فى سوق النخاسة.. الخ
ثم جاء المماليك بهذه الطبقة القليلة العدد بل كانوا يعاملوهم كجزء من الأمة نظير
ما كانوا يقدمونه لهم من خدمات كبيرة فى الواقع وهى تقدير الضرائب وجمعها وامانتهم
فى ذلك، وفى نفس الوقت كان المماليك الحكام يمكنهم بسهولة ابتزاز اموال القبط دون
ان يخشوا منهم مقاومة او ثورة مضادة، فرتبوا مصير الاقباط حسب هواهم. وقد استطاع
بعض الكتبة الاقباط ان يشغلوا بعض الوظايف الكبرى فى الدولة لمهارتهم وعلمهم
وامانتهم فى العمل ولأنهم كانوا يشكلون الطبقة المتعلمة فى المجتمع، مما أدى الى
تمتعهم بالجاه والسلطان والثروة الواسعة انذاك

فالاقباط
بمقدراتهم تلك قد وصلوا الى ما دخلوا اليه هذا، الا ان الحاقدين من عامه الشعب
كانوا يظهرون غضبهم بمجرد رؤيتهم قبطيا، لانه لم يكن يقبل ان تكون يده فوق يده.

 الا
ان القبطى، وسط هذه الاعتبارات كلها، استطاع ان يعيش ويتقدم لان اخاه المسلم لم
يكن حائزا عليها، ورغم كل هذا كان القبطى يشعر بانه شخص غير مرغوب فيه، وبذلك
اصبحت الاقباط يدربون بعضهم البعض على العلوم المطلوبة ليظلوا داريتهم لهذا الجاه

ففى
عصر السلاطين المماليك قاس الاقباط كثيرا، وان لم يتعرض المماليك لأرائهم
ومعتقداتهم الدينية، ولكن لم تكن سياسة المماليك فى معاملاته واحدة، والحق ان
الاقباط كانوا ذوى نشاط ظاهر فى دواوين الحكومة، وكانت خدمتهم ضرورية لحسن سير
الامور الملوكية فى البلاد فى حين ان الحكومة كانت بتبعدهم عن الوظائف بين الحين
ةالحين تجنبا للشغب الذى كان يقوم به الشعب المصرى ضدهم، وتجنبا للعامة، وارضاء
لروح التعصب، ولكن هذا الابعاد كان عدد قصيرة، لأن وجودهم فى تلك الوظائف كان
ضروريا وحتى لا يتوقف سير العمل فى البلاد، وان الحكام المماليك كانوا يشعرون بخلل
فى الادارة الحكومية اثناء بعد الاقباط عنها وبخاصة النواحى الماليه والضرائب

الا
انه رغم كل هذا كان شعور المماليك يثور على الاقباط بسبب العداء بين المماليك
والصلبيين ويحدث ما سبق الاشارة اليه، ويظهر هذا فى شكل اضطهاد الاقباط وهجوم
المسلمين عليهم احيانا واعتدائهم على النساء والاطفال، كما كانت الاعياد الاسلامية
الكبرى فرصة لهجوم الجنود على احياء الاقباط بدعوى البحث عن الجنود

 

الاقباط
فى الحكومة بين الاخذ والرد:

احس
المماليك فى اول عهدهم بعلم الاقباط وامانتهم فعينوهم فى كبرى الوظائف، فهذا
السلطان (أيبك) وهو اول من تولى الحكم فى دولة المماليك البحرية عين (شرف الدين
ابو سعيد هبة الله) وزيرا ومنحة سلطان واسعة، وان كان المقريزى يشيروا الى اعتناق
هذا الرجل الاسلام وجازئفة اخر سلاطين الدولة الايوبية وعمل بينهم كطبيب، الا انه
صلب على باب القلعة ايام السلطان قطز، وفى ايام المماليك وقبل صلبه اظهر براعة فى
التشريع الضريبى لجمع اكبر كم من الاموال باسم قانون (الحقوق السلطانية) وحصلت
الدولة المملوكية به على المال الكثير، ومن هنا بدا المماليك يستعملون الاقباط فى
دواوينهم بكثرة

