تفسير الكتاب المقدس

الأصحاح السادس


دعوة الرسل والعظة على الجبل

(١) المسيح رب السبت (ع١ -٥):


١ وَفِي السَّبْتِ الثَّانِي بَعْدَ الأَوَّلِ اجْتَازَ بَيْنَ الزُّرُوعِ. وَكَانَ تَلاَمِيذُهُ يَقْطِفُونَ السَّنَابِلَ وَيَأْكُلُونَ وَهُمْ يَفْرُكُونَهَا بِأَيْدِيهِمْ. ٢ فَقَالَ لَهُمْ قَوْمٌ مِنَ الْفَرِّيسِيِّينَ:«لِمَاذَا تَفْعَلُونَ مَا لاَ يَحِلُّ فِعْلُهُ فِي السُّبُوتِ؟» ٣ فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ:«أَمَا قَرَأْتُمْ وَلاَ هذَا الَّذِي فَعَلَهُ دَاوُدُ، حِينَ جَاعَ هُوَ وَالَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ؟ ٤ كَيْفَ دَخَلَ بَيْتَ اللهِ وَأَخَذَ خُبْزَ التَّقْدِمَةِ وَأَكَلَ، وَأَعْطَى الَّذِينَ مَعَهُ أَيْضاً، الَّذِي لاَ يَحِلُّ أَكْلُهُ إِلاَّ لِلْكَهَنَةِ فَقَطْ» ٥ وَقَالَ لَهُمْ:«إِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ هُوَ رَبُّ السَّبْتِ أَيْضا»ً.

ع١: السبت الثانى

وهو على الأرجح السبت التالى لعيد الفصح، وكان يوما معتـبرا عنـد اليهود.
فيما كان المسيح وتلاميذه يجتازون فى الحقول، جاعوا فأخذوا بعـض السـنابل الخضـراء وفركوها بين أيديهم وأكلوا.

ع٢

: أعترض الفريسيون على التلاميذ لأنهم كسروا قوانين السبت، التى وضـعها شـيوخ اليهود وليست الشريعة الأصلية، إذ منعوا فى تفسيرهم للسبت عملية الحصاد والتذريـة، فـاعتبر الفريسيون قطف السنابل عملية حصاد وفركها عملية تذرية. ومن هذا يظهر محاولتهم اصـطياد خطأ وتشدد فى إدانة المسيح وتلاميذه.
† لا تبحث كيف تدين الآخرين، بل التمس الأعذار لهم.

ع٣-٤: رد المسيح علـى الفريسـين بحادثـة مـذكورة عـن داود ملكهـم العظـيم


(١صم٢١: ١-٦)، كيف عندما جاع اضطر هو وكل من معه أن يأكلوا من خبـز التقدمـة أى خبز الوجوه، الذى لا يحل أكله إلا للكهنة، ليؤكد أن الضرورة لها وضع خـاص وأن الشـريعة وُضعت للإنسان لتفيده لا لتضره. فتفرغ الإنسان للعمل الروحى فى يوم السبت، ليس معنـاه أن يسقط خائراً من الجوع عندما لا يجد طعاماً إلا بعض السنابل التى فى أطراف الحقـل والمسـموح بأكلها للفقراء والمسافرين.
† إهتم أن تسلك بالروح لا بالحرف فى تنفيذ جميع الوصايا لتقترب من الله وتشعر بعشرته.

ع٥:

ثم أعلن لهم عن نفسه أنه إبن الإنسان، مؤكدا ناسوته وهو الإله المتأنس واضع شريعة العهد القديم، وهو رب داود ورب السبت الذى من سلطانه أن يسمح فى حالات خاصة بأعمال صغيرة فى السبت مثل هذه، كما سمح داود بسلطانه لمن معه أن يأكلوا خبز التقدمة. وهذا تأكيـد للاهوته وناسوته.

(٢) شفاء اليد اليابسة (ع٦ -١١):


