آية (١):- "١«قُولُوا لإِخْوَتِكُمْ «عَمِّي» وَلأَخَوَاتِكُمْ «رُحَامَةَ»."انتهي الإصحاح السابق بوعد من الله بأن يجمع يهوذا وإسرائيل في أمة واحدة برأس واحد. وقد تحقق هذا بعد رجوع يهوذا من سبي بابل وإنضمام إسرائيل لهم تحت قيادة زربابل. وكان كل هذا رمزاً لجسد الكنيسة الذي رأسه هو المسيح. وعمل المسيح الفدائي جعلنا كلنا أخوة =
= الأم هنا هي أمة إسرائيل. وكلمة حاكموا أي اعترفوا بالخطية ودينوها وأحكموا على من يخطئ بأنه يستحق العقاب. والإعتراف والتوبة هما الوسيلة الوحيدة لإستدرار مراحم الله. ولتكن توبة جماعية يمثلها توبة الأم إسرائيل كلها. فالله هنا يوجه كلامه للأتقياء بينهم أن يشهدوا على خطايا إسرائيل. ويوجه الله كلامه أيضاً للمتألمين من إسرائيل، أن لا يشتكوا على الله الذي سمح بهذه الآلام، بل أن يلقوا التبعة على خطايا أمهم (إش١:٥٠) . وفي دينونتهم لأمهم عليهم أن يُذَكِّروها بمراحم الرب السابقة عليها وخيانتها المستمرة له. فهي التي نقضت عهد الزيحة =
لأَنَّهَا لَيْسَتِ امْرَأَتِي
. الله لم يرفضها لسبب خطية سقطت فيها بضعف ولكن بسبب إصرارها على رفض الله ورفض التوبة. فالله قَبِل داود لأنه قَدَّمَ توبة ورفض شاول لإصراره على الخطية ورفض يربعام لأنه قاد إسرائيل كله لأن يخطئ ولم يتب. والزنى كما نعرف قد يكون روحي أي بعبادة الأوثان أو زنا جسدي فعلي. وما هو المطلوب من هذه المحاكمة؟ أن
تَعْزِلَ زِنَاهَا عَنْ وَجْهِهَا
= أي تنزع عن وجهها عدم الحياء وتخجل من خطاياها.
وَفِسْقَهَا مِنْ بَيْنِ ثَدْيَيْهَا
= هذه تفهم [١] بين الثديين يوجد القلب فالمطلوب إذاً أن ترجع لله بقلبها " بين ثديي يبيت" (نش١٣:١) وتتخلى بقلبها عن الخطية وليس في مظاهر عبادات خارجية " فأية شركة للنور مع الظلمة" [٢]الثديين هما وسيلة الرضاعة، وإسرائيل كأم عليها أن تكف عن أن ترضع شعبها النجاسة، أي أن تكف عن تعليمهم الخطايا.آية (٣):- "٣لِئَلاَّ أُجَرِّدَهَا عُرْيَانَةً وَأَوْقِفَهَا كَيَوْمِ وِلاَدَتِهَا، وَأَجْعَلَهَا كَقَفْرٍ، وَأُصَيِّرَهَا كَأَرْضٍ يَابِسَةٍ، وَأُمِيتَهَا بِالْعَطَشِ. "بالتوبة نكتسي بالبر. والمسيح هو برنا، وبالتوبة نلبس المسيح فإذا أصَّر إنسان على عدم التوبة يظهر عريه (كما حدث مع آدم) وعملياً فالخطية هي سبب خراب الشعوب والأفراد.
وَأَجْعَلَهَا كَقَفْرٍ
= لأن الخطية سبب عدم الامتلاء من الروح القدس وهو الماء الذي يروي. وبالموت يخرج الإنسان من العالم كما ولدته أمه بدون شئ. لذلك فلنقدم توبة قبل الموت.
العرى
= افتضاح خطايانا.
