مثل قاضى الظلم - الفريسى والعشار - محبة المال - شفاء الأعمى
(١) مثل قاضى الظلم (ع١ -٨):
١ وَقَالَ لَهُمْ أَيْضاً مَثَلاً فِي أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُصَلَّى كُلَّ حِينٍ وَلاَ يُمَلَّ، ٢ قِائِلاً:«كَانَ فِي مَدِينَةٍ قَاضٍ لاَ يَخَافُ اللهَ وَلاَ يَهَابُ إِنْسَاناً. ٣ وَكَانَ فِي تِلْكَ الْمَدِينَةِ أَرْمَلَةٌ. وَكَانَتْ تَأْتِي إِلَيْهِ قَائِلَةً: أَنْصِفْنِي مِنْ خَصْمِي!. ٤ وَكَانَ لاَ يَشَاءُ إِلَى زَمَانٍ. وَلكِنْ بَعْدَ ذلِكَ قَالَ فِي نَفْسِهِ: وَإِنْ كُنْتُ لاَ أَخَافُ اللهَ وَلاَ أَهَابُ إِنْسَاناً، ٥ فَإِنِّي لأَجْلِ أَنَّ هذِهِ الأَرْمَلَةَ تُزْعِجُنِي، أُنْصِفُهَا، لِئَلاَّ تَأْتِيَ دَائِماً فَتَقْمَعَنِي!». ٦ وَقَالَ الرَّبُّ:«اسْمَعُوا مَا يَقُولُ قَاضِي الظُّلْمِ. ٧ أَفَلاَ يُنْصِفُ اللهُ مُخْتَارِيهِ، الصَّارِخِينَ إِلَيْهِ نَهَاراً وَلَيْلاً، وَهُوَ مُتَمَهِّلٌ عَلَيْهِمْ؟ ٨ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ يُنْصِفُهُمْ سَرِيعا!ً وَلكِنْ مَتَى جَاءَ ابْنُ الإِنْسَانِ، أَلَعَلَّهُ يَجِدُ الإِيمَانَ عَلَى الأَرْضِ؟».ع١: الإنسان البشرى يتشكك من استجابة صلاته أو يمل منها لضعف محبته ﷲ، وقد يرفض اللجاجة فى الصلاة بفلسفة عقلية أن الله يعرف كل شئ فلماذا التكرار، فأراد المسـيح أن يظهـر أهمية الإلحاح على الله فى الصلاة، لأن هذا ينمى إيمان الإنسان ويظهر مدى محبته له.
ع٢-٣: قاضى المسئول عن الحكم بالعدل وإنصاف المظلومين.
لا يخاف الله ليس هناك فى قلبه دافع للتمسك بالعدل ليرضى الله.
لا يهاب إنسان لا يعمل حساباً لرأى المجتمع، وبالتالى ليس هناك ما يدعوه للعدل من أجـل الرأى العام.
أرملة تمثل الإنسان الذى بلا سند فيسهل ظلمها.
كانت تأتى تكرار التجائها إلى القاضى لطلب معونته بالحكم العادل.
انصفنى من خصمى كان لها خصم مستمر فى أخذ حقوقها.
المثل يقول أن هناك قاضى ظالم فى إحدى المدن، لا يعمل حساباً لله أو الناس، إذ أنه متكـبر ولا يراعى أحداً. وفى نفس المدينة توجد أرملة، أى إنسانة ضعيفة بلا سند، تطلب من هذا القاضى أن ينصفها ويعطيها حقها الضائع.
ع٤-٥: لا يشاء إلى زمان أهمل دعواها ولم يحكم بالعدل.
تزعجنى كثرة إلحاحها يضايقنى.
تقمعنى تضغط على بلجاجتها.
لأجل إلحاح المرأة، إضطر هذا القاضى الظالم أن ينصفها حتى لا تزعجه، وليس عطفاً عليها أو تمسكاً بالعدل.
ع٦-٧: اسمعوا ما يقول لاحظوا ما قاله هذا القاضى أنه ينصف الأرملة لكثرة لجاجتها.
أفلا ينصـف يرجع إليهم حقوقهم المسلوبة من إبليس خصمهم، فيهبهم سلامه ويخلصهم من الخطية، بل يدوسوا قوة الشيطان.
مختاريه أولاد الله الذين اختارهم من العالم لأجل تجاوبهم معه.
الصارخين صلوات حارة قوية.
نهاراً وليلاً اللجاجة والإستمرار فى الصلاة.
متمهل عليهم الله يؤجل الاستجابة لفترة حتى يعطى العطية فى أحسن وقت لكيما ينمى إيمان ومحبة أولاده وجهادهم ولكنه لا ينساهم، بل لابد أن ينصفهم فى النهاية ويهبهم عطاياه الجزيلة. إن كان قاضى الظلم يستجيب لإلحاح المرأة المظلومة، فبالأولى الله العادل المحب يسـتجيب لأولاده عندما يلحون عليه فى الصلاة لينقذهم من الأشرار ومن حروب إبليس.
ع٨: أقول لكم تأكيد للكلام التالى.
سريعاً لن يتأخر عن الميعاد المناسب بحسب حكمته لفائدة أولاده، بل فى أحسن وقت يهبهم عطاياه خاصة إذا نظرنا إلى فترة العمر القصيرة بالقياس بالأبدية. يؤكد المسيح هنا أهمية إرتباط اللجاجة فى الصلاة بالإيمان، ويتساءل هل فى مجيئه الثانى سيجد إيماناً قوياً عند الكثيرين أى صلوات حارة بلجاجة؟
† كن مؤمناً بسماع الله لصلواتك حتى لو تمهل فى الاستجابة، وداوم على الصلاة لتعلن محبتـك وتمسكك به.
ع٩: يحتقرون الآخرين الذين يتكبرون يقعون بسهولة فى إدانة بل احتقار الآخرين.
واجه المسيح مجموعة من المتكبرين يسلكون فى الحياة الروحية بتدقيق ولكنهم يشعرون ببرهم الذاتى، فأعطاهم مثلاً يعلمهم من خلاله أهمية الاتضاع. ع١٠: يُظهر المثل أن الكل بشر فى نظر الله أيا كان مركزهم، ولكن التقييم يكون بحسب حياتهم الروحية واتضاعهم. كان غرض الإثنين هو الصلاة، وهذا غرض مقدس، ولكن الأهم هـو كيفية الصلاة. أحدهما كان من فئة الفريسيين المتمسكين بالشريعة ولكن يشعرون بتميزهم وبـرهم عـن الآخرين، أما العشار فكان سلوكه فى الحياة شرير مرتبط بمحبة المال والقسوة على الآخرين، ولكن الجزء الحسن هو أنه أراد أن يصلى وتكون له علاقة مع الله.
ع١١: مثل باقى الناس يضع نفسه فى مرتبه عالية وباقى الناس فى مرتبـه حقـيرة لأجـل شرورهم.