٦ وَفِي سَبْتٍ آخَرَ دَخَلَ الْمَجْمَعَ وَصَارَ يُعَلِّمُ. وَكَانَ هُنَاكَ رَجُلٌ يَدُهُ الْيُمْنَى يَابِسَةٌ، ٧ وَكَانَ الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ يُرَاقِبُونَهُ هَلْ يَشْفِي فِي السَّبْتِ، لِكَيْ يَجِدُوا عَلَيْهِ شِكَايَةً. ٨ أَمَّا هُوَ فَعَلِمَ أَفْكَارَهُمْ، وَقَالَ لِلرَّجُلِ الَّذِي يَدُهُ يَابِسَةٌ:«قُمْ وَقِفْ فِي الْوَسْطِ». فَقَامَ وَوَقَفَ. ٩ ثُمَّ قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ:«أَسْأَلُكُمْ شَيْئاً: هَلْ يَحِلُّ فِي السَّبْتِ فِعْلُ الْخَيْرِ أَوْ فِعْلُ الشَّرِّ؟ تَخْلِيصُ نَفْسٍ أَوْ إِهْلاَكُهَا؟». ١٠ ثُمَّ نَظَرَ حَوْلَهُ إِلَى جَمِيعِهِمْ وَقَالَ لِلرَّجُلِ:«مُدَّ يَدَكَ». فَفَعَلَ هكَذَا. فَعَادَتْ يَدُهُ صَحِيحَةً كَالأُخْرَى. ١١ فَامْتَلأُوا حُمْقاً وَصَارُوا يَتَكَالَمُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ مَاذَا يَفْعَلُونَ بِيَسُوعَ.

ع٦-٧:

استمر المسيح فى تعاليمه الروحية بمجامع اليهود فى أيام السبوت، وكان حاضـرا رجل يده اليمنى ضامرة ويابسة أى أعصابها ميتة. واليد تشير للحركة والعمل خاصة اليمنى، فهـو يرمز لعجز اليهود عن العمل الروحى وقد أتى المسيح ليشفى عجزهم. أما الفريسيون، فلشـرهم، راقبوا المسيح حتى يصطادوا عليه خطأ بحسب تفكيرهم، وهو شفاء هذا الرجل فى يـوم السـبت المحرم فيه العمل، إذ كانوا يعتبرون الشفاء ممارسة لعمل الطب والمحرم على الطبيب القيام به فى يوم السبت.

ع٨:

لأن المسيح هو الله، فقد علم أفكار الفريسيين دون أن يعلنوها. ولم يخف المسيح مـن شرهم، بل فى شجاعة بادر لعمل الخير بأقامة المريض فى وسط المجمع ليظهـر ضـعفه وحاجتـه للشفاء، ولكن قلوب الفريسيين القاسية لم تتحرك للعطف عليه.
† هل تسرع لعمل الخير مهما قاومك الأشرار؟ ثق أن الخير أقوى من الشر، وإستمر فيه حتى لا تضيع جهدك فى الانزعاج من شرور الآخرين أو مبادلتهم شرهم بشر.

ع٩:

ناقـش المسيح الفريسيين ليهديهم إلى الحق، متسائلا ماذا يليق بيوم الرب عنـ دهم، وهو السبت، فعل الخير أى شفاء هذا المريض، أم فعل الشر وهو تفكيرهم الحاقد الذى يحاولون به إيجاد شكاية عليه.
ويقصد المسيح بشفاء المريض تخليص نفسه وليس فقط شفاءه، فعندما يُشفى يؤمن ويشـكر الله ويبدأ فى عمل الخير بتحرك يده، ولكن إن تركه ولم يشفه يظل بضعفه الجسدى ولا يعـرف المسيح الذى يجد فيه خلاصه.

ع١٠:

نظر إليهم يسوع منتظرا إجابة فسكت الجميع لعجزهم عن الرد، ثم أمـر فشـفى المريض. وهذه تعتبر معجزة خلق، إذ خلق أعصابا حية، فتحولت اليد الضامرة إلى يـد طبيعيـة تستطيع العمل.

ع١١:

رغم وضوح المعجزة التى تدعو الكل لتمجيد الله، سـيطر الشـر علـى قلـوب الفريسيين، فصاروا فى جهل يبحثون كيف يتخلصون من المسيح.
† إذا ملأ الشر قلب إنسان يدفعه لإيذاء غيره، وإذ يظن نفسه حكيما يكون فى منتهى الجهل. فإذا اضطرب قلبك وغضبت، توقف لتتوب أوﹰلا قبل أن تعمل شيئا.

(٣) دعوة الرسل (ع١٢ - ١٦):


١٢ وَفِي تِلْكَ الأَيَّامِ خَرَجَ إِلَى الْجَبَلِ لِيُصَلِّيَ. وَقَضَى اللَّيْلَ كُلَّهُ فِي الصَّلاَةِ للهِ. ١٣ وَلَمَّا كَانَ النَّهَارُ دَعَا تَلاَمِيذَهُ، وَاخْتَارَ مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ، الَّذِينَ سَمَّاهُمْ أَيْضاً «رُسُلا»ً: ١٤ سِمْعَانَ الَّذِي سَمَّاهُ أَيْضاً بُطْرُسَ وَأَنْدَرَاوُسَ أَخَاهُ. يَعْقُوبَ وَيُوحَنَّا. فِيلُبُّسَ وَبَرْثُولَمَاوُسَ. ١٥ مَتَّى وَتُومَا. يَعْقُوبَ بْنَ حَلْفَى وَسِمْعَانَ الَّذِي يُدْعَى الْغَيُورَ. ١٦ يَهُوذَا أَخَا يَعْقُوبَ، وَيَهُوذَا الإِسْخَرْيُوطِيَّ الَّذِي صَارَ مُسَلِّماً أَيْضاً.

