تفسير الكتاب المقدس

الأصحاح العاشر


إرسالية الرسل والسامرى الصالح

(١) إرسالية السبعين رسولاً (ع١ -١٦):


١ وَبَعْدَ ذلِكَ عَيَّنَ الرَّبُّ سَبْعِينَ آخَرِينَ أَيْضاً، وَأَرْسَلَهُمُ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ أَمَامَ وَجْهِهِ إِلَى كُلِّ مَدِينَةٍ وَمَوْضِعٍ حَيْثُ كَانَ هُوَ مُزْمِعاً أَنْ يَأْتِيَ. ٢ فَقَالَ لَهُمْ:«إِنَّ الْحَصَادَ كَثِيرٌ، وَلكِنَّ الْفَعَلَةَ قَلِيلُونَ. فَاطْلُبُوا مِنْ رَبِّ الْحَصَادِ أَنْ يُرْسِلَ فَعَلَةً إِلَى حَصَادِهِ. ٣ اِذْهَبُوا! هَا أَنَا أُرْسِلُكُمْ مِثْلَ حُمْلاَنٍ بَيْنَ ذِئَابٍ. ٤ لاَ تَحْمِلُوا كِيساً وَلاَ مِزْوَداً وَلاَ أَحْذِيَةً، وَلاَ تُسَلِّمُوا عَلَى أَحَدٍ فِي الطَّرِيقِ. ٥ وَأَيُّ بَيْتٍ دَخَلْتُمُوهُ فَقُولُوا أَوَّلاً: سَلاَمٌ لِهذَا الْبَيْتِ. ٦ فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ ابْنُ السَّلاَمِ يَحُلُّ سَلاَمُكُمْ عَلَيْهِ، وَإِّلاَّ فَيَرْجعُ إِلَيْكُمْ. ٧ وَأَقِيمُوا فِي ذلِكَ الْبَيْتِ آكِلِينَ وَشَارِبِينَ مِمَّا عِنْدَهُمْ، لأَنَّ الْفَاعِلَ مُسْتَحِقٌ أُجْرَتَهُ. لاَ تَنْتَقِلُوا مِنْ بَيْتٍ إِلَى بَيْتٍ. ٨ وَأَيَّةَ مَدِينَةٍ دَخَلْتُمُوهَا وَقَبِلُوكُمْ، فَكُلُوا مِمَّا يُقَدَّمُ لَكُمْ، ٩ وَاشْفُوا الْمَرْضَى الَّذِينَ فِيهَا، وَقُولُوا لَهُمْ: قَدِ اقْتَرَبَ مِنْكُمْ مَلَكُوتُ اللهِ. ١٠ وَأَيَّةُ مَدِينَةٍ دَخَلْتُمُوهَا وَلَمْ يَقْبَلُوكُمْ، فَاخْرُجُوا إِلَى شَوَارِعِهَا وَقُولُوا: ١١ حَتَّى الْغُبَارَ الَّذِي لَصِقَ بِنَا مِنْ مَدِينَتِكُمْ نَنْفُضُهُ لَكُمْ. وَلكِنِ اعْلَمُوا هذَا إنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مِنْكُمْ مَلَكُوتُ اللهِ. ١٢ وَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ يَكُونُ لِسَدُومَ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ حَالَةٌ أَكْثَرُ احْتِمَالاً مِمَّا لِتِلْكَ الْمَدِينَةِ . ١٣ «وَيْلٌ لَكِ يَا كُورَزِينُ! وَيْلٌ لَكِ يَا بَيْتَ صَيْدَا! لأَنَّهُ لَوْ صُنِعَتْ فِي صُورَ وَصَيْدَاءَ الْقُوَّاتُ الْمَصْنُوعَةُ فِيكُمَا، لَتَابَتَا قَدِيماً جَالِسَتَيْنِ فِي الْمُسُوحِ وَالرَّمَادِ. ١٤ وَلكِنَّ صُورَ وَصَيْدَاءَ يَكُونُ لِهُمَا فِي الدِّينِ حَالَةٌ أَكْثَرُ احْتِمَالاً مِمَّا لَكُمَا. ١٥ وَأَنْتِ يَا كَفْرَنَاحُومَ الْمُرْتَفِعَةُ إِلَى السَّمَاءِ! سَتُهْبَطِينَ إِلَى الْهَاوِيَةِ. ١٦ اَلَّذِي يَسْمَعُ مِنْكُمْ يَسْمَعُ مِنِّي، وَالَّذِي يُرْذِلُكُمْ يُرْذِلُنِي، وَالَّذِي يُرْذِلُنِي يُرْذِلُ الَّذِي أَرْسَلَنِي».

ع١: آخرين

أى غير الإثنى عشر تلميذا، ويعتبر كل منهم رسولا وأسقفا عاما فى الخدمة بعد ذلك لكل المسكونة، أما السبعين رسو ﹰلا فلم يأخذوا أى رتبة كهنوتية ولكن صار بعضهم شمامسة مثل السبعة شمامسة المذكورين فى (أع٦: ٣)، وبعضهم أقامهم الإثنا عشـر كهنـة أو أسـاقفة ليساعدوهم فى الخدمة.
اختار المسيح سبعين رجلاً من الجموع التى تتبعه، الذين رأى فيهم محبة له وللخدمة. ويقول القديس أمبروسيوس، أنهم (٧٢) ولكن القديس لوقا كتب العـدد التقـريبى أى (٧٠)، ولكـن الكنيسة تذكرهم فى صلواتها بعددهم الكامل وهو (٧٢).
وقد أرسل المسيح قبلاً الإثنى عشر تلميذاً، ثم أرسل السبعين رسولاً.
وعدد إثنى عشر يشير إلى أسباط إسرائيل الإثنى عشر، أما السبعين رسـولاً، فيشـيرون إلى السبعين شيخاً الذين أختارهم موسى حتى يقضوا للِشعب (عد١١: ١٦-٢٥).
نظراً لاتساع الخدمة التى سيقوم بها المسيح وقصَر الوقت، أرسلهم إلى المدن والقـرى الـتى سيبشر فيها، ليعدوا النفوس لسماع تعاليمه وأرسلهم إثنين إثنين، ليشجع كل منهما الآخر.
وقد انفرد القديس لوقا بذكر السبعين رسولاً وإرسالتيهم، لأنهم أُرسلوا إلى بلاد بمنطقة بيرية وهى شرق نهر الأردن حيث اختلط اليهود بالأمم؛ لأن إنجيل لوقا أُرسِلَ إلى الأمم فيهتم بخدمتهم.

ع٢

: يعلن المسيح حقيقة دائمة، وهى كثرة النفوس المحتاجة للتبشير بالقياس لعدد الخـدام، ويضع الحل وهو الصلاة ليختار الله خداما له، ويحرك مشاعرهم لمحبته وخدمته.
† جيد أن تبدأ خدمتك بالصلاة، فتعتمد على الله فيها وتعضيده بإرسال خدام يكملـون العمـل معك وبعدك.

ع٣

: تبدو الخدمة صعبة فى أن يكرز الحمل للذئب، ولكن قوة الله مع الحمل تجعلـه يغـير النفوس الشرسة مثل الذئب إلى نفوس وديعة مثل الحمل، فتسند الحمل وتحميـه مـن هجمـات واضطهادات الأشرار. وإن سمح الله للخادم بالآلام أو حتى الموت لأجله، فسيعطيه مكانا عظيمـا فى السموات ويستخدم إحتماله للآلام لتوبيخ الأشرار وإرجاعهم بالتوبة إليه فيؤمنوا ويخلصوا.

†

لا تواجه الشر بالشر، لأن العنف هو اضطراب داخل الإنسان. فكن هادئا معتمـدا علـى مسيحك القوى، لتمتص ثورة العنفاء وتعلن محبتك القوية للأشرار، لأنهم حتى لو استهانوا بهـا أولا، ستؤثر فيهم بعد ذلك... وهكذا تحتفظ بهدوئك وتكسب الآخرين.

ع٤

:

كيسا

الذى كانوا يحملون فيه ذهبهم وفضتهم وكل النقود.

مزودا

الذى يحملون فيه الأطعمة.

أحذية

لأنها لن تحتمل المشى الكثير بين المدن والقرى أثناء التبشير، فيعتمدون على الله الـذى يدبر كل احتياجاتهم.

لا تسلموا على أحد

ينبغى التركيز على الهدف وهو التبشير، فلا ينشغل أحد بكثرة التحيات، وطبعا ليس المقصود عدم إظهار التحية لمن يقابلهم.
يؤكد المسيح ضرورة الإعتماد عليه وليس على الماديات.

ع٥-٦

:

إبن السلام

من يرحب بالسلام ومستحق له.

يحل سلامكم عليه

يتمتع ببشارة الخلاص، فينال سلاما فى حياته.

يرجع إليكم

تحتفظوا بنعمة السلام والخلاص الذى فى المسيح ويثبت فيكم.
يأمرهم أن يقدموا السلام والمحبة لكل من يقابلهم، فإن رفض أحد لا ينزعجوا لأن الرافضين يفقدون السلام المقدم لهم، ويثبت الله السلام فى قلوب الخدام ليواصلوا خدمتهم فى توصيل السلام للكل.

ع٧-٨

: يشجع المسيح رسله بأن يأخذوا احتياجاتهم الضرورية ممن يبشرونهم، وهو الطعام والشراب ومكان الإقامة، أى أقل الضروريات. ويأكلون أى شئ يقدم لهم، غير رافضين أطعمـة الأمم التى قد تكون محرمة عند اليهود، لأن هذا التحريم كان رمزا لرفض الخطايا ليس لشر فى هذا الطعام، وحتى لا يعثروا الأمم الذين يبشرونهم.

الفاعل مستحق أجرته

يستحق الخادم أن ينال احتياجاته الضرورية من الخدمة، ولا ينشـغل بتدبيرها لتركيز كل جهده فى الخدمة والتبشير.
ويوصيهم بعدم التنقل من بيت إلى بيت طلباً لمكان أو طعام أفضل، بل يقيمـون فى مكـان واحد تركيزاً على هدفهم وهو الخدمة.

كلوا مما يقدم لكم

اكتفوا بما يقدم لكم من طعام، ولا تطلبوا أنواعا أخرى.

ع٩

: هدف الكرازة هو تنبيه الناس إلى قرب ملكوت الله، أى الاستعداد له بالتوبة والحيـاة المقدسة، وعضدهم بصنع معجزات الشفاء لتأكيد بشارتهم وجذب النفوس لسماع تعليمهم.

ع١٠-١١

:

أخرجوا إلى شوارعها

أعلنوا لكل جموع المدينة.

الغبار الذى لصق بنا من مدينتكم ننفضه لكم

أى لم نأخذ منكم شيئا ولا حتى التراب، فلسنا نطلب أى أغراض مادية.

إعلموا هذا

إنذار محدد وواضح حتى يتوبوا.

اقترب منكم ملكوت السموات

المسيح يريد أن يملك على قلوبكم، فلا تتمادوا فى رفضه لأن نهاية عمركم قريبة وستواجهون الله الديان.

ع١٢-١٥

: اشتهرت مدينة سدوم بالشر وأحرقها الله (تك١٩). ومدينتى صور وصيدا، أمر الله بإهلاكهما لشرورهما قديما (إش ٢٣)، ولكن المدن التى ترفض تعاليم المسيح ورسله، مثل

كفرناحوم

(التى اتصف شعبها بالكبرياء ورفضوا الإيمان بالمسيح الذى صنع عندهم معجزات كثيرة وتعاليم عديدة)، ومثل

كورزين وبيت صيدا،

سيكون عقابهم فى الدينونة أصعب من المـدن الـتى أهلكت قديما.
لأن من يعرف أكثر، يُطاَلب بأكثر، فمن تمتع بخدمة العهد الجديد ورفض، يكون له عقـاب أكبر ممن رفض تعاليم الله فى العهد القديم، لأن تعاليم العهد الجديد أكثر وضوحاً وقوة.

ع١٦

: أوضح المسيح أن الرسل يمثلونه، فتعاليمه على شفاههم، ومن يقبل تعاليم الرسـل يكون قد قبل المسيح نفسه، ومن يحتقر تعاليمهم يكون قد احتقر المسيح، وبالتالى يحتقر الله الآب الذى أرسله.

†

لا ترفض صوت الله فى كل نصيحة تسمعها، ليس فقط فى الكنيسة والكتـاب المقـدس وأب الإعتراف، بل اهتم أيضا بنصائح المحيطين بك.

(٢) نتائج إرسالية الرسل (ع١٧ -٢٠):


١٧ فَرَجَعَ السَّبْعُونَ بِفَرَحٍ قَائِلِينَ:«يَارَبُّ، حَتَّى الشَّيَاطِينُ تَخْضَعُ لَنَا بِاسْمِكَ!». ١٨ فَقَالَ لَهُمْ: «رَأَيْتُ الشَّيْطَانَ سَاقِطاً مِثْلَ الْبَرْقِ مِنَ السَّمَاءِ. ١٩ هَا أَنَا أُعْطِيكُمْ سُلْطَاناً لِتَدُوسُوا الْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبَ وَكُلَّ قُوَّةِ الْعَدُوِّ، وَلاَ يَضُرُّكُمْ شَيْءٌ. ٢٠ وَلكِنْ لاَ تَفْرَحُوا بِهذَا: أَنَّ الأَرْوَاحَ تَخْضَعُ لَكُمْ، بَلِ افْرَحُوا بِالْحَرِيِّ أَنَّ أَسْمَاءَكُمْ كُتِبَتْ فِي السَّمَاوَاتِ».

ع١٧:

فرح الرسل بنجاح إرساليتهم ولقبول الناس تبشيرهم، ولعلـهم أبـرأوا مرضـى كثيرين، ولكن الذى جذب انتباههم هو خضوع الشياطين لهم عندما أمروها أن تخرج من النـاس المعذبين بها.

ع١٨:

أكد المسيح لرسله فرحهم بإعلانه أنه قد رأى سقوط الشيطان بسرعة كالبرق من السماء، أى بدء تحطيم سلطانه الذى سيتم بالصليب، إذ أنه اهتز نتيجة تبشيرهم وإخراج أعوانـه الشياطين من نفوس كثيرة، وبدء رجوع الناس بالتوبة إلى الله.

ع١٩:

أعطى المسيح لرسله سلطانا، ليس فقط على الشياطين، بل علـى كـل أعمـالهم وإثارتهم للخليقة ضد البشر. فقد حرك الحية قديما فى الجنة وأسقط آدم وحـواء، ومـازال يـثير الحيوانات مثل الحيات والعقارب لتؤذى الإنسان، بل يثير تجارب ومتاعب لتضرهم، ولكن كـل هذا أصبح تحت سلطان الرسل لمنعه بقوة الله، كما ظهر فى حياة القديسين وأولاد الله علـى مـر التاريخ.

ع٢٠:

وجه المسيح نظرهم إلى الفرح الأهم، وهو اعتبارهم أبناء الملكـوت ، بسـلوكهم الروحى بإيمان وتوبة وجهاد فى كل فضيلة. فهذا أعظم بكثير من المواهب العظيمة مثـل إخـراج الشياطين أو شفاء المرضى، لأن الموهبة لا تبرر صاحبها إن لم يتب ويحيا مع الله، أما ثمار الـروح القدس والحياة الفاضلة، فتضمن ملكوت السموات. وإن كانت الأسماء قد كتبت، فينبغى المحافظة عليها وتثبيتها بالاستمرار فى السلوك الروحى حتى الموت لكى لا تُمحى.

†

لا تنشغل بالمواهب مثل القدرة على الوعظ والتعليم، بل بالأحرى تحيا مع الله فى توبة وحب، فهذا هو ما يضمن خلاصك. وإن أعطيت موهبة، فاستخدمها لتمجيد الله باتضاع لئلا تسقط مثل الشيطان المتكبر.
إحمل صليبك فى احتمال وتعب، فلا تضرك شهوات العالم ولا مخاوفه.

(٣) تهلل المسيح (ع٢١ - ٢٤):


٢١ وَفِي تِلْكَ السَّاعَةِ تَهَلَّلَ يَسُوعُ بِالرُّوحِ وَقَالَ:«أَحْمَدُكَ أَيُّهَا الآبُ، رَبُّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، لأَنَّكَ أَخْفَيْتَ هذِهِ عَنِ الْحُكَمَاءِ وَالْفُهَمَاءِ وَأَعْلَنْتَهَا لِلأَطْفَالِ. نَعَمْ أَيُّهَا الآبُ، لأَنْ هكَذَا صَارَتِ الْمَسَرَّةُ أَمَامَكَ». ٢٢ وَالْتَفَتَ إِلَى تَلاَمِيذِهِ وَقَالَ:«كُلُّ شَيْءٍ قَدْ دُفِعَ إِلَيَّ مِنْ أَبِي. وَلَيْسَ أَحَدٌ يَعْرِفُ مَنْ هُوَ الابْنُ إِلاَّ الآبُ، وَلاَ مَنْ هُوَ الآبُ إِلاَّ الابْنُ، وَمَنْ أَرَادَ الابْنُ أَنْ يُعْلِنَ لَهُ». ٢٣ وَالْتَفَتَ إِلَى تَلاَمِيذِهِ عَلَى انْفِرَادٍ وَقَالَ: «طُوبَى لِلْعُيُونِ الَّتِي تَنْظُرُ مَا تَنْظُرُونَهُ! ٢٤ لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ أَنْبِيَاءَ كَثِيرِينَ وَمُلُوكاً أَرَادُوا أَنْ يَنْظُرُوا مَا أَنْتُمْ تَنْظُرُونَ وَلَمْ يَنْظُرُوا، وَأَنْ يَسْمَعُوا مَا أَنْتُمْ تَسْمَعُونَ وَلَمْ يَسْمَعُوا».

ع٢١:

رفع المسيح صلاة إلى الآب، وهى حديث داخل الذات الإلهية مثلما يكلم الإنسان نفسه فى حوار داخل عقله.
وكانت هذه الصلاة فرح وتهليل وشكر بالنعمة التى فاضت على البشر الضـعفاء المتضـعين كالأطفال، أى التلاميذ والرسل، فبشروا بملكوت الله. وفى نفس الوقت أُخفيت هذه الحكمة عـن المتكبرين الحكماء فى أعين أنفسهم مثل الكتبة والفريسيين وفلاسفة العالم. فالله خالق وضابط الكل يفرح أن يعطى نعمته للمتضعين ليصيروا أحكم من فى الأرض.
† قدر ما تتضع أمام الله والناس، يعطيك الله حكمة فتعرف طريق خلاصك وتميز بـين الأمـور وتجذب الكثيرين للإيمان.

ع٢٢:

يعلن هنا مساواة الابن للآب، إذ له كل سلطان الآب ولا يعرف أحد جوهر الإبن إلا الآب ولا جوهر الآب إلا الإبن، ثم يعطى الإبن معرفته للمتضعين الذين يحبونه.

ع٢٣-٢٤:

مدح المسيح تلاميذه بتطويبهم (يالسعادتهم)، لأنهم رأوه وآمنوا ببشارته التى تمنى الأنبياء والملوك الصالحون فى العهد القديم مثل داود أن يروا المسيح الذى تنبأوا عنه.
† أشكر الله كل يوم أنك ولدت مسيحياً، وتتمتع بالأسرار المقدسة، تنتظرك السعادة الأبدية بعد جهاد هذه الحياة.

(٤) سؤال الناموسى (ع٢٥ - ٢٨):


٢٥ وَإِذَا نَامُوسِيٌّ قَامَ يُجَرِّبُهُ قَائِلاً:«يَا مُعَلِّمُ، مَاذَا أَعْمَلُ لأَرِثَ الْحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ؟» ٢٦ فَقَالَ لَهُ:«مَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي النَّامُوسِ. كَيْفَ تَقْرَأُ؟» ٢٧ فَأَجَابَ وَقَالَ:«تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ قُدْرَتِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ، وَقَرِيبَكَ مِثْلَ نَفْسِكَ». ٢٨ فَقَالَ لَهُ:«بِالصَّوَابِ أَجَبْتَ. اِفْعَلْ هذَا فَتَحْيَا».

ع٢٥: الناموسى

هو أحد علماء الناموس، وهم فرقة من الكتبة يتميزون بدراستهم المتعمقة للشريعة الموسوية، وقد أتى ليمتحن المسيح و يصطاد عليه خطأ، فكان سؤاله مغرضا وليس بنيـة نقية، فسأله عن الطريق للوصول إلى الملكوت الأبدى، لعل المسيح يشير إلى طرق أخـرى غـير الوصايا والناموس، ويكون بهذا ضد موسى والعهد القديم. وحديث الناموسى مع المسيح غير سؤال الرئيس له المذكور فى (ص١٨: ١٨-٣٠)، وإن كان هناك تشابه إلى حد ما فى سـؤالهما عـن الأبدية.

ع٢٦:

علم المسيح أن الناموسى يقصد أن يجربه، فرد على سؤاله بسؤال آخر، وهو مـاذا تقرأ فى الناموس، أى ما ملخص الوصايا والشريعة؟

ع٢٧:

ظهر من إجابة الناموسى علمه بالوصايا العشر، فلخصها فى وصيتين هى محبـة الله ومحبة القريب، كما ذكر فى (تث٦: ٥؛ لا١٩: ١٨).

ع٢٨:

مدح المسيح إجابة الناموسى رغم علمه أنه يجربه، وأشار عليه أن ينفذ ما لخصه، أى هذا الحب ليرث الحياة الأبدية.

†

جيد أن تعرف الكثير عن الروحيات، ولكن الأهم أن تطبقها فى حياتك لتكون مع المسيح.

(٥) مثل السامرى الصالح (ع٢٩ - ٣٧):


٢٩ وَأَمَّا هُوَ فَإِذْ أَرَادَ أَنْ يُبَرِّرَ نَفْسَهُ، قَاَلَ لِيَسُوعَ: «وَمَنْ هُوَ قَرِيبِي؟» ٣٠ فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ: «إِنْسَانٌ كَانَ نَازِلاً مِنْ أُورُشَلِيمَ إِلَى أَرِيحَا، فَوَقَعَ بَيْنَ لُصُوصٍ، فَعَرَّوْهُ وَجَرَّحُوهُ، وَمَضَوْا وَتَرَكُوهُ بَيْنَ حَيٍّ وَمَيْتٍ. ٣١ فَعَرَضَ أَنَّ كَاهِناً نَزَلَ فِي تِلْكَ الطَّرِيقِ، فَرَآهُ وَجَازَ مُقَابِلَهُ. ٣٢ وَكَذلِكَ لاَوِيٌّ أَيْضاً، إِذْ صَارَ عِنْدَ الْمَكَانِ جَاءَ وَنَظَرَ وَجَازَ مُقَابِلَهُ. ٣٣ وَلكِنَّ سَامِرِيّاً مُسَافِراً جَاءَ إِلَيْهِ، وَلَمَّا رَآهُ تَحَنَّنَ، ٣٤ فَتَقَدَّمَ وَضَمَدَ جِرَاحَاتِهِ، وَصَبَّ عَلَيْهَا زَيْتاً وَخَمْراً، وَأَرْكَبَهُ عَلَى دَابَّتِهِ، وَأَتَى بِهِ إِلَى فُنْدُق وَاعْتَنَى بِهِ. ٣٥ وَفِي الْغَدِ لَمَّا مَضَى أَخْرَجَ دِينَارَيْنِ وَأَعْطَاهُمَا لِصَاحِبِ الْفُنْدُقِ، وَقَالَ لَهُ: اعْتَنِ بِهِ، وَمَهْمَا أَنْفَقْتَ أَكْثَرَ فَعِنْدَ رُجُوعِي أُوفِيكَ. ٣٦ فَأَيَّ هؤُلاَءِ الثَّلاَثَةِ تَرَى صَارَ قَرِيباً لِلَّذِي وَقَعَ بَيْنَ اللُّصُوصِ؟» ٣٧ فَقَالَ: «الَّذِي صَنَعَ مَعَهُ الرَّحْمَةَ». فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «اذْهَبْ أَنْتَ أَيْضاً وَاصْنَعْ هكَذَا».

ع٢٩:

إذ لم يستطع الناموسى أن يجد خطأ فى كلام المسيح، سأله سؤالا آخر تختلف فيـه الأراء، وهو من هو القريب، هل هو اليهودى فقط، أم يمكن إضافة آخرين، أم يقتصر على بعـض اليهود وليس كلهم؟

ع٣٠:

أجاب المسيح على الناموسى بمثل، وهو قصة رجل يهودى كان فى أورشليم الكائنة على جبل، وكان مسافرا إلى مدينة أريحا التى تنخفض عن أورشليم حوالى ١٠٠٠متر (ألف متر)، وتبعد عنها مسافة سبع ساعات فى طريق حجرى ليس فيه زراعات، يمتلئ بالكهوف وبالتالى يكثر فيه اللصوص ويسمى بالطريق الأحمر لكثرة سفك الدماء فيه.
هجم اللصوص على هذا المسافر، وسرقوا ما معه حتى ثيابه وضربوه وجرحوه، وتركـوه فى حالة سيئة تقترب من الموت.
هذا

الإنسان

يشير للبشرية،

وأورشليم

هى مكان السلام والحياة مع الله،

وأريحا

المدينـة ذات الأسوار المنخفضة تمثل العالم وشهواته، أما

اللصوص

فهم الشياطين الذين يحاربون البشر بالخطايا، ويسرقون منهم ثياب البر، ويجرحوهم بالآثام، ويتركونهم فى حالة من الضعف الروحى تقترب من الموت، لأنهم تركوا أورشليم أى الكنيسة وهبطوا إلى انشغالات العالم.. أى أريحا.

ع٣١: رآه عن بعد

: رغم أن حالته كانت تستدعى الاقتراب منه ومسـاعدته، لم يهـتم واكتفى بالنظر من بعيد ثم تركه.

الكاهن

يرمز إلى الناموس والشريعة التى عجزت عن تخليص البشرية من خطاياها، بل نظرت وحكمت عليها بالضعف فقط.
مر أحد الكهنة النازلين من أورشليم إلى أريحا على هذا المسافر، ووقف وتطلع ورأى حالتـه السيئة، ولكن يبدو أنه خاف أن يسعفه لئلا يهاجمه اللصوص، أو نتيجة انشغاله بأموره الخاصـة، تركه ولم يساعده.

ع٣٢: لاوى

سبط لاوى كان مكرسا لخدمة الهيكل، وكل فرد منه هـو خـادم يشـبه الشماس أو الخادم فى العهد الجديد.

جاء ونظر

: اقترب منه ورأى حالته الصعبة المحتاجة إلى إسعاف سريع، ولكن لقساوة قلبه لم يهتم وتركه ومضى.
مر لاوى نازلاً من أورشليم، وتطلع فرأى هذا المسافر، ولكنه لم يساعده وتركه ومضـى، غالباً لنفس الأسباب التى فكر فيها الكاهن.
اللاوى يرمز للأنبياء فى العهد القديم، الذين أعلنوا كلام الله للبشرية ولكنهم لم يسـتطيعوا تخليصها من حكم الموت المقضى به عليها.

ع٣٣: سامرى

أحد سكان الجزء الشمالى من بلاد اليهود، وهم يهود انفصلوا عن العبـادة فى أورشليم وعبدوا الأوثان، فصارت مقاطعة بينهم وبين اليهود، فلا يختلط سامرى بأحد اليهود. أتى بعد ذلك رجل سامرى، ومر فى هذا الطريق ورأى الجريح وحالته السـيئة، فتحركـت مشاعر الحنان والشفقة نحوه.
وكلمة سامرى معناها حارس، وهو يرمز للمسيح المملوء حناناً، الذى أشفق على البشـرية الساقطة، وفداها بدمه وحرسها من حروب الشياطين.

ع٣٤: أركبه على دابته

تحمل تعب السير فى الطريق، ليريح الجريح الراكب على الدابة، بل ويسنده طوال الطريق حتى وصل إلى الفندق.
اقترب السامرى من الجريح وأسعفه، إذ ربط له جراحاته بقطع من ثيابه بعد أن صب عليها زيتاً وخمراً، وهى المواد المستخدمة فى إسعاف الجروح وقتذاك، ثم حمله على دابته وصار بجـواره حتى أوصله إلى فندق، واعتنى بطعامه وشرابه وراحته.
المسيح ستر خطايانا وعالجها ببره، ووضع عليها زيتاً، لتليين الجرح وخمراً لـتطهيره، الأول ملطف، والثانى مؤلم، هكذا الروح القدس يعالج خطايانا باللطف والحزم. ثم حمله على الدابة، وهى تمثل جسد المسيح الذى حمل فيه كل خطايانا وأتعابنا، وأوصله على الفندق أى الكنيسة، حيـث يجد كل عناية وراحة وطعام الذى هو جسده ودمه الأقدسين.

ع٣٥:

بعد أن سهر السامرى على راحة الجريح، أوصى صاحب الفندق للعناية به وأعطاه دينارين (يكفيان لإطعام ٥٠ فرد وجبة واحدة آنذاك)، ووعده أن يأتى بعد فترة ليفتقده وإن أنفق ع ليه أكثر من الدينارين، سيعطيه كل ما صرفه.
بعد أن تمم المسيح الفداء وقام من الأموات، أوصى تلاميذه أى أساقفه الكنيسـة أن يعتنـوا بالبشرية، وأعطاهم

دينارين

وهما يشيران إلى معرفة الآب والإبن، أو الحب لأن الحب يكون بـين إثنين، أو الكتاب المقدس بعهديه أى كلمة الله، ثم وعد أن يأتى فى مجيئه الثانى ويعوض كنيسـته وخدامه عن كل تعبهم مهما بذلوا.

ع٣٦:

سأل المسيح الناموسى بعد أن سرد عليه هذا المثل، من هو قريب هذا المسافر مـن الثلاثة الذين مروا به؟

ع٣٧:

اضطر الناموسى أن يعلن الحق، وهو أن السامرى هو أقرب إنسان لهذا اليهـودى الجريح، وإن كان لم يذكر إسم السامرى، بل قال من صنع معه الرحمة، لأن اليهـود يكرهـون السامريين. فأجاب عليه المسيح بأن يحيا بهذا الحب، فيكون قريبا لكل إنسان فى العالم.
بهذا غير المسيح مفهوم القرابة والحب عند اليهود، ليتسع القلب فى المسيحية لمحبة الكل مهما كانوا بعيدين أو مرفوضين.
† لا تهمل احتياجات من يطلب مساعدتك، وأسرع لنجدته قبل أن تنسيك مشاغلك الاهتمام بعمل الرحمة. وإن لم يطلب مساعدتك لخجله، فلا تتوانَ عنه، بل ابحث عن المحتـاجين بكـل نوع وخاصة المحتاجين روحياً أى البعيدين عن الله لتساعدهم.

(٦) مريم ومرثا (ع٣٨ - ٤٢):


٣٨ وَفِيمَا هُمْ سَائِرُونَ دَخَلَ قَرْيَةً، فَقَبِلَتْهُ امْرَأَةٌ اسْمُهَا مَرْثَا فِي بَيْتِهَا. ٣٩ وَكَانَتْ لِهذِهِ أُخْتٌ تُدْعَى مَرْيَمَ، الَّتِي جَلَسَتْ عِنْدَ قَدَمَيْ يَسُوعَ وَكَانَتْ تَسْمَعُ كَلاَمَهُ. ٤٠ وَأَمَّا مَرْثَا فَكَانَتْ مُرْتَبِكَةً فِي خِدْمَةٍ كَثِيرَةٍ. فَوَقَفَتْ وَقَالَتْ: «يَارَبُّ، أَمَا تُبَالِي بِأَنَّ أُخْتِي قَدْ تَرَكَتْنِي أَخْدُمُ وَحْدِي؟ فَقُلْ لَهَا أَنْ تُعِينَنِي!» ٤١ فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَها:«مَرْثَا، مَرْثَا، أَنْتِ تَهْتَمِّينَ وَتَضْطَرِبِينَ لأَجْلِ أُمُورٍ كَثِيرَةٍ، ٤٢ وَلكِنَّ الْحَاجَةَ إِلَى وَاحِدٍ. فَاخْتَارَتْ مَرْيَمُ النَّصِيبَ الصَّالِحَ الَّذِي لَنْ يُنْزَعَ مِنْهَا».

ع٣٨: سائرون

فى طريق سفرهم نحو أورشليم.

قرية

هى بيت عنيا، وتبعد عن أورشليم حوالى ثلاثة أرباع الساعة.
اعتاد المسيح أن يذهب إلى قرية بيت عنيا ويستريح فى بيت لعازر وأختيه مرثا ومريم، ويبدو أن مرثا كان لها تقدم فى القيادة والاهتمام بالضيوف، فرحبت بالمسيح فى بيتهم.

ع٣٩:

اهتمت مرثا بإعداد وليمة فاخرة تليق بضيفها العظيم الرب يسوع، وشاركتها مريم فى بداية الأمر، ولكن إذ بدأ المسيح تعاليمه المحيية شعرت مريم بأن الأفضل هو الإكتفـاء بـبعض الأطعمة، واهتمت أن تجلس قريبة من المسيح عند قدميه باتضاع لتتمتع بتعاليمه.

ع٤٠: قد تركتنى

هذا معناه أن مريم كانت تساعد مرثا فى إعداد الطعام أولا، ثم تركتـها لأنها شعرت أن الإستماع إلى كلام المسيح أهم من كثرة الأطعمة فى الوليمة، ويستحسن الإكتفاء بما أُعد أولا.
استمرت مرثا فى إعداد الوليمة الفاخرة، ولم تقتنع برأى مريم. ومن كثرة العمـل تـوترت أعصابها، وسقطت فى إدانة للمسيح ولأختها مريم، فاتهمته بعدم المبالاة بأتعابها الكثيرة، وتقصيره فى تنبيه مريم أن تشاركها إعداد الوليمة العظيمة، وطلبت منه أن يأمر أختها أن تترك سمـاع تعالميـه لتساعدها.

ع٤١:

رغم أهميته ما تعمله مرثا، وهو إعداد الطعام الضرورى للحياة الجسـدية، لكنـها إنهمكت فيه بمبالغة، لدرجة أنها اضطربت، فعاتبها المسيح. وهو طبعا يقـدر محبتـها واهتمامهـا بتكريمه، ولكن الإنشغال الزائد بإكرام المسيح ماديا يمكن أن يربك ويوتر الإنسان.

ع٤٢: الحاجة إلى واحد

أى الإرتباط والتعلم من المسيح، وليس الاهتمام الزائد بحاجـات الجسد.
أوضح المسيح أنه يكفى صنف واحد أو الطعام الضرورى. ومن ناحية أخرى فـإن مـريم اختارت النصيب الأفضل، وهو سماع تعاليمه، عن الإنهماك فى الأعمال المادية، وهذا الاختيار هو الذى يشبع النفس ويخلصها إلى الأبد.

لن ينزع

فمحبة المسيح تدوم فى القلب وتوصل المسيحى إلى الملكوت الأبدى، ولا تفنى مثل الأطعمة والماديات.
إن مرثا ترمز للخدمات المادية والأعمال البشرية المفيدة فى كل مجالات الحياة، أما مريم فترمز لمحبة كلام الله والتأمل فيه، وهذا هو الأهم، ولا تخلص النفس بدونه. فمع تقدير المسيح للأعمـال العالمية المفيدة وكل الخدمات المادية، مثل مساعدة المرضى، والمسنين، وإعالة الفقراء مادياً، لكنها لا تغنى الخادم أو الإنسان الروحى عن علاقته الشخصية بالمسيح فى الكنيسة مـن خـلال الأسـرار المقدسة والصلاة وقراءة الكتاب المقدس والعظات الروحية.

†

لا تنهمك بالأعمال المادية، حتى ولو كانت خدمة للمسيح، عن عبادة الله، واعـطِ أولويـة لصلواتك وقراءاتك وتمتعك بالأسرار المقدسة. وحتى فى الخدمة تعلم وطبق المعانى الروحيـة فى حياتك قبل أن تقولها لغيرك.