بعد حوادث الإصحاحات (٩ ، ١٠) وفي (يو١٠ : ٢٢) يقول القديس يوحنا
"وكان عيد
التجديد".
وبهذا نفهم أن أحداث ص٩، ص١٠ جرت في وقت عيد التجديد. بينما أن أحداث ص٧ ، ٨ جرت في عيد المظال. وعيد المظال يأتي في شهر تشرى (شهر٧ العبري) وهو يوافق سبتمبر/ أكتوبر. أمّا عيد التجديد فيأتي بعده بشهرين في شهر كسلو (شهر٩) العبري وهذا يأتي خلال شهر ديسمير أي في الشتاء. ومدة عيد التجديد ٧أيام ونسمع عنه في (٢مك٩:١) وفيه إحتفل المكابيين بتجديد وتطهير الهيكل بعد أن خربه ونجسه أنطيوخس إبيفانيوس الملك اليونانى. ولم نسمع أن المسيح غادر أورشليم بعد أحداث ص٨ أي بعد عيد المظال. إذاً هو غالباً بقى فيها حتى عيد التجديد.
علاقة إصحاحى ٨ ، ٩
وضع القديس يوحنا هذه المعجزة هنا، ففي إصحاح (٨) سمعنا أن المسيح نور العالم، وهنا التطبيق العملي، فهو يعطي إستنارة جسدية وروحية للمولود أعمى. وإنتهى الإصحاح بقول السيد المسيح "إبراهيم رأي يومي وفرح" وهذا المولود أعمى رأي المسيح وإستنارت عيناه وفرح، وهكذا كل من يرى المسيح يفرح. لذلك وضع القديس يوحنا هذه المعجزة هنا.
عيد التجديد
كان اليهود يسمون عيد التجديد بعيد الأنوار ويحتفلون فيه بعودة الله للحلول في وسطهم. وكان هذا رمزاً لحلول المسيح في وسطهم فهذا معنى إسم عمانوئيل. وعلاقة تعاليم الرب في هذه المناسبة مرتبطة بالمناسبة وهي عيد التجديد، فهو يربط المفهوم اليهودي الذي تثيره إنتصارات المكابيين بمفهوم الخلاص الحقيقي الذي أتى من أجله، أتي لهم
كراعٍ صالح
(يو١٠ : ١١) ليدشن هيكله الجديد بدمه. ومع أنوار عيد الأنوار أو عيد التجديد قال المسيح
أنا نور العالم
(٥:٩). وعندما فُتِحَ باب الخراف في الهيكل لتدخل خراف العيد للذبائح اليومية وقف المسيح وقال
فصل المولود أعمي يقرأ في الأحد السادس من الصوم الكبير يوم أحد التناصير لإرتباطه بالمعمودية. ويقرأ الأحد الرابع من شهر طوبة بعد عيد الغطاس لإرتباطه أيضاً بالمعمودية. والمعمودية تعطي إستنارة لأن بها مغفرة الخطايا فتزيل الغشاوة من العيون. لذلك في طقس المعمودية في الكنيسة يلبس المعمد ثياب بيضاء (تبرير) وزنار أحمر (رمز لدم المسيح) ويمسك الشمامسة شموعاً مضاءة (رمز الإستنارة).
لماذا يُخلق إنساناً عاجزاً أو ناقصاً
(أو لماذا يتألم الإنسان) بسبب الخطية دخل الموت ودخل المرض والألم إلى العالم بعد أن فقد وضعه الطبيعي مع الله، فصارت أي جرثومة قادرة أن تهلك الإنسان . وربما يكون هذا عن إهمال من الإنسان أو لشئ خارج عن إرادته مثل هذا الأعمى فهو قد ولد هكذا. ولكن نلاحظ أن الله في محبته يعوض الذي ينقصه حاسة بقدرات زائدة في باقي حواسه، بل يحنو الله نفسه عليه. ويكون السؤال أيهما الأفضل أن يولد الإنسان بكامل قدرات جسمه أو بنقص معين في جسمه مع حنو زائد من الله. ولقد قال الأنبا أنطونيوس للقديس ديديموس الضرير (طوباك يا ديديموس إذ خسرت عينين ترى بهما التراب ولكن لك عينين ترى بهما السماء). فالمسيح لا يعطي عطاء ناقصاً، بل كل ما يسمح به لي هو لخلاص نفسي (١كو٢٢:٣) . عموماً فهذا الأعمى ليس له ذنب فيما هو فيه لذلك أتى له المسيح من نفسه دون أن يسأله، ليشفيه ولتظهر أعمال الله فيه.
ولكن ما معنى أن تظهر أعمال الله فيه
؟!
[١]
أن يتمجد المسيح وتظهر أعماله إذ يشفى هذا المولود أعمى فيؤمن الناس. لكن هل ليتمجد المسيح وتظهر قدراته الفائقة كان لابد أن يتعذب هذا الأعمى طوال عمره؟! هنا لابد أن نفهم ما معنى أن تظهر أعمال الله فيه....
[٢]
فما حدث أن شفاء هذا الأعمى صار لخلاص نفسه. فهو تعرف على المسيح وآمن به كإبن الله، بينما فشل اليهود المبصرين في هذا. هذه هي أعمال الله التي ظهرت.. ليست شفاءه من العمي الجسدي بل شفاءه من العمي الروحي (وهذه هي الخليقة الجديدة). فآمن وخلص. وكما كان عمي هذا الأعمى سبباً في خلاصه، هكذا كان قصر زكا سبباً في خلاصه هو وأهل بيته. إذاً نرى أن العاهات سبب بركة لصاحبها، وهذا هو حنو الله الزائد على أصحاب العاهات، أضف لذلك أن الله لا يخلق شيئا به عيب. الله قادر أن يحول العيوب التي فينا إلى خير لنا، لذلك علينا أن لا نقول عن العاهات عيب خِلقى بل علينا ان نطلق عليها
بركة خلقية
، فالله "يخرج من الجافي حلاوة" حقاً كما نقول في القداس الغريغوري (حولت لي العقوبة خلاصاً) راجع (١كو٢٢:٣). وكانت هذه الحالة لشفاء الأعمى رمزاً لما عمله المسيح، فالأعمى كان رمزاً لهذا العالم الذي يحيا في ظلام لا يعرف الله. فآدم أخطأ ولكننا كلنا حوكمنا بذنبه وصرنا نولد بالخطية مشوهين روحياً كما ولد هذا الأعمى مشوها.
[٣]
ولذلك أتى المسيح إلينا ليظهر فينا أعمال محبته ويفتح بصائرنا فنخلص. هو صار نموذج لإرادة الله في فتح أبصار البشر، بل تجديد الخليقة كلها. وكما فتحت أعين هذا الأعمى في مياه بركة سلوام تنفتح أعيننا في مياه المعمودية. وبعد هذا لا يصير آدم هو المسئول عن خطيتي بل أنا المسئول عنها. فبعد أن تنفتح أعيننا في المعمودية ثم نترك المسيح نكون نحن المسئولين عن خطيتنا. لقد شفانا المسيح من أثار خطية آدم بفدائه وفتح أعيننا لنرى الله. إذاً
من أخطأ هذا أم أبواه حتى وُلِدَ أعمى= فاليهود يرجعون كل مرض وكل عاهة تصيب الإنسان إلى خطية قد إرتكبها وبسببها يعاقب، أو خطية لأبواه وينال هو جزاؤها، أو خطية إقترفها هو ذاته في حياة أخرى عاشها قبل ولادته في هذه الحياة بمقتضى عقيدة تناسخ الأرواح، أي عودة الروح إلى جسد آخر لتحيا فيه من جديد، التي كانت شائعة في ذلك الوقت في بلدان الشرق الأوسط ولا سيما في مصر وفلسطين والهند. ولذلك قال الفريسيين للأعمى بعد أن شفي "في الخطيئة ولدت أنت بجملتك" (٣٤:٩). فالفلسفات نشرت فكرة تناسخ الأرواح. وأيضاً فهم اليهود الخاطئ للآية "أفتقد ذنوب الآباء في الأبناء فى الجيل الثالث والرابع من مبغضىَّ" (خر٢٠ : ٥) جعلهم يتصورون أن الله قد يعاقب مولود نتيجة أخطاء أبويه. ومع أن الله صحح هذا المفهوم (حز٤:١٨) إلاّ أن الفكرة ظلت مستمرة. ومعنى أن الله يفتقد ذنوب الآباء في الأبناء، أن الله يبحث في الأبناء.. هل خطايا أبائهم مازالت موجودة وما زالوا يبغضون الله.. حينئذ يعاقب. وهو قال الجيل الثالث والرابع حين تكون الخطية قد صارت شائعة فتكون العقوبة عامة. ولاحظ أنه لم يقل أعاقب الأبناء بل أفتقد أي أبحث هل الخطية مازالت موجودة. ولكن في بعض الأحيان ينشأ طفل بمرض ناتج عن خطية أبواه وذلك مثلاً من مرض كأمراض النجاسة، أن أب ينهك صحته فيخرج إبنه ضعيفاً (حز٥:٢٠+٧:٣٤+ تث٩:٥). والمسيح لم يجب عن هذا السؤال ليتركنا نفكر ليس عن سبب الألم الذي نحن فيه، ولكن كيف نحول الألم لعمل إلهي. والمسيح لم يلغي أن هناك علاقة بين الخطية والمرض، فمن المؤكد أن هناك علاقة ولكن من العسير أن ندركها نحن بعيوننا . فلا يصح أن نقول على كل متألم أنه متألم نتيجة خطيته. علينا أن لا نفكر فيمن أخطأ بل نصلي للمتألم ولكن من السهل أن نؤمن أن كل شئ يؤول إلى مجد الله فكل الأمور تعمل معاً للخير للذين يحبون الله. وكون أن هناك علاقة بين المرض وبين الخطية يتضح من قول المسيح لمقعد بيت حسدا "لا تخطئ فيكون لك أشر" .
أنا نور العالم= المسيح هو المرسل (سلوام تعني المرسل). فهذه البِركة تشير لشخص المسيح الإلهي فهو المرسل من الآب لخلاص البشر. وهذه البركة كانت ترمز في النبوات إلى عرش ومملكة بيت داود (إش٦:٨+ نح١٥:٣+ لو٤:١٣) فالنبوات كانت تقول عن المسيح أنه مرسل من الله. والمسيح هو نور العالم ومازال موجوداً في العالم ولن يفارقه، ويعطي نوراً وإنفتاحاً لكل إنسان يؤمن. هو جاء ليكمل عمل الخليقة بإعطائها عيون روحية بدلاً عما فقدته بالخطية ورافعاً حجاب الظلمة الذي كان يحجز رؤية الإنسان لله. هو يعطي نوراً للعالم وبصيرة في قلب الإنسان. وبين هذا عملياً بشفاء الأعمى. راجع تفسير الآية (يو٨ : ١٢) .
أعمل أعمال الذي أرسلني= في كل عمل أو معجزة يقوم به المسيح فهو يستعلن محبة الله لنا وإرادته من نحونا، فهو يفتح عيني الأعمى ليعلن أن إرادة الله الآب هي أن نبصر، ويقيم لعازر ليعلن أنه يريد لنا القيامة والحياة.