وَأَوْقِفَهَا كَيَوْمِ وِلاَدَتِهَا
= يوم دخل يشوع مع الشعب لأرضوكانت خربة وكلها نجاسة .آية (٤):- "٤وَلاَ أَرْحَمُ أَوْلاَدَهَا لأَنَّهُمْ أَوْلاَدُ زِنًى. "
أَوْلاَدُ زِنًى
= الله لن يرحم أولادها لو إستمروا على شكل خطية أمهم. أما لو تابوا فسيصبح اسمهم عمى ورُحامة ولا يعود إسمهم أولاد زنى.آية (٥):- "٥«لأَنَّ أُمَّهُمْ قَدْ زَنَتِ. الَّتِي حَبِلَتْ بِهِمْ صَنَعَتْ خِزْيًا. لأَنَّهَا قَالَتْ: أَذْهَبُ وَرَاءَ مُحِبِّيَّ الَّذِينَ يُعْطُونَ خُبْزِي وَمَائِي، صُوفِي وَكَتَّانِي، زَيْتِي وَأَشْرِبَتِي. "
لأَنَّ أُمَّهُمْ قَدْ زَنَتِ
: إذن ما يحدث لهم من ألام ليس سببه قسوة الله إنما خطيتهم.
صَنَعَتْ خِزْيًا
= هي ذهبت وراء الآلهة الوثنية وهذا هو الخزي فالسجود لساق شجرة ليس إهانة لله فقط بل خزي وعار للبشر. ومن يجري وراء أي خطية لا يناله سوى الخزي. ومن يتمسك بالعالم الذي سيزول، سوف يخزى لأنه تمسك بلا شئ. وهي نسبت لهذه الآلهة أنهم مصدر
خُبْزِي
= طعامها
وَمَائِي
= شرابها.
صُوفِي وَكَتَّانِي
= كساءها.
زَيْتِي
= أي دواءها.
وَأَشْرِبَتِي
= أي مصدر سعادتها وبهجتها. مسكين من يعتبر أن مصدر خيراته هو العالم أو أي إنسان في العالم أو ذراعه هو، أو أن الخطية مصدر بهجة وشبع، كل هذا ليس الإّ خداع.آية (٦):- "٦لِذلِكَ هأَنَذَا أُسَيِّجُ طَرِيقَكِ بِالشَّوْكِ، وَأَبْنِي حَائِطَهَا حَتَّى لاَ تَجِدَ مَسَالِكَهَا. "نتيجة الخطية أنبتت الأرض شوكاً. ومن مراحم الله أن الله ترك هذا الشوك لينمو حتى يُتْعِبْ الخطاة ويكتشفوا أن نتيجة خطيتهم لن يقابلهم سوى الآلام.
= المقصود أن الله يسمح بأن الخطاة يكونوا محاطين بسور من شوك أي آلام، وفشل في تنفيذ مقاصدهم كمن أمامه حائط يحول بينه وبين تنفيذ ما يريد. بل يصير يتخبط =
لاَ تَجِدَ مَسَالِكَهَا
آية (٧):- "٧فَتَتْبَعُ مُحِبِّيهَا وَلاَ تُدْرِكُهُمْ، وَتُفَتِّشُ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَجِدُهُمْ. فَتَقُولُ: أَذْهَبُ وَأَرْجعُ إِلَى رَجُلِي الأَوَّلِ، لأَنَّهُ حِينَئِذٍ كَانَ خَيْرٌ لِي مِنَ الآنَ. "ولكن لماذا يسمح الله بذلك؟ حتى تفتش على محبيها فلا تدركهم. ومحبيها هنا للأسف هم أوثانها وشهواتها وخطاياها.
