تفسير الكتاب المقدس

الإصحاح الثامن


الذل والدمار لرفض الشعب لله

١- إذلال اليهود (ع١-٣) :


١ «فِي ذلِكَ الزَّمَانِ، يَقُولُ الرَّبُّ، يُخْرِجُونَ عِظَامَ مُلُوكِ يَهُوذَا وَعِظَامَ رُؤَسَائِهِ وَعِظَامَ الْكَهَنَةِ وَعِظَامَ الأَنْبِيَاءِ وَعِظَامَ سُكَّانِ أُورُشَلِيمَ مِنْ قُبُورِهِمْ، ٢ وَيَبْسُطُونَهَا لِلشَّمْسِ وَلِلْقَمَرِ وَلِكُلِّ جُنُودِ السَّمَاوَاتِ الَّتِي أَحَبُّوهَا وَالَّتِي عَبَدُوهَا وَالَّتِي سَارُوا وَرَاءَهَا وَالَّتِي اسْتَشَارُوهَا وَالَّتِي سَجَدُوا لَهَا. لاَ تُجْمَعُ وَلاَ تُدْفَنُ، بَلْ تَكُونُ دِمْنَةً عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ. ٣ وَيُخْتَارُ الْمَوْتُ عَلَى الْحَيَاةِ عِنْدَ كُلِّ الْبَقِيَّةِ الْبَاقِيَةِ مِنْ هذِهِ الْعَشِيرَةِ الشِّرِّيرَةِ الْبَاقِيَةِ فِي كُلِّ الأَمَاكِنِ الَّتِي طَرَدْتُهُمْ إِلَيْهَا، يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ.

ع١: في ذلك الزمان

: وقت هجوم بابل على مملكة يهوذا.
حتى ينبه إرميا شعبه للتوبة والرجوع عن عبادة الأوثان، مثل عبادة الشمس والسماوات، يعلن لهم أن جيوش بابل عندما تهجم عليهم ستنبش قبور آبائهم، وتخرج عظامهم، وتلقيها في كل مكان أمام ما يدعونه آلهة كالشمس والسماوات التي لن تفيدهم شيئا . وسيسمح الله بهذا الإذلال؛ لأنهم لم يطيعوه ولعلهم يتوبون، وسيتم هذا بقبور عظماء اليهود من الأنبياء والرؤساء والملوك والكهنة تحقيرا لليهود .

ع٢: دمنة

: روث، أي فضلات البهائم.
عندما يخرج البابليون عظام الأموات تكون أمام الشمس والقمر والسماوات التي عبدوها والتي لم تفدهم شيئا، وتصير عظامهم محتقرة، مثل روث الحيوانات الملقى على الأرض .
عـندما يسمح الله لك بالتحقير من الآخرين، راجع نفسك لعله يدعوك إلى التوبة والتمسك بـه، فينقذك من أيديهم وتزداد علاقتك به، فلا تخشى من قولهم، ولا تنزعج من تحقيرهم ،فهو بلا قيمة، والله سيكرمك في السماوات فوق الكل.

ع٣:

سيتمنى الباقون من اليهود الموت بعد موت الكثيرين منهم من كثرة الضيق ،ليتخلصوا من الذل الذي صاروا فيه، وذلك لعدم ارتباطهم بالله الذي كان ينبغى أن يرجعوا إليه، فيقبلهم وينقذهم .

٢- رفض التوبة (ع٤-١٢) :