ما دام نهار= ما قبل المسيح شمس البر (ملا٤ : ٢) كان ليل اليوم السابع للخليقة، إذ كان ليل يغطي الإنسان ، إذ فقد الإنسان رؤيته لله ، وحين جاء المسيح نور العالم صار نهار. والمسيح صنع معجزات شفاء كثيرة وعلَّم تعاليم محيية طوال فترة وجوده بالجسد على الأرض. وقد يكون المعنى المباشر الذي يقصده السيد، أنه طالما أنا في الجسد فلأعمل أعمال شفاء لتؤمنوا. ولكننا ما زلنا نستمتع بنهار المسيح فهو مازال معنا "ها أنا معكم كل الأيام إلى إنقضاء الدهر" (مت٢٠:٢٨) فهو لا يكف عن العمل. وهو يعمل مع كل واحد ليفتح بصيرته قبل أن يأتي ليله، وليل الشخص قد يعني يوم موته أو خطاياه التى ينغمس فيها بلا توبة. وهناك ليل عام وهو يوم الدينونة حين تنتهي فرصة كل إنسان خاطئ أعمى من أن يستنير بنور المسيح. (فلننتهز الفرصة مادام نهار قبل أن نموت). ما دمت في العالم فأنا نور العالم فالمسيح لنا هو نور الحياة، هو يضئ ظلمة حياتنا. ينبغي أن أعمل= المسيح مشتاق أن يعمل، ويغير طبيعتنا إلى الخليقة الجديدة. فلنسلم له حياتنا طالما نحن أحياء = مادام هناك نهار = المقصود به وقت العمل. أما الليل فهو التوقف عن العمل. إذاً النهار فى قصة هذا المولود أعمى قد يقصد بها الرب أنه طالما أنه موجود على الأرض بالجسد سيظل يعمل ويشفى، هنا النهار هو حياة المسيح على الأرض بالجسد قبل صلبه. وبالنسبة لنا فالمسيح بحسب وعده أنه معنا إلى إنقضاء الدهر (مت٢٨ : ٢٠ + مت١٨ : ٢٠) ، وهو لن يكف عن العمل معنا طالما نحن أحياء ليضمن خلاصنا ، فالنهار لنا هو مدة حياتنا على الأرض. هو يريد أن يعمل معنا فهل نسلم له حياتنا ونعمل معه.
النهار
يشير إذاً لإرادة المسيح أن يعمل فينا وبنا ولأجلنا ليعطينا حياة أبدية. والمسيح نور ليس عنده ليل ولا ظلام. فالمسيح نهاره مستمر يريد أن يشفى دائما "أبى يعمل حتى الآن وأنا أعمل" (يو٥ : ١٧) . بل لو كف المسيح عن العمل لإنتهى هذا العالم بالدمار، فهو الذى يحفظ الكون "حامل كل الأشياء بكلمة قدرته" (عب١ : ٣) . لكن
الليل
والظلام يشيران للخطية. وعند القديس يوحنا نجد أن الليل يشير للإنسان الذى يسلم نفسه للشيطان مُصِّرا على خطاياه. كما خرج يهوذا من العلية بإصرار على أن يسلم المسيح، فنجد القديس يوحنا يقول "وكان ليلاً" (يو١٣ : ٣٠) هنا نرى أن المسيح ظل يحاول مع يهوذا حتى آخر لحظة، وأمام إصراره سقط فى يد الشيطان فلم يقدر المسيح أن يعمل معه شئ، لقد دخل فى ظلمة الليل، والشيطان هو سلطان الظلمة (لو٢٢ : ٥٣). وراجع أيضا (يو٧ : ٥٠ + يو١٩ : ٣٩)) فالليل هنا إشارة لضعف إيمان نيقوديموس. وراجع أيضا (يو١١ : ١٠ + يو١٢ : ٣٥) . كان اليهود عمياناً روحياً فلم يعرفوا المسيح = هؤلاء كانوا فى الليل فلم يتقبلوا عمل المسيح. كان ذلك بسبب خطاياهم. هم لم يحبوا الله فلم يعرفوا المسيح وكان هذا هو حال كل العالم. والمسيح أتى ليعلن الآب للناس فيحب الناس الله وتنفتح عيونهم، وهذه هي الخليقة الجديدة، وهي متاحة لكل العالم. وكان هذا هو العمل الذى يعمله المسيح طالما
هناك نهار
أن يعلن الآب ويشفى طبيعتنا. وكان هذا الأعمى نموذج لها فقد شفاه المسيح جسديا وروحيا. أما اليهود فكانوا
فى الليل
، كانوا عمياناً بالقلب بسبب خطاياهم فلم يعرفوا المسيح فلم يشفوا، بل صلبوه، بينما كانت عيونهم الخارجية سليمة. وهذا ينطبق عليه "كم مرة أردت...ولم تريدوا" (مت٢٣ : ٣٧) . فالمسيح نهاره مستمر يريد أن يشفى دائما. ولكن من هو فى ظلمة الخطية رافضا الخروج منها لا يستجيب لعمل المسيح. وهكذا قيل عن أهل وطنه وأقرباءه وفى بيته "لم يقدر ان يصنع هناك ولا قوة واحدة غير انه وضع يديه على مرضى قليلين فشفاهم وتعجب من عدم إيمانهم" (لو٦ : ٤ - ٦) . إذا عدم قدرة المسيح عن العمل هنا راجع لعدم إيمانهم. بينما كان هذا المولود أعمى مفتوح البصيرة فعرف المسيح وآمن وخلص إذ قال
"أومن يا سيد"
آية ٣٨ . وهكذا كان إبراهيم الذي رأى يوم المسيح وفرح، وهكذا نحن نحب المسيح دون أن نراه بالجسد. الآن يمكننا أن نقول أن
النهار
أيضا هو إشارة لمن هو على إستعداد أن يتقبل عمل المسيح معه، ولذلك كان المولود أعمى فى النهار. بينما اليهود كانوا فى
الليل
إذ هم رافضين لعمل المسيح فيهم.
الآيات (يو٩: ٦-٧):- "٦قَالَ هذَا وَتَفَلَ عَلَى الأَرْضِ وَصَنَعَ مِنَ التُّفْلِ طِينًا وَطَلَى بِالطِّينِ عَيْنَيِ الأَعْمَى. ٧وَقَالَ لَهُ: «اذْهَبِ اغْتَسِلْ فِي بِرْكَةِ سِلْوَامَ» الَّذِي تَفْسِيرُهُ: مُرْسَلٌ، فَمَضَى وَاغْتَسَلَ وَأَتَى بَصِيرًا. " هذه عملية خلق أو هي خلقة تصحيحية. فالمسيح هنا يخلق عينين (تك٧:٢+ أش٨:٦٤) كأن عجنة الطين التي خُلِقَ منها الأعمى عادت ليد خالقها الأول يشكل لها من ذات الطين عينين ، راجع (إر١٨). ولعاب المسيح يصنع شفاء فهو ينقل من المسيح سر الحياة الجسدية والسليمة والكاملة، فهو حي ومحيي وكل جزء من جسده فيه حياة وشفاء فجسده متحد بلاهوته المحيى.
إذهب إغتسل في بركة سلوام=
وكان على الأعمى أن يؤمن ويطيع ويغتسل ولو فكر لإمتنع فلو إغتسل لسقط الطين.
وبركة سلوام
هي بركة تستمد مياهها من نبع عالٍ إسمه حالياً "نبع مريم" وقد حُفِرتْ البركة بقصد توصيل المياه داخل أسوار أورشليم خلال قناة تحت الأرض ليكون هناك مياه في أورشليم أثناء حصارها. وربما حفرت من أيام سليمان. ومعنى كلمة
سلوام=
المرسل لأن مياهها مرسلة من مكان آخر، وليست نابعة من مكانها، بل منحدرة ومرسلة إليها من نبع آخر أعلى كأن المسيح يقول أن من يشفي الأعمى أي المسيح نفسه هو مرسل من الله. والإغتسال فيه معنى المعمودية، والمعمودية هي موت وقيامة مع المسيح المرسل من الله=
سلوام
(رو٣:٦-٥) وهذا هو الخلق الجديد. وسماها إشعياء "شيلوه" (٦:٨) بمعنى مرسلة. وقد ردمت مع الزمن وأعيد إكتشافها. وهي لها إتصال وثيق بخدمة الهيكل لذلك إعتبرت مياهها مقدسة وكانت مياهها تستخدم في طقوس عيد المظال. والرب أرسل الأعمى ليغتسل فيها، والإغتسال في مياه مقدسة هو المعمودية. فالماء له دور في الخلقة الجديدة لذلك أرسله المسيح إلى الماء. وكانت المياه مياه جارية لإنحدار القناة من البركة العليا للبركة السفلى. والمعمودية تسمى الإستنارة في العهد الجديد فمن ناحية هى غفران للخطية فيتنقى القلب فنبصر ، وهي اتحاد بالمسيح النور الحقيقى الذى يسكن فينا فيعطى إستنارة. وهذه البِرْكة ترمز للمسيح (إش٦:٨) . وبالذات لخلاص المسيح الهادئ، وفي (إش٦:٨) نجد مقارنة بين خلاص الله الهادئ وبين مياه دجلة والفرات حيث جيوش أشور القوية والكثيرة (رمز للقوى الإنسانية) التي يريدها اليهود لخلاصهم، فذهبوا يحتمون بأشور فى أيام إشعياء رافضين وعود الله لهم بالحماية من أعدائهم. وهم أرادوا مسيحاً يقود جيوش. فنجد أن حتى تلاميذ المسيح لم يفهموا فداء المسيح على الصليب، لذلك قال تلميذى عمواس عن المسيح "ونحن كنا نرجو أنه هو المزمع أن يفدى إسرائيل" (لو٢٤ : ٢١) . وهذه النبوة تشير لأن اليهود رفضوا المسيح الهادئ ملك السلام الذى يخلص بالحب وليس بالحرب "رذلوا مياه شيلوه الجارية بسكوت". ولاحظ أن المسيح ذهب للأعمى دون أن يسأله أحد، كما ذهب ليقيم إبن أرملة نايين دون أن يسأله أحد، رمزاً لأنه أتى لتجديد خلقة البشر وليعطهم حياة دون أن يسأله أحد (أش١:٦٥) .
تأمل :-
نلاحظ أن الطين يفسد العين السليمة، أي الطين يزيد حجم المشكلة. وهكذا في بعض الأحيان نتصور أن الله يعقد المشكلة. كما حدث للشعب عند خروجهم من مصر، فالبحر أمامهم وفرعون وراءهم. بل العجيب أن المسيح طلب من المولود أعمى أن يذهب ويغتسل، فلو أعمل هذا الشخص عقله لقال أن الماء سيغسل الطين فما لزوم الطين. علينا أن نفهم أن عقولنا البشرية عاجزة عن فهم حكمة الله وتدبيراته.
في أصلها اليوناني الإنسان الذي يقال له يسوع. فالأعمى رأى المسيح أنه في وضع يفوق كل الناس.
أليس هذا هو=
فشكله قد تغير. وهكذا كل من عرف المسيح وإستنارت عيناه. ولاحظ أن المولود أعمى لم يرى المسيح حتى ذلك الوقت.
