القديس الشهيد كبريانوس
"لا الوعود تقدر أن تخدعكم عن ثباتكم غير الفاسد في الإيمان ولا الوعيد يستطيع أن يرهبكم، ولا المضيقات أو العذبات يمكنها أن تتغلب عليكم لأن (الذي فيكم (روح المسيح) أعظم من الذي في العالم) "1يو4:4". فالعقوبات الأرضية تعجز عن أن تطرحكم، طالما العناية الإلهية ترفعكم. هذه الحقيقة أكدها جهاد الأخوة المجيد، هؤلاء الذين صاروا قادة لغيرهم بغلبتهم على العذبات، مقدمين مثالًا طيبًا للإيمان والفضيلة مناضلين في الجهاد حتى غلبوا"
"لقد انذهلت الجموع المشاهدة للحرب السمائية، الحرب الإلهية، الحرب الروحية، معركة يسوع."
"لقد رأوا خدام يسوع ثابتين في جرأة، بفكر مستسلم... محتملين سيوف العالم لكنهم مؤمنين ومحصنين بأسلحة الإيمان. لقد كان المعذبون أعظم شجاعة من الذين يعذبونهم. إذ غلبت الأعضاء المضروبة والممزقة، الآلات التي ضربتها ومزقتها!! لقد كانت الأسواط تكرر الجلدات بكل ما فما في قوتها، لكنها لم تقدر أن تهزم الإيمان غير المنظور!"
"لقد كان الدم يتدفق ليطفئ لهيب الاضطهاد ويبطل نيران جهنم. يا له من مشهد للرب سام وعظيم؟! كم هو مقبول في عيني الرب، وفاء جنوده وتكريسهم له."
"المسيح يحملنا نحن جميعًا، إذ هو يحمل خطايانا. ونحن نعلم أن الماء يفهم منه (المسيحيون) "رؤ15:17". والخمر يظهر دم المسيح ولكن في الكأس إذ يمتزج الماء بالخمر، فإن الشعب يتحد بالمسيح، وتتحد جموع المؤمنين معًا ويصيرون واحدًا بذاك الذي يؤمنون به. هذا الارتباط والوحدة تتم بين الماء والخمر الممتزجان في كأس الرب، ولا ينفصلان عن بعضهما البعض. هكذا لا يقدر شيء ما أن يفصل الكنيسة عن المسيح، لأن حبها غير منقسم... وأقصد بالكنيسة، شعبها الذي يثابر بإيمان وثبات. وهكذا لا يقدم في تقديس كأس الرب والماء وحده ولا الخمر وحده يكون دم المسيح حالا بدوننا. ولو قدم الماء وحده، يحضر الشعب بغير المسيح. ولكن إذ يمتزج الاثنان معًا ويرتبط كل بالأخر في وحده كاملة، فإن السر السماوي الروحي يكون كاملًا. لهذا فإن كأس الرب ليست ماء فحسب، ولا خمر وحده، بل يمتزج الاثنان معًا. وهكذا أيضًا جسد الرب لا يكون من الحنطة وحدها أو الماء وحده، بل يضاف الاثنان إلي بعضهما البعض ويتحدان ويكونان خبزًا واحدًا. وفي هذا السر يظهر شفيعًا واحدًا. فإنه وإن كانت حبوب القمح كثيرة لكنها تتجمع معًا وتطحن وتمزج وتصير خبزه واحدة. ليتنا نتعلم أنه في المسيح الذي هو الخبز السماوي، يوجد جسد واحد، الذي فيه يتحد الكل ويصير الكل واحدًا ..."
"من له صدق الإيمان يتمسك بخوف الله ومن يتمسك بخوف الله يعطي اعتبارا لله بأن يرحم الفقير لأنه يعلم إن ما أمرت به كلمة الله حقيقي وأن الكتاب المقدس لن يكذب لذلك يؤمن بأن الشجرة غير المثمرة أي الإنسان غير المنتج يقطع ويلقي في النار أما الإنسان الرحيم فيدعي في الملكوت."
"يا من أنت غني وثري في كنيسة المسيح كحِّل عينيك اللتين أظلمتا بظلام السواد وتظللتا في الليل لا تريان المحتاج والفقير... ليخجل الأغنياء من عقرهم وعدم إيمانهم فالأرملة الأرملة المحتاجة ماديا وجدت غنية في الأعمال، ومع أن ما يقدم سيوزعها على الأرامل والأيتام فإن تلك التي لاق بها أن تأخذ أعطت..."