٤ « وَتَقُولُ لَهُمْ: هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: هَلْ يَسْقُطُونَ وَلاَ يَقُومُونَ، أَوْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ وَلاَ يَرْجعُ؟ ٥ فَلِمَاذَا ارْتَدَّ هذَا الشَّعْبُ فِي أُورُشَلِيمَ ارْتِدَاداً دَائِما؟ً تَمَسَّكُوا بِالْمَكْرِ. أَبَوْا أَنْ يَرْجِعُوا. ٦ صَغَيْتُ وَسَمِعْتُ. بِغَيْرِ الْمُسْتَقِيمِ يَتَكَلَّمُونَ. لَيْسَ أَحَدٌ يَتُوبُ عَنْ شَرِّهِ قَائِلاً: مَاذَا عَمِلْتُ؟ كُلُّ وَاحِدٍ رَجَعَ إِلَى مَسْرَاهُ كَفَرَسٍ ثَائِرٍ فِي الْحَرْبِ. ٧ بَلِ اللَّقْلَقُ فِي السَّمَاوَاتِ يَعْرِفُ مِيعَادَهُ، وَالْيَمَامَةُ وَالسُّنُوْنَةُ الْمُزَقْزِقَةُ حَفِظَتَا وَقْتَ مَجِيئِهِمَا. أَمَّا شَعْبِي فَلَمْ يَعْرِفْ قَضَاءَ الرَّبِّ! ٨ كَيْفَ تَقُولُونَ: نَحْنُ حُكَمَاءُ وَشَرِيعَةُ الرَّبِّ مَعَنَا؟ حَقّاً إِنَّهُ إِلَى الْكَذِبِ حَوَّلَهَا قَلَمُ الْكَتَبَةِ الْكَاذِبُ. ٩ خَزِيَ الْحُكَمَاءُ. ارْتَاعُوا وَأُخِذُوا. هَا قَدْ رَفَضُوا كَلِمَةَ الرَّبِّ، فَأَيَّةُ حِكْمَةٍ لَهُمْ؟ ١٠ لِذلِكَ أُعْطِي نِسَاءَهُمْ لآخَرِينَ، وَحُقُولَهُمْ لِمَالِكِينَ، لأَنَّهُمْ مِنَ الصَّغِيرِ إِلَى الْكَبِيرِ، كُلُّ وَاحِدٍ مُولَعٌ بِالرِّبْحِ. مِنَ النَّبِيِّ إِلَى الْكَاهِنِ، كُلُّ وَاحِدٍ يَعْمَلُ بِالْكَذِبِ. ١١ وَيَشْفُونَ كَسْرَ بِنْتِ شَعْبِي عَلَى عَثَمٍ، قَائِلِينَ: سَلاَمٌ، سَلاَمٌ. وَلاَ سَلاَمَ. ١٢ هَلْ خَزُوا لأَنَّهُمْ عَمِلُوا رِجْسا؟ً بَلْ لَمْ يَخْزَوْا خِزْياً، وَلَمْ يَعْرِفُوا الْخَجَلَ! لِذلِكَ يَسْقُطُونَ بَيْنَ السَّاقِطِينَ. فِي وَقْتِ مُعَاقَبَتِهِمْ يَعْثُرُونَ، قَالَ الرَّبُّ.

ع٤، ٥:

يعاتب الله شعبه بحقيقة هى أن كل من يسقط في الطريق، أو في أي شيء خاطئ علـيه أن يعـود ويـرجع إلى الصواب، وهذا هو التصرف المنطقى . فلماذا إذن يتمادون في خطاياهم ويثبتون في الشر اعتمادا على الكلام الماكر والمخادع للأنبياء الكذبة.

ع٦: مسراه

: طريقه.
يـشبه تماديهم في الشر بفرس يتقدم في الحرب ولا يريد أن يرجع عن طريقه، فهذا هو نظـام الحـرب؛ الجهاد للنهاية حتى الموت، هكذا هم أيضا تقدموا في الشر، ومصرين عليه حتى الموت، ولا يريدون الرجوع والتوبة.
كـن مصغيا لصوت الله الذي يناديك لمراجعة أفكارك وكلامك وتصرفاتك، حتى لو كنت معتادا عليها، أي مر عليك سنوات طويلة . اطلب الله باتضاع، واخضع لأب اعترافك، ولا تحتد على من يعاقبك، أو تهمل كلامه.

ع٧: اللقلق

: طائر كبير له منقار ورجلان وع نق طويل وأحمر؛ وهو من الجوارح، أي التي تنقض على فريستها.

الـسنونة

: طائـر صغير طويل الجناحين سريع الطيران من الطيور الأليفة وصوتها جميل.
يـوجه الله نظر شعبه إلى أن الحيوانات مثل الطيور ترجع عن طيرانها في وقت محدد اعتادته، ولكن بني شعبه لا يريدون الرجوع عن خطاياهم مع أنهم أفضل المخلوقات وأكثرها حكمة، فمن الطبيعى أن يرجعوا إلى وضعهم السليم وهو الحياة مع الله.

ع٨:

يـؤكد لهـم إصـرارهم على خداع أنفسهم بكلام الكتبة الكذبة، ظانين أنهم حكماء باقتـنائهم للكـتاب المقدس، ووجود الهيكل في مدينتهم أورشليم، ولكن كل هذا لا يكفي إن لم يتوبوا.

ع٩:

يظهـر النهاية المؤسفة لمن يظنون أنفسهم حكماء، أي سكان أورشليم، عندما يهجم جيش بابل ويأخذهم أسرى، وهذا نتيجة طبيعية لمن يرفض طاعة كلام الله والتوبة.

ع١٠: مولع

: متعلق ومرتبط بشدة.
يبـين الله سـبب أساسـى لعدم توبتهم وهو تعلقهم بالمال والماديات ، وقد سقط في هذه الخطـية الـشعب كله، حتى قياداته، مثل الكهنة والأنبياء الكذبة، والنتيجة هو سقوطهم تحت الهجـوم البابلي وأخـذ نسائهم وحقولهم منهم، أي تجردهم من كل الماديات والشهوات التي عاشوا لها؛ كل هذا لعلهم في النهاية يرجعون إلى الله.