ع١٢:

تظهر هنا محبة المسيح للخلوة والصلاة، فصعد الجبل منفردا ليبتعد عن الناس ويتمتع بالصلاة. وهو كإنسان محتاج للصلاة كما يحتاج للطعام، فهو ليس فقط إلها بل إنسانا أيضا فى آن واحد.
وصعوده للجبل يرمز للارتفاع عن الأرضيات والتفكير فى السمائيات. وقد أخذت الكنيسة طقس السهر طوال الليل من المسيح، كما فى تسبحة نصف الليل وليلة سبت النـور وفى سـيامة الرتب الكهنوتية والرهبان.

ع١٣:

بعد الصلاة طوال الليل بدأ النهار فالتقى بتلاميذه وكان عددهم كبيرا، فاختار منهم إثنى عشر ليكونوا تلاميذا خصوصيين له أكثر من الباقيين، وسماهم رسلا لأنه سيرسلهم إلى العـالم للتبشير بخلاصه.
وواضح هنا إهتمام المسيح بالصلاة قبل الأعمال الهامة والقرارات الكبيرة، ليكون هذا قانوناً لنا فى حياتنا ألا نأخذ قراراً هاماً إلا بعد فترة صلاة كافية.
وكذلك تظهر طريقة الدعوة للخدمة، فلابد أن تكون من الله شخصياً وليس من الإنسـان نفسه، أى تختار الكنيسة خدامها ولا يدعو أحداً نفسه من نفسه خادماً.

ع١٤-١٦:

يلاحظ فى دعوة الإثنى عشر أنه دعاهم إثنين إثنين، وعدد إثنين يظهر أهميـة المشاركة، والتعاون فى الخدمة. وغير أسماء بعضهم، وعموما فأسمائهم لها معانى جميلة وهى:

بطرس

= صخرة.

أندراوس

= الشجاع.

يعقوب

= المثابر

يوحنا

= الله حنان

فيلبس

= فم المصباح أى المنير.

برثولماوس (المدعو نثنائيل فى يو١)

= ابن الحارث أى المتعمق.

متى (المدعو لاوى)

= عطية.

توما

= التوأم أى الملتصق.

سمعان

= السميع.

يهوذا أخا يعقوب بن حلفى (ويدعى تداوس)

= يحمد ويشكر.

الأسخريوطى

= لقب معناه "رجل من قريوت" وهى القرية التى نشأ فيها يهوذا الخائن

(٤) اللقاء بالجموع (ع١٧ - ١٩):


١٧ وَنَزَلَ مَعَهُمْ وَوَقَفَ فِي مَوْضِعٍ سَهْل، هُوَ وَجَمْعٌ مِنْ تَلاَمِيذِهِ، وَجُمْهُورٌ كَثِيرٌ مِنَ الشَّعْبِ، مِنْ جَمِيعِ الْيَهُودِيَّةِ وَأُورُشَلِيمَ وَسَاحِلِ صُورَ وَصَيْدَاءَ، الَّذِينَ جَاءُوا لِيَسْمَعُوهُ وَيُشْفَوْا مِنْ أَمْرَاضِهِمْ، ١٨ وَالْمُعَذَّبُونَ مِنْ أَرْوَاحٍ نَجِسَةٍ. وَكَانُوا يَبْرَأُونَ. ١٩ وَكُلُّ الْجَمْعِ طَلَبُوا أَنْ يَلْمِسُوهُ، لأَنَّ قُوَّةً كَانَتْ تَخْرُجُ مِنْهُ وَتَشْفِي الْجَمِيعَ.