"إن كنت تخاف وترتعب لئلا بصنعك هذا بسخاء يتبدد ميراثك وربما تسقط في الفقر تشجع من هذه الناحية وتحرر من القلق....."
"لست اضمن لك عدم احتياجك تحت مسئوليتي بل أعدك بهذا معتمدا على الإيمان بالأسفار المقدسة وتحت مسئولية الوعد الإلهي فالروح القدس تكلم على لسان سليمان قائلا. من يعطي الفقير لا يحتاج و لمن يحجب عنه عينيه لعنات كثيرة (ام28: 27) مظهرًا أن الرحماء والذين يقدمون أعمالا صالحة لن يحتاجوا بل بالحري الذي يحتجز أمواله العقيم سوف يحتاج."
"هل تخشي من نقص ميراثك إن تصرفت فيها بسخاء لكن هل حدث أن عجزت موارد الإنسان البار وقد كتب الرب لا يجيع نفس الصديق (ام10: 3) فلإيليا عالته الغربان في الصحراء وقد اعد لحم من السماء لدانيال وهو في الجب وأنت هل تخشي من احتياجك للطعام رغم شهادة الرب نفسه في الإنجيل وتوبيخه للمرتابين وقليل الإيمان قائلا. انظروا إلى طيور السماء أنها لا تزرع ولا تحصد ولا تجمع إلى مخازن وأبوكم السماوي يقوتها ألستم انتم بالحري أفضل منها (مت 6: 26)."
"أيها الأحباء الأعزاء ليته لا يمتنع المسيحي عن صنع الخير والبر متخيلا أنه يمكن أن يعفي من ذلك لأجل فائدة أولاده إذ علمنا وحذرنا قائلًا: مَنْ أحب أبًا أو أمًا أكثر مني فلا يستحقني و من أحب ابنا أو ابنة أكثر مني فلا يستحقني (مت 10: 37) لأنه إن أحببنا الرب من كل القلب ينبغي ألا تفضل عنه حتى الآباء أو الأنباء وهذا ما سجله يوحنا في رسالته بان غير الراغبين في أعطاء الفقير ليس فيهم حب الله وأما من كان له معيشة العالم ونظر أخاه محتاجا وأغلق أحشاءه عنه فكيف تثبت محبة الله فيه (1يو 3: 17) وإن كان بالصدقات التي تقدمها للفقراء تفترض الرب وعندما تعطي الأصاغر نقدم للمسيح فإنه لا يوجد موضع لتفضيل الأمور الزمنية على السمائية والأشياء البشرية عن الإلهية."
"ينبغي عليك أن تجعل الله الأبدي غير المتغير أبًا لأولادك الروحيين سلمه ثروتك التي تريد أن تدخرها لهم اجعله حارِسًا عليهم وضامنًا ومحافظًا عليهم بقدوته الإلهية ضد مصائب الزمن بذلك تمد ورثتك الأعزاء بتطويبات المستقبل هذا ما تمليه عليك العاطفة الأبوية لجل الاعتناء بمستقبل وارثيك معتمدا على قول الكتاب: كنت فتى والآن شخت ولم أر صديقا تخلي عنه ولا ذرية له تلتمس خبزا (مز 37: 25) وقوله الصديق يسلك بكماله طوبى لبنيه بعده (أم 7:20)."
"جاء عن أحد بطاركة الإسكندرية أنه بعد ما رسم بطريركًا أراد أن يزور والدته فلما دخل المنزل رأي والدته تعزل ولا تبالي بمجيئه وعندئذ بدأ يسألها أما تعرفينني إنني ابنك فأجابته بأنها تعرفه ولذلك فهي حزينة وأنها كانت تود أن تراه محمولا على نعش من أن يدخل إليها هكذا لأنه أولًا كان مسئولًا عن نفسه أم الآن فهو مسئول عن كل إنسان من الشعب فأخذ يبكي لما سمع إجابتها وبدأ يرعى رعية المسيح في خوف الله متذكرًا كلمات أمه هذه يا له من حب حقيقي لا مظهري؟!!"
"برع الشهداء في إعلان حبهم الحقيقي لأبنائهم فمن الشهيدات من كن يرفض الاستشهاد حتى يرون أولادهن يستشهدن أمامهن لكيلا يدخلن السماء في حين أولادهن ينشأن في تربية وثنية فلا يوجد من يعلمهم وبالتالي يحرموا من دخول الحياة الأبدية."