بدأ الفريسى صلاته بالشكر، وهو أمر جميل، ولكن ظهر من شكره أنه يشعر بأفضليته، بـل إدانته لعموم الناس الساقطين فى الخطايا مثل السرقة والظلم والزنا، بل أكثر من هذا أدان بالتحديد إنساناً مثله، وهو العشار الذى دخل ليصلى معه.
ع١٣: أما الشخص الآخر وهو العشار فشعر بخطاياه الكثيرة، وأنه غير مستحق للصـلاة والوجود فى بيت الله، لذا وقف من بعيد ينظر إلى الهيكل بخشوع واتضاع، بل قرع صدره معلنـا ندمه وتوبته على كل خطاياه السابقة، طالباً باتضاع رحمة الله وغفرانه معترفاً بخطاياه بقولـه أنـا الخاطئ. يرمز الفريسى للأمة اليهودية المتكبرة بمعرفتها عن الله وشرائعه، أما العشار فيرمز للأمم الخطاة الآتين باتضاع للمسيح فينالون الخلاص دون المتكبرين من اليهود.
ع١٤: أقول لكم تأكيد لأهمية الكلام التالى.
هذا العشار.
ذاك الفريسى.
جاء رد السماء بغفران خطايا العشار المتضع وتبريره من كل خطية، أما الفريسـى المتكـبر فرفضت صلاته بل صارت دينونة له وتثبيتاً لخطاياه على رأسه. ثم يعلق المسيح إلهنا على المثل بأن من يرفع نفسه ويتكبر يرفضه الله وينزله إلى الجحيم، أمـا من يتضع فى توبة وانسحاق يكرمه الله ويرفعه ليتمتع معه فى الملكوت السماوى. † أنظر إلى خطاياك وضعفك فتتضع أمام الله، ويدفعك هذا لعلاقة قوية معه تعوض فيها ما فاتك، بل وتنظر إلى فضائل المحيطين بك لتقتدى بهم.
(٣) إهتمام المسيح بالأطفال (ع١٥ - ١٧):
١٥ فَقَدَّمُوا إِلَيْهِ الأَطْفَالَ أَيْضاً لِيَلْمِسَهُمْ، فَلَمَّا رَآهُمُ التَّلاَمِيذُ انْتَهَرُوهُمْ. ١٦ أَمَّا يَسُوعُ فَدَعَاهُمْ وَقَالَ:«دَعُوا الأَوْلاَدَ يَأْتُونَ إِلَيَّ وَلاَ تَمْنَعُوهُمْ، لأَنَّ لِمِثْلِ هؤُلاَءِ مَلَكُوتَ اللهِ. ١٧ اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: مَنْ لاَ يَقْبَلُ مَلَكُوتَ اللهِ مِثْلَ وَلَدٍ فَلَنْ يَدْخُلَهُ».ع١٥: أراد بعض الناس من الجموع أن ينال أطفالهم بركة من المسيح، فقـدموهم إليـه ليلمسهم، أما التلاميذ فشعروا أن مكانة المسيح أعظم من أن يهتم بالأطفال، فحاولوا إبعادهم حتى لا يشغلوا معلمهم عن تعاليمه وشفائه للمرضى بهذا الأمر التافه. ع١٦: اهتم المسيح بالأطفال، ونبه تلاميذه ليتركوا الأطفال يقتربون إليه وباركهم، بـل أعلن حقيقة هامة وهى تميز الأطفال فى طباعهم عن الكبار، وأن من لهم هذه الطباع من الـبراءة والمحبة للآخرين وتقدير إهتمام من حولهم (مثلما يفرح الطفل بمحبة والديه وعطاياهم لـه)، هـم المؤهلون لدخول ملكوت السموات.
ولم يقل لهؤلاء الأطفال بل لمثل هؤلاء، أى من له طباع الأطفال من الكبار ولـيس فقـط الأطفال.
وينبغى أن نهتم بالضعفاء فهم أيضاً محتاجون مثل الأطفال.
أكد المسيح أهمية أن نكتسب طباع الأطفال كشرط لدخول الملكوت.
† تأمل صفات الأطفال القريبين منك وحاول أن تتعلم منهم شيئاً، فقد وضعهم الله فى طريقـك ليس فقط لتعلمهم بل لتتعلم منهم أيضاً.
(٤) محبة المال ودخول ملكوت السموات (ع١٨- ٣٠):
١٨ وَسَأَلَهُ رَئِيسٌ قِائِلاً:«أَيُّهَا الْمُعَلِّمُ الصَّالِحُ، مَاذَا أَعْمَلُ لأَرِثَ الْحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ؟» ١٩ فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ:«لِمَاذَا تَدْعُونِي صَالِحا؟ً لَيْسَ أَحَدٌ صَالِحاً إِلاَّ وَاحِدٌ وَهُوَ اللهُ. ٢٠ أَنْتَ تَعْرِفُ الْوَصَايَا: لاَ تَزْنِ. لاَ تَقْتُلْ. لاَ تَسْرِقْ. لاَ تَشْهَدْ بِالزُّورِ. أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ». ٢١ فَقَالَ:«هذِهِ كُلُّهَا حَفِظْتُهَا مُنْذُ حَدَاثَتِي». ٢٢ فَلَمَّا سَمِعَ يَسُوعُ ذلِكَ قَالَ لَهُ:«يُعْوِزُكَ أَيْضاً شَيْءٌ: بعْ كُلَّ مَا لَكَ وَوَزِّعْ عَلَى الْفُقَرَاءِ، فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي السَّمَاءِ، وَتَعَالَ اتْبَعْنِي». ٢٣ فَلَمَّا سَمِعَ ذلِكَ حَزِنَ، لأَنَّهُ كَانَ غَنِيّاً جِدّاً. ٢٤ فَلَمَّا رَآهُ يَسُوعُ قَدْ حَزِنَ، قَالَ:«مَا أَعْسَرَ دُخُولَ ذَوِي الأَمْوَالِ إِلَى مَلَكُوتِ اللهِ! ٢٥ لأَنَّ دُخُولَ جَمَل مِنْ ثَقْبِإِبْرَةٍ أَيْسَرُ مِنْ أَنْ يَدْخُلَ غَنِيٌّ إِلَى مَلَكُوتِ اللهِ!». ٢٦ فَقَالَ الَّذِينَ سَمِعُوا: «فَمَنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَخْلُصَ؟» ٢٧ فَقَالَ:«غَيْرُ الْمُسْتَطَاعِ عِنْدَ النَّاسِ مُسْتَطَاعٌ عِنْدَ اللهِ». ٢٨ فَقَالَ بُطْرُسُ:«هَا نَحْنُ قَدْ تَرَكْنَا كُلَّ شَيْءٍ وَتَبِعْنَاكَ». ٢٩ فَقَالَ لَهُمُ:«الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَيْسَ أَحَدٌ تَرَكَ بَيْتاً أَوْ وَالِدَيْنِ أَوْ إِخْوَةً أَوِ امْرَأَةً أَوْ أَوْلاَداً مِنْ أَجْلِ مَلَكُوتِ اللهِ، ٣٠ إِلاَّ وَيَأْخُذُ فِي هذَا الزَّمَانِ أَضْعَافاً كَثِيرَةً، وَفِي الدَّهْرِ الآتِي الْحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ».ع١٨: تقدم شاب يهودى كما تذكر أناجيل متى ومرقس، وكان رئيس مجمع من مجـامع اليهود، وسأل المسيح كيف يرث الحياة الأبدية، وحدثه بإحترام قائلاً أيها المعلم الصالح. ع١٩: قبل أن يرد المسيح على سؤاله سأله لماذا تدعونى صالحاً، هل هى كلمات التعظـيم التى يقولها البعض دون فهم، أم أنك تعنى إنى الله لأنه لا يوجد أحد صالح إلا الله وحده. فيقصـد المسيح هنا أن يواجه الشاب نفسه هل يؤمن بلاهوت المسيح فيطلب منه أن يعرفه طريق ملكـوت السماوات، أم هو فى نظره مجرد معلم من معلمى اليهود، أم أنه يجربه هل سيرشـده إرشـادات بحسب شريعة موسى أو مخالفة لها، ليصطاد عليه خطأ. ع٢٠: لم يقل المسيح وصايا جديدة لأنه أتى ليكمل وليس لينقض، وأشار على هذا الرئيس بأن يحفظ الوصايا العشر، ولتأكيد أنه يقصد هذه الوصايا وليست وصايا أخرى جديدة يعلمهـا المسيح، أعطاه أمثلة لها وهى "لا تزنِ لا تقتل...". ع٢١: أجاب الرئيس بسرعة معلناً حفظه للوصايا منذ طفولته، وهو يقصد الحفظ الـذهنى والتطبيق الحرفى وليس كل أعماق الوصايا بدليل ظهور تعلقه بالماديات بعد ذلك أكثر من محبة ﷲ، وهذا مخالف لروح الوصايا. ع٢٢: طلب منه المسيح أن يبيع ممتلكاته ويوزع ثمنها على الفقراء، ويتبع المسيح معتمـداً عليه فقط وليس على أمواله. وقد وجه المسيح نظر هذا الرئيس إلى الكنز السماوى الـذى ينالـه بعمل الرحمة أفضل من الممتلكات الأرضية. ع٢٣: كشف المسيح خطية هذا الرئيس، وهى محبة المال، وقد حزن قلبه لأنه لا يسـتطيع أن يبيع الأموال والممتلكات لأجل الله، وبهذا حكم على نفسه أنه غير مستحق لملكوت السموات. † إسأل نفسك هل أنت مستعد، ولو بالنية فقط، أن تترك كل ما عندك وتحتفظ بإيمانك بالله، أم إنك تكسر الوصايا وقلبك متعلق بالماديات؟ إن التطبيق العملى لترك محبة المال هو ترك جزئـى وتدريجى وإعطاء العشور بل أكثر منها، وعمل الرحمة مع الجميع. ع٢٤: أعلن المسيح خطورة مشكلة التعلق بالمال الذى يمنع دخول الملكوت، لأن الأغنيـاء غالباً ما يعتمدون على أموالهم ويتعلقون بها. فما أعسر دخولهم إلى ملكوت السـموات! والحـل الوحيد هو أن يتكلوا على الله فقط ويستخدمون أموالهم فى إحتياجات معيشتهم وعمل الخير، ولا يضطربون إذا فقدوا الكثير منها. إذا فالمقصود ليس عدم دخول الأغنياء إلى الملكوت، بل المتكلين والمتعلقين بأموالهم. ع٢٥: لإظهار إستحالة دخول المتكلين على أموالهم إلى الملكوت، أعطى تشبيهاً بأن مرور جمل من ثقب إبرة أسهل من دخول متكل على ماله إلى الملكوت أى أنه مستحيل أن يدخل. ع٢٦-٢٧: شعر السامعون بصعوبة التنازل عن محبة المال، ولكن المسيح شـجع جميـع الأغنياء بقوله أنه لا يوجد مستحيل عند الله، فبمعونته يستطيع الأغنياء أن يتخلصوا من تعلقهـم بالمال. ع٢٨: فهم التلاميذ أهمية أن يترك الأغنياء عنهم محبة المال، لذا قال بطـرس نيابـة عـن التلاميذ إننا قد تركنا كل شئ وتبعناك، وهم لم يتركوا إلا الشباك البالية ومراكب الصيد وأعمال بسيطة هى حرفهم. ع٢٩-٣٠: أجاب المسيح مُظهراً إهتمامه بأى شئ يتركه الإنسان لأجله، سـواء كـان ممتلكات مادية أو علاقات عاطفية من إرتباطات بالأهل والأصدقاء والأحباء لأجل الإرتباط بمحبة الله وخدمته. فالله يعوضه بأضعافها فى هذه الحياة، أى يعطيه احتياجاته المادية وصحته ويعطيه نعمة فى أعين الكل. مثل الراهب الذى يترك عدد محدود من الأقرباء، فينفتح قلبه بالحب للجميع ويصير الكل أحباءه، وهكذا الخادم الذى يتنازل عن بعض وقته وراحته وتمتعه بعلاقته مع المقربين لأجـل خدمة المسيح، يكسب نفوساً كثيرة ويصير الكل أحباءه ثم ينال ما لا يُعبر عنه وهو سعادة الأبدية. † أنظر إلى نعم الله التى تنالها بالسلام والفرح والبركات الكثيرة، فتتنازل بسهولة عـن أى شـئ لأجل محبته.
(٥) إخبار تلاميذه بآلامه (ع٣١- ٣٤):
٣١ وَأَخَذَ الاثْنَيْ عَشَرَ وَقَالَ لَهُمْ:«هَا نَحْنُ صَاعِدُونَ إِلَى أُورُشَلِيمَ، وَسَيَتِمُّ كُلُّ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ بِالأَنْبِيَاءِ عَنِ ابْنِ الإِنْسَانِ، ٣٢ لأَنَّهُ يُسَلَّمُ إِلَى الأُمَمِ، وَيُسْتَهْزَأُ بِهِ، وَيُشْتَمُ وَيُتْفَلُ عَلَيْهِ، ٣٣ وَيَجْلِدُونَهُ، وَيَقْتُلُونَهُ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومُ». ٣٤ وَأَمَّا هُمْ فَلَمْ يَفْهَمُوا مِنْ ذلِكَ شَيْئاً، وَكَانَ هذَا الأَمْرُ مُخْفىً عَنْهُمْ، وَلَمْ يَعْلَمُوا مَا قِيلَ.ع٣١: انفرد المسيح بتلاميذه ليخبرهم عن آلامه التى يحتملها لأجل فداء العالم، هذه الآلام التى تنبأ عنها الأنبياء، وبدأ يشرح لهم هذه النبوات، وأن ذلك سيتم قريباً لأنهم كانوا متجهين نحو أورشليم حيث سيتم كل هذا. وإن كان المسيح قد تكلم عن الترك والتجرد، فهو يقدم نفسه مثلا عملياً فى الترك حتى الموت من أجل محبته لنا. ع٣٢-٣٣: شرح لهم كيف سيقبض عليه الرومان، أى الأمم، ويستهزئون به ويضربونه ثم يقتلونه، ولكنه سيقوم من الأموات فى اليوم الثالث.