ع١٧-١٨:

بعد تعيين تلاميذه نزل من الجبل إلى سهل وهو غالبا سفح الجبل، فالمسـيح ينزل إلى ضعفنا ليصعدنا إليه، وكان حوله ثلاث فئات هى:
١- تلاميذه، ويشملوا الإثنى عشر والباقين الذين أختار منهم فيما بعد سبعين رسولاً.
٢- جمهور من المحبين لسماع تعاليمه.
٣- كثيرون من المرضى ومعارفهم، وكذا الذين عليهم أرواح نجسة.
ويُلاحظ أن المجتمعين حوله كانوا من اليهود والأمم (ساحل صور وصيدا)، فقد أتى المسيح لخلاص العالم كله.
وعلمهم تعاليم كثيرة ثم شفا مرضاهم. وشفاء الأمراض كان حناناً منه ولجذبهم إلى الإيمان.
ولكن للأسف، كثيرون حتى الآن علاقتهم بالله نفعية مبينة على الاستفادة من قوته فى شفاء أمراضهم وسد إحتياجاتهم.
† ليت علاقتك بالله تُبنى على محبتك وبنوتك له وكذا صداقتك مع القديسين لتقتدى بهم، وليس مجرد سد إحتياجاتك وحل مشاكلك.

ع١٩:

كان شفاء المرضى يتم بلمس المسيح لهم فتخرج قوة تشفيهم، ولم يكتفِ أن يـأمر بشفائهم، لأنهم بشر ويحتاجون إلى شئ ملموس مصاحب للعمل الروحى. من أجل ذلك وضع الله لنا فى الكنيسة الأسرار المقدسة، وهى عمل للروح القدس تحت شكل ملموس، لأننـا فى الجسـد ونحتاج للروحيات من خلال صورة مادية.

(٥) التطويبات الأربعة (ع٢٠-٢٣):


٢٠ وَرَفَعَ عَيْنَيْهِ إِلَى تَلاَمِيذِهِ وَقَالَ:«طُوبَاكُمْ أَيُّهَا الْمَسَاكِينُ، لأَنَّ لَكُمْ مَلَكُوتَ اللهِ. ٢١ طُوبَاكُمْ أَيُّهَا الْجِيَاعُ الآنَ، لأَنَّكُمْ تُشْبَعُونَ. طُوبَاكُمْ أَيُّهَا الْبَاكُونَ الآنَ، لأَنَّكُمْ سَتَضْحَكُونَ. ٢٢ طُوبَاكُمْ إِذَا أَبْغَضَكُمُ النَّاسُ، وَإِذَا أَفْرَزُوكُمْ وَعَيَّرُوكُمْ، وَأَخْرَجُوا اسْمَكُمْ كَشِرِّيرٍ مِنْ أَجْلِ ابْنِ الإِنْسَانِ. ٢٣ اِفْرَحُوا فِي ذلِكَ الْيَوْمِ وَتَهَلَّلُوا، فَهُوَذَا أَجْرُكُمْ عَظِيمٌ فِي السَّمَاءِ. لأَنَّ آبَاءَهُمْ هكَذَا كَانُوا يَفْعَلُونَ بِالأَنْبِيَاءِ.

ع٢٠:

هذه هى أشهر عظات المسيح والتى ذكرها متى البشير فى (مـت ٥-٧) بتفصـيل أكبر. يوجهها لوقا إلى التلاميذ، ولكنها موجهة لكل المؤمنين.
وكلمة طوبى معناها سعادة أو غبطة. ومن ينال هذه السعادة هو من يظنه الناس بعيداً عنـها لمظهره الضعيف. وأول هذه الفئات المطوبة هم المساكين، ويصفهم متى بأنهم المساكين بالروح، أى المتضعين ولأجل إتضاعهم تفيض عليهم مراحم الله ويهبهم ملكوته السماوى، الذى سعادته لا يعبر عنها.

ع٢١: الجياع

هم المشتاقون للبر والحياة الصالحة، هؤلاء يشـبعهم الله بمعرفتـه وعشـرته فيمتلئوا بكل فضيلة.

والباكـون

هم من يبكون على خطاياهم أى التائبين، هؤلاء يغفر لهم الله خطاياهم فينـالوا الفرح الحقيقى، ويضحكون من قلوبهم أى يبتهجون.

ع٢٢-٢٣:

احتمال كراهية ورفض وتعيير الناس واتهامهم لنا زورا بالشر، يكافئنا الله عليه بالأفراح السمائية. ولا نضطرب لأن إبليس فى كل زمان يثير الأشرار ضد أولاد الله كمـا كـان يفعل اليهود بأنبياء الله فى العهد القديم، فيضربونهم ويشتمونهم بل ويقتلونهم.
† اتضع متذكرا خطاياك فى توبة، فتتحرك أشواقك إلى الله، وحينئذ تستهين بكل ألم لأجله ناظرا إلى أمجاد الأبدية واثقا من معونته وتعزيته لقلبك.