الآيات (يو٩: ١٣-١٥):- "١٣فَأَتَوْا إِلَى الْفَرِّيسِيِّينَ بِالَّذِي كَانَ قَبْلاً أَعْمَى. ١٤وَكَانَ سَبْتٌ حِينَ صَنَعَ يَسُوعُ الطِّينَ وَفَتَحَ عَيْنَيْهِ. ١٥فَسَأَلَهُ الْفَرِّيسِيُّونَ أَيْضًا كَيْفَ أَبْصَرَ، فَقَالَ لَهُمْ:«وَضَعَ طِينًا عَلَى عَيْنَيَّ وَاغْتَسَلْتُ، فَأَنَا أُبْصِرُ»." السنهدريم مكون من الفريسيين ورؤساء الكهنة. لذلك فالفريسيين هم فرع من السنهدريم. وهؤلاء رأوا أن المسيح كسر السبت في عدة نواحٍ فهو تفل على الأرض وصنع طيناً وهذا عمل، وعالج الأعمى وهذا عمل، والأعمى سار حتى بركة سلوام. والربيين قالوا من يضع دواء في العين يوم سبت فهو حرام، ولكنهم لم يروا المعجزة في روعتها فصاروا هم عمياناً وأبصر الأعمى. هنا نرى أعمى بالجسد وقد صار مبصراً ونرى عميان بالبصيرة يرون الماديات ولا يرون الحقيقة. وكان من المتعارف عليه عند الرابيين اليهود أن اللعاب يشفى أمراض العين لكن لم يقل أحد أنه يخلق عينين. ولما حدثت المعجزة هاج الفريسيين. ومن محاولاتهم للهجوم على المسيح وإنكار المعجزة *أنه عمل المعجزة يوم سبت وبالتالى فهو شرير لا يمكن له أن يعمل معجزة. فكان من الممنوع التداوى والعلاج يوم السبت، إلا لو كانت الحياة مهددة وهذه ليس حالة المولود أعمى. وكان من الممنوع إستخدام اللعاب لشفاء العين يوم السبت. *الخطوة التالية لإنكار عمل المسيح قولهم للمولود أعمى "إعطى مجدا لله" أى أن يعترف بأن الذى عمل المعجزة هو الله وليس المسيح، فالمسيح شرير ولا يعمل معجزات. أو يتخذ ضدك إجراء قاسى.
آية ( يو٩: ١٦):- "١٦فَقَالَ قَوْمٌ مِنَ الْفَرِّيسِيِّينَ:«هذَا الإِنْسَانُ لَيْسَ مِنَ اللهِ، لأَنَّهُ لاَ يَحْفَظُ السَّبْتَ». آخَرُونَ قَالُوا:«كَيْفَ يَقْدِرُ إِنْسَانٌ خَاطِئٌ أَنْ يَعْمَلَ مِثْلَ هذِهِ الآيَاتِ؟» وَكَانَ بَيْنَهُمُ انْشِقَاقٌ. " هنا بدأ إنشقاق بين الفريسيين. وهذا طبيعي فهناك من هو أعمى القلب وهناك من هو مفتوح البصيرة.
إنه نبيٌ= بعد أن كان المسيح في نظره مجرد "إنسان إسمه يسوع". فبعد أن إنفتحت عيناه صار يسوع نبي. كان يخبئ الكلمة في قلبه، ولم يستطع كتمانها أكثر من ذلك، وشهادته هذه تأكيد للنور الذي دخل قلبه، ولاحظ عدم خوفه من الفريسيين= السنهدريم= اليهود.
لم يصدق اليهود= هم ظنوها مؤامرة بين المولود الأعمى والمسيح فطلبوا سؤال أبويه وهم خافا حتى لا يخرجوا من المجمع.
= عبارة تشير إلى أن هناك إجراء خطير سيتخذ ضدك وهذا الإجراء له شقين [١]
شق ديني=
يحرم المتهم من الله والحياة الأخرى. [٢]
شق مدني=
يُعْزل عن المجتمع ولا يتعامل معه أحد (بيع أو شراء) . وهم يخيفونه بهذه العبارة (يش١٨:٧) والمعنى إعترف لعل الله يرحمك في الحياة الأخرى، فهم يطالبون المتهم بالإعتراف بالحق خوفاً من الله. وأن قراراً سيصدر بقطع المتهم أو إعدامه، فعليه قبل هذا أن يعترف بخطيته ويعطي بهذا مجداً لله ليحتفظ بحق الرحمة في الدهر الآتي بعد أن يكون قد حُرِم من كل حقوق الحياة كواحد من شعب الله في الحاضر (قتل أو قطع). وهم هنا يريدون أن يرعبوا هذا الأعمى البصير حتى يسحب إعترافه بأن المسيح نبي، وهم يوصوا للأعمى بما يقوله إذ يقررون أمامه بأن المسيح خاطئ، وأن هذا حكمهم وهم السنهدريم أي الهيئة الرسمية، حتى يلتزم بتغيير شهادته.
أنا أعمى والآن أبصر=
إن أقوى رد على محاولات التشكيك في المسيح هي إختباراتنا الشخصية.
هم يريدون أن يستنطقوه بأن المسيح صنع سحراً إو إستخدم شياطين ليشفيه أو يقول كلاماً مناقضاً لما قاله من قبل فيمسكونه عليه. وبدأ الأعمى البصير يهاجمهم ويسخر منهم فشتموه وإتهموه بأنه تلميذ المسيح وليس تلميذاً لموسى. (هذا الأعمى الشحات وبخهم= أعلنها للأطفال الصغار وأخفاها عن الحكماء).
تلاميذ موسى=
كانوا يقولون أنهم تلاميذ موسى ويقولون هذا بصلف وكبرياء وإستعلاء. فإن كانوا يتباهون بأن الله كلَّم موسى فإنه من المؤكد أنهم سمعوا شهادة المعمدان بأن السماء إنفتحت للمسيح، والآب تكلم يوم عماده.
(أي٨:٢٧-٩+ مز١٥:٣٤-١٦+ أم٢٧:١-٢٩، ٢٩:١٥+ أر١١:١١) نرى الفريسيين متشككين ويحاولون تشكيك ذلك الأعمى المستنير وما يثير هؤلاء الفريسيين أن المسيح لم يحصل منهم على تصريح بما يفعله، لا منهم ولا من مدارسهم. وهم سلطانهم من موسى، وموسى من الله، وهم يتكلمون بفم موسى أي بفم الله، ولكن المسيح بأعماله يهدم كل ذلك، والأعمى رأى وفهم أما هم فتحجروا. وما منعهم من الفهم هو إحساسهم بضياع سلطانهم. وكان منطق الأعمى المستنير، وإن لم تعرفوا من أين هو فيكفي هذه المعجزة لأن تعلموا من هو ومن أين هو، فهو لابد من الله فلا يمكن أن يسمع الله للخطاة (مز١٨:٦٦). وكالعادة إذ لم يجدوا رداً بدأوا يشتمونه.
في الخطايا ولدت أنت=
أي أنت ولدت أعمى بسبب خطاياك وخطايا أبوك وأمك، وهذا هو الرأي اليهودي ولكن ما قولهم إذ فتح المسيح عينيه الآن. ثم طردوه من جماعة اليهود. وكان الحكم بالطرد إمّا لفترة ٣٠يوماً أو لمدة طويلة. والطرد كان يحرمه من مزاياه الدينية والاجتماعية. لاحظ تخبط اليهود "أما هذا فما نعلم من أين هو" (٢٩:٩) "هذا نعلم من أين هو" (٢٧:٧) "المسيح متى جاء لا يعرف أحد من أين هو" (٢٧:٧). الآيات (يو٩: ٣٥-٣٨):- "٣٥فَسَمِعَ يَسُوعُ أَنَّهُمْ أَخْرَجُوهُ خَارِجًا، فَوَجَدَهُ وَقَالَ لَهُ:«أَتُؤْمِنُ بِابْنِ اللهِ؟» ٣٦أَجَابَ ذَاكَ وَقَالَ: «مَنْ هُوَ يَا سَيِّدُ لأُومِنَ بِهِ؟» ٣٧فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «قَدْ رَأَيْتَهُ، وَالَّذِي يَتَكَلَّمُ مَعَكَ هُوَ هُوَ!». ٣٨فَقَالَ: «أُومِنُ يَا سَيِّدُ!». وَسَجَدَ لَهُ. "
فوجده=
أي فتش عليه حتى وجده، فالمسيح يبحث عن كل من خسر شيئاً لأجله ليعطيه إختباراً أعمق. لذلك هو "أب اليتامى وقاضي الأرامل" (مز٦٨ : ٥) ومعين من لا معين له. والمسيح فتح له باب الحياة الأبدية بأن دعاه للإيمان، وهو إذ طردوه شابه المسيح المرفوض وحمل معه صليبه، ولقد ظنه الأعمى من قبل أنه نبي، وها هو يؤمن أنه إبن الله.
مثل الأعمى وكل الذين آمنوا وتابوا، فالأعمى آمن وسجد.
ويعمي الذين يبصرون=
أي الذين يدَّعون لأنفسهم البصر والبصيرة والعلم والمعرفة، ويدَّعون أنهم العارفين للحق وحدهم كالفريسيين، هؤلاء قاوموا ورفضوا الإيمان لأن غلظة قلوبهم أعمت بصائرهم. هؤلاء هم من أسماهم المسيح من قبل الحكماء (حكماء في أعين أنفسهم) والفهماء (لو٢١:١٠+ مت٢٥:١١+ رؤ١٧:٣). وقولهم
ألعلنا نحن أيضاً=
فيها كبرياء وترفع على الآخرين فهم يشعرون أنهم العلماء العارفين، وهذا يزيد عماهم. ونرى هنا أن الأعمى قَبِل نورين، نور الجسد ونور الله فأبصر وإستنار معاً. والفريسيين بإرادتهم ورفضهم إنحجب عنهم النور (يو١٩:٣+ مت١٤:١٥+ لو٥١:١-٥٣). فالنور هو بهجة العيون السليمة وأذى للعيون الكليلة المريضة. والمسيح نور ومن يقبله وترحب به عينيه يتزايد نورها، وكل عين لا تقبله يرفع عنها النور.
لدينونة أتيت=
لإظهار ما في القلوب، وتمييز الأبرار من الأشرار. المسيح هو نور، والنور حين يظهر يكشف كل شئ، الجيد والردئ = "وضع لسقوط وقيام كثيرين" (لو٣٤:٢). المسيح لم يأتي في مجيئه الأول ليدين، لكن من يرفض الإيمان به يدان=
لدينونة أتيت
ومن يؤمن به ينجو من الدينونة. المسيح أتى لينير قلوب العميان لجهلهم فيبصرون، ويفضح المتكبرون الرافضون. المسيح أتى فى حب عجيب وكنور ليجذب بمحبته الجميع، فهو يريد أن الجميع يخلصون (١تى٢ : ٤) فمن يقبل المسيح يكون نورا وينجذب لدائرة الحب، والمسيح هو الطريق وينير الطريق ومن يثبت فيه يثبت فى الحياة والنور. أما من أصر على محبة الظلمة وأصر على خطاياه يبقى منفصلا عن المسيح، يبقى فى ظلمته. والدينونة هى الإنفصال عن المسيح، والمسيح هو النور والحياة والفرح والسلام والمجد. المسيح أنار الطريق فصرنا بلا عذر "أنت بلا عذر أيها الإنسان" (رو١ : ٢٠ + رو٢ : ١).
لو كنتم عمياناً لما كانت لكم خطية=
أي لو كان عماكم ناشئ عن جهل بالكتاب المقدس لما أدنتكم، ولكنكم تعاندون (قارن مع رو١٩:٢). والمسيح وصفهم من قبل بأنهم يبصرون ولكنهم في سبيلهم لأن يكونوا غير مبصرين. وما الذي يجعل المبصر لا يرى = سوى أعماله الشريرة وكبرياءه وخطاياه. ومع هذا فهم يقولون نحن نبصر ونحن نور للذين في الظلمة كما فعل الفريسيين. فهم في الحقيقة عميان والخطية أعمت عيونهم.