† إن كانت هناك آلام تقابلك، فثق أنه يعقبها بركات، وعلى قدر صعوبة الآلام تزداد البركات.
ع٣٤: أراد المسيح بهذا أن يعدهم لإستقبال آلامه ولكنهم لم يفهموا، لأن ذهنـهم كـان مرتبطاً بأن المسيح سيكون ملكاً أرضياً، ولكن بعد قيامته تذكروا كل ما قاله لهم وآمنوا. وقد سمح المسيح بأن يكون هذا مخفياً عنهم حتى لا ينزعجوا ويخافوا، ولكن تذكر كلامه بعد القيامة يساعدهم على الإيمان.
(٦) شفاء الأعمى فى طريق أريحا (ع٣٥ - ٤٣):
٣٥ وَلَمَّا اقْتَرَبَ مِنْ أَرِيحَا كَانَ أَعْمَى جَالِساً علَى الطَّرِيقِ يَسْتَعْطِي. ٣٦ فَلَمَّا سَمِعَ الْجَمْعَ مُجْتَازاً سَأَلَ:«مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ هذَا؟» ٣٧ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ يَسُوعَ النَّاصِرِيَّ مُجْتَازٌ. ٣٨ فَصَرَخَ قِائِلاً: «يَايَسُوعُ ابْنَ دَاوُدَ، ارْحَمْنِي!». ٣٩ فَانْتَهَرَهُ الْمُتَقَدِّمُونَ لِيَسْكُتَ، أَمَّا هُوَ فَصَرَخَ أَكْثَرَ كَثِيراً: «يَا ابْنَ دَاوُدَ، ارْحَمْنِي!». ٤٠ فَوَقَفَ يَسُوعُ وَأَمَرَ أَنْ يُقَدَّمَ إِلَيْهِ. وَلَمَّا اقْتَرَبَ سَأَلَهُ ٤١ قِائِلاً:«مَاذَا تُرِيدُ أَنْ أَفْعَلَ بِكَ؟» فَقَالَ: «يَاسَيِّدُ، أَنْ أُبْصِرَ!». ٤٢ فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «أَبْصِرْ. إِيمَانُكَ قَدْ شَفَاكَ». ٤٣ وَفِي الْحَالِ أَبْصَرَ، وَتَبِعَهُ وَهُوَ يُمَجِّدُ اللهَ. وَجَمِيعُ الشَّعْبِ إِذْ رَأَوْا سَبَّحُوا اللهَ.ع٣٥-٣٧: كان المسيح فى طريقه إلى أورشليم، فمر بمدينة أريحا وهناك وجـد أعمـى جالساً على الطريق يستعطى. وكان المسيح قاصداً أن يمر فى هذا الوقت ليشفيه، فهو يعمل الخير فى كل وقت حتى وهو سائر فى الطريق.
وسمع الأعمى ضجيج جموع مقبله عليه، فسأل ما هذا فأخبروه أن يسوع المسـيح ومعـه الجموع مقبلون عليه.
† ليتك تنتهز كل فرصة لعمل الخير حتى وأنت فى الطريق أو فى أى مكان تدخل إليه، فصلى فى كل مكان وقدم كلمات مشجعة لمن تقابله وساعد كل من يطلب منك. ع٣٨-٣٩: آمن الأعمى بأن هذا هو المسيا المنتظر إبن داود، وطلب منه أن يرحمه ومـن كثرة صراخه حاولت الجموع المتقدمة إسكاته حتى لا يزعج المسيح، أما هـو فـازداد صـراخاً وتضرعاً نحو المسيح معلناً إيماناً قوياً لا يمكن إيقافه. إن الأعمى يرمز للبشرية التى فقدت قدرتها على رؤية الله، ولكن إذا آمنت بالمسيح وتضرعت نحوه بإيمان واتضاع، فإنها تنال الإستنارة الروحية وتعود تتمتع برؤية الله من خلال أسرار الكنيسة. أما الجموع المتقدمة فترمز لمعطلات الإيمان من شهوات العالم وانشغالاته وكـل الشـكوك، ولكن الله يسمح بها لاختبار الإيمان، ثم يفيض حينئذ ببركات وفيرة على أولاده. ع٤٠-٤٢: وقف المسيح وطلب أن يرى الأعمى، فاقتربوا به إليه فسأله المسيح ماذا تريد أن أفعل لك، حتى يؤكد أهمية الإرادة الإنسانية والجهاد الروحى الظاهر فى الصراخ المستمر. فقال الأعمى أنه محتاج أن يشفيه ليبصر، فأمر المسيح بسلطان لاهوته أن يبصر، فانفتحـت عينـاه فى الحال، وأعلن المسيح الحقيقة واضحة أن إيمان الأعمى الذى دفعه فى جهاد الصراخ المستمر وطلبه للشفاء هو الذى جعل المسيح يهبه نعمة البصر. ع٤٣: لقد استنار قلب الأعمى بالإيمان قبل أن تستنير عيناه الجسديتان، وعنـدما منحـه المسيح الشفاء تبعه مع الجموع وهو يشكر الله، وصار شكره هذا دافعاً لتمجيد وتسبيح الجمـوع كلها للمسيح. † أشكر الله فى كل حين على عطاياه وفى أوقات الضيقة أيضاً، فتصير نوراً فى العالم تشجع الكل على حياة الشكر.