"أنك لا تليق أن تكون أبا فأنت خائن ما لم تهتم بإرشاد أولادك ما لم تهتم بحفظهم في الإيمان التقوى يا من تحرص على ممتلكاتهم الأرضية أكثر من حرصك على ممتلكاتهم السمائية فتوصيهم بالشيطان لا بالمسيح وبذلك تخطئ خطيئتين وترتكب جريمة مزدوجة بأنك لم تمد أولادك بمعونة الله أبيهم وبتعليمك لهم أن يحبوا ممتلكاتهم أكثر من المسيح."
"ينبغي على كل شخص أن يهتم بخاصته بالأخص المؤمنين. يقول الرسول في رسالته الأولي إلى تيموثاوس: وان كان احد لا يعتني بخاصته، ولاسيما أهل بيته، فقد أنكر الإيمان. وهو شر من غير المؤمن (1تي 5: 8). وفي نفس الموضوع جاء في أشعياء: أليس أن تكسر للجائع خبزك، وأن تدخل المساكين التائهين إلى بيتك (اش58: 7)."
"الصمت هو لغة السمائيين أما اللغات البشرية فهي لغة العالم لذلك قيل كثرة الكلام لا تخلو من معصية لهذا يعلمنا ابن سيراخ ألا نتسرع في الإجابة على الآخرين قائلا. قلوب الحمقى في أفواههم وأفواه الحكماء في قلوبهم (سيراخ 21: 29) بمعني أن الجهلاء يجعلون قلوبهم خاضعة لألسنتهم فيرضي بكل ما يتسرع به اللسان أما الحكيم فما يتكلم علي لسانه إلا ما يقبله قلبه."
"والطبيعة نفسها علمتنا عدم التكلم إلا بعد استشارة القلب فجعلت للسان بابين هما الأسنان والشفاه بعكس الأذن إذ هي مفتوحة دائما. إذا يا أخوتي الأحباء ليكن كل إنسان مسرعا في الاستماع مبطئا في التكلم مبطئا في الغضب (يع 1: 19)."
"كما أن الرجل العفيف ما يأكله إلى معدته إلا بعد مضغه في فمه هكذا الإنسان الحكيم المفرز فإنه لا يخرج كلمة من فيه إلا بعدما ينتقدها في قلبه لن الخصومات من شأنها في غالب الأوقات أن تبرز من الكلام غير الموزون وغير المنتقد (في الداخل)."
"هناك أمور كثيرة ينبغي أن تأخذها في الاعتبار فكر في الفردوس الذي لم يدخله قايين الذي بالحسد قتل أخاه فكر في ملكوت السموات الذي لا يسمح الله بدخوله إلا لذوي القلب الواحد والفكر الواحد أذكر أن صانعي السلام أبناء الله يدعون هؤلاء الذين بالميلاد ألسمائي والشريعة الإلهية قد صاروا واحدًا وصاروا شبه الله.."
"اعلم أن عين الله تراقبنا وأن الله نفسه بنظراته متتبع لتصرفاتنا وحياتنا ويحكم حتى أننا في النهاية نستطيع أن ننال التمتع به فإن أبهجنا الذي يرانا بأعمالنا الآن إن أظهرنا له أننا نستحق رضاه ولطفه إن جعلناه يسر بنا ونحن في العالم فإنه سيسر بنا دائمًا في ملكوته."
"أيها الأخ المحبوب إن حسدك لما هو خير وغيرتك ممن هم أفضل منك يبدوان في نظر البعض كما لو كانا خطأ تافها وطفيفا وإذ ينظر إليه (الحسد) كم لو كانا تافها وليس ذي قيمة لا يخشى منه وإذ لا يخشى منه يستهان به وإذ يستهان به يصعب تحاشيه ولهذا فإن الحسد ضرر مظالم وخفي فإذ لا ندركه هكذا بأنه ينبغي على الحكيم أن يتحاشاه يتسرب خفية إلى العقل غير الحذر ويجعله مضطربًا."
"لهذا ينبغي علينا أيها الأخ الحبيب أن نكون حذرين متسلحين بكل القوي مراقبين بدقة كاملة حتى نطرد العدو الثائر الذي يصوب أسهمه إلى كل جزء من أجزاء جسدنا الذي يمكن أن يضرب أو يجرح وذلك كما يحذرنا الرسول بطرس ويعلمنا في رسالته قائلا: اصحوا واسهروا لان إبليس خصمكم كأسد زائر يجول ملتمسا من يبتلعه هو (1بط 5: 8)."