مثلاً
: إنسان شهواني يصيبه الله بمرض فيصبح غير قادر أن يتمم شهوته، أو إنسان مادي عابد للمال يسمح الله له بخسارة كبيرة تحول دون أطماعه.. ولماذا يسمح الله بهذا؟ لعلهم يتوبون فتقول النفس
أَذْهَبُ وَأَرْجعُ
= وهذا ما حدث مع الابن الضال. لقد كانت المجاعة والأكل مع الخنازير حائط أمامه فلم يجد مسالكه، لم يَعُد قادراً أن يتلذذ بشهواته وأمواله فقال أذهب وأرجع لأبي. ولنلاحظ أن القلوب المادية لا تشتهي سوى الأشياء الحسية. بينما أن من إختبر وصايا الله يجدها أشهى من العسل (مز١٠:١١٩) ومحبة الله أحلى من الخمر (نش١ : ٢) وما قيل هنا تم فعلاً لإسرائيل فهم أرادوا التحالف مع المصريين لحمايتهم وخذلهم المصريون. ولنلاحظ أنه لو وجدنا طريقنا مسدوداً. فلنفكر ونقول لعل هذا بسبب خطايانا، هذه تشبه وقوف ملاك في وجه بلعام ليسد طريقه.الآيات (٨-١٣):- "٨«وَهِيَ لَمْ تَعْرِفْ أَنِّي أَنَا أَعْطَيْتُهَا الْقَمْحَ وَالْمِسْطَارَ وَالزَّيْتَ، وَكَثَّرْتُ لَهَا فِضَّةً وَذَهَبًا جَعَلُوهُ لِبَعْل. ٩لِذلِكَ أَرْجعُ وَآخُذُ قَمْحِي فِي حِينِهِ، وَمِسْطَارِي فِي وَقْتِهِ، وَأَنْزِعُ صُوفِي وَكَتَّانِي اللَّذَيْنِ لِسَتْرِ عَوْرَتِهَا. ١٠وَالآنَ أَكْشِفُ عَوْرَتَهَا أَمَامَ عُيُونِ مُحِبِّيهَا وَلاَ يُنْقِذُهَا أَحَدٌ مِنْ يَدِي. ١١وَأُبَطِّلُ كُلَّ أَفْرَاحِهَا: أَعْيَادَهَا وَرُؤُوسَ شُهُورِهَا وَسُبُوتَهَا وَجَمِيعَ مَوَاسِمِهَا. ١٢وَأُخَرِّبُ كَرْمَهَا وَتِينَهَا اللَّذَيْنِ قَالَتْ: هُمَا أُجْرَتِي الَّتِي أَعْطَانِيهَا مُحِبِّيَّ، وَأَجْعَلُهُمَا وَعْرًا فَيَأْكُلُهُمَا حَيَوَانُ الْبَرِّيَّةِ. ١٣وَأُعَاقِبُهَا عَلَى أَيَّامِ بَعْلِيمَ الَّتِي فِيهَا كَانَتْ تُبَخِّرُ لَهُمْ وَتَتَزَيَّنُ بِخَزَائِمِهَا وَحُلِيهَا وَتَذْهَبُ وَرَاءَ مُحِبِّيهَا وَتَنْسَانِي أَنَا، يَقُولُ الرَّبُّ.هنا نرى كيف يدنس الإنسان عطايا الله ومواهبه وما نتيجة ذلك. فالله يعطينا خيرات زمنية مادية ومواهب وخيرات روحية =
الْقَمْحَ وَالْمِسْطَارَ
= أي الخمر. وهذه ما يسميها المسيح وزنات سوف يسألنا عنها فيما بعد. ماذا فعلنا بها. وكيف تاجرنا بها، وهل ربحنا أو خسرنا. ولكن هناك من يتصوَّر أن عطايا الله له ، هي لنفسه وليستغلها فقط للذة جسده (وهذا ما يسمى مال الظلم) أو كمن أعطاه الله صحة جسدية وأضاعها في التدخين والخمر وخطايا الجسد =
= في العهد القديم كانوا يدفعون ذهباً كثيراً لآلهتهم. أما في العهد الجديد فمعنى هذا هو تبديد المواهب في الخطايا. والنتيجة أن الله يحرمنا من عطاياه =
لِذلِكَ أَرْجعُ وَآخُذُ قَمْحِي
. بل سينزع عن الخطاة ما كان يسترهم، فهو سيتخلى عنهم وهو لباس برهم
فيفتضحون أمام عيون محبيهم
= أي من مارسوا معهم الشر. وستفقد النفس الخاطئة أيضاً أفراحها وسلامها. آية (١١)
فالأعياد والمواسم
هي أيام فرح وهذا سيكف وينتهي. وآية (١٢)
وَأُخَرِّبُ كَرْمَهَا وَتِينَهَا
= الله يرى كنيسته كرماً يفرح بخمره . وتينته يتلذذ بثمرها. والله أعطاها كروم أي أفراح فالخمر رمز للفرح. وأعطاها تيناً رمز المحبة الأخوية. ولكنها قدمت ثمارها لإبليس عوضاً عن أن تُفرِح بها الله. لذلك هو سيخرب هذه الكرمة وهذه التينة ، فلا تعود تَفرَح داخلياً، ولا يعود هناك محبة بين الناس (التينة ببذارها الكثيرة) داخل غلاف واحد، وطعمها الحلو، تشير للمحبة التي تجمع الناس معاً، هذا هو نفس التهديد في (إش١:٥-٧) وفي (رؤ٥:٢) " فتب وإلاّ.. أزحزح منارتك" فهي إعتبرت أن كل ما لها من عطايا الله هو ملكها، بل هو أجرتها ومن محبيها أي من العالم أو الذات.