فخطيتكم باقية=
طالما أنتم مصرين على خطيتكم ولا تريدون أن تأتوا لتبصروا. ولكن لو شعرتم بأنكم عميان وأتيتم لتشفوا فسيضئ لكم النور وتغفر لكم خطاياكم. ولكنهم ينكرون المسيح ليس جهلاً ولكن تجاهلاً للحقيقة.
ألعلنا نحن أيضاً عميان=
الإنسان الذي يشعر بالإكتفاء وعدم الإحتياج للمسيح يتقيأه المسيح (رؤ١٦:٣-١٧).
تقولون أننا نبصر
= تدعون المعرفة وبعنادكم ستظلون كما أنتم.
ملحوظة:
نرى الأعمى وإيمانه يتدرج فأولاً هو قص ما حدث بأمانة وقال عن يسوع أنه الإنسان مفضلاً إياه على باقي البشر ثم أعلن أنه نبي ثم أنه من الله فلو لم يكن هذا من الله لم يقدر أن يفعل شيئاً. ثم يؤمن به كإبن لله ويسجد له وهذه هي الإستنارة. هكذا فالله يقود النفس في طريق طاعته والإعتراف به والشهادة له في إتزان وهدوء ونمو روحي عجيب. ولاحظ القول "أليس هذا هو المولود أعمى" فهكذا في حالة توبة أي إنسان ، يستغرب الناس التغيير الذي حدث فيه ، ويقولون أليس هذا هو فلان . ولكن ما غَيَّرَهُ أنه قابل الرب فشفاه. هؤلاء الرعاة أهملوا الأعمى حين كان منهم ولما شفاه المسيح طردوه فهم رعاة غير أمناء. والمسيح الراعي الصالح أتى لهذه النفوس التي كسروها . لذلك فالإصحاح التالي يكلمناعن الراعي الصالح في مقابل هؤلاء السراق واللصوص، الرعاة غير الأمناء.
الإصحاح التاسع
بعد حوادث الإصحاحات (٩ ، ١٠) وفي (يو١٠ : ٢٢) يقول القديس يوحنا"وكان عيد
التجديد".
وبهذا نفهم أن أحداث ص٩، ص١٠ جرت في وقت عيد التجديد. بينما أن أحداث ص٧ ، ٨ جرت في عيد المظال. وعيد المظال يأتي في شهر تشرى (شهر٧ العبري) وهو يوافق سبتمبر/ أكتوبر. أمّا عيد التجديد فيأتي بعده بشهرين في شهر كسلو (شهر٩) العبري وهذا يأتي خلال شهر ديسمير أي في الشتاء. ومدة عيد التجديد ٧أيام ونسمع عنه في (٢مك٩:١) وفيه إحتفل المكابيين بتجديد وتطهير الهيكل بعد أن خربه ونجسه أنطيوخس إبيفانيوس الملك اليونانى. ولم نسمع أن المسيح غادر أورشليم بعد أحداث ص٨ أي بعد عيد المظال. إذاً هو غالباً بقى فيها حتى عيد التجديد.علاقة إصحاحى ٨ ، ٩
وضع القديس يوحنا هذه المعجزة هنا، ففي إصحاح (٨) سمعنا أن المسيح نور العالم، وهنا التطبيق العملي، فهو يعطي إستنارة جسدية وروحية للمولود أعمى. وإنتهى الإصحاح بقول السيد المسيح "إبراهيم رأي يومي وفرح" وهذا المولود أعمى رأي المسيح وإستنارت عيناه وفرح، وهكذا كل من يرى المسيح يفرح. لذلك وضع القديس يوحنا هذه المعجزة هنا.
عيد التجديد
كان اليهود يسمون عيد التجديد بعيد الأنوار ويحتفلون فيه بعودة الله للحلول في وسطهم. وكان هذا رمزاً لحلول المسيح في وسطهم فهذا معنى إسم عمانوئيل. وعلاقة تعاليم الرب في هذه المناسبة مرتبطة بالمناسبة وهي عيد التجديد، فهو يربط المفهوم اليهودي الذي تثيره إنتصارات المكابيين بمفهوم الخلاص الحقيقي الذي أتى من أجله، أتي لهم
كراعٍ صالح
(يو١٠ : ١١) ليدشن هيكله الجديد بدمه. ومع أنوار عيد الأنوار أو عيد التجديد قال المسيحأنا نور العالم
(٥:٩). وعندما فُتِحَ باب الخراف في الهيكل لتدخل خراف العيد للذبائح اليومية وقف المسيح وقال"أنا هو باب الخراف"
(يو١٠ : ٧) للهيكل الجديد (رو٣٦:٨).فصل المولود أعمى والقراءات الكنسية (القطمارس)
فصل المولود أعمي يقرأ في الأحد السادس من الصوم الكبير يوم أحد التناصير لإرتباطه بالمعمودية. ويقرأ الأحد الرابع من شهر طوبة بعد عيد الغطاس لإرتباطه أيضاً بالمعمودية. والمعمودية تعطي إستنارة لأن بها مغفرة الخطايا فتزيل الغشاوة من العيون. لذلك في طقس المعمودية في الكنيسة يلبس المعمد ثياب بيضاء (تبرير) وزنار أحمر (رمز لدم المسيح) ويمسك الشمامسة شموعاً مضاءة (رمز الإستنارة).
لماذا يُخلق إنساناً عاجزاً أو ناقصاً
(أو لماذا يتألم الإنسان)بسبب الخطية دخل الموت ودخل المرض والألم إلى العالم بعد أن فقد وضعه الطبيعي مع الله، فصارت أي جرثومة قادرة أن تهلك الإنسان . وربما يكون هذا عن إهمال من الإنسان أو لشئ خارج عن إرادته مثل هذا الأعمى فهو قد ولد هكذا. ولكن نلاحظ أن الله في محبته يعوض الذي ينقصه حاسة بقدرات زائدة في باقي حواسه، بل يحنو الله نفسه عليه. ويكون السؤال أيهما الأفضل أن يولد الإنسان بكامل قدرات جسمه أو بنقص معين في جسمه مع حنو زائد من الله. ولقد قال الأنبا أنطونيوس للقديس ديديموس الضرير (طوباك يا ديديموس إذ خسرت عينين ترى بهما التراب ولكن لك عينين ترى بهما السماء). فالمسيح لا يعطي عطاء ناقصاً، بل كل ما يسمح به لي هو لخلاص نفسي (١كو٢٢:٣) . عموماً فهذا الأعمى ليس له ذنب فيما هو فيه لذلك أتى له المسيح من نفسه دون أن يسأله، ليشفيه ولتظهر أعمال الله فيه.
ولكن ما معنى أن تظهر أعمال الله فيه
؟![١]
أن يتمجد المسيح وتظهر أعماله إذ يشفى هذا المولود أعمى فيؤمن الناس. لكن هل ليتمجد المسيح وتظهر قدراته الفائقة كان لابد أن يتعذب هذا الأعمى طوال عمره؟! هنا لابد أن نفهم ما معنى أن تظهر أعمال الله فيه....[٢]
فما حدث أن شفاء هذا الأعمى صار لخلاص نفسه. فهو تعرف على المسيح وآمن به كإبن الله، بينما فشل اليهود المبصرين في هذا. هذه هي أعمال الله التي ظهرت.. ليست شفاءه من العمي الجسدي بل شفاءه من العمي الروحي (وهذه هي الخليقة الجديدة). فآمن وخلص. وكما كان عمي هذا الأعمى سبباً في خلاصه، هكذا كان قصر زكا سبباً في خلاصه هو وأهل بيته. إذاً نرى أن العاهات سبب بركة لصاحبها، وهذا هو حنو الله الزائد على أصحاب العاهات، أضف لذلك أن الله لا يخلق شيئا به عيب. الله قادر أن يحول العيوب التي فينا إلى خير لنا، لذلك علينا أن لا نقول عن العاهات عيب خِلقى بل علينا ان نطلق عليهابركة خلقية
، فالله "يخرج من الجافي حلاوة" حقاً كما نقول في القداس الغريغوري (حولت لي العقوبة خلاصاً) راجع (١كو٢٢:٣). وكانت هذه الحالة لشفاء الأعمى رمزاً لما عمله المسيح، فالأعمى كان رمزاً لهذا العالم الذي يحيا في ظلام لا يعرف الله. فآدم أخطأ ولكننا كلنا حوكمنا بذنبه وصرنا نولد بالخطية مشوهين روحياً كما ولد هذا الأعمى مشوها.[٣]
ولذلك أتى المسيح إلينا ليظهر فينا أعمال محبته ويفتح بصائرنا فنخلص. هو صار نموذج لإرادة الله في فتح أبصار البشر، بل تجديد الخليقة كلها. وكما فتحت أعين هذا الأعمى في مياه بركة سلوام تنفتح أعيننا في مياه المعمودية. وبعد هذا لا يصير آدم هو المسئول عن خطيتي بل أنا المسئول عنها. فبعد أن تنفتح أعيننا في المعمودية ثم نترك المسيح نكون نحن المسئولين عن خطيتنا. لقد شفانا المسيح من أثار خطية آدم بفدائه وفتح أعيننا لنرى الله. إذاًلتظهر أعمال الله
فيه تعني:-- أن يتمجد الله حين تظهر هذه المعجزة.
- أن يظهر المسيح أنه أتى ليصحح ما أفسدته الخطية، وأن هذه هي رغبة الآب.
- أن يشفي هذا المولود أعمى جسدياً وروحياً فيخلص.
فعمل الله في كماله لا حدود له، وهو يخرج من النقص كمال ومن الشر خير.