الأصحاح الثامن عشر
مثل قاضى الظلم - الفريسى والعشار - محبة المال - شفاء الأعمى
(١) مثل قاضى الظلم (ع١ -٨):
١ وَقَالَ لَهُمْ أَيْضاً مَثَلاً فِي أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُصَلَّى كُلَّ حِينٍ وَلاَ يُمَلَّ، ٢ قِائِلاً:«كَانَ فِي مَدِينَةٍ قَاضٍ لاَ يَخَافُ اللهَ وَلاَ يَهَابُ إِنْسَاناً. ٣ وَكَانَ فِي تِلْكَ الْمَدِينَةِ أَرْمَلَةٌ. وَكَانَتْ تَأْتِي إِلَيْهِ قَائِلَةً: أَنْصِفْنِي مِنْ خَصْمِي!. ٤ وَكَانَ لاَ يَشَاءُ إِلَى زَمَانٍ. وَلكِنْ بَعْدَ ذلِكَ قَالَ فِي نَفْسِهِ: وَإِنْ كُنْتُ لاَ أَخَافُ اللهَ وَلاَ أَهَابُ إِنْسَاناً، ٥ فَإِنِّي لأَجْلِ أَنَّ هذِهِ الأَرْمَلَةَ تُزْعِجُنِي، أُنْصِفُهَا، لِئَلاَّ تَأْتِيَ دَائِماً فَتَقْمَعَنِي!». ٦ وَقَالَ الرَّبُّ:«اسْمَعُوا مَا يَقُولُ قَاضِي الظُّلْمِ. ٧ أَفَلاَ يُنْصِفُ اللهُ مُخْتَارِيهِ، الصَّارِخِينَ إِلَيْهِ نَهَاراً وَلَيْلاً، وَهُوَ مُتَمَهِّلٌ عَلَيْهِمْ؟ ٨ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ يُنْصِفُهُمْ سَرِيعا!ً وَلكِنْ مَتَى جَاءَ ابْنُ الإِنْسَانِ، أَلَعَلَّهُ يَجِدُ الإِيمَانَ عَلَى الأَرْضِ؟».ع١: الإنسان البشرى يتشكك من استجابة صلاته أو يمل منها لضعف محبته ﷲ، وقد يرفض اللجاجة فى الصلاة بفلسفة عقلية أن الله يعرف كل شئ فلماذا التكرار، فأراد المسـيح أن يظهـر أهمية الإلحاح على الله فى الصلاة، لأن هذا ينمى إيمان الإنسان ويظهر مدى محبته له.
ع٢-٣: قاضى المسئول عن الحكم بالعدل وإنصاف المظلومين.
لا يخاف الله ليس هناك فى قلبه دافع للتمسك بالعدل ليرضى الله.
لا يهاب إنسان لا يعمل حساباً لرأى المجتمع، وبالتالى ليس هناك ما يدعوه للعدل من أجـل الرأى العام.
أرملة تمثل الإنسان الذى بلا سند فيسهل ظلمها.
كانت تأتى تكرار التجائها إلى القاضى لطلب معونته بالحكم العادل.
انصفنى من خصمى كان لها خصم مستمر فى أخذ حقوقها.
المثل يقول أن هناك قاضى ظالم فى إحدى المدن، لا يعمل حساباً لله أو الناس، إذ أنه متكـبر ولا يراعى أحداً. وفى نفس المدينة توجد أرملة، أى إنسانة ضعيفة بلا سند، تطلب من هذا القاضى أن ينصفها ويعطيها حقها الضائع.
ع٤-٥: لا يشاء إلى زمان أهمل دعواها ولم يحكم بالعدل.
تزعجنى كثرة إلحاحها يضايقنى.
تقمعنى تضغط على بلجاجتها.
لأجل إلحاح المرأة، إضطر هذا القاضى الظالم أن ينصفها حتى لا تزعجه، وليس عطفاً عليها أو تمسكاً بالعدل.
ع٦-٧: اسمعوا ما يقول لاحظوا ما قاله هذا القاضى أنه ينصف الأرملة لكثرة لجاجتها.
أفلا ينصـف يرجع إليهم حقوقهم المسلوبة من إبليس خصمهم، فيهبهم سلامه ويخلصهم من الخطية، بل يدوسوا قوة الشيطان.
مختاريه أولاد الله الذين اختارهم من العالم لأجل تجاوبهم معه.
الصارخين صلوات حارة قوية.
نهاراً وليلاً اللجاجة والإستمرار فى الصلاة.
متمهل عليهم الله يؤجل الاستجابة لفترة حتى يعطى العطية فى أحسن وقت لكيما ينمى إيمان ومحبة أولاده وجهادهم ولكنه لا ينساهم، بل لابد أن ينصفهم فى النهاية ويهبهم عطاياه الجزيلة.
إن كان قاضى الظلم يستجيب لإلحاح المرأة المظلومة، فبالأولى الله العادل المحب يسـتجيب لأولاده عندما يلحون عليه فى الصلاة لينقذهم من الأشرار ومن حروب إبليس.
ع٨: أقول لكم تأكيد للكلام التالى.
سريعاً لن يتأخر عن الميعاد المناسب بحسب حكمته لفائدة أولاده، بل فى أحسن وقت يهبهم عطاياه خاصة إذا نظرنا إلى فترة العمر القصيرة بالقياس بالأبدية.
يؤكد المسيح هنا أهمية إرتباط اللجاجة فى الصلاة بالإيمان، ويتساءل هل فى مجيئه الثانى سيجد إيماناً قوياً عند الكثيرين أى صلوات حارة بلجاجة؟
† كن مؤمناً بسماع الله لصلواتك حتى لو تمهل فى الاستجابة، وداوم على الصلاة لتعلن محبتـك وتمسكك به.
(٢) الفريسى والعشار (ع٩ -١٤):
٩ وَقَالَ لِقَوْمٍ وَاثِقِينَ بِأَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ أَبْرَارٌ، وَيَحْتَقِرُونَ الآخَرِينَ هذَا الْمَثَلَ: ١٠ «إِنْسَانَانِ صَعِدَا إِلَى الْهَيْكَلِ لِيُصَلِّيَا، وَاحِدٌ فَرِّيسِيٌّ وَالآخَرُ عَشَّارٌ. ١١ أَمَّا الْفَرِّيسِيُّ فَوَقَفَ يُصَلِّي فِي نَفْسِهِ هكَذَا: اَللّهُمَّ أَنَا أَشْكُرُكَ أَنِّي لَسْتُ مِثْلَ بَاقِي النَّاسِ الْخَاطِفِينَ الظَّالِمِينَ الزُّنَاةِ، وَلاَ مِثْلَ هذَا الْعَشَّارِ. ١٢ أَصُومُ مَرَّتَيْنِ فِي الأُسْبُوعِ، وَأُعَشِّرُ كُلَّ مَا أَقْتَنِيهِ. ١٣ وَأَمَّا الْعَشَّارُ فَوَقَفَ مِنْ بَعِيدٍ، لاَ يَشَاءُ أَنْ يَرْفَعَ عَيْنَيْهِ نَحْوَ السَّمَاءِ، بَلْ قَرَعَ عَلَى صَدْرِهِ قَائِلاً: اللّهُمَّ ارْحَمْنِي، أَنَا الْخَاطِئَ. ١٤ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ هذَا نَزَلَ إِلَى بَيْتِهِ مُبَرَّراً دُونَ ذَاكَ، لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَرْفَعُ نَفْسَهُ يَتَّضِعُ، وَمَنْ يَضَعُ نَفْسَهُ يَرْتَفِعُ».
ع٩: يحتقرون الآخرين الذين يتكبرون يقعون بسهولة فى إدانة بل احتقار الآخرين.