"الضرر يكون تافها والخطر بسيطا عندما تجرح الأطراف بسيف فيكون الشفاه عينا مادام الجرح واضحا ويستخدم الدواء فالقرحة التي تري يمكن علاجها بسهولة أما جراحات الحاسدين فهي مخفية وسرية ولا تقبل علاجًا لشفائها فتغلق على نفسها آلام مخفيا داخل مكامن الضمير."
"منذ بداية العالم كان الشيطان هو أول من أهلك نفسه ودمر الآخرين لقد انكسر بالغيرة مع الحسد المملوء ضغينة ذاك الذي كان في العظمة الملائكية مقبولًا أمام الله ومحبوبًا عنده. إنه لم يرشق الآخرين بغريزة الغيرة قبل أن يرشق نفسه بها ولا بالأسر قبل أن يؤسر ولا بالدمار قبل أن يهلك وفي إغرائه بالغيرة أفقد الإنسان نعمة الخلود الموهوبة له وهو نفسه فقد تلك التي كانت له سابقًا. يا لها من شرور عظيمة أيها الإخوة الأحباء فقد أسقطت الملاك وأزالت مجد عظيم وبهي فتلك التي خدع بها الآخرون هو نفسه بها خدع!!"
"كل الشرور لها حدود وكل خطأ ينتهي بارتكاب الجريمة فالزاني تنتهي معصيته عند حد ارتكاب التعدي واللص تقف جريمته عندما يقتل والسالب يضع حدًا لجشعه والمخادع يضع نهاية لغشه أما الحسد فليست له حدود إنه شر يعمل على الدوام وخطية ليس لها نهاية."
"الحسد ثار على الأرض حتى يطيع الإنسان الذي يفسد بواسطته للشيطان مصدر هلاكه مقلدا إياه في حسده كما هو مكتوب بحسد إبليس دخل الموت إلى العالم (الحكمة24:2)."
"الحسد يجعل الوصايا مظلمة ويخضع مراكز العقل الخفية تحت سلطانه فيحتقر خوف الله ويهمل تعاليم المسيح ولا ينتظر يوم الدينونة وبالكبرياء ينتفخ وبالقسوة يمرر على الآخرين وبعدم الإيمان يراوغ وبعدم الصبر يهيج وبالخصام يثور وبالغضب يزيد الهياج فمن يخضع لأي سلطان أجنبي لا يقدر أن يقاوم أو يتحكم في نفسه."
"بالحسد يكسر رباط السلام الذي لربنا ويتعدى على المحبة الأخوية ويغش الحق ويكسر الوحدة ويسقط البشر في البدع والانشقاقات عندما يزدرون بالكهنة أو يحسدون الأساقفة فيشتكي الإنسان بأنه ألم يكن هو أحق بان توضع عليه الأيدي منهم؟! أو مستنكفا من أن يوجد من يكون أعلي منه."
"أساء العامة فهم معني كلمة ( الحسد) فطنوا أنه يعمي أن يراه آخر في خير فيحسده على الخير (صحة - أولاد...) فيزول الخير كأن الحسد يصيب المحسود لا الحاسد وقد رأينا أن الحسد هو ميل في قلب الحاسد نحو هلاك المحسود ولكن ليس لهذا الميل قوة على هلاك المحسود بل الحاسد إذ يحرمه من السلام الداخلي يبقي نهاره وليله متذمرًا حاقِدًا يطلب هلاك الآخرين يقف قلبه على النمو أو التقدم يعجز عن الصلاة يفقد صحة الروحية والنفسية والجسدية أيضًا.."
"إنك لست عدوًا لأي كائن ما أكثر من عداوتك لنفسك فأي إنسان تتعقبه بالحسد يمكنه الهروب منك وأما أنت فكيف تهرب من نفسك؟! فحيثما كنت يكون الخصم معك عدوك يكون دائما في صدرك ضررك يكون مغلقا عليه داخلك ستربط وتقيد بأغلال لا يمكنك التخلص منها إنك أسير لظلم الحسد فلا يمكن لأي تعزية أن تساعدك... إن الحسد بلية بلا علاج بها يكره الإنسان السعادة."
"إن آتاك فكر الحسد نحو إنسان ناجح صلي لكي يعطيه الرب نجاحًا أكثر ويهبك أنت تقدما أي حول الحسد إلى غيره وإن لم تستطيع أن تتقدم مثله أرتبط معه برباط الحب فتصران واحدًا ويصير نجاحه نجاحا لك.. بل يكفيك أنك نجحت بالمسيح يسوع في المحبة."