اما
الرد فنجده فى عام 1265 ايام السلطان بيبرس، والذى وجد الخزينة خاوية نتيجة الحروب
ضد الصلبيين (وهذه كارثة الحروب الصلبية على الاقباط مصر) وكانت فى حاجة الى سبعين
الف دينار كما يروى لنا المقريزى، يورد المؤرخ ” الفضل بن ابى الفضائل فى
كتابه ” تاريخ مفضل ابى الفضائل ج 12 ” لما قدم السلطان من الشام، امر
النصارى واليهود، فمسكوا عن بكرة ابيهم واوقدت لهم النار بالاحطاب فى جورة كانت
بالقلعة التى بناها دار للملك السعيد، واراد احراقهم، فاشتراهم الحبيس الراهب
بخمسمائه الف دينار يقوم بدفعها فى كل سنه بخمسين الف دينار، وكان هذا الحبيس فى
مبدى امره كاتبا فى صناعة الانشاء، ثم ترهب وانقطع فى جبل حلوان، فيقال انه وجد فى
مغارة مالا كان للحاكم العبيدى احد الحلفاء المصريين، فلما حصل له هذا المال وفد
به الفقراء والصعاليك من سائر الاديان، فاتصل خبره بالسلطان الملك الظاهر، فأحضرة
وطلب منه المال فقال له: ان طلب منى السلطان شيئا ادفعة من يدى فلا ولكنه يصل اليك
من جهة من تصادرة وهو لا يقدر على ما يطلب منه فانى اعطية واساعده على خلاص نفسه
منك، فلا تعجل، فلما كانت هذه الواقعة ضمنهم من السلطان بذلك المال المقرر على
النصارى وكان يدخل الحبوس ويطلق منها من كان عليه دين وهو عاجز عن وفائه، ثقيل كان
او خفيف، وكذلك لما طلب من اهل الصعيد المقرر من اهل الذمة، سافر اليهم وأدى عنهم
ما طلب منهم او كذلك سافر الى الاسكندرية فراى اهلها منه ما هالهم.. وقيل احصى ما
وصل الى بيت المال فى جهة على تلك الوجوه المقدم ذكرها فى مدة سنتين فكان ستمائة
الف دينار مصريا خارجا عما كان يعطية من يده سرا للناس وما خلص به من الحبوس

ثم
مالبث الظاهر بيبرس هذا ان اقال جميع الاقباط الذين كانوا يعملون فى ديوان الحرب
واصل المسلمين محلهم وفى نفس يوم تنفيذ هذا القرار هدم دير الخندق الكائن خارج
القاهرة بالقرب من باب الفتوح ولم يترك فيه حجر على حجر

اما
فى عهد الملك المنصور قلاوون 1284 م عدل عن التزيد فى الضرائب على الاقباط وساوى
بينهم وبين المسلمين فى ذلك واعادهم الى وظائفهم، الا انه فتح اذنية لضعاف النفوس
من المسلمين وعاد الى العنف مع الاقباط فنجده يدفن قبطيا حيا لتزوجة من امراة
مسلمة

وبمرور
السنين تمرد بعض المماليك عليه، فغضب غضبا شديدا اعمى بصيرته وافقده صوابه ونشر
الذعر بين المصريين جميعا دون تفريق بين مسلم وقبطى ونال الشعب منه الاذى الكثير،
واذ تقدم اليه علماء المسلمين طالبين الرحمة بالرعية ناب الى رشده وقرر ان يكفر عن
اخطائه، فبنى التكايا والاسيلة والمستشفيات واضافة الى ما ظنه ثوابا ان اضطهد
الاقباط واشتد عليهم وعاد الى الامر بركوبهم الحمير وشد الزنانير والا يحدث نصرانى
مسلما وهو راكب دابته ولا يلبسون ثيابا مصقوله، وظل على ذلك حتى ولاية ابنه الاشرف
الذى زاد من اضطهادهم، الا انه دهش من صمودهم وثباتهم بل ورشموا ايديهم وازرعهم
بعلامه الصليب المقدس واصبحت هذه العادة الى اليوم