(٦) الويلات الأربعة (ع٢٤ - ٢٦):


٢٤ وَلكِنْ وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الأَغْنِيَاءُ، لأَنَّكُمْ قَدْ نِلْتُمْ عَزَاءَكُمْ. ٢٥ وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الشَّبَاعَى، لأَنَّكُمْ سَتَجُوعُونَ. وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الضَّاحِكُونَ الآنَ، لأَنَّكُمْ سَتَحْزَنُونَ وَتَبْكُونَ. ٢٦ وَيْلٌ لَكُمْ إِذَا قَالَ فِيكُمْ جَمِيعُ النَّاسِ حَسَناً. لأَنَّهُ هكَذَا كَانَ آبَاؤُهُمْ يَفْعَلُونَ بِالأَنْبِيَاءِ الْكَذَبَةِ.

ع٢٤:

يُقصد هنا الأغنياء المتكلون على أموالهم والمتعلقون بها، فأنهم استوفوا لذتهم بهـذه الماديات الزائلة، وليس لهم نصيب فى أمجاد السماء لأنهم أهملوها.

ع٢٥:

المنهمكون فى شهوات العالم سيجوعون فى الأبدية إلى التمتع بالله ولن يجدوا.
والعابثون فى ضحك وهزء هذا العالم مستهترين منغمسين فى الخطايا، سيندمون فى النهايـة حينما يُلقون فى الجحيم بحزن لا ينتهى.

ع٢٦:

بعد أن تحدث فى الويلات السابقة إلى الجموع، التى تحوى الفريسيين وكل البعيدين عن معرفة الله، يوجه حديثه هنا إلى تلاميذه وكل المؤمنين به، محذرا إياهم من خطية محبة المـديح لأنها تحتاج بالضرورة إلى النفاق لإرضاء الناس جميعا ونوال مديحهم، كما كان الأنبياء الكذبـة فى العهد القديم يعطون أخبارا كاذبة بحسب رغبة السامعين لينالوا مدحهم وعطاياهم.
† ليكن لك ضمير نقى فتعلن صوت الله لمن حولك، طالما مجد الله وليس راحتك الشخصية.

(٧) المحبة الباذلة (ع٢٧-٣١):


٢٧ «لكِنِّي أَقُولُ لَكُمْ أَيُّهَا السَّامِعُونَ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ، أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، ٢٨ بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ. ٢٩ مَنْ ضَرَبَكَ عَلَى خَدِّكَ فَاعْرِضْ لَهُ الآخَرَ أَيْضاً، وَمَنْ أَخَذَ رِدَاءَكَ فَلاَ تَمْنَعْهُ ثَوْبَكَ أَيْضاً. ٣٠ وَكُلُّ مَنْ سَأَلَكَ فَأَعْطِهِ، وَمَنْ أَخَذَ الَّذِي لَكَ فَلاَ تُطَالِبْهُ. ٣١ وَكَمَا تُرِيدُونَ أَنْ يَفْعَلَ النَّاسُ بِكُمُ افْعَلُوا أَنْتُمْ أَيْضاً بِهِمْ هكَذَا.

ع٢٧-٢٨:

يقدم المسيح الصفة الأساسية للمسيحيين، وهى المحبة للجميع حـتى الأعـداء والمسيئين. وهى لا تقتصر على القلب المنفتح على الآخرين، بل تتعداه إلى أفعال إيجابية سواء أمام الله مثل الصلاة، أو أمام الأعداء مثل مباركتهم بكلمات طيبة، أو تقديم أعمال خير وإحسان لهم. إذ نشعر أن من يبغضنا هو أخ حبيب تعرض لضغوط من إبليس، وبمحبتنا نساعده، فيعود لوضعه الطبيعى أى يحبنا.
† اشفق علي من يسئ إليك، وقدم له محبة ولو على الأقل صلاة من أجله.

ع٢٩-٣٠:

يقدم المسيح أمثلة عملية لمحبة المسيئين مثل التسامح وإحتمال الإهانـات لمـن يتعدى علينا بالضرب والإهانة. ثم العطاء لمن يغتصب أموالنا، فلا نقتصر على ترك ما إغتصبه بـل نعطيه أيضا محبة أكثر مثل إعطاء الثوب الداخلى وليس فقط ترك الرداء الخارجى الذى أُغتصـب.
والخلاصة اعتبار الكل محتاجين والعطاء للجميع، فالمغتصب والعدو محتاج لمحبتنا ونعطيه أكثر ممـا يطلب لأننا غير متعلقين بالماديات، ويهمنا كسب النفوس بالمحبة.