"داو نفسك بالتي كانت هي الداء أحبِب أولئك الذين سبق أن كرهتم أكرم الذين حسدتهم فاحتقرتهم ظلمًا امتثل بالصالحين عن استطعت أن تتبعهم أما إن عجزت عن اقتناء آثارهم فعلي الأقل افرح بهم وهنئ من هم أفضل منك اجعل لك نصيبًا معهم في رابطة الحب الذي يوحدكم اجعل نفسك شريكا لهم في تحالف المحبة ورباط الإخوة فإن أفكارك وأعمالك توجهها السماء عندما تهتم بالبر والأمور الإلهية كما هو مكتوب دع قلب الإنسان يفكر في البر فخطواته يوجهها الرب."
"أضف إلى ذلك أنه لا يجوز لنا أن نسبق بالحكم مادام الرب نفسه هو الديان اللهم إلا إذا كان سيصادق على ما قد حكمنا به الآن على الخطاة إذا وجد بعد ذلك توبة صادقة وكاملة منهم. إن خدعنا أحد بمظهر التوبة فالله لا يخدع فهو ناظر القلب فيحكم على تلك الأمور التي نراها بالكامل."
"حقًا كم يكون فرح المسيح فيهم؟! حقًا أنه يحارب ويهزم، في مثل هؤلاء الخدام الذين له إذ يحمي إيمانهم ويقدم لهم أكثر مما يأخذ أولئك الذين يرغبون في إهلاكهم: إنه حال في المصارعين الذين له، يسمو بإبطاله ويقويهم وينعشهم فالذي هزم الموت لأجلنا، دائمًا يهزم الموت فينا. لذلك يقول (فمتى أسلموكم فلا تهتموا كيف أو بما تتكلمون. لأنكم تعطون في تلك الساعة مات تتكلمون به لأن لستم أنتم المتكلمين بل روح أبيكم الذي يتكلم فيكم) "مت20، 19:10."
"يلزمنا أن نستعد للمعركة (الروحية) غير واضعين أمامنا سوى مجد الحياة الأبدية وإكليل الاعتراف بالرب غير مهتمين بما سيقابلنا (من عذابات) لأنها ستكون كتلك التي عبرت وانتهت."
"إنها حرب قاسية وشديدة تلك التي تهدد جنود المسيح. فلينظروا أنهم يشربون كأس دم المسيح اليومي، حتى يعطيهم إمكانية تقديم دمهم مسفوكًا لأجلهم. فإن هذا هو ما نبتغيه: أن نوجد مع المسيح ونقتدي بما علمنا إياه وما صنعه هو، كقول الرسول يوحنا (من قال أنه ثابت فيه فينبغي انه كما سلك ذاك هكذا يسلك هو أيضًا "1يو6:2 ") ."
"ليتنا أيها الأخوة الأعزاء نقتدي بهابيل أول الشهداء الذي ذبح لأجل بره."
"ميلاد المسيح أيضًا يشهد أولًا استشهاد الأطفال من سن سنتين فما دون من أجل المسيح. فمع أن سنهم لم يكن يتلاءم مع المعركة التي ثارت لينالوا الأكاليل. وذلك لكي يعلن بأن أولئك الذين يستشهدون لأجل المسيح أبرياء. لهم براءة الطفولة في تسليمهم للموت من أجل المسيح."
"هؤلاء الأطفال أظهروا أن الجميع معرضون لمخاطر الاستشهاد ما دام هؤلاء صحبوا الشهداء. ولكن كم تكون الخطورة، إن كان أحدنا بكونه خادمًا لا يقبل أن يتألم مع أن سيده قد تألم أولًا."
"ابن الله تألم ليجعلنا أبناء الله، وابن الإنسان (أي نحن) يرفض أن يتألم لكي ما نستمر بنوته لله؟!!"
"إن كنا نتألم بسبب بغضة العالم فقد احتمل يسوع هذا."
"إن كنا نحتمل إهانات في العالم أو نفي أو عذبات فإن خالق العالم وسيده ذاق أمر من هذا لذلك علمنا الرب قائلًا (إن كان العالم يبغضكم فاعلموا أنه قد ابغضني قبلكم. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و الكتب الأخرى). لو كنتم من العالم لكان العالم يحب خاصته. ولكن لأنكم لستم من العالم لذلك يبغضكم العالم. أذكروا الكلام الذي قلته لكم ليس عبد أعظم من سيده. إن كانوا اضطهدوني فسيضطهدونكم) "18:15-20 " وما قد علمنا إياه ربنا وإلهنا نفذه فعلًا حتى لا يعتذر تلاميذه بأنه علم ولم يعمل."