أُجْرَتِي
= حرفياً هو أجر الزانية وهذه تصوِّر الانحطاط الذي وصلت إليه إسرائيل، فهى ظنت أن أفراحها راجعة لخطاياها. والله
سيعاقبها على أيام بعليم
=
لأنها كانت تبخر لهم وتتزين وتنسى
الرب
تبخر لهم أي تصلي والمعنى أنها ذهبت وراء الأصنام بقلبها وتزينت لترضي العالم ونسيت الرب.
وبعليم
= جمع لفظ بعل. فالوثنيين كان لهم آلهة كثيرة مثل بعل زبوب أي إله عقرون وإله الذبان وبعل بريث إله العهود وبعل فغور إله الزنى (٢مل٢:١+ قض٣٣:٨+ عد٣:٢٥) حقاً من يترك الله يضل وراء آلهة كثيرة. ومن ينسب أي خير يأتيه لغير الله ، يصبح في درجة أقل من الحيوان. "فالحمار يعرف معلف صاحبه" (أش٣:١) . وقارن بين آية (٥) وآية (٩) فهم نسبوا كل خيراتهم لأنفسهم وقالوا خبزي ومائي ، بينما هي لله "أخذ قمحي في حينه" والله يأتمننا على ما بين أيدينا كوكلاء محتفظاً بالملكية له (راجع مثل وكيل الظلم) . وهو لا يمتلك فقط خيراتنا بل يمتلكنا نحن أيضاً. وإذا نزع الخيرات من أحد فهذا لئلا يسئ استعمالها فيما بعد. ولاحظ التدرج في العقاب، ففي آية (٩) ينزع الخيرات ثم في (١٠) يكشف عورتها أي يفضحها ويفضح كل شرورها. فبينما إدعت أن الخطية شئ طبيعي، سيقوم الله بإعلان كم أن الخطية خاطئة جداً، ويظهر قبحها وفسادها. ثم تأتي درجة أصعب يحرمهم فيها الله من كل أفراحهم. وكون أن اليهود قد نسبوا الخيرات التي بين أيديهم للآلهة الوثنية فهذا يظهر في (أر١٦:٤٤-١٨).الآيات (١٤-٢٣):- "١٤«لكِنْ هأَنَذَا أَتَمَلَّقُهَا وَأَذْهَبُ بِهَا إِلَى الْبَرِّيَّةِ وَأُلاَطِفُهَا، ١٥وَأُعْطِيهَا كُرُومَهَا مِنْ هُنَاكَ، وَوَادِي عَخُورَ بَابًا لِلرَّجَاءِ. وَهِيَ تُغَنِّي هُنَاكَ كَأَيَّامِ صِبَاهَا، وَكَيَوْمِ صُعُودِهَا مِنْ أَرْضِ مِصْرَ. ١٦وَيَكُونُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، يَقُولُ الرَّبُّ، أَنَّكِ تَدْعِينَنِي: رَجُلِي، وَلاَ تَدْعِينَنِي بَعْدُ بَعْلِي. ١٧وَأَنْزِعُ أَسْمَاءَ الْبَعْلِيمِ مِنْ فَمِهَا، فَلاَ تُذْكَرُ أَيْضًا بِأَسْمَائِهَا. ١٨وَأَقْطَعُ لَهُمْ عَهْدًا فِي ذلِكَ الْيَوْمِ مَعَ حَيَوَانِ الْبَرِّيَّةِ وَطُيُورِ السَّمَاءِ وَدَبَّابَاتِ الأَرْضِ، وَأَكْسِرُ الْقَوْسَ وَالسَّيْفَ وَالْحَرْبَ مِنَ الأَرْضِ، وَأَجْعَلُهُمْ يَضْطَجِعُونَ آمِنِينَ. ١٩وَأَخْطُبُكِ لِنَفْسِي إِلَى الأَبَدِ. وَأَخْطُبُكِ لِنَفْسِي بِالْعَدْلِ وَالْحَقِّ وَالإِحْسَانِ وَالْمَرَاحِمِ. ٢٠أَخْطُبُكِ لِنَفْسِي بِالأَمَانَةِ فَتَعْرِفِينَ الرَّبَّ. ٢١وَيَكُونُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ أَنِّي أَسْتَجِيبُ، يَقُولُ الرَّبُّ، أَسْتَجِيبُ السَّمَاوَاتِ وَهِيَ تَسْتَجِيبُ الأَرْضَ، ٢٢وَالأَرْضُ تَسْتَجِيبُ الْقَمْحَ وَالْمِسْطَارَ وَالزَّيْتَ، وَهِيَ تَسْتَجِيبُ يَزْرَعِيلَ. ٢٣وَأَزْرَعُهَا لِنَفْسِي فِي الأَرْضِ، وَأَرْحَمُ لُورُحَامَةَ، وَأَقُولُ لِلُوعَمِّي: أَنْتَ شَعْبِي، وَهُوَ يَقُولُ: أَنْتَ إِلهِي»."يعود الله هنا في حنان ولطف ويعلن رغبته في عودتها إليه. هو عريس عجيب في محبته، فبعد أن تخونه عروسه يعود ويلاطفها لتعود إليه =
= كما أخرج الشعب من عبودية وأسر فرعون إلى الحرية. والمعنى أن الله سيقودنا إلى الحرية. ومعنى أن الله يتملقها أي تحايله عليها، كما يتحايل الأب على إبنه المتمرد. وكان المتوقع بعد آية (١٣) وقوله "وتنساني أنا يقول الرب" أن يقول الرب ولذلك سأنتقم منها ، ولكننا نجده يقول
ولكِنْ
= أي مع هذا فمحبتي لها كبيرة. وماذا سيقدم لها؟
أُعْطِيهَا كُرُومَهَا
= أي يعيد لها فرحها. وإذا فهمنا أن المسيح هو الكرمة الحقيقية، فهو سيعطينا ذاته كسر فرح لنا.
وَوَادِي عَخُورَ
= كلمة عخور تعني ضيق. والمعنى فمع كونها مازالت في العالم وادي الضيق أو الضيقة العظيمة كما في (رؤ١٤:٧) إلاّ أنه سيفتح الله لنا باب الرجاء في الفرح الأبدي. وبعد الحرية وهذا الرجاء تسبح النفس المبتهجة =
وَهِيَ تُغَنِّي هُنَاكَ كَأَيَّامِ صِبَاهَا
= فالإنسان في طفولته قبل أن يتدنس من العالم يستطيع أن يسبح بسهولة ولكن بعد أن يتعلم الخطية يصعب عليه التسبيح. وبعمل المسيح يعود كما كان طفلاً فرحاً ويستطيع أن يسبِّح. ولم يَعُدْ الضيق الذي في العالم قادراً أن ينزع منّا فرحنا وتسبيحنا (يو٢٢:١٦). بل صار الألم هبة (في٢٩:١) فيه نشترك مع المسيح في صليبه فنتذوق بهجة قيامته. وكتب بولس الرسالة لفيلبي وهي رسالة الفرح بينما كان في سجنه، والثلاثة فتية في الأتون كانوا يسبحون.. ولكن وادي عخور يشير لأهمية ترك الخطية أولاً، ففيه رجم الشعب عاخان بن كرمي مُكدِّر إسرائيل (يش٢٤:٧) . فلنرجم خطايانا وندفنها حتى نستطيع أن نفرح. ونلاحظ أن يعقوب أبو الأباء بعد ن طمر الآلهة الغريبة تحت البطمة (تك٤:٣٥) ظهر له الله وباركه (تك٩:٣٥). فلن نفرح بالله قبل أن نتخلى عن خطايانا أولاً، هنا يتحول
وادي عخور
(العالم الذي نحيا فيه) إلى
باب للرجاء
. والفرح الحالي هو عربون فقط.