ع٣١:

تسهيلا على السامعين الذين شعروا بصعوبة هذه المحبة، قال لهم أنـتم تتمنـون أن يعاملكم الناس بالمحبة الباذلة فبادروا بها نحوهم.
† فكر فى كل تعامل مع الآخرين لو كنت مكانهم، كيف تريد أن يعاملوك؟
(٨)

محبة بلا مقابل (ع٣٢-٣٦):


٣٢ وَإِنْ أَحْبَبْتُمُ الَّذِينَ يُحِبُّونَكُمْ، فَأَيُّ فَضْل لَكُمْ؟ فَإِنَّ الْخُطَاةَ أَيْضاً يُحِبُّونَ الَّذِينَ يُحِبُّونَهُمْ. ٣٣ وَإِذَا أَحْسَنْتُمْ إِلَى الَّذِينَ يُحْسِنُونَ إِلَيْكُمْ، فَأَيُّ فَضْل لَكُمْ؟ فَإِنَّ الْخُطَاةَ أَيْضاً يَفْعَلُونَ هكَذَا. ٣٤ وَإِنْ أَقْرَضْتُمُ الَّذِينَ تَرْجُونَ أَنْ تَسْتَرِدُّوا مِنْهُمْ، فَأَيُّ فَضْل لَكُمْ؟ فَإِنَّ الْخُطَاةَ أَيْضاً يُقْرِضُونَ الْخُطَاةَ لِكَيْ يَسْتَرِدُّوا مِنْهُمُ الْمِثْلَ. ٣٥ بَلْ أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ، وَأَحْسِنُوا وَأَقْرِضُوا وَأَنْتُمْ لاَ تَرْجُونَ شَيْئاً، فَيَكُونَ أَجْرُكُمْ عَظِيماً وَتَكُونُوا بَنِي الْعَلِيِّ، فَإِنَّهُ مُنْعِمٌ عَلَى غَيْرِ الشَّاكِرِينَ وَالأَشْرَارِ. ٣٦ فَكُونُوا رُحَمَاءَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمْ أَيْضاً رَحِيمٌ.

ع٣٢-٣٤:

يقدم المسيح هنا حقيقة، وهى أن الشئ الطبيعى أن يحب الإنسان أصـدقاءه وأحباءه الذين يحبونه، وهذا ما يفعله أيضا الخطاة. وإقراض الآخرين وإسترداد كل شئ منهم أيضا أمر لا يفوق التعامل البشرى الطبيعى، ولكن يقدم المسيح المحبة الحقيقية، وهى تعلو عـن المحبـة البشرية... محبة الأعداء والمسيئين، وبهذا نثبت أننا أولاد الله الذى هو محبة.

ع٣٥-٣٦:

فإن كنا أبناء الله فى المحبة، نتمثل به فى أنعامه ورحمته على المتـذمرين عليـه.
فنقدم الرحمة للكل مثل الله أبونا، وننظر بروح الأبوة والأمومة لكل من حولنا مهما كانوا ضدنا.
† تأمل رحمة الله لك فى حياتك الماضية، فيدفعك هذا إلى عمل الرحمة مع الكل.

(٩) بركات المحبة (ع٣٧-٤٢):


٣٧ «وَلاَ تَدِينُوا فَلاَ تُدَانُوا. لاَ تَقْضُوا عَلَى أَحَدٍ فَلاَ يُقْضَى عَلَيْكُمْ. اِغْفِرُوا يُغْفَرْ لَكُمْ. ٣٨ أَعْطُوا تُعْطَوْا، كَيْلاً جَيِّداً مُلَبَّداً مَهْزُوزاً فَائِضاً يُعْطُونَ فِي أَحْضَانِكُمْ. لأَنَّهُ بِنَفْسِ الْكَيْلِ الَّذِي بِهِ تَكِيلُونَ يُكَالُ لَكُمْ». ٣٩ وَضَرَبَ لَهُمْ مَثَلاً:«هَلْ يَقْدِرُ أَعْمَى أَنْ يَقُودَ أَعْمَى؟ أَمَا يَسْقُطُ الاثْنَانِ فِي حُفْرَةٍ؟ ٤٠ لَيْسَ التِّلْمِيذُ أَفْضَلَ مِنْ مُعَلِّمِهِ، بَلْ كُلُّ مَنْ صَارَ كَامِلاً يَكُونُ مِثْلَ مُعَلِّمِهِ. ٤١ لِمَاذَا تَنْظُرُ الْقَذَى الَّذِي فِي عَيْنِ أَخِيكَ، وَأَمَّا الْخَشَبَةُ الَّتِي فِي عَيْنِكَ فَلاَ تَفْطَنُ لَهَا؟ ٤٢ أَوْ كَيْفَ تَقْدِرُ أَنْ تَقُولَ لأَخِيكَ: يَا أَخِي، دَعْنِي أُخْرِجِ الْقَذَى الَّذِي فِي عَيْنِكَ، وَأَنْتَ لاَ تَنْظُرُ الْخَشَبَةَ الَّتِي فِي عَيْنِكَ؟ يَا مُرَائِي! أَخْرِجْ أَوَّلاً الْخَشَبَةَ مِنْ عَيْنِكَ، وَحِينَئِذٍ تُبْصِرُ جَيِّداً أَنْ تُخْرِجَ الْقَذَى الَّذِي فِي عَيْنِ أَخِيكَ.