واجه المسيح مجموعة من المتكبرين يسلكون فى الحياة الروحية بتدقيق ولكنهم يشعرون ببرهم الذاتى، فأعطاهم مثلاً يعلمهم من خلاله أهمية الاتضاع. ع١٠: يُظهر المثل أن الكل بشر فى نظر الله أيا كان مركزهم، ولكن التقييم يكون بحسب حياتهم الروحية واتضاعهم. كان غرض الإثنين هو الصلاة، وهذا غرض مقدس، ولكن الأهم هـو كيفية الصلاة.
أحدهما كان من فئة الفريسيين المتمسكين بالشريعة ولكن يشعرون بتميزهم وبـرهم عـن الآخرين، أما العشار فكان سلوكه فى الحياة شرير مرتبط بمحبة المال والقسوة على الآخرين، ولكن الجزء الحسن هو أنه أراد أن يصلى وتكون له علاقة مع الله.
ع١١: مثل باقى الناس يضع نفسه فى مرتبه عالية وباقى الناس فى مرتبـه حقـيرة لأجـل شرورهم.
بدأ الفريسى صلاته بالشكر، وهو أمر جميل، ولكن ظهر من شكره أنه يشعر بأفضليته، بـل إدانته لعموم الناس الساقطين فى الخطايا مثل السرقة والظلم والزنا، بل أكثر من هذا أدان بالتحديد إنساناً مثله، وهو العشار الذى دخل ليصلى معه.
ع١٢: أكمل الفريسى صلاته منتفخاً ببره الذاتى فى إتمام الوصايا مثـل الصـوم وتقـديم العشور.
ع١٣: أما الشخص الآخر وهو العشار فشعر بخطاياه الكثيرة، وأنه غير مستحق للصـلاة والوجود فى بيت الله، لذا وقف من بعيد ينظر إلى الهيكل بخشوع واتضاع، بل قرع صدره معلنـا ندمه وتوبته على كل خطاياه السابقة، طالباً باتضاع رحمة الله وغفرانه معترفاً بخطاياه بقولـه أنـا الخاطئ.يرمز الفريسى للأمة اليهودية المتكبرة بمعرفتها عن الله وشرائعه، أما العشار فيرمز للأمم الخطاة الآتين باتضاع للمسيح فينالون الخلاص دون المتكبرين من اليهود.
ع١٤: أقول لكم تأكيد لأهمية الكلام التالى.
هذا العشار.
ذاك الفريسى.
جاء رد السماء بغفران خطايا العشار المتضع وتبريره من كل خطية، أما الفريسـى المتكـبر فرفضت صلاته بل صارت دينونة له وتثبيتاً لخطاياه على رأسه.
ثم يعلق المسيح إلهنا على المثل بأن من يرفع نفسه ويتكبر يرفضه الله وينزله إلى الجحيم، أمـا من يتضع فى توبة وانسحاق يكرمه الله ويرفعه ليتمتع معه فى الملكوت السماوى.
† أنظر إلى خطاياك وضعفك فتتضع أمام الله، ويدفعك هذا لعلاقة قوية معه تعوض فيها ما فاتك، بل وتنظر إلى فضائل المحيطين بك لتقتدى بهم.
(٣) إهتمام المسيح بالأطفال (ع١٥ - ١٧):
١٥ فَقَدَّمُوا إِلَيْهِ الأَطْفَالَ أَيْضاً لِيَلْمِسَهُمْ، فَلَمَّا رَآهُمُ التَّلاَمِيذُ انْتَهَرُوهُمْ. ١٦ أَمَّا يَسُوعُ فَدَعَاهُمْ وَقَالَ:«دَعُوا الأَوْلاَدَ يَأْتُونَ إِلَيَّ وَلاَ تَمْنَعُوهُمْ، لأَنَّ لِمِثْلِ هؤُلاَءِ مَلَكُوتَ اللهِ. ١٧ اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: مَنْ لاَ يَقْبَلُ مَلَكُوتَ اللهِ مِثْلَ وَلَدٍ فَلَنْ يَدْخُلَهُ».ع١٥: أراد بعض الناس من الجموع أن ينال أطفالهم بركة من المسيح، فقـدموهم إليـه ليلمسهم، أما التلاميذ فشعروا أن مكانة المسيح أعظم من أن يهتم بالأطفال، فحاولوا إبعادهم حتى لا يشغلوا معلمهم عن تعاليمه وشفائه للمرضى بهذا الأمر التافه. ع١٦: اهتم المسيح بالأطفال، ونبه تلاميذه ليتركوا الأطفال يقتربون إليه وباركهم، بـل أعلن حقيقة هامة وهى تميز الأطفال فى طباعهم عن الكبار، وأن من لهم هذه الطباع من الـبراءة والمحبة للآخرين وتقدير إهتمام من حولهم (مثلما يفرح الطفل بمحبة والديه وعطاياهم لـه)، هـم المؤهلون لدخول ملكوت السموات.
ولم يقل لهؤلاء الأطفال بل لمثل هؤلاء، أى من له طباع الأطفال من الكبار ولـيس فقـط الأطفال.
وينبغى أن نهتم بالضعفاء فهم أيضاً محتاجون مثل الأطفال.
ع١٧: ذكرت أيضاً فى (مت١٨: ٣)
أكد المسيح أهمية أن نكتسب طباع الأطفال كشرط لدخول الملكوت.
† تأمل صفات الأطفال القريبين منك وحاول أن تتعلم منهم شيئاً، فقد وضعهم الله فى طريقـك ليس فقط لتعلمهم بل لتتعلم منهم أيضاً.