 

الاشرف
خليل بن قلاوون وجازته عن الغزال السمسار (1290 م)

لم
يجد قلاوون فى اوارخ امامه الا ان يعيد الاقباط الى وظائفهم بعد ان توقعت حركة
العمل فى الدواوين، وكذلك سار على نهجة ابنه الاشرف، الا انه لما كان فعل له رد
فعل، فان الاقباط لم تتسع الدنيا بهم من الفرحة عندما عادت اليهم حقوقهم كمواطنين
وكمتعلمين وامناء، الا ان الضغط الذى لاحقهم فى الماضى والعسف الذى عاشوا فى كنفه
جعلهم يستغلوا وظائفهم ليستعيدوا ما فقدوه من ابهمه وعظة ككبار موظفين، وهنا يقول
المقريزى، ان هؤلاء النصارى اصبحوا العاملون المسلمين بأنفة، وارادوا ان يظهروا
اهميتهم بارتداء الازياء الثمينه، ويروى ان احد النصارى وكان اسمه ” عين
الغزال ” ” صدف يوما فى طريق مصر سنه 682 ه سمسار شونه مخدومه، فنزل
السمسار عن دابته وقبل رجل الكاتب، فأخذ يسبه ويهدده على مال قد تأخر عليه من ثمن
غلة الامير، وهو يترفق له ويعتذر، فلا يزيده ذلك عليه الا غيظة، وامر غلامه فنزل
وكتف السمسار ونص به والناس تجمع عليه حتى صار الى صليبة جامع احمد بن طولون ومعه
عالم كبير، وما منهم الا يساله ان نجلى سبيل السمسار وهو يمتنع عليهم، فتكاثروا
عليه والقوه عن حمارة واطلقوا السمسار، وكان قد قرب من بيت استاذه، فبعث غلامة
لينجده بمن فيه، فأتاه بطائفة من غلمان الامير فخلصوه من الناس، وشرعوا فى القبض
عليهم ليفتكروا بهم، فصاحوا عليهم ما يحل، ومروا مسرعين الى ان وقفوا تحت القلعة
نصر الله السلطان، فأرسل يكتشف الخبر فعرفوه ما كان من استطالة الكاتب النصرانى
على السمسار وما جرى لهم، فطلب عين الغزال ورسم للعامة بإحضار النصارى اليه، وطلب
الامير ” بدر الدين بيدرا ” النائب الامير سنجر الشجاعى وتقدم اليها
بإحضار النصارى جميعا بين يديه ليقتلهم، فما زالا به حتى استقر الحال على ان ينادى
فى القاهرة ومصر ان لا يخدم احد من النصارى واليهود عند أمير، وامر الامراء
باجمعهم ان يعرضوا على من عندهم من الكتاب النصارى الاسلام، فمن امتنع من الاسلام
ضربت عنقة، ومن اسلم استخدموه عندهم، ورسم للنائب بعرض جميع مباشرى ديوان السلطان
ليفعل فيهم ذلك منزل الطلب لهم وقد اختفوا فصارت العامة تسبق الى بيوتهم وتنهبها
حتى عم النهب بيوت النصارى واليهود بأجمعهم واخرجوا نساءهم مسبيات وقتلوا جماعة
نايديهم، فقام الامير بيدرا النائب مع السلطان فى امر العامة ولتلطف به حتى ركب
والى القاهرة ونادى من نهب بيت نصرانى شنق، وقبطى على طائفة من العامة وشهرهم بعد
ان ضربهم فانكفوا عن النهب بعد ما نهبوا كنيسة المعلقة بمصر وقتلوا منها جماعة، ثم
جمع النائب كثيرا من النصارى كتاب السلطان والامراء، واوقفهم بين يدى السلطان عن
بعد منه، فرسم للشجاعى وامير جاندرا ان يأخذا عدة معهما ويتزلوا الى سوق الخيل تحت
القلعة ويحفروا حفرة كبيرة ويلقوا فيها الكتاب الحاضرين ويضرموا النار من الحطب،
فتقدم الامير بيزرا وشفع فيهم فأبى ان يقبل شفاعته وقال: لا اريد فى دولتى ديوانا
نصرانيا “فلم يزل به حتى سمع بأن من اسلم منهم يستقر فى خدمته ومن امتنع ضربت
عنقة. فاسلموا ”