ع١١:عثم

: فساد.
مـن أسـباب عدم توبتهم هو عدم معالجة خطاياهم، بل التمسك بالشر داخلهم وتصديقهم كـلام الأنبـياء الكذبة أن لهم سلام والله راضى عنهم، مع أن خطاياهم أفسدتهم، ويحتاجون للشفاء منها بالتوبة.

ع١٢: رجسا

: شهوات نجسة وانحرافات.
تمادوا في الشر والشهوات الدنيئة ببجاحة، ولم يخجلوا من أفعالهم الرخيصة، فكان لابد من معاقبتهم بالسبي.

٣- عنف الدمار (ع١٣-١٧) :


١٣ «نَزْعاً أَنْزِعُهُمْ، يَقُولُ الرَّبُّ. لاَ عِنَبَ فِي الْجَفْنَةِ، وَلاَ تِينَ فِي التِّينَةِ، وَالْوَرَقُ ذَبُلَ، وَأُعْطِيهِمْ مَا يَزُولُ عَنْهُمْ». ١٤ لِمَاذَا نَحْنُ جُلُوسٌ؟ اِجْتَمِعُوا فَلْنَدْخُلْ إِلَى الْمُدُنِ الْحَصِينَةِ وَنَصْمُتْ هُنَاكَ. لأَنَّ الرَّبَّ إِلهَنَا قَدْ أَصْمَتَنَا وَأَسْقَانَا مَاءَ الْعَلْقَمِ، لأَنَّنَا قَدْ أَخْطَأْنَا إِلَى الرَّبِّ. ١٥ اِنْتَظَرْنَا السَّلاَمَ وَلَمْ يَكُنْ خَيْرٌ، وَزَمَانَ الشِّفَاءِ وَإِذَا رُعْبٌ. ١٦ مِنْ دَانَ سُمِعَتْ حَمْحَمَةُ خَيْلِهِ. عِنْدَ صَوْتِ صَهِيلِ جِيَادِهِ ارْتَجَفَتْ كُلُّ الأَرْضِ. فَأَتَوْا وَأَكَلُوا الأَرْضَ وَمِلأَهَا، الْمَدِينَةَ وَالسَّاكِنِينَ فِيهَا. ١٧ « لأَنِّي هأَنَذَا مُرْسِلٌ عَلَيْكُمْ حَيَّاتٍ، أَفَاعِيَ لاَ تُرْقَى، فَتَلْدَغُكُمْ، يَقُولُ الرَّبُّ».

ع١٣: الجفنة

: الكرمة، أي شجرة العنب.
لكثرة خطايا شعبه قرر الله أن يطردهم من بلادهم ويقتلهم بيد البابليين، كما تجمع حبات العـنب من الكرمة وثمار التين من شجرته، وعطاياه لهم تؤخذ منهم، وذلك لأنهم لم يجتمعوا حول الله ويعبدوه ،بل عبدوا الأوثان وساروا في شهواتهم الردية.

ع١٤:علقم

: مر وهو غالبا نبات الحنظل.
خـاف الـيهود عند سماعهم بهجوم جيوش بابل، فأسرعوا إلى مدنهم الحصينة ليحتموا فيها، وجلسوا في خوف وصمت، ولم يكن لهم قوة ليحاربوا الأعداء ويدافعوا عن أنفسهم، بل في يأس صمتوا منتظرين الموت، والله تركهم في يأس وصمت لأنهم لم يطلبوه.

ع١٥:

انتظـر اليهود أن يأتيهم السلام والشفاء من ضيقتهم الصعبة، كما خدعهم أنبياؤهم ولكـنهم للأسف وجدوا بدل السلام حربا، وبدل الشفاء دمارا ومصائب وقتلا، لأنهم اعتمدوا على كذب أنبيائهم، ورفضوا طاعة الله على فم إرميا.

ع١٦:حمحمة أو صهيل

: أصوات الخيل.
تقـع دان شمال أورشليم، فمن هناك هجمت جيوش بابل بفرسانها المسلحين، وأصوات الخيل القوية، وخربوا أورشليم واليهودية.

ع١٧:لا ترقـى

: لا يستطيع المتخصص في جمع الثعابين أن يجمعها مستخدما الرقية، أي أعمال الشياطين.

أفاعي

: نوع سام جدا من الثعابين.
يوضـح الله قـوة البابليـين التي لا يستطيع اليهود مقاومتها، ويشبهها بثعابين تلدغهم بسمومها ولا يمكن مقاومة أو صد هذه الثعابين بكل طرق السحرة الذين يجمعون الثعابين.
عندما تسمع تهديدات الله للأشرار، أسرع إلى التوبة فتخلص نفسك، وتستعيد سلامك مهما كانت الضيقات التي تحيط بك، وثق في حنان الله الذي يطلب خلاصك باللطف، أو الإنذار.