الآيات (يو٩: ١- ٤١):- "١وَفِيمَا هُوَ مُجْتَازٌ رَأَى إِنْسَانًا أَعْمَى مُنْذُ وِلاَدَتِهِ، ٢فَسَأَلَهُ تَلاَمِيذُهُ قَائِلِينَ:«يَا مُعَلِّمُ، مَنْ أَخْطَأَ: هذَا أَمْ أَبَوَاهُ حَتَّى وُلِدَ أَعْمَى؟». ٣أَجَابَ يَسُوعُ:«لاَ هذَا أَخْطَأَ وَلاَأَبَوَاهُ، لكِنْ لِتَظْهَرَ أَعْمَالُ اللهِ فِيهِ. ٤يَنْبَغِي أَنْ أَعْمَلَ أَعْمَالَ الَّذِي أَرْسَلَنِي مَا دَامَ نَهَارٌ. يَأْتِي لَيْلٌ حِينَ لاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَعْمَلَ. ٥مَا دُمْتُ فِي الْعَالَمِ فَأَنَا نُورُ الْعَالَمِ».٦قَالَ هذَا وَتَفَلَ عَلَى الأَرْضِ وَصَنَعَ مِنَ التُّفْلِ طِينًا وَطَلَى بِالطِّينِ عَيْنَيِ الأَعْمَى. ٧وَقَالَ لَهُ: «اذْهَبِ اغْتَسِلْ فِي بِرْكَةِ سِلْوَامَ» الَّذِي تَفْسِيرُهُ: مُرْسَلٌ، فَمَضَى وَاغْتَسَلَ وَأَتَى بَصِيرًا. ٨فَالْجِيرَانُ وَالَّذِينَ كَانُوا يَرَوْنَهُ قَبْلاً أَنَّهُ كَانَ أَعْمَى، قَالُوا:«أَلَيْسَ هذَا هُوَ الَّذِي كَانَ يَجْلِسُ وَيَسْتَعْطِي؟» ٩آخَرُونَ قَالُوا:«هذَا هُوَ». وَآخَرُونَ: «إِنَّهُ يُشْبِهُهُ». وَأَمَّا هُوَ فَقَالَ:«إِنِّي أَنَا هُوَ». ١٠فَقَالُوا لَهُ:«كَيْفَ انْفَتَحَتْ عَيْنَاكَ؟» ١١أَجَابَ ذَاكَ وقَالَ:«إِنْسَانٌ يُقَالُ لَهُ يَسُوعُ صَنَعَ طِينًا وَطَلَى عَيْنَيَّ، وَقَالَ لِي: اذْهَبْ إِلَى بِرْكَةِ سِلْوَامَ وَاغْتَسِلْ. فَمَضَيْتُ وَاغْتَسَلْتُ فَأَبْصَرْتُ». ١٢فَقَالُوا لَهُ:«أَيْنَ ذَاكَ؟» قَالَ:«لاَ أَعْلَمُ».١٣فَأَتَوْا إِلَى الْفَرِّيسِيِّينَ بِالَّذِي كَانَ قَبْلاً أَعْمَى. ١٤وَكَانَ سَبْتٌ حِينَ صَنَعَ يَسُوعُ الطِّينَ وَفَتَحَ عَيْنَيْهِ. ١٥فَسَأَلَهُ الْفَرِّيسِيُّونَ أَيْضًا كَيْفَ أَبْصَرَ، فَقَالَ لَهُمْ:«وَضَعَ طِينًا عَلَى عَيْنَيَّ وَاغْتَسَلْتُ، فَأَنَا أُبْصِرُ». ١٦فَقَالَ قَوْمٌ مِنَ الْفَرِّيسِيِّينَ:«هذَا الإِنْسَانُ لَيْسَ مِنَ اللهِ، لأَنَّهُ لاَ يَحْفَظُ السَّبْتَ». آخَرُونَ قَالُوا:«كَيْفَ يَقْدِرُ إِنْسَانٌ خَاطِئٌ أَنْ يَعْمَلَ مِثْلَ هذِهِ الآيَاتِ؟» وَكَانَ بَيْنَهُمُ انْشِقَاقٌ. ١٧قَالُوا أَيْضًا لِلأَعْمَى:«مَاذَا تَقُولُ أَنْتَ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ فَتَحَ عَيْنَيْكَ؟» فَقَالَ:«إِنَّهُ نَبِيٌّ!». ١٨فَلَمْ يُصَدِّقِ الْيَهُودُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ أَعْمَى فَأَبْصَرَ حَتَّى دَعَوْا أَبَوَيِ الَّذِي أَبْصَرَ. ١٩فَسَأَلُوهُمَا قَائِلِينَ:«أَهذَا ابْنُكُمَا الَّذِي تَقُولاَنِ إِنَّهُ وُلِدَ أَعْمَى؟ فَكَيْفَ يُبْصِرُ الآنَ؟» ٢٠أَجَابَهُمْ أَبَوَاهُ وَقَالاَ:«نَعْلَمُ أَنَّ هذَا ابْنُنَا، وَأَنَّهُ وُلِدَ أَعْمَى. ٢١وَأَمَّا كَيْفَ يُبْصِرُ الآنَ فَلاَ نَعْلَمُ. أَوْ مَنْ فَتَحَ عَيْنَيْهِ فَلاَ نَعْلَمُ. هُوَ كَامِلُ السِّنِّ. اسْأَلُوهُ فَهُوَ يَتَكَلَّمُ عَنْ نَفْسِهِ». ٢٢قَالَ أَبَوَاهُ هذَا لأَنَّهُمَا كَانَا يَخَافَانِ مِنَ الْيَهُودِ، لأَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا قَدْ تَعَاهَدُوا أَنَّهُ إِنِ اعْتَرَفَ أَحَدٌ بِأَنَّهُ الْمَسِيحُ يُخْرَجُ مِنَ الْمَجْمَعِ. ٢٣لِذلِكَ قَالَ أَبَوَاهُ:«إِنَّهُ كَامِلُ السِّنِّ، اسْأَلُوهُ».٢٤فَدَعَوْا ثَانِيَةً الإِنْسَانَ الَّذِي كَانَ أَعْمَى، وَقَالُوا لَهُ:«أَعْطِ مَجْدًا ِللهِ. نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ هذَا الإِنْسَانَ خَاطِئٌ». ٢٥فَأَجَابَ ذَاكَ وَقَالَ:«أَخَاطِئٌ هُوَ؟ لَسْتُ أَعْلَمُ. إِنَّمَا أَعْلَمُ شَيْئًا وَاحِدًا: أَنِّي كُنْتُ أَعْمَى وَالآنَ أُبْصِرُ». ٢٦فَقَالُوا لَهُ أَيْضًا:«مَاذَا صَنَعَ بِكَ؟ كَيْفَ فَتَحَ عَيْنَيْكَ؟» ٢٧أَجَابَهُمْ:«قَدْ قُلْتُ لَكُمْ وَلَمْ تَسْمَعُوا. لِمَاذَا تُرِيدُونَ أَنْ تَسْمَعُوا أَيْضًا؟ أَلَعَلَّكُمْ أَنْتُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَصِيرُوا لَهُ تَلاَمِيذَ؟» ٢٨فَشَتَمُوهُ وَقَالُوا:«أَنْتَ تِلْمِيذُ ذَاكَ، وَأَمَّا نَحْنُ فَإِنَّنَا تَلاَمِيذُ مُوسَى. ٢٩نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ مُوسَى كَلَّمَهُ اللهُ، وَأَمَّا هذَا فَمَا نَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ هُوَ». ٣٠أَجَابَ الرَّجُلُ وَقَالَ لَهُمْ:«إِنَّ فِي هذَا عَجَبًا! إِنَّكُمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ مِنْ أَيْنَ هُوَ، وَقَدْ فَتَحَ عَيْنَيَّ. ٣١وَنَعْلَمُ أَنَّ اللهَ لاَ يَسْمَعُ لِلْخُطَاةِ. وَلكِنْ إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَتَّقِي اللهَ وَيَفْعَلُ مَشِيئَتَهُ، فَلِهذَا يَسْمَعُ. ٣٢مُنْذُ الدَّهْرِ لَمْ يُسْمَعْ أَنَّ أَحَدًا فَتَحَ عَيْنَيْ مَوْلُودٍ أَعْمَى. ٣٣لَوْ لَمْ يَكُنْ هذَا مِنَ اللهِ لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا». ٣٤أجَابُوا وَقَالُوا لَهُ:«فِي الْخَطَايَا وُلِدْتَ أَنْتَ بِجُمْلَتِكَ، وَأَنْتَ تُعَلِّمُنَا!» فَأَخْرَجُوهُ خَارِجًا. ٣٥فَسَمِعَ يَسُوعُ أَنَّهُمْ أَخْرَجُوهُ خَارِجًا، فَوَجَدَهُ وَقَالَ لَهُ:«أَتُؤْمِنُ بِابْنِ اللهِ؟» ٣٦أَجَابَ ذَاكَ وَقَالَ: «مَنْ هُوَ يَا سَيِّدُ لأُومِنَ بِهِ؟» ٣٧فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «قَدْ رَأَيْتَهُ، وَالَّذِي يَتَكَلَّمُ مَعَكَ هُوَ هُوَ!». ٣٨فَقَالَ: «أُومِنُ يَا سَيِّدُ!». وَسَجَدَ لَهُ. ٣٩فَقَالَ يَسُوعُ:«لِدَيْنُونَةٍ أَتَيْتُ أَنَا إِلَى هذَا الْعَالَمِ، حَتَّى يُبْصِرَ الَّذِينَ لاَ يُبْصِرُونَ وَيَعْمَى الَّذِينَ يُبْصِرُونَ». ٤٠فَسَمِعَ هذَا الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ مِنَ الْفَرِّيسِيِّينَ، وَقَالُوا لَهُ:«أَلَعَلَّنَا نَحْنُ أَيْضًا عُمْيَانٌ؟» ٤١قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ:«لَوْ كُنْتُمْ عُمْيَانًا لَمَا كَانَتْ لَكُمْ خَطِيَّةٌ. وَلكِنِ الآنَ تَقُولُونَ إِنَّنَا نُبْصِرُ، فَخَطِيَّتُكُمْ بَاقِيَةٌ. "
الآيات (يو٩: ١- ٥):- "١وَفِيمَا هُوَ مُجْتَازٌ رَأَى إِنْسَانًا أَعْمَى مُنْذُ وِلاَدَتِهِ، ٢فَسَأَلَهُ تَلاَمِيذُهُ قَائِلِينَ:«يَا مُعَلِّمُ، مَنْ أَخْطَأَ: هذَا أَمْ أَبَوَاهُ حَتَّى وُلِدَ أَعْمَى؟». ٣أَجَابَ يَسُوعُ:«لاَ هذَا أَخْطَأَ وَلاَأَبَوَاهُ، لكِنْ لِتَظْهَرَ أَعْمَالُ اللهِ فِيهِ. ٤يَنْبَغِي أَنْ أَعْمَلَ أَعْمَالَ الَّذِي أَرْسَلَنِي مَا دَامَ نَهَارٌ. يَأْتِي لَيْلٌ حِينَ لاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَعْمَلَ. ٥مَا دُمْتُ فِي الْعَالَمِ فَأَنَا نُورُ الْعَالَمِ»."
من أخطأ هذا أم أبواه حتى وُلِدَ أعمى= فاليهود يرجعون كل مرض وكل عاهة تصيب الإنسان إلى خطية قد إرتكبها وبسببها يعاقب، أو خطية لأبواه وينال هو جزاؤها، أو خطية إقترفها هو ذاته في حياة أخرى عاشها قبل ولادته في هذه الحياة بمقتضى عقيدة تناسخ الأرواح، أي عودة الروح إلى جسد آخر لتحيا فيه من جديد، التي كانت شائعة في ذلك الوقت في بلدان الشرق الأوسط ولا سيما في مصر وفلسطين والهند. ولذلك قال الفريسيين للأعمى بعد أن شفي "في الخطيئة ولدت أنت بجملتك" (٣٤:٩). فالفلسفات نشرت فكرة تناسخ الأرواح. وأيضاً فهم اليهود الخاطئ للآية "أفتقد ذنوب الآباء في الأبناء فى الجيل الثالث والرابع من مبغضىَّ" (خر٢٠ : ٥) جعلهم يتصورون أن الله قد يعاقب مولود نتيجة أخطاء أبويه. ومع أن الله صحح هذا المفهوم (حز٤:١٨) إلاّ أن الفكرة ظلت مستمرة. ومعنى أن الله يفتقد ذنوب الآباء في الأبناء، أن الله يبحث في الأبناء.. هل خطايا أبائهم مازالت موجودة وما زالوا يبغضون الله.. حينئذ يعاقب. وهو قال الجيل الثالث والرابع حين تكون الخطية قد صارت شائعة فتكون العقوبة عامة. ولاحظ أنه لم يقل أعاقب الأبناء بل أفتقد أي أبحث هل الخطية مازالت موجودة. ولكن في بعض الأحيان ينشأ طفل بمرض ناتج عن خطية أبواه وذلك مثلاً من مرض كأمراض النجاسة، أن أب ينهك صحته فيخرج إبنه ضعيفاً (حز٥:٢٠+٧:٣٤+ تث٩:٥). والمسيح لم يجب عن هذا السؤال ليتركنا نفكر ليس عن سبب الألم الذي نحن فيه، ولكن كيف نحول الألم لعمل إلهي. والمسيح لم يلغي أن هناك علاقة بين الخطية والمرض، فمن المؤكد أن هناك علاقة ولكن من العسير أن ندركها نحن بعيوننا . فلا يصح أن نقول على كل متألم أنه متألم نتيجة خطيته. علينا أن لا نفكر فيمن أخطأ بل نصلي للمتألم ولكن من السهل أن نؤمن أن كل شئ يؤول إلى مجد الله فكل الأمور تعمل معاً للخير للذين يحبون الله. وكون أن هناك علاقة بين المرض وبين الخطية يتضح من قول المسيح لمقعد بيت حسدا "لا تخطئ فيكون لك أشر" .