الا
انهم استغلوا اسلامهم فى الانتقام مما حل بهم وببقية الاقباط فيقول المقريزى
” صار الذليل منهم باظهار الاسلام عزيزا يبرى من اذلال المسلمين والتسلط
عليهم بالظلم ما كان يمنعه نصرانيا من اظهاره ” ولكن لم تمنع هذه الاعتبارات
المسلمين من استعمال العنف في معاملة اهل الذمة، وكانوا في هذا إنما ينقمون
لانفسهم من الاقباط كلما غزا بعض القراصنة الأوربيين سواحلهم، أي اخذوا القبط بذنب
الكاثوليك الغازين!!

ثم
حدثت حادثه اخرى كانت كارثة على الاقباط اكثر، ففي عام 700 ة (1301م) وصل الى
القاهرة وزير صاحب المغرب في طريقة للحج، فيقول المقريزى ” وبينما هو ذات يوم
يسوق الخيل تحت القلعة، اذ هو برجل راكب على فرس وعليه عمامة بيضاء وفرجية مصقولة،
وجماعة يمشون في ركابه وهم يسألونه ويتضرعون اليه ويقبلون رجليه، وهو معرض عنهم
وينهرهم ويصبح بغلمانه ان يطردهم عنه، فقال بعضهم ” يا مولاي الشيخ بحياة
ولدك النشو تنظر في حالنا ” فلم يرده ذلك، فرق المغربي لهم وهم بمخاطبته في
امرهم فقيل له ” وانه مع ذلك نصراني ” فغضب لذلك وكاد ان يبطش به ثم كف
عنه وطلع الى القلعة ” حيث اجتمع بالملك الناصر محمد بن قلاوون ونائبة يومئذ
الامير سلار، فتحدث الامير بيبرس الجانكيز في امر اليهود والنصارى وانهم عندهم في
غاية الزلة والهوان، وانهم لا يمكن احد منهم من ركوب الخيل ولا الاستخدام في
الجهات الديوانية وأنكر حال نصارى الديار المصرية ويهودها بسبب افخر الثياب
وركوبهم الخيل والبغال واستخدامهم في اجل المناصب وتحكيمهم في رقاب المسلمين، وذكر
ان عهد ذمتهم قد انقضى منذ سنة 600 الهجرية النبوية

فكان
لكلامه اثره في نفس الامير بيبرس الجانكيز، فامر بجمع النصارى واليهود ورسم الا
يستخدم احد منهم في الجهات السلطانية ولا عند الامراء، وان تغير عمائمهم فيلبس
النصارى العمائم الزرق وتشد في اوساطهم الزنانير، ويلبس اليهود العمائم الصفراء
والتزام العهد العمرة اما عن بالكنائس والاديرة، فقد قفلت الكنائس لفترة ايام وان
الاديرة الموجودة في الضواحي لم تمس بسوء وفى الإسكندرية هدمت الكنائس وبيوت
الأقباط، والقى الملط محمد بن قلاوون والأمير بيبرس الجانكيز عيد الشهيد بشبرا،
وفى سنه 755 ه تحرك المسلمون على النصارى وهدمت كنيسة الشهيد بشبرا واخذ إصبع
الشهيد (القديس يحنس السنهوتى) في صندوق خشبي واحرقة الملك الصالح في ميدان بالقرب
من القلعة وزوى رماده في البحر ويطلب منذئذ عيده وهدمت كنيسته

 

موقف
المماليك من الكنيسة القبطية:

أتسم
عهد السلاطين المماليك بالظلم والخيانة، وانتشار الجهل والفتق بين المماليك بعضهم
وبعض وبينهم وبين رعاياهم، فهم كما عرفنا من احول مختلفة ومستويات متباينة لا
تجمعهم أية علاقات ومن ثم كان استمرار وجودهم مرهونا بهذه الحيل من اجل البقاء،
أما مصر بشقيها مسلمين وأقباط فهم الذين دفعوا الثمن