ع٣٧-٣٨:

يشجعنا المسيح على المحبة ببركاتها التى ننالها، فإذا سامحنا الآخرين وغفرنا لهم سيفغر لنا الله، وإذا أعطينا عطايا مادية وروحية سيعطينا الله أكثر. ويشبه عطايا الله الفائضة بكيل الحبوب الذى كان يستخدم قديما، ويتصف هذا الكيل بكونه جيدا ليس فى قاعه أى زوائد حـتى يسع أكثر ما يمكن، ويكون ملبدا أى تضغط الحبوب داخله لتوضع فيه أكبر كميـة، وكـذلك مهزوزا لملء كل الفراغات الداخلية، وفائضا أى إذا وضع عليه أى كمية تسقط لأنه قد امتلأ تماما.
ثم يستقبل الإنسان هذه الحبوب فى جلبابه فتصير فى حضنه. فعلى قدر ما نعطى بسخاء يعطينا الله بسخاء أكثر.
وعلى الجانب الآخر، إذا أسأنا للآخرين بالإدانة والحكم عليهم، سُندان أيضاً وُيُحكم علينا.
† إن عطاءك للآخرين يظهر مدى محبتك لهم وتجردك من محبة الماديات، وتقديرك لمحبة الله لـك، وهذه الثلاثة تدفعك للعطاء السخى. وإذا كان ميلك للحب والعطاء ستبتعد عن الإدانة حتى لو لاحظت أخطاء الآخرين، ستبحث ماذا تقدم لهم.

ع٣٩-٤٠:

يستكمل تحذيره لنا من الإدانة، منبها إيانا لكثرة خطايانا التى تعمى بصيرتنا.
وفيما نحن عميان نحاول أن ندين الآخرين ونقودهم فى طريق الحياة، فليس أمامنا إلا أن نسقط نحن وإياهم فى حفرة المشاكل والأخطاء الأكبر.
ومن ناحية أخرى، ينبغى أن نتمثل بمعلمنا الصالح يسوع المسيح، الذى كان يجول يصنع خيراً ولا يدين الآخرين، حتى التى أمسكت فى زنا لم يدنها. والكمال الذى نسعى إليه هـو أن نتمثـل بالمسيح معلمنا فى الحب وعدم الإدانة.

ع٤١-٤٢:

وإستهزاء بمن يدين، يوضح المسيح أن خطية أى إنسان تشبه قذى أو قشـة صغيرة، أما خطية الإدانة فتشبهُ خشبة. ويتساءل هل يمكن لإنسان فى عينه خشبة أن يخرج قشة من عين أخيه؟... بالطبع لا بل الحكمة تقول، أن أخرج أولا الخشبة من عينى وذلـك بالتوبـة عـن الإدانة، ويحل محلها الحب الذى به أساعد غيرى على التخلص من خطاياه، أى القشة التى فى عينه.

(١٠) المحبة نابعة من القلب (ع٤٣-٤٥):