(٤) محبة المال ودخول ملكوت السموات (ع١٨- ٣٠):
١٨ وَسَأَلَهُ رَئِيسٌ قِائِلاً:«أَيُّهَا الْمُعَلِّمُ الصَّالِحُ، مَاذَا أَعْمَلُ لأَرِثَ الْحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ؟» ١٩ فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ:«لِمَاذَا تَدْعُونِي صَالِحا؟ً لَيْسَ أَحَدٌ صَالِحاً إِلاَّ وَاحِدٌ وَهُوَ اللهُ. ٢٠ أَنْتَ تَعْرِفُ الْوَصَايَا: لاَ تَزْنِ. لاَ تَقْتُلْ. لاَ تَسْرِقْ. لاَ تَشْهَدْ بِالزُّورِ. أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ». ٢١ فَقَالَ:«هذِهِ كُلُّهَا حَفِظْتُهَا مُنْذُ حَدَاثَتِي». ٢٢ فَلَمَّا سَمِعَ يَسُوعُ ذلِكَ قَالَ لَهُ:«يُعْوِزُكَ أَيْضاً شَيْءٌ: بعْ كُلَّ مَا لَكَ وَوَزِّعْ عَلَى الْفُقَرَاءِ، فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي السَّمَاءِ، وَتَعَالَ اتْبَعْنِي». ٢٣ فَلَمَّا سَمِعَ ذلِكَ حَزِنَ، لأَنَّهُ كَانَ غَنِيّاً جِدّاً. ٢٤ فَلَمَّا رَآهُ يَسُوعُ قَدْ حَزِنَ، قَالَ:«مَا أَعْسَرَ دُخُولَ ذَوِي الأَمْوَالِ إِلَى مَلَكُوتِ اللهِ! ٢٥ لأَنَّ دُخُولَ جَمَل مِنْ ثَقْبِإِبْرَةٍ أَيْسَرُ مِنْ أَنْ يَدْخُلَ غَنِيٌّ إِلَى مَلَكُوتِ اللهِ!». ٢٦ فَقَالَ الَّذِينَ سَمِعُوا: «فَمَنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَخْلُصَ؟» ٢٧ فَقَالَ:«غَيْرُ الْمُسْتَطَاعِ عِنْدَ النَّاسِ مُسْتَطَاعٌ عِنْدَ اللهِ». ٢٨ فَقَالَ بُطْرُسُ:«هَا نَحْنُ قَدْ تَرَكْنَا كُلَّ شَيْءٍ وَتَبِعْنَاكَ». ٢٩ فَقَالَ لَهُمُ:«الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَيْسَ أَحَدٌ تَرَكَ بَيْتاً أَوْ وَالِدَيْنِ أَوْ إِخْوَةً أَوِ امْرَأَةً أَوْ أَوْلاَداً مِنْ أَجْلِ مَلَكُوتِ اللهِ، ٣٠ إِلاَّ وَيَأْخُذُ فِي هذَا الزَّمَانِ أَضْعَافاً كَثِيرَةً، وَفِي الدَّهْرِ الآتِي الْحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ».ع١٨: تقدم شاب يهودى كما تذكر أناجيل متى ومرقس، وكان رئيس مجمع من مجـامع اليهود، وسأل المسيح كيف يرث الحياة الأبدية، وحدثه بإحترام قائلاً أيها المعلم الصالح. ع١٩: قبل أن يرد المسيح على سؤاله سأله لماذا تدعونى صالحاً، هل هى كلمات التعظـيم التى يقولها البعض دون فهم، أم أنك تعنى إنى الله لأنه لا يوجد أحد صالح إلا الله وحده. فيقصـد المسيح هنا أن يواجه الشاب نفسه هل يؤمن بلاهوت المسيح فيطلب منه أن يعرفه طريق ملكـوت السماوات، أم هو فى نظره مجرد معلم من معلمى اليهود، أم أنه يجربه هل سيرشـده إرشـادات بحسب شريعة موسى أو مخالفة لها، ليصطاد عليه خطأ. ع٢٠: لم يقل المسيح وصايا جديدة لأنه أتى ليكمل وليس لينقض، وأشار على هذا الرئيس بأن يحفظ الوصايا العشر، ولتأكيد أنه يقصد هذه الوصايا وليست وصايا أخرى جديدة يعلمهـا المسيح، أعطاه أمثلة لها وهى "لا تزنِ لا تقتل...". ع٢١: أجاب الرئيس بسرعة معلناً حفظه للوصايا منذ طفولته، وهو يقصد الحفظ الـذهنى والتطبيق الحرفى وليس كل أعماق الوصايا بدليل ظهور تعلقه بالماديات بعد ذلك أكثر من محبة ﷲ، وهذا مخالف لروح الوصايا. ع٢٢: طلب منه المسيح أن يبيع ممتلكاته ويوزع ثمنها على الفقراء، ويتبع المسيح معتمـداً عليه فقط وليس على أمواله. وقد وجه المسيح نظر هذا الرئيس إلى الكنز السماوى الـذى ينالـه بعمل الرحمة أفضل من الممتلكات الأرضية. ع٢٣: كشف المسيح خطية هذا الرئيس، وهى محبة المال، وقد حزن قلبه لأنه لا يسـتطيع أن يبيع الأموال والممتلكات لأجل الله، وبهذا حكم على نفسه أنه غير مستحق لملكوت السموات.
† إسأل نفسك هل أنت مستعد، ولو بالنية فقط، أن تترك كل ما عندك وتحتفظ بإيمانك بالله، أم إنك تكسر الوصايا وقلبك متعلق بالماديات؟ إن التطبيق العملى لترك محبة المال هو ترك جزئـى وتدريجى وإعطاء العشور بل أكثر منها، وعمل الرحمة مع الجميع. ع٢٤: أعلن المسيح خطورة مشكلة التعلق بالمال الذى يمنع دخول الملكوت، لأن الأغنيـاء غالباً ما يعتمدون على أموالهم ويتعلقون بها. فما أعسر دخولهم إلى ملكوت السـموات! والحـل الوحيد هو أن يتكلوا على الله فقط ويستخدمون أموالهم فى إحتياجات معيشتهم وعمل الخير، ولا يضطربون إذا فقدوا الكثير منها. إذا فالمقصود ليس عدم دخول الأغنياء إلى الملكوت، بل المتكلين والمتعلقين بأموالهم. ع٢٥: لإظهار إستحالة دخول المتكلين على أموالهم إلى الملكوت، أعطى تشبيهاً بأن مرور جمل من ثقب إبرة أسهل من دخول متكل على ماله إلى الملكوت أى أنه مستحيل أن يدخل. ع٢٦-٢٧: شعر السامعون بصعوبة التنازل عن محبة المال، ولكن المسيح شـجع جميـع الأغنياء بقوله أنه لا يوجد مستحيل عند الله، فبمعونته يستطيع الأغنياء أن يتخلصوا من تعلقهـم بالمال. ع٢٨: فهم التلاميذ أهمية أن يترك الأغنياء عنهم محبة المال، لذا قال بطـرس نيابـة عـن التلاميذ إننا قد تركنا كل شئ وتبعناك، وهم لم يتركوا إلا الشباك البالية ومراكب الصيد وأعمال بسيطة هى حرفهم. ع٢٩-٣٠: أجاب المسيح مُظهراً إهتمامه بأى شئ يتركه الإنسان لأجله، سـواء كـان ممتلكات مادية أو علاقات عاطفية من إرتباطات بالأهل والأصدقاء والأحباء لأجل الإرتباط بمحبة الله وخدمته. فالله يعوضه بأضعافها فى هذه الحياة، أى يعطيه احتياجاته المادية وصحته ويعطيه نعمة فى أعين الكل. مثل الراهب الذى يترك عدد محدود من الأقرباء، فينفتح قلبه بالحب للجميع ويصير الكل أحباءه، وهكذا الخادم الذى يتنازل عن بعض وقته وراحته وتمتعه بعلاقته مع المقربين لأجـل خدمة المسيح، يكسب نفوساً كثيرة ويصير الكل أحباءه ثم ينال ما لا يُعبر عنه وهو سعادة الأبدية.
† أنظر إلى نعم الله التى تنالها بالسلام والفرح والبركات الكثيرة، فتتنازل بسهولة عـن أى شـئ لأجل محبته.
(٥) إخبار تلاميذه بآلامه (ع٣١- ٣٤):
٣١ وَأَخَذَ الاثْنَيْ عَشَرَ وَقَالَ لَهُمْ:«هَا نَحْنُ صَاعِدُونَ إِلَى أُورُشَلِيمَ، وَسَيَتِمُّ كُلُّ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ بِالأَنْبِيَاءِ عَنِ ابْنِ الإِنْسَانِ، ٣٢ لأَنَّهُ يُسَلَّمُ إِلَى الأُمَمِ، وَيُسْتَهْزَأُ بِهِ، وَيُشْتَمُ وَيُتْفَلُ عَلَيْهِ، ٣٣ وَيَجْلِدُونَهُ، وَيَقْتُلُونَهُ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومُ». ٣٤ وَأَمَّا هُمْ فَلَمْ يَفْهَمُوا مِنْ ذلِكَ شَيْئاً، وَكَانَ هذَا الأَمْرُ مُخْفىً عَنْهُمْ، وَلَمْ يَعْلَمُوا مَا قِيلَ.ع٣١: انفرد المسيح بتلاميذه ليخبرهم عن آلامه التى يحتملها لأجل فداء العالم، هذه الآلام التى تنبأ عنها الأنبياء، وبدأ يشرح لهم هذه النبوات، وأن ذلك سيتم قريباً لأنهم كانوا متجهين نحو أورشليم حيث سيتم كل هذا. وإن كان المسيح قد تكلم عن الترك والتجرد، فهو يقدم نفسه مثلا عملياً فى الترك حتى الموت من أجل محبته لنا. ع٣٢-٣٣: شرح لهم كيف سيقبض عليه الرومان، أى الأمم، ويستهزئون به ويضربونه ثم يقتلونه، ولكنه سيقوم من الأموات فى اليوم الثالث.
† إن كانت هناك آلام تقابلك، فثق أنه يعقبها بركات، وعلى قدر صعوبة الآلام تزداد البركات.
ع٣٤: أراد المسيح بهذا أن يعدهم لإستقبال آلامه ولكنهم لم يفهموا، لأن ذهنـهم كـان مرتبطاً بأن المسيح سيكون ملكاً أرضياً، ولكن بعد قيامته تذكروا كل ما قاله لهم وآمنوا.وقد سمح المسيح بأن يكون هذا مخفياً عنهم حتى لا ينزعجوا ويخافوا، ولكن تذكر كلامه بعد القيامة يساعدهم على الإيمان.
(٦) شفاء الأعمى فى طريق أريحا (ع٣٥ - ٤٣):
٣٥ وَلَمَّا اقْتَرَبَ مِنْ أَرِيحَا كَانَ أَعْمَى جَالِساً علَى الطَّرِيقِ يَسْتَعْطِي. ٣٦ فَلَمَّا سَمِعَ الْجَمْعَ مُجْتَازاً سَأَلَ:«مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ هذَا؟» ٣٧ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ يَسُوعَ النَّاصِرِيَّ مُجْتَازٌ. ٣٨ فَصَرَخَ قِائِلاً: «يَايَسُوعُ ابْنَ دَاوُدَ، ارْحَمْنِي!». ٣٩ فَانْتَهَرَهُ الْمُتَقَدِّمُونَ لِيَسْكُتَ، أَمَّا هُوَ فَصَرَخَ أَكْثَرَ كَثِيراً: «يَا ابْنَ دَاوُدَ، ارْحَمْنِي!». ٤٠ فَوَقَفَ يَسُوعُ وَأَمَرَ أَنْ يُقَدَّمَ إِلَيْهِ. وَلَمَّا اقْتَرَبَ سَأَلَهُ ٤١ قِائِلاً:«مَاذَا تُرِيدُ أَنْ أَفْعَلَ بِكَ؟» فَقَالَ: «يَاسَيِّدُ، أَنْ أُبْصِرَ!». ٤٢ فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «أَبْصِرْ. إِيمَانُكَ قَدْ شَفَاكَ». ٤٣ وَفِي الْحَالِ أَبْصَرَ، وَتَبِعَهُ وَهُوَ يُمَجِّدُ اللهَ. وَجَمِيعُ الشَّعْبِ إِذْ رَأَوْا سَبَّحُوا اللهَ.ع٣٥-٣٧: كان المسيح فى طريقه إلى أورشليم، فمر بمدينة أريحا وهناك وجـد أعمـى جالساً على الطريق يستعطى. وكان المسيح قاصداً أن يمر فى هذا الوقت ليشفيه، فهو يعمل الخير فى كل وقت حتى وهو سائر فى الطريق.
وسمع الأعمى ضجيج جموع مقبله عليه، فسأل ما هذا فأخبروه أن يسوع المسـيح ومعـه الجموع مقبلون عليه.
† ليتك تنتهز كل فرصة لعمل الخير حتى وأنت فى الطريق أو فى أى مكان تدخل إليه، فصلى فى كل مكان وقدم كلمات مشجعة لمن تقابله وساعد كل من يطلب منك. ع٣٨-٣٩: آمن الأعمى بأن هذا هو المسيا المنتظر إبن داود، وطلب منه أن يرحمه ومـن كثرة صراخه حاولت الجموع المتقدمة إسكاته حتى لا يزعج المسيح، أما هـو فـازداد صـراخاً وتضرعاً نحو المسيح معلناً إيماناً قوياً لا يمكن إيقافه.
إن الأعمى يرمز للبشرية التى فقدت قدرتها على رؤية الله، ولكن إذا آمنت بالمسيح وتضرعت نحوه بإيمان واتضاع، فإنها تنال الإستنارة الروحية وتعود تتمتع برؤية الله من خلال أسرار الكنيسة.
أما الجموع المتقدمة فترمز لمعطلات الإيمان من شهوات العالم وانشغالاته وكـل الشـكوك، ولكن الله يسمح بها لاختبار الإيمان، ثم يفيض حينئذ ببركات وفيرة على أولاده. ع٤٠-٤٢: وقف المسيح وطلب أن يرى الأعمى، فاقتربوا به إليه فسأله المسيح ماذا تريد أن أفعل لك، حتى يؤكد أهمية الإرادة الإنسانية والجهاد الروحى الظاهر فى الصراخ المستمر. فقال الأعمى أنه محتاج أن يشفيه ليبصر، فأمر المسيح بسلطان لاهوته أن يبصر، فانفتحـت عينـاه فى الحال، وأعلن المسيح الحقيقة واضحة أن إيمان الأعمى الذى دفعه فى جهاد الصراخ المستمر وطلبه للشفاء هو الذى جعل المسيح يهبه نعمة البصر. ع٤٣: لقد استنار قلب الأعمى بالإيمان قبل أن تستنير عيناه الجسديتان، وعنـدما منحـه المسيح الشفاء تبعه مع الجموع وهو يشكر الله، وصار شكره هذا دافعاً لتمجيد وتسبيح الجمـوع كلها للمسيح.
† أشكر الله فى كل حين على عطاياه وفى أوقات الضيقة أيضاً، فتصير نوراً فى العالم تشجع الكل على حياة الشكر.