٤- حزن النبي (ع١٨-٢٢) :


١٨ مَنْ مُفَرِّجٌ عَنِّي الْحُزْنَ؟ قَلْبِي فِيَّ سَقِيمٌ. ١٩ هُوَذَا صَوْتُ اسْتِغَاثَةِ بِنْتِ شَعْبِي مِنْ أَرْضٍ بَعِيدَةٍ: « أَلَعَلَّ الرَّبَّ لَيْسَ فِي صِهْيَوْنَ، أَوْ مَلِكَهَا لَيْسَ فِيهَا؟» «لِمَاذَا أَغَاظُونِي بِمَنْحُوتَاتِهِمْ، بِأَبَاطِيلَ غَرِيبَةٍ؟» ٢٠ «مَضَى الْحَصَادُ، انْتَهَى الصَّيْفُ، وَنَحْنُ لَمْ نَخْلُصْ!» ٢١ مِنْ أَجْلِ سَحْقِ بِنْتِ شَعْبِي انْسَحَقْتُ. حَزِنْتُ. أَخَذَتْنِي دَهْشَةٌ. ٢٢ أَلَيْسَ بَلَسَانٌ فِي جِلْعَادَ، أَمْ لَيْسَ هُنَاكَ طَبِيبٌ؟ فَلِمَاذَا لَمْ تُعْصَبْ بِنْتُ شَعْبِي؟

ع١٨: سقيم

: مريض.
إذ رأي النبي كل الدمار الذي سيحل في مملكة يهوذا، حزن جدا وتوجع قلبه، وعبر عن ذلك بإعلان حاجته لمن يرفع عنه هذا الحزن لهلاك شعبه.

ع١٩: منحوتاتهم

: تماثيل الآلهة الوثنية.
يعبر النبي عن آلام شعبه الذين سيتم سبيهم إلى بلاد بعيدة ويصرخون من ذلّ العبودية، ويتـساءل أين الله ملك اليهود الذي يحميهم ؟ لماذا تركهم للسبى والذل ؟ .. فيرد عليه الله أنا تركتهم لأنهم تركوني بعبادتهم للأوثان.

ع٢٠:

ينتظـر الفـلاح موعد الحصاد وهو شهري أبريل ومايو ليفرح بجمع محاصيله . ويعبر هنا عن انتظار شعب الله لينقذهم من البابليين، ومرت شهور الحصاد ومازال التخريب البابلي مـستمرا لمملكـة يهـوذا، فقـال الشعب في نفسه لعله ينقذنا في الصيف عند جمع المحاصـيل الصيفية في شهري يوليو وأغسطس، ولكن للأسف لم ينقذهم الله، وذلك لأنهم لم يتوبوا عن خطاياهم، فحلّ بهم كل هذا الدمار.

ع٢١:

يعـود النبي ويعبر عن أحزان قلبه كأب لهذا الشعب، إذ يرى ذلهم فيتألم داخله ويحزن، بل يتعجب لأجل الدمار الشامل الذي حدث لهم ولهيكل الله، رغم أنه يعلم أن كل هذا بسبب شرورهم ولكنه لا يستطيع إيقاف مشاعره كإنسان، وتألمه لأجلهم.

ع٢٢: بلسان

: شجرة ارتفاعها أكثر من أربعة أمتار تعطى رائحة عطرية، وإذا ضربت سـاقها بآلـة حـادة يخرج منها سائل لزج يشبه اللبن، يتجمد سريعا، ويستخدم كمرهم لعلاج الأمراض، وكان غالى الثمن وهو الذي يسمى نبات البلسم.

جلعاد

: منطقة تقع شرق نهر الأردن وتمتد إلى بلاد العرب.
إذ يـرى النبي جرحـى كثيرين من شعبه وذلا شديدا، يصرخ طالبا الدواء والطبيب لإنقاذهم، ويعطى مثالا للأدوية، نبات البلسان، المشهور في علاج أمراض كثيرة حتى يداوى جـراحات الكثيرين ثم تربط جراحاتهم حتى تشفي . ويقصد بالطبيب والدواء ليس فقط الدواء المادي، بـل بالأحرى الروحي، أي يستنجد بالله ليقود شعبه للتوبة ويسامحهم ويرفع غضبه عنهم.
ليـتك تـشعر بالبعـيدين عن الله والمتألمين وتصلى لأجلهم، وتسعى لردهم للكنيسة حتى يستريحوا من خطاياهم ومتاعبهم، عالما أن صلاتك تفيدهم كثيرا والله يفرح بهم.