٤٣ «لأَنَّهُ مَا مِنْ شَجَرَةٍ جَيِّدَةٍ تُثْمِرُ ثَمَراً رَدِيّاً، وَلاَ شَجَرَةٍ رَدِيَّةٍ تُثْمِرُ ثَمَراً جَيِّداً. ٤٤ لأَنَّ كُلَّ شَجَرَةٍ تُعْرَفُ مِنْ ثَمَرِهَا. فَإِنَّهُمْ لاَ يَجْتَنُونَ مِنَ الشَّوْكِ تِيناً، وَلاَ يَقْطِفُونَ مِنَ الْعُلَّيْقِ عِنَباً. ٤٥ اَلإِنْسَانُ الصَّالِحُ مِنْ كَنْزِ قَلْبِهِ الصَّالِحِ يُخْرِجُ الصَّلاَحَ، وَالإِنْسَانُ الشِّرِّيرُ مِنْ كَنْزِ قَلْبِهِ الشِّرِّيرِ يُخْرِجُ الشَّرَّ. فَإِنَّهُ مِنْ فَضْلَةِ الْقَلْبِ يَتَكَلَّمُ فَمُهُ.يعلن المسيح أهمية أن تكون المحبة نابعة من القلب وإلا فلن تستمر، وهذا هو قانون الطبيعـة فالشجرة الجيدة تعطى ثمراً جيداً وكذا الردية تعطى ثمراً ردياً، بل كل شجرة تعطى ثمرها وليس ثمر الأشجار الأخرى. فالنباتات الطفيلية الضعيفة، أى التى تتطفل على النباتات الجيدة مثـل الشـوك والعليق لا يمكن أن تعطى ثمار الأشجار الأصلية مثل التين والعنب بالرغم من أنهـا تتغـذى مـن الشجرة الأصلية.
كذلك الإنسان الصالح المملوء محبة، يخرج من قلبه كلاماً وتصرفات حب وعطاء وتسامح، أما الشرير الضعيف فى محبته فيدين ويؤذى ويصنع كل شر مع الآخرين.
† إن كان لك كلمات ردية أو تصرفات مؤذية، فافحص نفسك وتب عن أكفارك ونية قلبـك الشريرة، وتأمل محبة الله لك لتمتلئ حبا وتعطى الآخرين أعمال خير وكلمات طيبة.

(١١) المحبة العملية (ع٤٦-٤٩):


٤٦ «وَلِمَاذَا تَدْعُونَنِي: يَارَبُّ، يَارَبُّ، وَأَنْتُمْ لاَ تَفْعَلُونَ مَا أَقُولُهُ؟ ٤٧ كُلُّ مَنْ يَأْتِي إِلَيَّ وَيَسْمَعُ كَلاَمِي وَيَعْمَلُ بِهِ أُرِيكُمْ مَنْ يُشْبِهُ. ٤٨ يُشْبِهُ إِنْسَاناً بَنَى بَيْتاً، وَحَفَرَ وَعَمَّقَ وَوَضَعَ الأَسَاسَ عَلَى الصَّخْرِ. فَلَمَّا حَدَثَ سَيْلٌ صَدَمَ النَّهْرُ ذلِكَ الْبَيْتَ، فَلَمْ يَقْدِرْ أَنْ يُزَعْزِعَهُ، لأَنَّهُ كَانَ مُؤَسَّساً عَلَى الصَّخْرِ. ٤٩ وَأَمَّا الَّذِي يَسْمَعُ وَلاَ يَعْمَلُ، فَيُشْبِهُ إِنْسَاناً بَنَى بَيْتَهُ عَلَى الأَرْضِ مِنْ دُونِ أَسَاسٍ، فَصَدَمَهُ النَّهْرُ فَسَقَطَ حَالاً، وَكَانَ خَرَابُ ذلِكَ الْبَيْتِ عَظِيما!»ً.

ع٤٦:

فى نهاية عظة المسيح، أكد على أهمية تنفيذ وصاياه وليس مجرد سماعها، أو التحدث معه فى طلبات كثيرة مثل شفاء الأمراض وإخراج الشياطين. فالمحبة العملية هى الأساس الذى تُبنى عليه كل الحياة وهى التى تؤكد بنوتنا ﷲ واقتناعنا بكلامه.

ع٤٧-٤٩:

يعطى تشبيها عمليا، وهو أن إنسانا حفر حتى الوصول إلى الصخر، ووضـع الأساس عليه وأقام بناء فيكون قويا. وبناء آخر أقيم على الأرض، التى هى رمال أو أتربة ضـعيفة سهلة التحرك، فعندما هبت الرياح واندفعت مياُهُ النهر كسيل وصدمت هذين البيـتين، لم يتـأثر المبنى على الصخر، أما المبنى بدون أساس على الأرض فإنهار وسقط. كذلك من ينفذ وصـايا الله ويحيا عمليا بالمحبة لن يهتز من رياح التجارب وحروب إبليس، أما الآخر فيسقط فى الخطايا ونهايته الهلاك الأبدى.
† لتكن المحبة فى قلبك قبل أن تتكلم أو تعمل شيئا، فهى الهدف الوحيد فى علاقتنا مع الآخـرين حتى نكسب نفوسهم للمسيح، لأن الله محبة وعليه نبنى كل أفعالنا.
زر الذهاب إلى الأعلى

معاني الكلمات في الأصحاح

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

Please consider supporting us by disabling your ad blocker!