"أعزائي الأخوة الأحباء. إن غالبيتكم يتسمون بالعقل الرزين والإيمان الثابت والروح الورعة. فلا يضطربون بسبب التزايد الحالي للوفيات. إنما كالصخرة القوية الراسخة يصمدون أمام هجوم العالم وثورة أمواج الزمن. هذا وإن كان ذلك الهجوم وتلك الأمواج ليست بالأمر الهين ولا تقهر سريعًا، إنما هي تمتحن الآخرين بتجاربها. غير أنني ألاحظ أن من بين الشعب، يوجد أناس خائرين غير مجاهدين بعزم قلبهم الإلهي غير المغلوب، وذلك لانحرافهم عن الحق بسبب ضعف تفكيهم أو فساد إيمانهم أو ترفههم في الحياة الزمنية أو تدللهم الجنسي أو لسبب أخر... هذا الأمر الذي ليس لنا أن نخفيه أو نصمت بإزائه لكنني أبذل بحسب ضعفي كل ما أوتيت من جهد لمقاومة خمولهم وترفههم هذا... مستعينًا بوصايا الله..."
"أيها الأخوة الأحباء... من يحارب (روحيًا) من أجل الله، يلزمه أن يعرف أنه قد وضع في معسكر قاس، على رجاء نوال جزاء سمائي. فلا يرتعب من عواصف العالم وأعاصيره، ولا يهتز منها، لأن الرب سبق أن أنبأنا عن كل ما سيحدث لنا."
"هوذا ملكوت الله أيها الإخوة الأعزاء يقترب!! هوذا يأتي مع فناء العالم، مكافأة الحياة والتمتع بالخلاص الأبدي والسعادة الدائمة ونوال الفردوس المفقود!!!"
"هوذا السماويات أعدت لتحتل محل الأرضيات، والأمور العظيمة بدلًا من التفاهات، والأبديات عوض الفانيات. فما الداعي إذًا للقلق والجزع؟!! من يري هذا ويرتعب في حزن، اللهم إلا الذي بلا رجاء ولا إيمان؟!! فيرهب الموت ذاك الذي لا يريد الذهاب مع المسيح ولا يريد الذهاب مع المسيح ذاك الذي لا يؤمن أنه في طريقة إلي أن يملك مع المسيح إلي الأبد!!"
"فإن كنت بارًا فبالإيمان تحيا وإن كنت بالحق مؤمنًا بالمسيح، فلماذا لا تحتضن تأكيدات دعوة الرب لك، وتفرح متى تخلصت من الشيطان واقتربت لتكون مع المسيح في الفردوس؟!!"
"تمسك سمعان الرجل البار... بمواعيد الله بإيمان كامل حينما وعد من السماء أنه لا يري الموت قبل أن يعاين المسيح فإنه ما أن جاء المسيح طفلًا إلي الهيكل مع أمه مع أمه وعرفه بالروح. حتى أدرك أنه يلزمه أن يموت في تلك اللحظة وفي وسط غمرة سعادته باقتراب الموت، وتأكده من استدعائه حمل الطفل على ذراعيه وبارك الرب قائلًا: "الآن أطلق عبدك يا سيد حسب قولك بسلام لأن عيني قد أبصرتا خلاصك" (لو29:2). مثبتًا تزكيته، شاهدًا بأن خدام الله عندما يسحبون من وسط زوابع هذا العالم يدركهم السلام، فحرية، فهدوء وطمأنينة. أننا بالموت نبلغ ميناء وطننا (السمائي). الراحة الأبدية، وبه ننال الخلود. هذا هو سلامنا وهدوءنا النابع عن الإيمان وراحتنا الثابتة الأبدية."
"من جهة الراحة، ماذا نجد في العالم سوي حرب دائمة مع الشيطان وصراع في معركة دائمة ضد سهامه وسيوفه؟!! حربنا قائمة ضد محبة المال والكبرياء والغضب وحب الظهور، وصراعنا دائم ضد الشهوات الجسدية وإغراءات العالم. ففكر الإنسان يحاصره العدو من كل جانب وتحدق به هجمات الشيطان من كل ناحية. وبالجهد يقدر للفكر أن يدافع وبالكاد يستطيع أن يقاوم في كل بقعة فإن استهان بحب المال ثارت فيه الشهوات وإن غلب الشهوات انبثق حب الظهور وإن انتصر على حب الظهور اشتعل فيه الغضب والكبرياء، وأغراه السكر بالخمر ومزق الحسد وفاقه مع الآخرين وأفسدت الغيرة صداقاته."