أنا نور العالم= المسيح هو المرسل (سلوام تعني المرسل). فهذه البِركة تشير لشخص المسيح الإلهي فهو المرسل من الآب لخلاص البشر. وهذه البركة كانت ترمز في النبوات إلى عرش ومملكة بيت داود (إش٦:٨+ نح١٥:٣+ لو٤:١٣) فالنبوات كانت تقول عن المسيح أنه مرسل من الله. والمسيح هو نور العالم ومازال موجوداً في العالم ولن يفارقه، ويعطي نوراً وإنفتاحاً لكل إنسان يؤمن. هو جاء ليكمل عمل الخليقة بإعطائها عيون روحية بدلاً عما فقدته بالخطية ورافعاً حجاب الظلمة الذي كان يحجز رؤية الإنسان لله. هو يعطي نوراً للعالم وبصيرة في قلب الإنسان. وبين هذا عملياً بشفاء الأعمى. راجع تفسير الآية (يو٨ : ١٢) .
أعمل أعمال الذي أرسلني= في كل عمل أو معجزة يقوم به المسيح فهو يستعلن محبة الله لنا وإرادته من نحونا، فهو يفتح عيني الأعمى ليعلن أن إرادة الله الآب هي أن نبصر، ويقيم لعازر ليعلن أنه يريد لنا القيامة والحياة.
ما دام نهار= ما قبل المسيح شمس البر (ملا٤ : ٢) كان ليل اليوم السابع للخليقة، إذ كان ليل يغطي الإنسان ، إذ فقد الإنسان رؤيته لله ، وحين جاء المسيح نور العالم صار نهار. والمسيح صنع معجزات شفاء كثيرة وعلَّم تعاليم محيية طوال فترة وجوده بالجسد على الأرض. وقد يكون المعنى المباشر الذي يقصده السيد، أنه طالما أنا في الجسد فلأعمل أعمال شفاء لتؤمنوا. ولكننا ما زلنا نستمتع بنهار المسيح فهو مازال معنا "ها أنا معكم كل الأيام إلى إنقضاء الدهر" (مت٢٠:٢٨) فهو لا يكف عن العمل. وهو يعمل مع كل واحد ليفتح بصيرته قبل أن يأتي ليله، وليل الشخص قد يعني يوم موته أو خطاياه التى ينغمس فيها بلا توبة. وهناك ليل عام وهو يوم الدينونة حين تنتهي فرصة كل إنسان خاطئ أعمى من أن يستنير بنور المسيح. (فلننتهز الفرصة مادام نهار قبل أن نموت). ما دمت في العالم فأنا نور العالم فالمسيح لنا هو نور الحياة، هو يضئ ظلمة حياتنا. ينبغي أن أعمل= المسيح مشتاق أن يعمل، ويغير طبيعتنا إلى الخليقة الجديدة. فلنسلم له حياتنا طالما نحن أحياء = مادام هناك نهار = المقصود به وقت العمل. أما الليل فهو التوقف عن العمل. إذاً النهار فى قصة هذا المولود أعمى قد يقصد بها الرب أنه طالما أنه موجود على الأرض بالجسد سيظل يعمل ويشفى، هنا النهار هو حياة المسيح على الأرض بالجسد قبل صلبه. وبالنسبة لنا فالمسيح بحسب وعده أنه معنا إلى إنقضاء الدهر (مت٢٨ : ٢٠ + مت١٨ : ٢٠) ، وهو لن يكف عن العمل معنا طالما نحن أحياء ليضمن خلاصنا ، فالنهار لنا هو مدة حياتنا على الأرض. هو يريد أن يعمل معنا فهل نسلم له حياتنا ونعمل معه.
النهار
يشير إذاً لإرادة المسيح أن يعمل فينا وبنا ولأجلنا ليعطينا حياة أبدية. والمسيح نور ليس عنده ليل ولا ظلام. فالمسيح نهاره مستمر يريد أن يشفى دائما "أبى يعمل حتى الآن وأنا أعمل" (يو٥ : ١٧) . بل لو كف المسيح عن العمل لإنتهى هذا العالم بالدمار، فهو الذى يحفظ الكون "حامل كل الأشياء بكلمة قدرته" (عب١ : ٣) .لكن
الليل
والظلام يشيران للخطية. وعند القديس يوحنا نجد أن الليل يشير للإنسان الذى يسلم نفسه للشيطان مُصِّرا على خطاياه. كما خرج يهوذا من العلية بإصرار على أن يسلم المسيح، فنجد القديس يوحنا يقول "وكان ليلاً" (يو١٣ : ٣٠) هنا نرى أن المسيح ظل يحاول مع يهوذا حتى آخر لحظة، وأمام إصراره سقط فى يد الشيطان فلم يقدر المسيح أن يعمل معه شئ، لقد دخل فى ظلمة الليل، والشيطان هو سلطان الظلمة (لو٢٢ : ٥٣). وراجع أيضا (يو٧ : ٥٠ + يو١٩ : ٣٩)) فالليل هنا إشارة لضعف إيمان نيقوديموس. وراجع أيضا (يو١١ : ١٠ + يو١٢ : ٣٥) .كان اليهود عمياناً روحياً فلم يعرفوا المسيح = هؤلاء كانوا فى الليل فلم يتقبلوا عمل المسيح. كان ذلك بسبب خطاياهم. هم لم يحبوا الله فلم يعرفوا المسيح وكان هذا هو حال كل العالم. والمسيح أتى ليعلن الآب للناس فيحب الناس الله وتنفتح عيونهم، وهذه هي الخليقة الجديدة، وهي متاحة لكل العالم. وكان هذا هو العمل الذى يعمله المسيح طالما
هناك نهار
أن يعلن الآب ويشفى طبيعتنا. وكان هذا الأعمى نموذج لها فقد شفاه المسيح جسديا وروحيا. أما اليهود فكانوافى الليل
، كانوا عمياناً بالقلب بسبب خطاياهم فلم يعرفوا المسيح فلم يشفوا، بل صلبوه، بينما كانت عيونهم الخارجية سليمة. وهذا ينطبق عليه "كم مرة أردت...ولم تريدوا" (مت٢٣ : ٣٧) . فالمسيح نهاره مستمر يريد أن يشفى دائما. ولكن من هو فى ظلمة الخطية رافضا الخروج منها لا يستجيب لعمل المسيح. وهكذا قيل عن أهل وطنه وأقرباءه وفى بيته "لم يقدر ان يصنع هناك ولا قوة واحدة غير انه وضع يديه على مرضى قليلين فشفاهم وتعجب من عدم إيمانهم" (لو٦ : ٤ - ٦) . إذا عدم قدرة المسيح عن العمل هنا راجع لعدم إيمانهم. بينما كان هذا المولود أعمى مفتوح البصيرة فعرف المسيح وآمن وخلص إذ قال"أومن يا سيد"
آية ٣٨ . وهكذا كان إبراهيم الذي رأى يوم المسيح وفرح، وهكذا نحن نحب المسيح دون أن نراه بالجسد.الآن يمكننا أن نقول أن
النهار
أيضا هو إشارة لمن هو على إستعداد أن يتقبل عمل المسيح معه، ولذلك كان المولود أعمى فى النهار. بينما اليهود كانوا فىالليل
إذ هم رافضين لعمل المسيح فيهم.الآيات (يو٩: ٦-٧):- "٦قَالَ هذَا وَتَفَلَ عَلَى الأَرْضِ وَصَنَعَ مِنَ التُّفْلِ طِينًا وَطَلَى بِالطِّينِ عَيْنَيِ الأَعْمَى. ٧وَقَالَ لَهُ: «اذْهَبِ اغْتَسِلْ فِي بِرْكَةِ سِلْوَامَ» الَّذِي تَفْسِيرُهُ: مُرْسَلٌ، فَمَضَى وَاغْتَسَلَ وَأَتَى بَصِيرًا. "
هذه عملية خلق أو هي خلقة تصحيحية. فالمسيح هنا يخلق عينين (تك٧:٢+ أش٨:٦٤) كأن عجنة الطين التي خُلِقَ منها الأعمى عادت ليد خالقها الأول يشكل لها من ذات الطين عينين ، راجع (إر١٨). ولعاب المسيح يصنع شفاء فهو ينقل من المسيح سر الحياة الجسدية والسليمة والكاملة، فهو حي ومحيي وكل جزء من جسده فيه حياة وشفاء فجسده متحد بلاهوته المحيى.