ولما
لم يكن لهم ظهير يحميهم كتراث أو أهل أو صحب ظنوا أن العنف والقسوة إنما هي التي
توقع خشيتهم في نفوس المصريين وتثبت أقدامهم وبسبب السياسة العقيمة هذه وتعطيل الأعمال
لاسيما الزراعة لان معظم الأراضي واجودها كانت قد نزعت من يد أصحابها أعطيت
للأمراء، فأغلقوا أبواب الرزق أمام العامة، فكثر الفقر وانتشرت الجريمة وزاد عدد
الأوباش والحرافيش خصوصا في مدينة القاهرة ولما كثر إقبال الاقباط على الإسلام
خوفا من جهة وحفاظ على وظائفهم. كانوا هم أيضا وسيلة ضغط على المسلمين بان شددوا
عليهم الأحكام وقسوا في تنفيذها، واصبحوا موضع شكوى المسلمين من جديد ولذلك اصدر
السلطان أمرا ألا يبقى منهم أحد في دواوين الحكومة حتى ولو اسلم، والايكرهوا بعد
ذلك على الإسلام منعا للانتقام لانفسهم عن طريق إسلامهم وتوليهم الوظائف العليا،
وإذا اسلم أحد منهم من تلقاء نفسه فلا يبرح باب أحد المساجد، بل يعيش من إحسان
المسلمين أهل الخير

وكان
هذا الحكم الصارم موجبا لطمع عامة المسلمين في الأقباط، فهجموا على بيوتهم وخاصة
الأغنياء منهم الذين فقدوا جاههم بطردهم من خدمة الحكومة، ولا يستبعد إن يكونوا
آسوا معاملة أصاغر المسلمين تشفيا لهم من مكايد غيرهم بالتظاهر بالأبهة والافتخار
والظلم

 

هدم
الكنائس:

لما
شرع الملك الناصر محمد بن قلاوون في بناء ميدان فسيح فى الجهة المعروفة ألان
” بالناصرية ” في أخر شهر وبيع الأول من عام 721 ه كان الحفر إلى جانب
كنيسة الزهري وهى كنيسة واسعة جميلة البناء سكن حولها عدد كبير من الأقباط وما
يزالون يسكنون (وهى المنطقة التي تحوى الأزهر وحارة زويلة وحارة الروم والغورية
حتى منطقة الأنبا رويس بالعباسية) فأشار عليه المغرضون والمتعصبون بهدمها لأنه لا
يصح أن تكون للنصارى كنيسة ظاهرة بهذه الكيفية، أما هو فلم يرد أن يهدمها، بل أمر
أن تحفر حول جدرانها حتى تنهار من تلقاء نفسها، إلا أنها لما كانت على جانب عظيم
من المتانة استمرت قائمة ولم تهدم فاغتاظ المسلمون ونقموا على الأقباط لما رأوا
السلطان يدافع عنهم، وكثرت في هذه الفترة العمارات في القاهرة، فتواطأ المسلمون مع
بعض الأمراء المماليك على هدم الكنائس انتقاما من الأقباط من ناحية وليستخدموا
أنقاضها وادواتها في بناء عماراتهم