تَدْعِينَنِي رَجُلِي، وَلاَ تَدْعِينَنِي بَعْلِي
= رجلي هي نفسها بعلي، لكن كلمة بعلي تشير لمحبتهم السابقة لأوثانهم. والله في محبته التي سيسكبها سينزع من القلب كل محبة غريبة لآخر=
= وقتها تنسب كعروس لله وليس لإله غريب. ولاحظ أن هذا لم يتم إلاّ في
البرية
(١٤) أنه في عزلة عن العالم الشرير. ومرة أخرى فيعقوب قد رأى الله وباركه (تك٩:٣٥) بعد أن ترك مدينة شكيم وذهب إلى بيت إيل (تك٣٥ : ١ ، ٣).
تَدْعِينَنِي رَجُلِي
، يصير المسيح عريساً لنفوسنا ونتحد به. وهذا التملق وهذه الملاطفة التي أعطتنا الله عريساً لنا بدأت بالصليب وهذا الكلام لا يمكن تطبيقه إلاّ على الكنيسة. وفي آية (١٨) نرى عهد السلام، العهد الجديد، السلام الذي يعطيه الله، والذي هو ليس من هذا العالم
فنضطجع آمنين
= فالله ملك السلام يعطي لأحبائه نوماً. هذا السلام سيكون بين الإنسان والله وبين الإنسان والإنسان وبين الإنسان والحيوان، فهناك سلطان لأولاد الله على الوحوش سواء
حَيَوَانِ الْبَرِّيَّةِ وَطُيُورِ السَّمَاءِ
= والوحوش قد تكون حقيقية (وقد كان للقديسين سلطان عليهم، وكان للإنسان سلطان على كل الحيوانات فقده بالخطية وعاد للقديسين) وقد تكون الوحوش إشارة للناس الأشرار الذين لهم طبع وحشي، كما قال بولس الرسول " حاربت وحوشاً في أفسس" عموماً هؤلاء الأشرار الوحوش ليس لهم سلطان علينا إن لم يكن هذا السلطان معطى من فوق كما قال السيد لبيلاطس (يو١١:١٩) هنا نرى اللعنة التي ذُكِرَت في آية (١٢) أن حيوان البرية كان يأكل الأجرة، قد تحولت إلى بركة، فصار سلام مع حيوان البرية.