"وهكذا اضطهادات كثيرة كهذه تعاني منها الروح كل يوم ومخاطر عظيمة كهذه تضايق القلب، ومع هذا لا يزال القلب يبتهج ببقائه كثيرًا هنا بين حروب الشيطان!!! مع انه كان الأجدر بنا أن تنصب اشتياقاتنا ورغباتنا في الإسراع بالذهاب عند المسيح، عن طريق الموت المعجل إذ علمنا الرب نفسه قائلًا "الحق الحق أقول لكم أنكم ستبكون وتنوحون والعالم يفرح أنتم ستحزنون ولكن حزنكم يتحول إلي فرح" (يو20:16)."
"لقد أعلن الرب نفسه أيضًا عن وقت تحويل حزننا إلي فرح بقوله "ولكن سأراكم أيضًا فتفرح قلوبكم ولا ينزع أحد فرحكم منكم" (يو20:16) . فمادام فرحنا يكمن في رؤية المسيح... فأي عمي يصيب فكرنا وأي سخافة تنتابنا متى أحببنا أحزان العالم وضيقاته ودموعه أكثر من الإسراع نحو الفرح الذي لا ينزع عنا؟!!"
"أيها الأخوة الأحباء... إن سر هذا (أي حبنا للعالم) هو عدم ثقتنا في أن الأمور التي يعد بها الله حقيقية... فلو وعدكم إنسان عظيم ذو مكافأة أما تثقون في وعده دون أن تتخيلوا انه سيغشكم أو يخدعكم لأنكم تعرفونه أنه صادق في كلماته قادر في أفعالة؟!! هوذا الله يكلمكم. فهل بتفكير كافر تترددون بغير إيمان؟! هوذا الله يعدكم بالخلود والأبدية برحيلكم عن هذا العالم فهل تشكون؟! إن شككتم فإنكم غير عارفين الله قط، وعاصين المسيح معلم المؤمنين. هوذا الشك يجعل الإنسان غير مؤمن رغم وجوده في الكنيسة بيت الإيمان!!"
"ياله من نفع نقتنيه بخروجنا من هذا العالم!! وعندما حزن التلاميذ، عندما أعلن لهم المسيح معلم خلاصنا ومعلم أعمالنا الصالحة انه سينطلق، قال لهم (لو كنتم تحبونني لكنتم تفرحون لأني قلت امضي إلي الأب "يو28:14 ")، معلمًا إيانا أن نفرح عند رحيل أحد أحبائنا من هذا العالم ولا تحزن متذكرين حقًا قول الرسول الطوباوي بولس (لي الحياة هي المسيح والموت هو ربح "في21:1"). حاسبين في الموت أعظم ربح، الأمر الذي لا نقدر أن نقتنيه بواسطة شباك هذا العالم أو نجتنيه بواسطة خطايا الجسد ورذائله. فبالموت نترك الأتعاب المؤلمة ونتخلص من أنياب الشيطان السامة لنذهب إلي دعوة المسيح متهللين بالخلاص الأبدي."
"يضطرب البعض بسبب مشاركتنا الوثنيين في الخضوع للمرض وكأن المسيحي قد آمن لكي يتمتع بالعالم ولا يخضع للأمراض في هذه الحياة وليس كإنسان يلزمه أن يحتمل الآلام ويحفظ هنا لكي يتمتع بالفرح المقبل...ومما يقلق البعض أيضًا خضوعنا للموت كالآخرين قائلين: فيما إذًا لا نشترك معهم في هذا العالم، مادام لا يزال سدنا خاضعًا للناموس الذي علينا حسب الميلاد الأول (الجسدي) مشتركين في ذلك مع الآخرين؟!! أننا نشترك مع البشرية بالتساوي فيما يختص بالجسد طالما نحن في هذا العالم، مميزين عنهم (غير المؤمنين) في الروح فإلي أن يأخذ هذا الفاسد عدم فساد، وهذا المائت عدم موت ويقودنا الروح القدس إلي الأب نشترك عامة مع البشرية. فإن حل بالأرض قحط لا يميز القحط بين مؤمن وغير مؤمن، وإن حدث غزو من الأعداء على مدينة فإن السبي يشمل الجميع وإذا امتنعت المطار عم القحط بالجميع، وإذا تحطمت سفينة هلك كل المبحرين فيها وهكذا يعاني الجميع من أمراض العيون والحمى وأمراض الأطراف ... إلخ."