ويصف
المقريزى الموقف بقوله: اخذ الفعلة في الحفر حول كنيسة الزهري حتى بقيت قائمة وسط الموقع
الذي عينه السلطان ليحفر وهو اليوم بركة الناصرية، وزاد الحفر حتى تعلقت الكنيسة
وكان القصد من ذلك أن تسقط من غير قصد لخرابها، وصارت العامة من غلمان الأمراء
العاملين في الحفر وغيرهم من الغوغاء المتعصبين يصرخون على الأمراء في طلب هدمها،
وهم يتغافلون عنهم إلى إن كان يوم الجمعة التاسع من شهر ربيع الأول من هذه ألسنه
وقت اشتغال الناس بصلاة الجمعة والعمل في الحفر متوقف، فتجمع عدد من الغوغاء بغير
مرسوم السلطان وقالوا بصوت عال ” الله اكبر ” وامتدت أيديهم نحو كنيسة
الزهري وهدموها حتى بقيت كوما وقتلوا كل من كان من النصارى، واخذوا جميع ما كان
فيها، وهدموا كنيسة مارمينا التي كانت بالحمراء، وكانت معظمة عند النصارى من قديم
الزمان، وموضع اعتبارهم وبها عدد من النصارى قد انقطعوا فيها أي أقام حولها كثير
من الرهبان والراهبات ويحمل إليها نصارى مصر سائر ما يحتاج إليه الشعب، ويبعت
أليها بالنذور الجليلة والصدقات الكثيرة، فوجد فيها مال كثير ما بين نقد ومصاغ
وغيره، وتسلق العامة إلى أعلاها، وفتحوا أبوابها واخذوا منها مالا وقماشا وخربوا
واهلكوا كل ما فيها، فكان أمرا مهولا، ثم مضوا إلى كنيسة الحمراء بعد ما اهدموها
إلى كنيستين بجوار السبع سقايات تعرف إحداهما بكنيسة البنات (دير الراهبات) كان
يسكنها بنات النصارى وعدد من الرهبان، فكسروا أبواب الكنيستين وسبوا البنات، وكن
زيادة على ستين بنتا، ونزعوا ثيابهم وسلبوا كل ما وجدوه معهن ونهبوا سائر ما ظفروا
به وحرقوا وهدموا تلك الكنائس كلها بعد ذلك أطلقوا النار في بيوت النصارى القائمة
حول كنيسة مارمينا، وحرقوا الكنائس الثلاث هذا والناس في صلاة الجمعة

فعندما
خرج الناس من الجوامع شاهدوا هولا كبير من كثرة الغبار ودخان الحريق ومرج الناس
وشدة حركاتهم ومعهم ما نهبوا مما شبه الناس الحال لهوله بيوم القيامة، وكانت أخبار
تلك التعديات قد وصلت إلى مسمع السلطان وقيل ان لم تسرع في إنقاذ الأقباط في
بابليون هلكوا عن أخرهم، وذلك لان الغوغاء لم يكفهم ما حدث بل قاموا إلى بابليون
التي يسكنها اكثر الأقباط وأعيانهم قاصد بالفتك بهم، ولكن هؤلاء شعروا بهم قبل
وصولهم واغلقوا باب الحصن القديم وكان داخل سوره سته كنائس، واستعد الأقباط للدفاع
عن أنفسهم كما بلغ السلطان وجود عصابة أخري تسعى إلى هدم كنائس الموسكى وحارة
زويلة، وفى قلعة الخيل سمع السلطان ضجة عظيمة ورجة نكرة أفزعته فبعث لكشف الخبر
فلما بلغه ما وقع انزعج انزعاجا عظيما وتعجب من جرأة العامة وأقدامهم على ذلك بغير
أمره

وامر
الأمير ايدغمش أمير اخور أن يركب بجماعة لم الاشاقية وبتدارك هذا الخلل ويقبض على
من فعله، فأخذ أيد غمش يتهيا للركوب وإذا بخبر ورد من القاهرة أن العامة ثارت في
القاهرة وخربت كنيسة بحارة الروم وكنيسة بحارة زويلة وجاء الخبر من مدينة مصر أيضا
بان العامة قامت بمصر في جمع كثير وزحفت إلى كنيسة المعلقة بقصر الشمع فاغلقها
النصارى وهم محاصرون من بها وهى على وشك أن تؤخذ، فتزايد غضب السلطان وهم أن يركب
بنفسه ويبطش بالعامة ثم تأخر لما راجعه الأمير ايدغمش ونزل من القلعة مع أربعة من
الأمراء إلى مصر وركب الأمير بيبرس الحاجب والأمير الماسي الحاجب إلى موقع الحفر،
وركب الأمير طينال إلى القاهرة وكل منهم معه عدد وافر من الرجال، وقد أمر السلطان
بقتل من قدروا عليه من العامة بحيث لا يقعد عن أحد، فقامت القاهرة ومصر القديمة
على ساق وهرب الغوغاء الغاصبون فلم يظفر الأمراء منهم ألا بمن عجز عن الحركة لما
غلبه من السكر بالخمر الذي نهبه من الكنائس.