وَأَكْسِرُ الْقَوْسَ
والسيف
هو تعبير يعني أن الله يُعطي سلاماً "سلامي أترك لكم سلامي أنا أعطيكم" لكن السيد أكمل بقوله "ليس كما يعطى العالم أعطيكم" فسلام الله ليس من الخارج بل سلامه يملأ العقل والقلب مهما كان العالم مضطرباً " إن قام علىَّ جيش ففي هذا أنا مطمئن" فالله لا يعِدْ بنزع الحروب من العالم، بل هو نبَّه أن العالم سوف يبغض أولاد الله لأنهم ليسوا من العالم. ولكنه سيعطى سلاماً داخلياً قادراً أن يتغلب على المخاوف الخارجية، سلاماً يفوق كل عقل (في٧:٤). وفي (١٩) هذه الخطبة تمت بالصليب الذي ظهر فيه
الْعَدْلِ وَالْحَقِّ وَالإِحْسَانِ وَالْمَرَاحِمِ
وباتحادنا بعريسنا السماوي نحصل على هذه الصفات عينها. وهذه الخطبة أبدية. وفي (٢٠) أساس الخطبة هو الإيمان الذي به نتحد مع العريس ، فنعرفه المعرفة التي تفرح القلب . والله أمين الذي دعاهم سيفعل أيضاً (١تس٢٤:٥) فبالتوبة نعرف الله وفي (٢١ ، ٢٢) نجد سلسلة من الاستجابات. فبسبب الخطية لا تستجيب السماء للأرض، والأرض لا تستجيب لزراعة الإنسان، بل تصير السماء نحاس والأرض حديد لأنه لا توجد بركة (تث٢٣:٢٨) أي أن الله لا يستجيب ولكننا هنا نرى الله يستجيب فتستجيب السماء وتعطي مطرها، وتستجيب الأرض وتنبت ما يزرعه الإنسان =
تَسْتَجِيبُ يَزْرَعِيلَ
. هذه سلسلة مباركة من الإستجابات تعلن بركة الله ورضاه. وهنك تأمل آخر:
فالله يستجيب السموات
فالسمائيين يشفعون فينا
والسماء
تستجيب الأرض
= هذه الصورة نراها في (رؤ٨:٥) حيث الأربعة وعشرون قسيساً يقدمون أمام الله بخوراً الذي هو صلوات القديسين. فالأرض أي الكنيسة الأرضية تصلي والسماء تشفع فيها، ولاحظ أن المسيح جعل الاثنين واحداً أي السماء والأرض. وأمام هذا الحب يستجيب الله ويفيض ببركاته.
الْقَمْحَ
= شبع .
وَالْمِسْطَارَ
أي خمر = فرح .
وَالزَّيْتَ
= إمتلاء من الروح القدس.
وهي تَسْتَجِيبُ يَزْرَعِيلَ
= (في٤:١) كان يزرعيل يعني لعنة وعقاب وإبادة، وهنا يعني زرع الله. وزرع الله هو كلمته داخل النفس. والمسيح زرع الكنيسة زرعاً جديداً =
وَأَزْرَعُهَا لِنَفْسِي
وصار يستجيب له (آية ٢٣) وهناك تأمل آخر :- أن السموات تشير للنفس التي تحمل المسيح في داخلها عريساً لها. وهذه النفس يستجيب لها الله قطعاً. والأرض تشير للجسد والمسيح قَدَّس الجسد وصارت أعضاؤه آلات بر تعمل لحساب الله. فالنفس التي تتقدس لتصير سماءً يستجيب لها الله ويمطر عليها أمطاراً سماوية أي يفيض من روحه القدوس عليها، على أرضها أي جسدها فيثمر. مثل هذا الإنسان يتمتع بمراحم الله =
الإصحاح الثاني
آية (١):- "١«قُولُوا لإِخْوَتِكُمْ «عَمِّي» وَلأَخَوَاتِكُمْ «رُحَامَةَ»."انتهي الإصحاح السابق بوعد من الله بأن يجمع يهوذا وإسرائيل في أمة واحدة برأس واحد. وقد تحقق هذا بعد رجوع يهوذا من سبي بابل وإنضمام إسرائيل لهم تحت قيادة زربابل. وكان كل هذا رمزاً لجسد الكنيسة الذي رأسه هو المسيح. وعمل المسيح الفدائي جعلنا كلنا أخوة =لإِخْوَتِكُمْ «عَمِّي» وَلأَخَوَاتِكُمْ «رُحَامَةَ». عَمِّي
= شعبيورُحَامَةَ