إذهب إغتسل في بركة سلوام=
وكان على الأعمى أن يؤمن ويطيع ويغتسل ولو فكر لإمتنع فلو إغتسل لسقط الطين.وبركة سلوام
هي بركة تستمد مياهها من نبع عالٍ إسمه حالياً "نبع مريم" وقد حُفِرتْ البركة بقصد توصيل المياه داخل أسوار أورشليم خلال قناة تحت الأرض ليكون هناك مياه في أورشليم أثناء حصارها. وربما حفرت من أيام سليمان. ومعنى كلمةسلوام=
المرسل لأن مياهها مرسلة من مكان آخر، وليست نابعة من مكانها، بل منحدرة ومرسلة إليها من نبع آخر أعلى كأن المسيح يقول أن من يشفي الأعمى أي المسيح نفسه هو مرسل من الله. والإغتسال فيه معنى المعمودية، والمعمودية هي موت وقيامة مع المسيح المرسل من الله=سلوام
(رو٣:٦-٥) وهذا هو الخلق الجديد. وسماها إشعياء "شيلوه" (٦:٨) بمعنى مرسلة. وقد ردمت مع الزمن وأعيد إكتشافها. وهي لها إتصال وثيق بخدمة الهيكل لذلك إعتبرت مياهها مقدسة وكانت مياهها تستخدم في طقوس عيد المظال. والرب أرسل الأعمى ليغتسل فيها، والإغتسال في مياه مقدسة هو المعمودية. فالماء له دور في الخلقة الجديدة لذلك أرسله المسيح إلى الماء. وكانت المياه مياه جارية لإنحدار القناة من البركة العليا للبركة السفلى. والمعمودية تسمى الإستنارة في العهد الجديد فمن ناحية هى غفران للخطية فيتنقى القلب فنبصر ، وهي اتحاد بالمسيح النور الحقيقى الذى يسكن فينا فيعطى إستنارة. وهذه البِرْكة ترمز للمسيح (إش٦:٨) . وبالذات لخلاص المسيح الهادئ، وفي (إش٦:٨) نجد مقارنة بين خلاص الله الهادئ وبين مياه دجلة والفرات حيث جيوش أشور القوية والكثيرة (رمز للقوى الإنسانية) التي يريدها اليهود لخلاصهم، فذهبوا يحتمون بأشور فى أيام إشعياء رافضين وعود الله لهم بالحماية من أعدائهم. وهم أرادوا مسيحاً يقود جيوش. فنجد أن حتى تلاميذ المسيح لم يفهموا فداء المسيح على الصليب، لذلك قال تلميذى عمواس عن المسيح "ونحن كنا نرجو أنه هو المزمع أن يفدى إسرائيل" (لو٢٤ : ٢١) . وهذه النبوة تشير لأن اليهود رفضوا المسيح الهادئ ملك السلام الذى يخلص بالحب وليس بالحرب "رذلوا مياه شيلوه الجارية بسكوت". ولاحظ أن المسيح ذهب للأعمى دون أن يسأله أحد، كما ذهب ليقيم إبن أرملة نايين دون أن يسأله أحد، رمزاً لأنه أتى لتجديد خلقة البشر وليعطهم حياة دون أن يسأله أحد (أش١:٦٥) .تأمل :-
نلاحظ أن الطين يفسد العين السليمة، أي الطين يزيد حجم المشكلة. وهكذا في بعض الأحيان نتصور أن الله يعقد المشكلة. كما حدث للشعب عند خروجهم من مصر، فالبحر أمامهم وفرعون وراءهم. بل العجيب أن المسيح طلب من المولود أعمى أن يذهب ويغتسل، فلو أعمل هذا الشخص عقله لقال أن الماء سيغسل الطين فما لزوم الطين. علينا أن نفهم أن عقولنا البشرية عاجزة عن فهم حكمة الله وتدبيراته.الآيات (يو٩: ٨-١٢):- "٨فَالْجِيرَانُ وَالَّذِينَ كَانُوا يَرَوْنَهُ قَبْلاً أَنَّهُ كَانَ أَعْمَى، قَالُوا:«أَلَيْسَ هذَا هُوَ الَّذِي كَانَ يَجْلِسُ وَيَسْتَعْطِي؟» ٩آخَرُونَ قَالُوا:«هذَا هُوَ». وَآخَرُونَ: «إِنَّهُ يُشْبِهُهُ». وَأَمَّا هُوَ فَقَالَ:«إِنِّي أَنَا هُوَ». ١٠فَقَالُوا لَهُ:«كَيْفَ انْفَتَحَتْ عَيْنَاكَ؟» ١١أَجَابَ ذَاكَ وقَالَ:«إِنْسَانٌ يُقَالُ لَهُ يَسُوعُ صَنَعَ طِينًا وَطَلَى عَيْنَيَّ، وَقَالَ لِي: اذْهَبْ إِلَى بِرْكَةِ سِلْوَامَ وَاغْتَسِلْ. فَمَضَيْتُ وَاغْتَسَلْتُ فَأَبْصَرْتُ». ١٢فَقَالُوا لَهُ:«أَيْنَ ذَاكَ؟» قَالَ:«لاَ أَعْلَمُ»."
إنسان يقال له يسوع=
في أصلها اليوناني الإنسان الذي يقال له يسوع. فالأعمى رأى المسيح أنه في وضع يفوق كل الناس.أليس هذا هو=
فشكله قد تغير. وهكذا كل من عرف المسيح وإستنارت عيناه. ولاحظ أن المولود أعمى لم يرى المسيح حتى ذلك الوقت.الآيات (يو٩: ١٣-١٥):- "١٣فَأَتَوْا إِلَى الْفَرِّيسِيِّينَ بِالَّذِي كَانَ قَبْلاً أَعْمَى. ١٤وَكَانَ سَبْتٌ حِينَ صَنَعَ يَسُوعُ الطِّينَ وَفَتَحَ عَيْنَيْهِ. ١٥فَسَأَلَهُ الْفَرِّيسِيُّونَ أَيْضًا كَيْفَ أَبْصَرَ، فَقَالَ لَهُمْ:«وَضَعَ طِينًا عَلَى عَيْنَيَّ وَاغْتَسَلْتُ، فَأَنَا أُبْصِرُ»."
السنهدريم مكون من الفريسيين ورؤساء الكهنة. لذلك فالفريسيين هم فرع من السنهدريم. وهؤلاء رأوا أن المسيح كسر السبت في عدة نواحٍ فهو تفل على الأرض وصنع طيناً وهذا عمل، وعالج الأعمى وهذا عمل، والأعمى سار حتى بركة سلوام. والربيين قالوا من يضع دواء في العين يوم سبت فهو حرام، ولكنهم لم يروا المعجزة في روعتها فصاروا هم عمياناً وأبصر الأعمى. هنا نرى أعمى بالجسد وقد صار مبصراً ونرى عميان بالبصيرة يرون الماديات ولا يرون الحقيقة.
وكان من المتعارف عليه عند الرابيين اليهود أن اللعاب يشفى أمراض العين لكن لم يقل أحد أنه يخلق عينين. ولما حدثت المعجزة هاج الفريسيين. ومن محاولاتهم للهجوم على المسيح وإنكار المعجزة *أنه عمل المعجزة يوم سبت وبالتالى فهو شرير لا يمكن له أن يعمل معجزة. فكان من الممنوع التداوى والعلاج يوم السبت، إلا لو كانت الحياة مهددة وهذه ليس حالة المولود أعمى. وكان من الممنوع إستخدام اللعاب لشفاء العين يوم السبت. *الخطوة التالية لإنكار عمل المسيح قولهم للمولود أعمى "إعطى مجدا لله" أى أن يعترف بأن الذى عمل المعجزة هو الله وليس المسيح، فالمسيح شرير ولا يعمل معجزات. أو يتخذ ضدك إجراء قاسى.
آية ( يو٩: ١٦):- "١٦فَقَالَ قَوْمٌ مِنَ الْفَرِّيسِيِّينَ:«هذَا الإِنْسَانُ لَيْسَ مِنَ اللهِ، لأَنَّهُ لاَ يَحْفَظُ السَّبْتَ». آخَرُونَ قَالُوا:«كَيْفَ يَقْدِرُ إِنْسَانٌ خَاطِئٌ أَنْ يَعْمَلَ مِثْلَ هذِهِ الآيَاتِ؟» وَكَانَ بَيْنَهُمُ انْشِقَاقٌ. "
هنا بدأ إنشقاق بين الفريسيين. وهذا طبيعي فهناك من هو أعمى القلب وهناك من هو مفتوح البصيرة.
الآيات (يو٩: ١٧-٢٣):- "١٧قَالُوا أَيْضًا لِلأَعْمَى:«مَاذَا تَقُولُ أَنْتَ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ فَتَحَ عَيْنَيْكَ؟» فَقَالَ:«إِنَّهُ نَبِيٌّ!». ١٨فَلَمْ يُصَدِّقِ الْيَهُودُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ أَعْمَى فَأَبْصَرَ حَتَّى دَعَوْا أَبَوَيِ الَّذِي أَبْصَرَ. ١٩فَسَأَلُوهُمَا قَائِلِينَ:«أَهذَا ابْنُكُمَا الَّذِي تَقُولاَنِ إِنَّهُ وُلِدَ أَعْمَى؟ فَكَيْفَ يُبْصِرُ الآنَ؟» ٢٠أَجَابَهُمْ أَبَوَاهُ وَقَالاَ:«نَعْلَمُ أَنَّ هذَا ابْنُنَا، وَأَنَّهُ وُلِدَ أَعْمَى. ٢١وَأَمَّا كَيْفَ يُبْصِرُ الآنَ فَلاَ نَعْلَمُ. أَوْ مَنْ فَتَحَ عَيْنَيْهِ فَلاَ نَعْلَمُ. هُوَ كَامِلُ السِّنِّ. اسْأَلُوهُ فَهُوَ يَتَكَلَّمُ عَنْ نَفْسِهِ». ٢٢قَالَ أَبَوَاهُ هذَا لأَنَّهُمَا كَانَا يَخَافَانِ مِنَ الْيَهُودِ، لأَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا قَدْ تَعَاهَدُوا أَنَّهُ إِنِ اعْتَرَفَ أَحَدٌ بِأَنَّهُ الْمَسِيحُ يُخْرَجُ مِنَ الْمَجْمَعِ. ٢٣لِذلِكَ قَالَ أَبَوَاهُ:«إِنَّهُ كَامِلُ السِّنِّ، اسْأَلُوهُ»."
إنه نبيٌ= بعد أن كان المسيح في نظره مجرد "إنسان إسمه يسوع". فبعد أن إنفتحت عيناه صار يسوع نبي. كان يخبئ الكلمة في قلبه، ولم يستطع كتمانها أكثر من ذلك، وشهادته هذه تأكيد للنور الذي دخل قلبه، ولاحظ عدم خوفه من الفريسيين= السنهدريم= اليهود.
لم يصدق اليهود= هم ظنوها مؤامرة بين المولود الأعمى والمسيح فطلبوا سؤال أبويه وهم خافا حتى لا يخرجوا من المجمع.
الآيات (يو٩: ٢٤-٢٥):- "٢٤فَدَعَوْا ثَانِيَةً الإِنْسَانَ الَّذِي كَانَ أَعْمَى، وَقَالُوا لَهُ:«أَعْطِ مَجْدًا ِللهِ. نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ هذَا الإِنْسَانَ خَاطِئٌ». ٢٥فَأَجَابَ ذَاكَ وَقَالَ:«أَخَاطِئٌ هُوَ؟ لَسْتُ أَعْلَمُ. إِنَّمَا أَعْلَمُ شَيْئًا وَاحِدًا: أَنِّي كُنْتُ أَعْمَى وَالآنَ أُبْصِرُ»."
إعط مجداً لله
= عبارة تشير إلى أن هناك إجراء خطير سيتخذ ضدك وهذا الإجراء له شقين[١]
شق ديني=
يحرم المتهم من الله والحياة الأخرى. [٢]شق مدني=
يُعْزل عن المجتمع ولا يتعامل معه أحد (بيع أو شراء) . وهم يخيفونه بهذه العبارة (يش١٨:٧) والمعنى إعترف لعل الله يرحمك في الحياة الأخرى، فهم يطالبون المتهم بالإعتراف بالحق خوفاً من الله. وأن قراراً سيصدر بقطع المتهم أو إعدامه، فعليه قبل هذا أن يعترف بخطيته ويعطي بهذا مجداً لله ليحتفظ بحق الرحمة في الدهر الآتي بعد أن يكون قد حُرِم من كل حقوق الحياة كواحد من شعب الله في الحاضر (قتل أو قطع). وهم هنا يريدون أن يرعبوا هذا الأعمى البصير حتى يسحب إعترافه بأن المسيح نبي، وهم يوصوا للأعمى بما يقوله إذ يقررون أمامه بأن المسيح خاطئ، وأن هذا حكمهم وهم السنهدريم أي الهيئة الرسمية، حتى يلتزم بتغيير شهادته.أنا أعمى والآن أبصر=
إن أقوى رد على محاولات التشكيك في المسيح هي إختباراتنا الشخصية.الآيات (يو٩: ٢٦-٢٨):- "٢٦فَقَالُوا لَهُ أَيْضًا:«مَاذَا صَنَعَ بِكَ؟ كَيْفَ فَتَحَ عَيْنَيْكَ؟» ٢٧أَجَابَهُمْ:«قَدْ قُلْتُ لَكُمْ وَلَمْ تَسْمَعُوا. لِمَاذَا تُرِيدُونَ أَنْ تَسْمَعُوا أَيْضًا؟ أَلَعَلَّكُمْ أَنْتُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَصِيرُوا لَهُ تَلاَمِيذَ؟» ٢٨فَشَتَمُوهُ وَقَالُوا:«أَنْتَ تِلْمِيذُ ذَاكَ، وَأَمَّا نَحْنُ فَإِنَّنَا تَلاَمِيذُ مُوسَى. "
هم يريدون أن يستنطقوه بأن المسيح صنع سحراً إو إستخدم شياطين ليشفيه أو يقول كلاماً مناقضاً لما قاله من قبل فيمسكونه عليه. وبدأ الأعمى البصير يهاجمهم ويسخر منهم فشتموه وإتهموه بأنه تلميذ المسيح وليس تلميذاً لموسى. (هذا الأعمى الشحات وبخهم= أعلنها للأطفال الصغار وأخفاها عن الحكماء).تلاميذ موسى=
كانوا يقولون أنهم تلاميذ موسى ويقولون هذا بصلف وكبرياء وإستعلاء. فإن كانوا يتباهون بأن الله كلَّم موسى فإنه من المؤكد أنهم سمعوا شهادة المعمدان بأن السماء إنفتحت للمسيح، والآب تكلم يوم عماده.تلميذ ذاك=
بهذا هم فصلوه من المجمع.الآيات (يو٩: ٢٩-٣٤):- "٢٩نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ مُوسَى كَلَّمَهُ اللهُ، وَأَمَّا هذَا فَمَا نَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ هُوَ». ٣٠أَجَابَ الرَّجُلُ وَقَالَ لَهُمْ:«إِنَّ فِي هذَا عَجَبًا! إِنَّكُمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ مِنْ أَيْنَ هُوَ، وَقَدْ فَتَحَ عَيْنَيَّ. ٣١وَنَعْلَمُ أَنَّ اللهَ لاَ يَسْمَعُ لِلْخُطَاةِ. وَلكِنْ إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَتَّقِي اللهَ وَيَفْعَلُ مَشِيئَتَهُ، فَلِهذَا يَسْمَعُ. ٣٢مُنْذُ الدَّهْرِ لَمْ يُسْمَعْ أَنَّ أَحَدًا فَتَحَ عَيْنَيْ مَوْلُودٍ أَعْمَى. ٣٣لَوْ لَمْ يَكُنْ هذَا مِنَ اللهِ لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا». ٣٤أجَابُوا وَقَالُوا لَهُ:«فِي الْخَطَايَا وُلِدْتَ أَنْتَ بِجُمْلَتِكَ، وَأَنْتَ تُعَلِّمُنَا!» فَأَخْرَجُوهُ خَارِجًا. "
الله لا يسمع للخطاة=
(أي٨:٢٧-٩+ مز١٥:٣٤-١٦+ أم٢٧:١-٢٩، ٢٩:١٥+ أر١١:١١) نرى الفريسيين متشككين ويحاولون تشكيك ذلك الأعمى المستنير وما يثير هؤلاء الفريسيين أن المسيح لم يحصل منهم على تصريح بما يفعله، لا منهم ولا من مدارسهم. وهم سلطانهم من موسى، وموسى من الله، وهم يتكلمون بفم موسى أي بفم الله، ولكن المسيح بأعماله يهدم كل ذلك، والأعمى رأى وفهم أما هم فتحجروا. وما منعهم من الفهم هو إحساسهم بضياع سلطانهم. وكان منطق الأعمى المستنير، وإن لم تعرفوا من أين هو فيكفي هذه المعجزة لأن تعلموا من هو ومن أين هو، فهو لابد من الله فلا يمكن أن يسمع الله للخطاة (مز١٨:٦٦). وكالعادة إذ لم يجدوا رداً بدأوا يشتمونه.في الخطايا ولدت أنت=
أي أنت ولدت أعمى بسبب خطاياك وخطايا أبوك وأمك، وهذا هو الرأي اليهودي ولكن ما قولهم إذ فتح المسيح عينيه الآن. ثم طردوه من جماعة اليهود. وكان الحكم بالطرد إمّا لفترة ٣٠يوماً أو لمدة طويلة. والطرد كان يحرمه من مزاياه الدينية والاجتماعية. لاحظ تخبط اليهود "أما هذا فما نعلم من أين هو" (٢٩:٩) "هذا نعلم من أين هو" (٢٧:٧) "المسيح متى جاء لا يعرف أحد من أين هو" (٢٧:٧).الآيات (يو٩: ٣٥-٣٨):- "٣٥فَسَمِعَ يَسُوعُ أَنَّهُمْ أَخْرَجُوهُ خَارِجًا، فَوَجَدَهُ وَقَالَ لَهُ:«أَتُؤْمِنُ بِابْنِ اللهِ؟» ٣٦أَجَابَ ذَاكَ وَقَالَ: «مَنْ هُوَ يَا سَيِّدُ لأُومِنَ بِهِ؟» ٣٧فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «قَدْ رَأَيْتَهُ، وَالَّذِي يَتَكَلَّمُ مَعَكَ هُوَ هُوَ!». ٣٨فَقَالَ: «أُومِنُ يَا سَيِّدُ!». وَسَجَدَ لَهُ. "
فوجده=
أي فتش عليه حتى وجده، فالمسيح يبحث عن كل من خسر شيئاً لأجله ليعطيه إختباراً أعمق. لذلك هو "أب اليتامى وقاضي الأرامل" (مز٦٨ : ٥) ومعين من لا معين له. والمسيح فتح له باب الحياة الأبدية بأن دعاه للإيمان، وهو إذ طردوه شابه المسيح المرفوض وحمل معه صليبه، ولقد ظنه الأعمى من قبل أنه نبي، وها هو يؤمن أنه إبن الله.الذي يتكلم معك هو هو= هو
الثانية تعني الكينونة (أنا الكائن).الآيات (يو٩: ٣٩-٤١):- "٣٩فَقَالَ يَسُوعُ:«لِدَيْنُونَةٍ أَتَيْتُ أَنَا إِلَى هذَا الْعَالَمِ، حَتَّى يُبْصِرَ الَّذِينَ لاَ يُبْصِرُونَ وَيَعْمَى الَّذِينَ يُبْصِرُونَ». ٤٠فَسَمِعَ هذَا الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ مِنَ الْفَرِّيسِيِّينَ، وَقَالُوا لَهُ:«أَلَعَلَّنَا نَحْنُ أَيْضًا عُمْيَانٌ؟» ٤١قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ:«لَوْ كُنْتُمْ عُمْيَانًا لَمَا كَانَتْ لَكُمْ خَطِيَّةٌ. وَلكِنِ الآنَ تَقُولُونَ إِنَّنَا نُبْصِرُ، فَخَطِيَّتُكُمْ بَاقِيَةٌ. "
أتى المسيح للعالم كنور ليفضح الظلام.
حتى يبصر الذين لا يبصرون=
مثل الأعمى وكل الذين آمنوا وتابوا، فالأعمى آمن وسجد.ويعمي الذين يبصرون=
أي الذين يدَّعون لأنفسهم البصر والبصيرة والعلم والمعرفة، ويدَّعون أنهم العارفين للحق وحدهم كالفريسيين، هؤلاء قاوموا ورفضوا الإيمان لأن غلظة قلوبهم أعمت بصائرهم. هؤلاء هم من أسماهم المسيح من قبل الحكماء (حكماء في أعين أنفسهم) والفهماء (لو٢١:١٠+ مت٢٥:١١+ رؤ١٧:٣). وقولهمألعلنا نحن أيضاً=
فيها كبرياء وترفع على الآخرين فهم يشعرون أنهم العلماء العارفين، وهذا يزيد عماهم. ونرى هنا أن الأعمى قَبِل نورين، نور الجسد ونور الله فأبصر وإستنار معاً. والفريسيين بإرادتهم ورفضهم إنحجب عنهم النور (يو١٩:٣+ مت١٤:١٥+ لو٥١:١-٥٣). فالنور هو بهجة العيون السليمة وأذى للعيون الكليلة المريضة. والمسيح نور ومن يقبله وترحب به عينيه يتزايد نورها، وكل عين لا تقبله يرفع عنها النور.لدينونة أتيت=
لإظهار ما في القلوب، وتمييز الأبرار من الأشرار. المسيح هو نور، والنور حين يظهر يكشف كل شئ، الجيد والردئ = "وضع لسقوط وقيام كثيرين" (لو٣٤:٢). المسيح لم يأتي في مجيئه الأول ليدين، لكن من يرفض الإيمان به يدان=لدينونة أتيت
ومن يؤمن به ينجو من الدينونة. المسيح أتى لينير قلوب العميان لجهلهم فيبصرون، ويفضح المتكبرون الرافضون. المسيح أتى فى حب عجيب وكنور ليجذب بمحبته الجميع، فهو يريد أن الجميع يخلصون (١تى٢ : ٤) فمن يقبل المسيح يكون نورا وينجذب لدائرة الحب، والمسيح هو الطريق وينير الطريق ومن يثبت فيه يثبت فى الحياة والنور. أما من أصر على محبة الظلمة وأصر على خطاياه يبقى منفصلا عن المسيح، يبقى فى ظلمته. والدينونة هى الإنفصال عن المسيح، والمسيح هو النور والحياة والفرح والسلام والمجد. المسيح أنار الطريق فصرنا بلا عذر "أنت بلا عذر أيها الإنسان" (رو١ : ٢٠ + رو٢ : ١).لو كنتم عمياناً لما كانت لكم خطية=
أي لو كان عماكم ناشئ عن جهل بالكتاب المقدس لما أدنتكم، ولكنكم تعاندون (قارن مع رو١٩:٢). والمسيح وصفهم من قبل بأنهم يبصرون ولكنهم في سبيلهم لأن يكونوا غير مبصرين. وما الذي يجعل المبصر لا يرى = سوى أعماله الشريرة وكبرياءه وخطاياه. ومع هذا فهم يقولون نحن نبصر ونحن نور للذين في الظلمة كما فعل الفريسيين. فهم في الحقيقة عميان والخطية أعمت عيونهم.فخطيتكم باقية=
طالما أنتم مصرين على خطيتكم ولا تريدون أن تأتوا لتبصروا. ولكن لو شعرتم بأنكم عميان وأتيتم لتشفوا فسيضئ لكم النور وتغفر لكم خطاياكم. ولكنهم ينكرون المسيح ليس جهلاً ولكن تجاهلاً للحقيقة.ألعلنا نحن أيضاً عميان=
الإنسان الذي يشعر بالإكتفاء وعدم الإحتياج للمسيح يتقيأه المسيح (رؤ١٦:٣-١٧).تقولون أننا نبصر
= تدعون المعرفة وبعنادكم ستظلون كما أنتم.ملحوظة:
نرى الأعمى وإيمانه يتدرج فأولاً هو قص ما حدث بأمانة وقال عن يسوع أنه الإنسان مفضلاً إياه على باقي البشر ثم أعلن أنه نبي ثم أنه من الله فلو لم يكن هذا من الله لم يقدر أن يفعل شيئاً. ثم يؤمن به كإبن لله ويسجد له وهذه هي الإستنارة. هكذا فالله يقود النفس في طريق طاعته والإعتراف به والشهادة له في إتزان وهدوء ونمو روحي عجيب. ولاحظ القول "أليس هذا هو المولود أعمى" فهكذا في حالة توبة أي إنسان ، يستغرب الناس التغيير الذي حدث فيه ، ويقولون أليس هذا هو فلان . ولكن ما غَيَّرَهُ أنه قابل الرب فشفاه.هؤلاء الرعاة أهملوا الأعمى حين كان منهم ولما شفاه المسيح طردوه فهم رعاة غير أمناء. والمسيح الراعي الصالح أتى لهذه النفوس التي كسروها . لذلك فالإصحاح التالي يكلمناعن الراعي الصالح في مقابل هؤلاء السراق واللصوص، الرعاة غير الأمناء.