ولحق
الأمير ايدغمش بمصر القديمة وركب الوالي إلى المعلقة قبل وصوله ليخرج من زقاق
المعلقة من حضر للنهب فأخذه الرجم حتى فر منهم ولم يبق ألا أن يحرق باب الكنيسة،
فجرد ايدغمش ومن معه السيوف يريدون الفتك بالعامة فوجدوا عالما لا يقع عليه حصر
وخاف سوء العاقبة، فأمسك عن القتل وامرا صحابه بإرهاب العامة من غير إهدار دم،
ونادى منادية من بقى حل دمه ففر من اجتمع من العامة ثم مضى والتزم والى مصر أن
يبيت بأعوانه هناك، وترك معه خمسين من الاوشاقية أما الأمير الماسى فانه وصل إلى
كنائس الزهري ليتداركها فإذا بها هدمت عن أخرها وتحولت ألي أكوام من التراب وليس
بها جدار قائم، وينهب الناس ما بها، وعاد الأمراء فردد الخبر على السلطان، وهكذا
هدمت كنائس مصر والفسطاط فلم يجسروا على الخروج من بيوتهم وبقوا محبوسين فيها
أياما، وبعضهم تركها وسكن بابليون لحصانها وعدم إمكان الهجوم والتغلب عليها بسهولة
ثم حدثت أحداث أخري مماثلة نتيجة دعوة المتعصبين لهدم الكنائس وتخريب بيوت
المسيحيين، فهدموا كنيسة أخري في القلعة وأخرى لمار مينا في الزاوية الحمراء
والقاهرة وكنائس حارة الروم والبند قانيين وكنيستين بحارة زويلة

أما
عن أخبار هدم كنائس الإسكندرية فيقول المقريزى ” ومن يوم الأحد ثالث يوم
الجمعة الذي حدث فيه هدم كنائس القاهرة ومصر القديمة، ورد الخبر من الأمير بدر
الدين المسني والى الإسكندرية.. وقع صباح هدمت الكنائس فركب المملوك من فوره فوجد
الكنائس صارت كوما من التراب وهدمت عن أخرها وكان عدد الكنائس التي هدمت أربعة في
الإسكندرية واثنين في البحيرة وفى نفس اليوم ذكر عن مدينة قوص.. هدمت ستة كنائس
وعدد من الأديرة وكذلك كنائس دمياط والغربية والشرقية ودمنهور والبهنسا وأسيوط
وأسوان ” فأشتد ضيق السلطان على العامة خوفا من فساد الحال أدرك أن هذه
الحوادث دبرت قبل حدوثها واراد ان يقاضى مدبر بها فامر السلطان بالبحث عن رؤساء
العصابة التي تسببت في هذه الفعلة الزميمة واحضارهم لدية ليجازيهم بما يستحقون على
هذا الاعتداء والافتراء فخافي بعضهم افتضاح الامر اذ كانت لهم يد فيها في تسكين
غضبه، وقالوا هذا الامر ليس من قدرة البشر فعله، ولو اراد السلطان وقوع ذلك على
هذه الصورة لما استطاع، وما هذا الا بامر الله سبحانه وتعالى وبقدرته لما علم من
كثرة فساد النصارى وزيادة طغيانهم ليكون ما وقع نقمة وعذابا لهم أما الطرق
والشوارع في ذلك اليوم كانت مريعة جدا لأنها كانت غاصة بالنهابين الحاملين منهوبات
الكنائس وبيوت النصارى “

 

كما
هدمت الكنيسة في طنطا وتحولت الى مسجد سنة 1320 فاضطروا الى الالتجاء الى كنيسة
سبرباى للصلاة في كنيستها

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى