تفسير الكتاب المقدس

اَلأَصْحَاحُ السابع والأربعون

داود وسليمان ورحبعام ويربعام

(١) داود (ع١-١٣)

(٢) سليمان (ع١٤-٢٦)

[٣] رحبعام ويربعام (ع٢٧-٣١)

اَلأَصْحَاحُ السابع والأربعون

المياه المقدسة والأرض المقدسة

(١) المياه المقدسة (ع١-١٢)

[٢] الأرض المقدسة (ع١٣-٢٣)

(١) داود (ع١-١٣):

١ وَبَعْدَ ذلِكَ قَامَ نَاثَانُ، وَتَنَبَّأَ فِي أَيَّامِ دَاوُدَ. ٢ كَمَا يُفْصَلُ الشَّحْمُ مِنْ ذَبِيحَةِ الْخَلاَصِ، هكَذَا فُصِلَ دَاوُدُ مِنْ بَيْنِ بَنِي إِسْرَائِيلَ. ٣ لاَعَبَ الأُسُودَ مُلاَعَبَتَهُ الْجِدَاءَ وَالأَدْبَابَ، كَأَنَّهَا حُمْلاَنُ الضَّأْنِ. ٤ أَلَمْ يَقْتُلِ الْجَبَّارَ وَهُوَ شَابٌّ؟ أَلَمْ يَرْفَعِ الْعَارَ عَنْ شَعْبِهِ، ٥ إِذْ رَفَعَ يَدَهُ بِحَجَرِ الْمِقْلاَعِ، وَحَطَّ صَلَفَ جُلْيَاتَ؟ ٦ لأَنَّهُ دَعَا الرَّبَّ الْعَلِيَّ؛ فَأَعْطَى يَمِينَهُ قُوَّةً، لِيقْتُلَ رَجُلًا شَدِيدَ الْقِتَالِ، وَيُعْلِيَ قَرْنَ شَعْبِهِ. ٧ فَأَعْطَاهُ الرَّبُّ مَجْدَ قَاتِلِ رِبْوَاتٍ، وَمَدَحَهُ بِبَرَكَاتِهِ، إِذْ نَقَلَ إِلَيْهِ تَاجَ الْمَجْدِ. ٨ فَإِنَّهُ حَطَمَ الأَعْدَاءَ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ، وَأَفْنَى الْفِلِسْطِينِيِّينَ الْمُنَاصِبِينَ، وَحَطَّمَ قَرْنَهُمْ إِلَى يَوْمِنَا هذَا. ٩ فِي جَمِيعِ أَعْمَالِهِ اعْتَرَفَ لِلْقُدُّوسِ الْعَلِيِّ بِكَلاَمِ مَجْدٍ. ١٠ بِكُلِّ قَلْبِهِ سَبَّحَ، وَأَحَبَّ صَانِعَهُ. ١١ أَقَامَ الْمُغَنِّينَ أَمَامَ الْمَذْبَحِ، وَلَقَّنَهُمْ أَلْحَانًا لَذِيذَةَ السَّمَاعِ. ١٢ جَعَلَ لِلأَعْيَادِ رَوْنَقًا، وَلِلْمَوَاسِمِ زِينَةً إِلَى الاِنْقِضَاءِ، لِكَيْ يُسَبَّحَ اسْمُهُ الْقُدُّوسُ، وَيُرَنَّمَ فِي قُدْسِهِ مُنْذُ الصَّبَاحِ. ١٣ الرَّبُّ غَفَرَ خَطَايَاهُ، وَأَعْلَى قَرْنَهُ إِلَى الأَبَدِ. عَاهَدَهُ عَلَى الْمُلْكِ وَعَرْشِ الْمَجْدِ فِي إِسْرَائِيلَ.

(١) المياه المقدسة (ع١-١٢):

١ ثُمَّ أَرْجَعَنِي إِلَى مَدْخَلِ الْبَيْتِ وَإِذَا بِمِيَاهٍ تَخْرُجُ مِنْ تَحْتِ عَتَبَةِ الْبَيْتِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ، لأَنَّ وَجْهَ الْبَيْتِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ. وَالْمِيَاهُ نَازِلَةٌ مِنْ تَحْتِ جَانِبِ الْبَيْتِ الأَيْمَنِ عَنْ جَنُوبِ الْمَذْبَحِ. ٢ ثُمَّ أَخْرَجَنِي مِنْ طَرِيقِ بَابِ الشِّمَالِ وَدَارَ بِي فِي الطَّرِيقِ مِنْ خَارِجٍ إِلَى الْبَابِ الْخَارِجِيِّ مِنَ الطَّرِيقِ الَّذِي يَتَّجِهُ نَحْوَ الْمَشْرِقِ، وَإِذَا بِمِيَاهٍ جَارِيَةٍ مِنَ الْجَانِبِ الأَيْمَنِ. ٣ وَعِنْدَ خُرُوجِ الرَّجُلِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ وَالْخَيْطُ بِيَدِهِ، قَاسَ أَلْفَ ذِرَاعٍ وَعَبَّرَنِي فِي الْمِيَاهِ، وَالْمِيَاهُ إِلَى الْكَعْبَيْنِ. ٤ ثُمَّ قَاسَ أَلْفًا وَعَبَّرَنِي فِي الْمِيَاهِ، وَالْمِيَاهُ إِلَى الرُّكْبَتَيْنِ. ثُمَّ قَاسَ أَلْفًا وَعَبَّرَنِي، وَالْمِيَاهُ إِلَى الْحَقْوَيْنِ. ٥ ثُمَّ قَاسَ أَلْفًا، وَإِذَا بِنَهْرٍ لَمْ أَسْتَطِعْ عُبُورَهُ، لأَنَّ الْمِيَاهَ طَمَتْ، مِيَاهَ سِبَاحَةٍ، نَهْرٍ لاَ يُعْبَرُ. ٦ وَقَالَ لِي: «أَرَأَيْتَ يَا ابْنَ آدَمَ؟». ثُمَّ ذَهَبَ بِي وَأَرْجَعَنِي إِلَى شَاطِئِ النَّهْرِ. ٧ وَعِنْدَ رُجُوعِي إِذَا عَلَى شَاطِئِ النَّهْرِ أَشْجَارٌ كَثِيرَةٌ جِدًّا مِنْ هُنَا وَمِنْ هُنَاكَ. ٨ وَقَالَ لِي: «هذِهِ الْمِيَاهُ خَارِجَةٌ إِلَى الدَّائِرَةِ الشَّرْقِيَّةِ وَتَنْزِلُ إِلَى الْعَرَبَةِ وَتَذْهَبُ إِلَى الْبَحْرِ. إِلَى الْبَحْرِ هِيَ خَارِجَةٌ فَتُشْفَى الْمِيَاهُ. ٩ وَيَكُونُ أَنَّ كُلَّ نَفْسٍ حَيَّةٍ تَدِبُّ حَيْثُمَا يَأْتِي النَّهْرَانِ تَحْيَا. وَيَكُونُ السَّمَكُ كَثِيرًا جِدًّا لأَنَّ هذِهِ الْمِيَاهَ تَأْتِي إِلَى هُنَاكَ فَتُشْفَى، وَيَحْيَا كُلُّ مَا يَأْتِي النَّهْرُ إِلَيْهِ. ١٠ وَيَكُونُ الصَّيَّادُونَ وَاقِفِينَ عَلَيْهِ. مِنْ عَيْنِ جَدْيٍ إِلَى عَيْنِ عِجْلاَيِمَ يَكُونُ لِبَسْطِ الشِّبَاكِ، وَيَكُونُ سَمَكُهُمْ عَلَى أَنْوَاعِهِ كَسَمَكِ الْبَحْرِ الْعَظِيمِ كَثِيرًا جِدًّا. ١١ أَمَّا غَمِقَاتُهُ وَبِرَكُهُ فَلاَ تُشْفَى. تُجْعَلُ لِلْمِلْحِ. ١٢ وَعَلَى النَّهْرِ يَنْبُتُ عَلَى شَاطِئِهِ مِنْ هُنَا وَمِنْ هُنَاكَ كُلُّ شَجَرٍ لِلأَكْلِ، لاَ يَذْبُلُ وَرَقُهُ وَلاَ يَنْقَطِعُ ثَمَرُهُ. كُلَّ شَهْرٍ يُبَكِّرُ لأَنَّ مِيَاهَهُ خَارِجَةٌ مِنَ الْمَقْدِسِ، وَيَكُونُ ثَمَرُهُ لِلأَكْلِ وَوَرَقُهُ لِلدَّوَاءِ.

ع١:

ناثان شخصية ذات أهمية كنبى في أيام داود. ولم يذكر يشوع بن سيراخ أن ناثان بكَّت داود على خطيته؛ لأن الله قد غفرها لتوبته. وكان ناثان مع داود، وبارك اشتياقه لبناء بيت الرب بدلًا من خيمة الاجتماع. ولما قال الرب لناثان أن ابن داود هو الذي يبنى البيت، أبلغ ناثان داود بهذا الكلام (٢ صم٧: ١-١٧).

ع١:

هذا الجزء من الرؤيا التي رآها حزقيال يحدثنا عن الروح القدس، فيعلن أن المسيح أرجع حزقيال إلى مدخل البيت، أي أن المسيح يعيد للإنسان طبيعته الجديدة من خلال الكنيسة في جرن المعمودية؛ لأن المعمودية تجديد لطبيعة الإنسان، أو ميلاد ثانى له؛ لتصبح طبيعته مائلة للتشبه بالله وعمل الخير.

رأى حزقيال المياه تخرج من تحت عتبة البيت وهذا يعنى أن الروح القدس:

١. يعمل في النفوس المتضعة بفيض كثير.

٢. يعمل في هدوء في الخفاء في الإنسان الداخلي؛ ليغير طبيعة الإنسان وينير قلبه بمعرفة الله.

وجه البيت كان نحو المشرق، فهو يتكلم هنا عن الكنيسة التي تتجه نحو الشرق، فالروح القدس يفيض من الكنيسة من خلال أسرارها المقدسة ووسائط النعمة.

المذبح هو صليب المسيح وقبره، فالمياه التي ترمز للروح القدس، تفيض من جنب المسيح، الذي طعن بالحربة لأجلنا، وبدمه الذي فاض من جنبه تأسست الكنيسة.

وجانب البيت الأيمن يبين قوة عمل الروح القدس؛ لأن اليمين يرمز إلى القوة. وجنوب المذبح هو الجانب الأيمن له، أي تأكيد قوة عمل الروح القدس.

إن مدخل البيت نحو المشرق هو الباب الشرقى، الذي دخل منه الرئيس وحده وليس الشعب (حز ٤٦: ١-١٥). والرئيس هو المسيح. الذي تجسد من العذراء ودخل وخرج من الباب الشرقى والباب ظل مغلقًا لا يدخله أحد (حز ٤٤: ١-٣). وإذ تجسد المسيح وفدانا على الصليب وقام من الأموات أعطانا الروح القدس، الذي حل على الكنيسة يوم الخمسين، وفاض فيها بكل عطاياه ومواهبه.

ع٢:

كما يفصل الشحم من ذبيحة الخلاص، وهي ذبيحة الخطية وذبيحة السلامة، وتُقدم لله على مذبح المحرقة؛ لأن الشحم هو الأكثر دسمًا في الذبيحة، هكذا أيضًا داود العظيم فُصل من بين بني إسرائيل؛ لأنه أفضلهم، إذ شهد عنه أن قلبه مثل قلب الله (١ صم١٣: ١٤؛ أع١٣: ٢٢)، ولم يقم على عرش مملكة بنى إسرائيل ملك مثله في الصلاح. وكلمة فُصل تعنى تفضيله وتميزه عن بقية بني إسرائيل.

ع٢

: كان حزقيال أمام باب الشرق الذي للدار الداخلية، كما ظهر في (ع١)، ثم أخرجه المسيح، أي الرجل اللابس الكتان، من باب الشمال إلى الخارج، وجاء به إلى الباب الشرقى الخارجي، فوجد المياه تخرج أيضًا من الجانب الأيمن للباب الشرقى.

والشمال هو الجهة التي تأتى منها الهجمات على شعب الله، مثل هجوم الأشوريين والبابليين، فهي ترمز إلى حروب الشيطان.

فاجتاز حزقيال هذه الحروب الشيطانية، أي من باب الشمال، وأتى من الخارج؛ ليدخل من الباب الشرقى، حيث ولد المسيح في الشرق، وأتم الفداء وأعطى خلاصه من خلال كنيسته بروحه القدوس، الذي ترمز إليه المياه الخارجة من الجانب الأيمن، والجانب الأيمن، كما قلنا يرمز لعمل الروح القدس. والخلاصة أن الروح القدس هو الذي يجتاز بالإنسان لينتصر في حروبه ضد الشيطان؛ ليدخل به من خارج الكنيسة؛ ليدخل ويجد حياته فيها من خلال الاسرار المقدسة التي يهبها الروح القدس.

ع٣:

الجداء

: جمع جدى، وهو ذكر الماعز.

الأدباب

: جمع دب.

قال داود لشاول الملك أنه عندما كان يرعى الغنم، هجم عليه أسد ودب ليخطفا شاة، فهجم على الأسد بقوة الله، وقتله، ثم أمسك الدب من ذقنه وقتله. وعندما رأى شاول قوة الله التي مع داود، سمح له أن يقاتل جليات الجبار (١ صم١٧: ٣٤-٣٧).

ع٣

:

الخيط

: الخيط، أو الحبل هو وسيلة القياس القديمة للأطوال.

الذراع

: حوالي ٥٠ سم.

الرجل كما قلنا هو المسيح، فخروجه نحو المشرق يرمز لولادة المسيح في الشرق. وقاس بالخيط الذي في يده ودخل إلى البحر مسافة ألف ذراع، ورقم ألف يرمز للحياة السماوية. وعندما أدخل حزقيال هذه الألف ذراع، وجد حزقيال أن المياه وصلت إلى كعبيه، والكعبان يرمزان إلى القدرة على المشى، أي الجهاد الروحي، ولكن في بدايته، أي مازالت المياه تغطى فقط الكعبين، ومازال الإنسان قادرًا أن يمشى بإرادته على الأرض داخل الماء؛ لأنه سيأتى وقت يتقدم روحيًا ويسلم نفسه تمامًا للمسيح، كما سنرى في الآيات التالية. أى أن هذه هي بداية الحياة الروحية، والعلاقة مع الله، والسير في طريق الملكوت بمعونة الروح القدس، أي الماء، ولكن عمل الروح القدس مازال محدودًا لا يغطى إلا الكعبين؛ لأن الإنسان مازال مبتدئًا.

ع٤، ٥:

حط

: أنزل.

صلف

: كبرياء.

إن داود وهو شاب صغير هاجم جليات الجبار، فقتله بسيفه، بعد أن رماه داود بحجر من مقلاعه، وبهذا رفع العار عن بني إسرائيل، وانتصر على الفلسطينين الذين منهم جليات؛ لأن جليات كان يعير شعب الله، ويسخر من الله، وبهذا جعل جليات في انحطاط وذل.

ع٤

:

الحقوين

: المنطقة التي تلى الوسط إلى أسفل.

قاس المسيح أيضًا مسافة ألف ذراع ثانية داخل الماء ومعه حزقيال، فوصلت المياه إلى ركبتى حزقيال، أي أن المسيح بحياته على الأرض يقدم للإنسان مثالًا للسلوك في الحياة الروحية بقوة الروح القدس، فيدخل الإنسان إلى العمق، إذ أن الركبتين ترمزان للصلاة والميطانيات (السجود)، فعندما يتقدم الإنسان في حياته الروحية تزداد صلواته وخضوعه أمام الله.

ثم قاس الرجل ألف ذراع ثالثة داخل الماء، فوصلت المياه إلى الحقوين، وهي ترمز لشهوات البطن وباقى الشهوات، أي أنه بقوة الروح القدس عندما يتعمق الإنسان في الحياة الروحية يستطيع أن يضبط الشهوات. وبضبط الشهوات يتذوق الإنسان أعماقًا جديدة في معرفة الله بعمل الروح القدس فيه.

ع٦:

داود تميز بالصلاة، فطلب قوة الله، ودخل إلى جليات بقوة اسم رب الجنود، وحينئذ أعطاه الله قوة، فقتل جليات، رجل الحرب المتمرن على القتال. وبهذا الانتصار رفع داود قرن شعبه، أي أظهر قوة بني إسرائيل في الانتصار على الفلسطينيين.

ع٥

:

طمت

: غطت.

قاس الرجل بعد ذلك ألف ذراع رابعة في عمق المياه، فوجد حزقيال نفسه أمام مياه عميقة لا يمكن العبور فيها مشيًا على القدمين، بل تغطى رأسه وتحتاج إلى سباحة، وهذا يرمز إلى أن الإنسان لا يستطيع بإرادته أن يسير في الحياة الروحية، بل في الأعماق يسلم مشيئته لله، فيحمله الروح القدس، أي المياه؛ ليتذوق أمورًا لا يعبر عنها، هي أفراح الملكوت، يتذوقها على الأرض جزئيًا، ثم يتمتع بها بوضوح في السماء. والنهر الذي لا يعبر هو معرفة الله، التي ليس لها نهاية، والتي يدخلنا فيها الروح القدس، والتي نتمتع بها إلى الأبد.

والنهر في الكتاب المقدس يرمز للروح القدس، ففى بداية الكتاب المقدس في سفر التكوين يحدثنا عن نهر يتفرع إلى أربعة أفرع وسط الجنة ويرمز للروح القدس، الذي يعطى الحياة في الفردوس الأول. وفى نهاية الكتاب المقدس، في آخر سفر الرؤيا يحدثنا عن نهر ماء الحياة الصافى الخارج من عرش الله، أي الروح القدس، الذي يروى كل النفوس المحبة لله إلى الأبد في الملكوت.

وهذه المرحلة في الحياة الروحية، التي فيها يسلم الإنسان مشيئته لله، فيحمله الله؛ ليتذوق أمورًا لا يعبر عنها، هى نفس ما فعله الله مع شعبه في برية سيناء، عندما حملهم، كما يحمل الآب ابنه (تث١: ٣١).

وهذا ما قاله المسيح لبطرس "أنه لما كنت أكثر حداثة كنت تمنطق ذاتك وتمشى حيث تشاء ولكنك متى شخت فإنك تمد يديك وآخر يمنطقك ويحملك حيث لا تشاء" (يو٢١: ١٨)، أي أنه مع التقدم الروحي يستسلم الإنسان لعمل الروح القدس؛ ليعمل فيه وبه كما يشاء الله.

ع٧:

وحينئذ غنت له نساء بنى إسرائيل وقلن: "ضرب شاول ألوفه وداود ربواته" (١ صم١٨: ٧). وأعطاه الله، ليس فقط مديح الشعب له، ولكنه رفعه إلى عرش الملك، فصار ملكًا بعد موت شاول في الحرب، بل صار أعظم ملك على بني إسرائيل.

ع٦

: قال المسيح، أي الرجل الذي بيده الخيط، لحزقيال بعد رؤيا النهر، الذي اجتاز فيه المذكورة في (ع٣-٥)، "أرأيت يا ابن آدم" ويقصد بذلك ما يلي:

١. قوة عمل الروح القدس، التي تدخل الإنسان إلى الأعماق، ثم تحمله ليتذوق أمورًا روحية عجيبة لا يعبر عنها.

٢. أهمية الجهاد الروحي للسلوك في طريق الملكوت.

٣. نعمة الله التي تعيد الإنسان إلى الفردوس، فإن كان آدم الأول قد طرد من الفردوس بسبب خطيته، فالمسيح آدم الثاني يعيده إلى الفردوس؛ لذا قال لحزقيال يا ابن آدم، أي الإنسان في العهد الجديد، الذي يعود إلى الفردوس بقوة الروح القدس.

وعندما يقول أرجعنى إلى شاطئ النهر يرمز إلى المعمودية التي تعيد الإنسان لطبيعته النقية؛ ليحيا مع الله، لأن النهر بما فيه من ماء يرمز لمياه المعمودية.

ع٨:

المناصبين

: المعادين.

بانتصار داود على عدوه جليات وقتله، استطاع أن يهجم هو وجيش بني إسرائيل على الفلسطينيين، فقتلوا منهم الكثيرين، وطاردوهم من كل ناحية وبهذا أباد الفلسطينيين، وحطم قوتهم؛ حتى أيام ابن سيراخ.

ع٧

: رأى حزقيال أشجارًا كثيرة على جانبى النهر وهي ترمز للمؤمين، كما في (مز١: ٣)؛ لأن النهر هو المسيح كما تقول أبصالية الأربعاء، ِأو الروح القدس، كما في (يو٧: ٣٨، ٣٩).

ع٩:

وتميز داود بأنه كان يُرجع كل عمل عظيم يعمله إلى الله القدوس، وأعلن هذا في مزاميره، فهو إنسان متضع ينسب المجد دائمًا لله.

ع٨

:

الدائرة الشرقية

: شرق نهر الأردن.

العربة

: وادي أو سهل شرق البحر الميت.

البحر

: البحر الميت.

أعلن المسيح لحزقيال أن مياه النهر ستعبر في الدائرة الشرقية إلى العربة وتصب في البحر الميت. ومياه البحر الميت مالحة جدًا لا يمكن أن يشرب منها إنسان، أو حيوان، أو تحيا فيه الأسماك، رغم أن مياه الأردن تصب فيه منذ آلاف السنين، ولكن يتبخر الماء ويظل البحر بملوحته الشديدة؛ لأن سدوم وعمورة التي أحرقها الله تقع تحت هذا البحر وهي سبب ملوحته، ويسمى أحيانًا بحر لوط، أو بحيرة سدوم، فعندما تصب مياه هذا النهر الذي رآه حزقيال في البحر الميت تشفى مياه البحر الميت من ملوحتها وتصبح صالحة للشرب، أو حياة الأسماك. والبحر الميت يرمز للعالم الذي لا يمكن أن يحيا فيه المؤمنون ولكن بنعمة الروح القدس يستطيعون أن يحيوا وسط العالم، بل يكونوا نورًا له.

ع١٠:

إن داود أحب الله من كل قلبه، وعبر عن مشاعره بتسابيح كثيرة في مزاميره العظيمة.

ع٩

: عندما يصب النهر الذي يرمز للروح القدس في البحر، فإنه يشفى مياه البحر وتصير جيدة ويصير البحر نهرًا، وبهذا يصبح عندنا نهران؛ نهر الروح القدس والنهر الثاني هو العالم؛ الذي تحول بفعل الروح القدس إلى نهر لكل من يؤمن بالله ويحيا فيه. هؤلاء المؤمنون هم الأسماك التي تعيش وتشرب من النهرين وتتوالد الأسماك في النهر وتعطى أسماكًا حية، أي تعطى حياة في النهر، فكما أن المسيح نور العالم يصبح أولاده أيضًا نورًا للعالم، عندما يستنيرون بنوره.

والنهران يرمزان أيضًا إلى جسد الرب ودمه، اللذين يعطيان حياة لكل من يأكل منهما، ويرمزان أيضًا إلى سرى المعمودية والتناول.

وزيادة عدد السمك ترمز لكثرة المؤمنين وانتشار الإيمان في العالم. والسمكة ترمز للإنسان المؤمن بالمسيح؛ لأن السمكة تستطيع أن تسبح ضد التيار، أي تيار العالم؛ كما أن المسيحى يتمسك بمبادئه ووصايا الله مهما عارضها العالم.

ع١١:

اهتم داود، ليس فقط بأن يسبح الله، بل أعد شعبه كله ليسبحه، فأقام فرقًا من اللاويين؛ ليرددوا المزامير أمام بيت الرب ومذبحه المقدس، وكل فرقة تشمل عددًا كبيرًا من المغنيين، ومعهم أيضًا عازفى الموسيقى؛ ليرفعوا التسابيح أمام الله كل يوم، وكل وقت، فيقدموا ألحانًا جميلة، وتسابيح عذبة.

ع١٠

:

عين جدى

: قرية تقع على البحر الميت وغربه وفى منتصفه تقريبًا.

عين عجلايم

: مدينة تقع شمال غرب البحر الميت وبالقرب منه.

البحر العظيم

: البحر الأبيض المتوسط.

يقف الصيادون على ساحل البحر الميت من منتصفه إلى شماله، أي مسافة كبيرة والصيادون هم الرسل والمبشرون والخدام، ويبسطون شباكهم في البحر، وهذه الشباك هي كلمة الله والخدمة بكل أنواعها ويصطادون سمكًا كثيرًا بأنواع مختلفة، مثل السمك الذي يعيش في البحر الأبيض، حيث تكثر الأسماك. وهذا يبين ما يلي:

١. كثرة المؤمنين الذين يصطادهم الروح القدس بواسطة الخدام.

٢. الذين يأتون للإيمان من اليهود والأمم ومن جميع الأجناس؛ لأن السمك بأنواع كثيرة.

ع١٢:

رونقًا

: حسنًا وبهاءً.

واهتم داود بأعياد الله اهتمامًا خاصًا، فكان يجمع كل فرق المغنيين بقيادة قادة التسبيح آساف وهيمان وإيثان الأزراحى. وبهذا جعل للأعياد منظرًا عظيمًا مبهجًا على مدى الأجيال.

ع١١

:

غمقاتة

: مستنقعات مغلقة ومياهها عميقة ومنفصلة عن البحر.

يوجد بجوار البحر مستنقعات وبرك مياهها مالحة مثل البحر، ولكنها منفصلة عنه، وبالتالي لا يصل إليها النهر الذي يشفى المياه، فتظل مياهها مالحة. وهذه المستنقعات والبرك ترمز للنفوس التي ترفض كلام الله، فتظل مياهها ردية ليس فيها حياة، أي محكوم عليها بالموت.

ع١٣:

عندما قدم داود النبي توبة حقيقية، غفر له الله في الحال، ونقل خطيته عنه. وليس هذا فقط، بل من أجل صلاحه، أعطاه نعمة فوق نعمة، وقوة كبيرة، وأعلاه عن كل من حوله، إذ شهد له، كما قلنا، أن قلبه مثل قلب الله.

وتعهد الله لداود من أجل صلاحه أن يجعل على عرش بني إسرائيل ملكًا من نسله إلى الأبد، وتحقق ذلك من خلال تجسد المسيح وولادته من نسل داود، والمسيح بالطبع يملك إلى الأبد، فيتحقق فيه عهد الله لداود.

ومن الآيات السابقة تظهر عظمة داود فيما يلي:

١. محارب شجاع (ع٣، ٤، ٨).

٢. مصلى (ع٦).

٣. متضع ينسب المجد لله (ع٩).

٤. مسبح لله (ع١٠).

٥. مرنم ومنظم لفرق المغنيين (ع١١).

٦. معيد للرب، فاهتم بترتيب الأعياد (ع١٢).

٧. تائب (ع١٣).

٨. ملك عظيم (ع١٣).

† ليتك تتأمل عظمة داود؛ لتتعلم منه فضيلة واحدة تنفعك في حياتك، فالميل للتعلم والتلمذة ينميك روحيًا، ويعطيك شخصية ناجحة.


ع١٢

: الأشجار التي تنبت على جانبى النهر، كما قلنا في (ع٧) ترمز للمؤمنين الذين يشربون من نهر الحياة وهو الروح القدس، ويعطون ثمارًا للأكل، أي تصير حياتهم غذاء روحي للمحيطين بهم، الذين يؤمنون بسببهم وكذلك أوراقهم، أي مظهر حياتهم يكون دواء لعلاج مشاكل المحيطين بهم، إذ يكونوا قدوة، ويجد المحيطون بهم أن الحل لمشاكلهم هو الرجوع للحياة مع الله والتمثل بأولاده.

وأولاد الله ثمارهم مستمرة كل شهر، أي طوال السنة، التي ترمز للعمر كله. وهم يبكرون إلى هذه الثمار، أي أن الله له أولوية في حياتهم.

ومياه النهر تأتى من المقدس؛ لأن الروح القدس يعمل في الكنيسة ويعطى المؤمنين الحياة من خلال الحياة المقدسة ووسائط النعمة، فيثبتون في الحياة مع المسيح.

† الروح القدس مستعد أن يغذى حياتك ويثبتك في المسيح، فاهتم أن تشرب منه دائمًا من خلال أسرار الكنيسة وتعاليمها، فتخلص نفسك والآخرين المحيطين بك، إذ تصير قدوة لهم وتهتم بخدمتهم، فيتبعك الكل للمسيح.


(٢) سليمان (ع١٤-٢٦):

١٤ بَعْدَهُ قَامَ ابْنٌ حَكِيمٌ، وَعَلَى يَدِهِ اسْتَرَاحَ فِي الرُّحْبِ. ١٥ مَلَكَ سُلَيْمَانُ أَيَّامَ سَلاَمٍ، وَأَرَاحَهُ اللهُ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ، لِكَيْ يُشَيِّدَ بَيْتًا لاِسْمِهِ، وَيُهَيِّئَ قُدْسًا إِلَى الأَبَدِ. ١٦ مَا أَعْظَمَ حِكْمَتَكَ فِي صَبَائِكَ وَفِطْنَتَكَ، الَّتِي طَفَحْتَ بِهَا مِثْلَ النَّهْرِ. فَإِنَّ قَرِيحَتَكَ عَمَّتِ الأَرْضَ، ١٧ فَمَلأْتَهَا مِنْ أَمْثَالِ الأَحَاجِي. بَلَغَ اسْمُكَ إِلَى الْجَزَائِرِ الْبَعِيدَةِ، وَأُحْبِبْتَ لأَجْلِ سَلاَمِكَ. ١٨ أُعْجِبَتِ الآفَاقُ بِمَا لَكَ مِنَ الأَغَانِيِّ وَالأَمْثَالِ وَالأَلْغَازِ وَالتَّفَاسِيرِ، ١٩ بِاسْمِ الرَّبِّ الإِلهِ الْمَوْصُوفِ بِإِلهِ إِسْرَائِيلَ. ٢٠ جَمَعْتَ الذَّهَبَ كَالْقِصْدِيرِ، وَالْفِضَّةَ كَالرَّصَاصِ. ٢١ أَمَلْتَ فَخِذَيْكَ إِلَى النِّسَاءِ؛ فَاسْتَوْلَيْنَ عَلَى جَسَدِكَ. ٢٢ جَعَلْتَ عَيْبًا فِي مَجْدِكَ، وَنَجَّسْتَ نَسْلَكَ؛ فَجَلَبْتَ الْغَضَبَ عَلَى بَنِيكَ. لَقَدْ صَدَعَتْ قَلْبِي جَهَالَتُكَ. ٢٣ حَتَّى قُسِمَ السُّلْطَانُ إِلَى قِسْمَيْنِ، وَنَشَأَ مِنْ أَفْرَايمَ مُلْكٌ مُتَمَرِّدٌ. ٢٤ لكِنَّ الرَّبَّ لاَ يَتْرُكُ رَحْمَتَهُ، وَلاَ يُفْسِدُ مِنْ أَعْمَالِهِ شَيْئًا. لاَ يُدَمِّرُ أَعْقَابَ مُصْطَفَاهُ، وَلاَ يُهْلِكُ ذُرِّيَّةَ مُحِبِّهِ. ٢٥ فَأَبْقَى لِيَعْقُوبَ بَقِيَّةً، وَلِدَاوُدَ جُرْثُومَةً مِنْهُ. ٢٦ وَاسْتَرَاحَ سُلَيْمَانُ مَعَ آبَائِهِ،

[٢] الأرض المقدسة (ع١٣-٢٣):

١٣ « هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: هذَا هُوَ التُّخْمُ الَّذِي بِهِ تَمْتَلِكُونَ الأَرْضَ بِحَسَبِ أَسْبَاطِ إِسْرَائِيلَ الاثْنَيْ عَشَرَ، يُوسُفُ قِسْمَانِ. ١٤ وَتَمْتَلِكُونَهَا أَحَدُكُمْ كَصَاحِبِهِ، الَّتِي رَفَعْتُ يَدِي لأُعْطِيَ آبَاءَكُمْ إِيَّاهَا. وَهذِهِ الأَرْضُ تَقَعُ لَكُمْ نَصِيبًا. ١٥ وَهذَا تُخْمُ الأَرْضِ: نَحْوَ الشِّمَالِ مِنَ الْبَحْرِ الْكَبِيرِ طَرِيقُ حِثْلُونَ إِلَى الْمَجِيءِ إِلَى صَدَدَ، ١٦ حَمَاةُ وَبَيْرُوثَةُ وَسِبْرَائِمُ، الَّتِي بَيْنَ تُخْمِ دِمَشْقَ وَتُخْمِ حَمَاةَ، وَحَصْرُ الْوُسْطَى، الَّتِي عَلَى تُخْمِ حَوْرَانَ. ١٧ وَيَكُونُ التُّخْمُ مِنَ الْبَحْرِ حَصْرَ عِينَانَ تُخْمَ دِمَشْقَ وَالشِّمَالُ شِمَالاً وَتُخْمَ حَمَاةَ. وَهذَا جَانِبُ الشِّمَالِ. ١٨ وَجَانِبُ الشَّرْقِ بَيْنَ حَوْرَانَ وَدِمَشْقَ وَجِلْعَادَ وَأَرْضَ إِسْرَائِيلَ الأُرْدُنُّ. مِنَ التُّخْمِ إِلَى الْبَحْرِ الشَّرْقِيِّ تَقِيسُونَ. وَهذَا جَانِبُ الْمَشْرِقِ. ١٩ وَجَانِبُ الْجَنُوبِ يَمِينًا مِنْ ثَامَارَ إِلَى مِيَاهِ مَرِيبُوثَ قَادِشَ النَّهْرُ إِلَى الْبَحْرِ الْكَبِيرِ. وَهذَا جَانِبُ الْيَمِينِ جَنُوبًا. ٢٠ وَجَانِبُ الْغَرْبِ الْبَحْرُ الْكَبِيرُ مِنَ التُّخْمِ إِلَى مُقَابِلِ مَدْخَلِ حَمَاةَ. وَهذَا جَانِبُ الْغَرْبِ. ٢١ فَتَقْتَسِمُونَ هذِهِ الأَرْضَ لَكُمْ لأَسْبَاطِ إِسْرَائِيلَ. ٢٢ وَيَكُونُ أَنَّكُمْ تَقْسِمُونَهَا بِالْقُرْعَةِ لَكُمْ وَلِلْغُرَبَاءِ الْمُتَغَرِّبِينَ فِي وَسْطِكُمُ الَّذِينَ يَلِدُونَ بَنِينَ فِي وَسْطِكُمْ، فَيَكُونُونَ لَكُمْ كَالْوَطَنِيِّينَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ. يُقَاسِمُونَكُمُ الْمِيرَاثَ فِي وَسْطِ أَسْبَاطِ إِسْرَائِيلَ. ٢٣ وَيَكُونُ أَنَّهُ فِي السِّبْطِ الَّذِي فِيهِ يَتَغَرَّبُ غَرِيبٌ هُنَاكَ تُعْطُونَهُ مِيرَاثَهُ، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ.

ع١٤

: بعد داود قام ابنه سليمان، الذي عينه الله ليملك بعد داود (١ أى٢٢: ٩). وطلب سليمان من الله، عندما تملك، أن يعطيه حكمة. ففرح الله بطلبه، وأعطاه حكمة لم يأخذها أحد قبله ولا بعده. وأعطاه أيضًا الغنى، فكان أغنى إنسان في عصره، وصارت بلاده غنية، حتى إن الكتاب المقدس يقول: إن الفضة صارت كالحجارة في أورشليم (١ مل١٠: ٢٧).

قام داود بحروب كثيرة، فاتسعت المملكة في أيامه إلى أقصى اتساع وعد به الله. أما سليمان ابنه، فاستراح من هذه الحروب، وعاش في الرحب، أي المملكة المتسعة في أقصى امتدادها.

ع١٣

:

التخم

: الحدود.

أوضح الله لحزقيال حدود الأرض المقدسة الجديدة، وهي ليست بالطبع أرض كنعان التي قسمها يشوع؛ لأن هذه قد تم تقسيمها منذ مئات السنين. ولكن يقصد في هذه الرؤيا الأرض الجديدة، أي ملكوت السموات.

وتقسم الأرض لأسباط بني إسرائيل الإثنى عشر، باعتبار أن يوسف له قسمان هما منسى وأفرايم [شكل رقم (٢)] وذلك لأنه البكر (١ أى٥: ٢) ومن أجل طهارته ومحبته لله واحتماله الآلام من أجله. وبالطبع سبط لاوى غير محسوب لأن له مكانة أفضل في الملكوت لمن يتقى الله فيهم؛ لأنهم نصيب الرب؛ إذ كلام المسيح واضح "حيث أكون أنا هناك أيضًا يكون خادمى" (يو١٢: ٢٦).

ع١٥:

يشيد

: يبنى.

بسبب انتصارات داود العظيمة على البلاد المجاورة، عاش ابنه سليمان في سلام طوال ملكه، ولم يستطيع أي جيران أن يحاربوا سليمان، فأراحه الله من كل جهة (١ مل٤: ٢٤، ٢٥).

في هذ الجو الهادئ، استطاع سليمان، بقوة الله، أن يبنى بيتًا عظيمًا للرب، هو أقدس مكان في العالم، حيث تقدم العبادة لله، وتستمر هذه العبادة؛ لتصبح أكثر وضوحًا في كنيسة العهد الجديد، ثم تكمل إلى الأبد في أورشليم السمائية.

ع١٤

:

رفعت يدى

: أقسمت.

يعلن الله أن كل مؤمن سينال مكانه في السماء مثل صاحبه دون تحيز لأحد.

وهذه الأرض الجديدة هي إتمام لوعود الله، التي أعطاها للآباء الأولين إبراهيم وإسحق ويعقوب، وهكذا ينال المؤمنون في السماء نصيبًا وميراثًا أبديًا لهم؛ ليحيوا في فرح أبدى.

ع١٦:

صبائك

: صباك، والمقصود شبابك.

فطنتك

: ذكائك.

طفحت

: فاضت منك.

قريحتك

: ذهنك.

يحدث ابن سيراخ سليمان، فيقول له: ما أعظم حكمتك التي نلتها من الله في صباك، أي وأنت شاب صغير في سن العشرين، فأعطالك ذكاءً وفهمًا فاضا مثل النهر من حولك، فتعجب الناس لعظم حكمتك التي ظهرت بشكل متميز جذب كل الأنظار، بل سمعت به الأمم التي في العالم، فأتت إليك ملكة سبأ، وتعجبت من حكمته التي لم تكن تتخيلها (١ مل١٠).

ع١٥-١٧

: حدد الله حدود هذه الأرض، وقال بالتدقيق أن الحدود الشمالية تمتد من شمال مدينة صور المعروفة بالتجارة والتي تقع على البحر الأبيض المتوسط وتمتد الحدود إلى قرب مدينة دمشق، المعروفة بإسمها حتى الآن.

ونلاحظ أن الله حدد هذه الحدود ببلاد كثيرة ليبين دقته في تحديد هذه الأرض؛ لأنها ترمز للسماء التي لا يستطيع أحد الدخول إليها إلا المؤمنون فقط، وغير مسموح لأحد غيرهم بدخولها.

ع١٧:

الأحاجى

: الألغاز.

ملأ سليمان الأرض بأمثاله الكثيرة، وألغازه المتميزة (١ مل٤: ٣٢)، فانتشرت في العالم كله بين الأمم، وبلغ اسم سليمان إلى كل البلاد؛ حتى الجزائر البعيدة، فأحبه الناس من أجل حكمته، وسلامه الداخلي، وكل صفاته الجميلة.

ع١٨

: أما الحدود الشرقية فتمتد من قرب مدينة دمشق إلى نهر الأردن، ثم البحر الميت (البحر الشرقى).

ونرى هنا أنه لم تعد هناك أسباط تسكن شرق نهر الأردن والبحر الميت، كما أعطى يشوع رأوبين وجاد ونصف سبط منسى؛ لأن هذه الأسباط نقلها هنا لتأخذ نصيبًا غرب نهر الأردن، أي لتكون هذه الأسباط مع إخوتها في مكان واحد لا يفصلها عنهم شيء. إذ أن الجميع في الملكوت يشعرون بالوحدانية حول المسيح.

ع١٨:

الآفاق

: أبعد ما يراه الإنسان، والمقصود كل العالم.

أُعجب الناس في كل مكان في العالم بالأغانى التي ألفتها يا سليمان، وكذلك الأمثال، بالإضافة إلى الألغاز والتفاسير. إنك تفوقت على كل البشر في زمانك.

ع١٩

: الحدود الجنوبية للأرض المقدسة تمتد من جنوب البحر الميت إلى نهر مصر، وهو نهر موسمى يقع شرق مدينة العريش ويمتلئ بالمياه في فترة من السنة فقط، وهو غير نهر النيل.

ع١٩، ٢٠:

إنك يا سليمان طلبت الحكمة، فأعطاك الله إياها، وكذلك الغنى، فاستطعت بالحكمة التي وهبك الله أن تدبر مملكتك، وتجعلها غنية، ويكثر فيها الذهب، الذي كان كثيرًا جدًا كأنه مادة أقل، وهي القصدير. وأيضًا جمعت فضة كثيرة فكانت كأنها رخيصة مثل الرصاص، بل إن الكتاب المقدس يشهد أن الفضة في أورشليم كانت كالحجارة (١ مل١٠: ٢٧).

ع٢٠

: أما الحدود الغربية فهي البحر الأبيض المتوسط من نهر مصر حتى قرب مدينة حماة شمالًا [شكل رقم (٢)].

ونجد فيما سبق أن حدود الأرض المقدسة المذكورة هنا، أقل من الحدود التى وعد الله بها الآباء أن تكون من نهر مصر إلى الفرات (تك١٥: ١٨، خر٢٣: ٣١) والتي امتلكها شعب بني إسرائيل أيام داود وسليمان. وذلك لأن كلام الله واضح أن "كثيرين يدعون وقليلين ينتخبون" (مت٢٠: ١٦) فالله أعطى شعبه أرضًا واسعة، ولكن من عاش في الإيمان وثبت فيه، هو الذي يستحق ملكوت السموات، أي الأرض الجديدة.

ع٢١:

يوبخ ابن سيراخ سليمان العظيم في حكمته، بأنه تهاون، وتعلق بشهوة النساء فتزوج من كثيرات، أى ألف إمرأة (١ مل١١: ٣) مخالفًا شريعة الله (تث٧: ٣، ٤؛ ١٧: ١٧)؛ حتى أن النساء استولين على جسد سليمان، أي أصبح سليمان مستعبدًا لشهوة النساء، متعلقًا بالجنس.

ع٢١-٢٣

: يظهر الله في هذه الآيات أمرين واضحين:

١. تقسم الأرض بالقرعة بين الأسباط التي ترمز للمؤمنين في العالم كله، وذلك لإظهار عدل الله وعدم تحيزه لأحد، أو سبط أكثر من الآخر.

٢. الغرباء الذين يعيشون وسط بنى إسرائيل استوطنوا وولدوا البنين، أي صاروا مستقرين في الإيمان هم وأولادهم، هؤلاء يكون لهم نصيب في هذه الأرض، وهذه نبوة واضحة عن قبول الأمم في الإيمان بالمسيح وميراث ملكوت السموات.

† إن ملكوت السموات ينتظرك، فقد أعده الله لك إن ثبت في الإيمان وسلكت بالروح؛ حتى لو كنت بعيدًا عن الله ورجعت إليه، فهو يحبك ويريد خلاصك ويتمنى أن يمتعك بملكوته.

ع٢٢:

صدعت

: جعلت قلبى متألمًا جدًا ويكاد ينهار.

بهذه الشهوة؛ شهوة النساء يا سليمان، وضعت عيبًا كبيرًا في مجدك العظيم، ونجست نسلك؛ لأنك ارتبطت ليس ببنات بني إسرائيل، ولكن بأجنبيات وثنيات، فخرج لك نسل وثنى بعيدًا عن الله؛ هذا هو تنجيس النسل. بالإضافة إلى أنك يا سليمان، إرضاءً لزوجاتك الوثنيات، أقمت أصنامًا لآلهتهن، بل اشتركت في عبادة الأوثان، وأغضبت الله كثيرًا.

غضب الله لم يأت عليك؛ لأنك أسرعت إلى التوبة، وكتبت أسفارًا مملوءة بالحكمة، مثل سفر الأمثال والجامعة، ومملوءة أيضًا بمحبة الله، مثل نشيد الأنشاد، وآخر الكل كتبت سفر الجامعة؛ لتعلن بطلان العالم، بل ختمته بأن الخلاصة من كل الحياة، أن ينتبه الإنسان ويتقى الله، ويحفظ وصاياه (جا١٢: ١٣). ولكن جاء الغضب على بنيك، فانقسمت المملكة، وابتعد عن بنيك عشرة أسباط، بل حدث السبي الأشوري للعشرة أسباط البعيدين عن الله، ثم لبنيك في مملكة يهوذا، عندما ابتعدوا عن الله، فسقطوا في السبي البابلي.

سقط سليمان في جهالات شديدة، رغم حكمته العظيمة، إذ أكثر من النساء، وأكثرأيضًا من الخيل، فكثرة النساء تعلن شهوته الشديدة، وكثرة الخيل تعلن اعتماده على قوته، وليس قوة الله. كل هذا ضايق ابن سيراخ الحكيم جدًا، وجعل قلبه يكاد ينهار من الألم والضيق والحزن على الحكيم، الذي هو المثل الأعلى لابن سيراخ.

ع٢٣:

نتيجة الشر الذي فعله سليمان، أنه لم يعتنى بتربية أبنائه، فلم يكن رحبعام ابنه، الذي ملك بعده، حكيمًا، فانقسم السلطان على المملكة إلى قسمين، انفصل يربعام المتمرد، الذي من سبط أفرايم بعشرة أسباط (١ مل١١: ٢٨-٣٢)، وبقى لرحبعام ابن سليمان سبطين فقط هما سبطى يهوذا وبنيامين.

ع٢٤:

أعقاب

: نسل.

مصطفاه

: مختاره.

الله الرحوم لا يترك رحمته إن أخطأ الإنسان، إذ أن سليمان تاب في آخر حياته، ولكن رحمة الله العظيمة كانت من أجل صلاح داود، فوعده أن يكون نسله على عرش الملك إلى الأبد. فظهر ملوك أتقياء من نسل داود، مثل حزقيا، ويوشيا، ثم ظهر عظماء بعد السبي، مثل زربابل وعزرا ونحميا وأستير ومردخاى، ثم في ملء الزمان تجسد المسيح، الذي يملك إلى الأبد، وهو من نسل داود.

الله لا يمكن أن يترك الشيطان يفسد أعماله، بل يحفظها، ويصلحها، ويكملها.

إن كان سليمان قد أخطأ، وكذلك رحبعام ابنه، ولكن الله لا يعاقب بشدة من أجل صلاح عبده داود، فيحفظ نسله، ولا يسمح بهلاك ذرية حبيبه داود.

ع٢٥:

جرثومة

: المقصود أصل من نسل داود، أي الملوك الذين ملكوا على عرش مملكة يهوذا.

رغم تمرد يربعام، وانقسام المملكة، لكن الله أبقى ليعقوب بقية، هم سبطى يهوذا، وبنيامين في مملكة يهوذا، حيث أورشليم والهيكل المقدس. ولداود الصالح، أبقى له نسل يجلس على كرسيه، هم ملوك مملكة يهوذا، الذي كان بينهم ملوكًا صالحين، هم آسا ويهوشافاط وحزقيا ويوشيا، وبعض الملوك الآخرين كانوا صالحين إلى حد ما.

ع٢٦:

أخيرًا بعد أن أكمل سليمان ستين عامًا رقد في الرب، واستراح مع آبائه، وهذا يعنى أنه تاب في آخر حياته، فمات واستراح وانضم إلى آبائه القديسين.

† إن أعطاك الله موهبة، فاحفظها واستثمرها لمجد اسمه، ولفائدة الكنيسة، وتمسك بعبادة الله، ووصاياه؛ وكن متضعًا، حتى لا يحاربك إبليس.


[٣] رحبعام ويربعام (ع٢٧-٣١):

٢٧ وَخَلَّفَ بَعْدَهُ ذَا سَفَهٍ عِنْدَ الشَّعْبِ منْ نَسْلِهِ، ٢٨ رَحَبْعَامَ السَّخِيفَ الرَّأْيِ، الَّذِي بَعَثَ بِمَشُورَتِهِ الشَّعْبَ عَلَى التَّمَرُّدِ، ٢٩ وَيَارُبْعَامَ بْنَ نَابَاطَ الَّذِي آثَمَ إِسْرَائِيلَ، وَسَنَّ لأَفْرَايمَ طَرِيقَ الْخَطِيئَةِ. فَكَثُرَتْ خَطَايَاهُمْ جِدًّا، ٣٠ حَتَّى أَجْلَتْهُمْ عَنْ أَرْضِهِمْ، ٣١ وَالْتَمَسُوا كُلَّ شَرٍّ، حَتَّى حَلَّ بِهِمِ الانْتِقَامُ.

ع٢٧

:

ذا سفه

: تافه وجاهل.

مات سليمان وخلَّف بعده ابنه رحبعام، الذي جلس على عرش ملكه، وكان جاهلًا، منساقًا وراء أصحابه الشباب، وعلاقته كانت ضعيفة بالله.

ع٢٨

: رحبعام الملك كان رأيه بعيدًا عن الحكمة، وسخيفًا، فبدلًا من أن يكسب الشعب الذي التجأ إليه، طالبًا رحمته، كلمه بقسوة، رافضًا مشورة الشيوخ الذين معه، واقتنع بمشورة الشباب المندفع الذين حوله، فهدد الشعب، بدلًا من أن يحتويه (١ مل١٢: ١٠)، وبهذا دفعه للتمرد عليه، والانفصال عن مملكته. فأخذ بنو إسرائيل يربعام بن نباط ليقودهم وينفصل بالأسباط العشرة عن رحبعام الملك.

ع٢٩-٣١

:

سن

: وضع شريعة.

أفرايم

: المقصود العشرة أسباط.

أجلتهم

: نقلتهم وأخذتهم إلى السبي.

يربعام بن نباط هو المتمرد على سليمان، وقد خاف منه، وهرب إلى مصر، وعاد بعد موت سليمان؛ ليقود الشعب المتمرد، وينفصل بالعشرة أسباط، ويكون مملكة جديدة، دعاها إسرائيل.

وحتى لا يذهب شعب الأسباط إلى أورشليم في الأعياد، وفى كل مناسبة؛ لعبادة الله في هيكله، سن لهم طريق الخطية، فأقام لهم عجلين من ذهب في مدينتى بيت إيل ودان، وقال للشعب: اعبدوا هذه التماثيل، فهي الله الذي أخرجكم من أرض مصر، فسمع له الشعب، وأطاعه، وصاروا عبدة للأوثان، وفعلوا إثمًا وخطية عظيمة ضد الله. وأطال الله أناته عليهم سنينًا طويلة، فلم يتوبوا، فسمح لهم بالسبي الأشوري عام ٧٢٢ ق.م، وهذا هو الانتقام الذي حل بهم نتيجة تماديهم في الشر.

† تمسك بعبادة الله كل يوم في صلاة وقراءة في الكتاب المقدس، ولا تجعل شيئًا في العالم يستعبدك بشهواته الرديئة، فتظل نقيًا ويحفظك الله من كل شر.

زر الذهاب إلى الأعلى

معاني الكلمات في الأصحاح

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

Please consider supporting us by disabling your ad blocker!