"بالتأكيد يخاف من الموت، ذاك الذي لم يولد من الماء والروح حيث يسلم لنيران جهنم. + يخاف من الموت، من لم يختبر صليب المسيح وآلامه. يخاف من الموت، من ينتظر بعد الموت موتًا أخر. يخاف من الموت، الذي تنتظره نيران الأبدية والعقاب غير المتناهي. يخاف من الموت، من يجد نفعًا في تأجيل موته حتى تتأخر تنهداته وتأوهاته."
"كثيرون من شعبنا يموتون بهذا الموت (الجسدي) فيتحررون من هذا العالم. هذا الموت الذي يحسبونه (أهل العالم) كارثة يراه عبيد الله رحيل إلي الخلاص. الأبرار ويموتون كالأشرار بلا تفرقة... لكن الأبرار يدعون إلي الراحة والشرار إلي العقاب سلام عظيم يوهب للمؤمنين وعقاب لغير المؤمنين."
"أيها الأخوة الأحباء.... يا لنا من طائشي الفكر، وناكري المعروف لا نعرف العطايا الإلهية والهبات المقدمة لنا!!! آه. فبالموت ينتقل البتولين بسلام وأمان في مجد غير خائفين من تهديدات من هم ضد المسيح ولا من مفاسدهم أو شرهم. بالموت يهرب الأولاد من الضيقات التي تفوق طاقتهم نائلين سعادة جزاء صبرهم وبراءتهم. + بالموت لا تعود الفتاه المدللة ترهب أيدي المضطهدين وعذاباتهم. + بالموت المرهب يتقوى المتراخون ويجبر الهاربون إلي العودة للإيمان ويلزم الوثنيون بالإيمان. لقد دعي جماعة المؤمنين في القديم للراحة (الزمنية)، أما الآن فقد دعي جيش المؤمنين (الروحي) ليجتمعوا في المعركة ببسالة وشجاعة ويحاربوا دون خوف من الموت... لأنهم دعوا للقتال في وقت الموت (أي يحاربوا الخطية والشيطان أثناء انتشار الوباء المميت)."
"أيها الأخوة الأحباء... إن هذا الطاعون المخيف الذي يفتك بالناس فتكًا ذريعًا إنما يختبر بر كل إنسان ويفحص ضمائر البشر إنه يكشف عما إذا كان الأصحاء يهتمون بالسقماء والأقرباء يترفقون بأقربائهم والسادة يتعطفون بخدامهم الغرباء والأطباء يلبون نداء المصابين المتوسلين إليهم. أنه يظهر هل يكف قساة القلوب عن قساوتهم، ويطغي الجاشعين طمعهم في محبة المال خوفًا من الموت، وهل يحنى المتشامخون رقابهم ويلطف الأشرار من وقاحتهم وعندما يري الأغنياء أن أعزاء لهم يموتون هل يعطون للفقراء لأنهم يموتون وليس لهم من وارث!!"
"وبالرغم من هذا الموت لا يقدم أي هبة ألا انه نافع بالنسبة للمسيحيين وعبيد الله؛ إذ يبدأون يشتاقون للاستشهاد فالموت يعلمنا ألا نخاف الموت. أنه بمثابة تدريب لنا. يقدم للفكر أمجاد الثبات، وبالتأمل فيه نستعد للإكليل."
"إذ لم يستشهد إبراهيم ولا إسحق ولا يعقوب ومع ذلك استحقوا تلك الكرامة أن يكونوا المتقدمين بين البطاركة هؤلاء دعوا إلي الوليمة إذ وجدوا مؤمنين وأبرار ومستحقين للمديح."
"يجب علينا أن نتذكر الملكوت بأنه يلزمنا ألا نغفل حسب إرادتنا بل حسب إرادة الله حسبما أمرنا الرب أن نصلي به يوميًا."
"يا له من جنون مطبق وسخف أننا بينما نطلب أن تعمل إرادة الله فينا إلا أنه عندما يدعونا الله وينتزعنا من هذا العالم لا نطيع إرادته!! بل نقاوم ونصارع كعبيد متمردين فنذهب إلي حضرة الرب بحزن وأسف تاركين هذا العالم عن ضرورة وليس في طاعة لإرادة الله ومع ذلك نريد أن يمجدنا الله الذي نذهب إليه جبرًا بالأكاليل السماوية."
"يطعمنا جسد الرب ويسقينا دمه، فخبز الحياة هو المسيح. وهذا الخبز ليس لأي كان. إنما هو لنا، هو خبزنا!"