= مرحومين. فهو يرحم شعبه.آية (٢):- "٢حَاكِمُوا أُمَّكُمْ حَاكِمُوا، لأَنَّهَا لَيْسَتِ امْرَأَتِي وَأَنَا لَسْتُ رَجُلَهَا، لِكَيْ تَعْزِلَ زِنَاهَا عَنْ وَجْهِهَا وَفِسْقَهَا مِنْ بَيْنِ ثَدْيَيْهَا،"حَاكِمُوا أُمَّكُمْ
= الأم هنا هي أمة إسرائيل. وكلمة حاكموا أي اعترفوا بالخطية ودينوها وأحكموا على من يخطئ بأنه يستحق العقاب. والإعتراف والتوبة هما الوسيلة الوحيدة لإستدرار مراحم الله. ولتكن توبة جماعية يمثلها توبة الأم إسرائيل كلها. فالله هنا يوجه كلامه للأتقياء بينهم أن يشهدوا على خطايا إسرائيل. ويوجه الله كلامه أيضاً للمتألمين من إسرائيل، أن لا يشتكوا على الله الذي سمح بهذه الآلام، بل أن يلقوا التبعة على خطايا أمهم (إش١:٥٠) . وفي دينونتهم لأمهم عليهم أن يُذَكِّروها بمراحم الرب السابقة عليها وخيانتها المستمرة له. فهي التي نقضت عهد الزيحة =لأَنَّهَا لَيْسَتِ امْرَأَتِي
. الله لم يرفضها لسبب خطية سقطت فيها بضعف ولكن بسبب إصرارها على رفض الله ورفض التوبة. فالله قَبِل داود لأنه قَدَّمَ توبة ورفض شاول لإصراره على الخطية ورفض يربعام لأنه قاد إسرائيل كله لأن يخطئ ولم يتب. والزنى كما نعرف قد يكون روحي أي بعبادة الأوثان أو زنا جسدي فعلي. وما هو المطلوب من هذه المحاكمة؟ أنتَعْزِلَ زِنَاهَا عَنْ وَجْهِهَا
= أي تنزع عن وجهها عدم الحياء وتخجل من خطاياها.وَفِسْقَهَا مِنْ بَيْنِ ثَدْيَيْهَا
= هذه تفهم [١] بين الثديين يوجد القلب فالمطلوب إذاً أن ترجع لله بقلبها " بين ثديي يبيت" (نش١٣:١) وتتخلى بقلبها عن الخطية وليس في مظاهر عبادات خارجية " فأية شركة للنور مع الظلمة" [٢]الثديين هما وسيلة الرضاعة، وإسرائيل كأم عليها أن تكف عن أن ترضع شعبها النجاسة، أي أن تكف عن تعليمهم الخطايا.آية (٣):- "٣لِئَلاَّ أُجَرِّدَهَا عُرْيَانَةً وَأَوْقِفَهَا كَيَوْمِ وِلاَدَتِهَا، وَأَجْعَلَهَا كَقَفْرٍ، وَأُصَيِّرَهَا كَأَرْضٍ يَابِسَةٍ، وَأُمِيتَهَا بِالْعَطَشِ. "بالتوبة نكتسي بالبر. والمسيح هو برنا، وبالتوبة نلبس المسيح فإذا أصَّر إنسان على عدم التوبة يظهر عريه (كما حدث مع آدم) وعملياً فالخطية هي سبب خراب الشعوب والأفراد.وَأَجْعَلَهَا كَقَفْرٍ
= لأن الخطية سبب عدم الامتلاء من الروح القدس وهو الماء الذي يروي. وبالموت يخرج الإنسان من العالم كما ولدته أمه بدون شئ. لذلك فلنقدم توبة قبل الموت.العرى
= افتضاح خطايانا.وَأَوْقِفَهَا كَيَوْمِ وِلاَدَتِهَا
= يوم دخل يشوع مع الشعب لأرضوكانت خربة وكلها نجاسة .آية (٤):- "٤وَلاَ أَرْحَمُ أَوْلاَدَهَا لأَنَّهُمْ أَوْلاَدُ زِنًى. "أَوْلاَدُ زِنًى
= الله لن يرحم أولادها لو إستمروا على شكل خطية أمهم. أما لو تابوا فسيصبح اسمهم عمى ورُحامة ولا يعود إسمهم أولاد زنى.آية (٥):- "٥«لأَنَّ أُمَّهُمْ قَدْ زَنَتِ. الَّتِي حَبِلَتْ بِهِمْ صَنَعَتْ خِزْيًا. لأَنَّهَا قَالَتْ: أَذْهَبُ وَرَاءَ مُحِبِّيَّ الَّذِينَ يُعْطُونَ خُبْزِي وَمَائِي، صُوفِي وَكَتَّانِي، زَيْتِي وَأَشْرِبَتِي. "لأَنَّ أُمَّهُمْ قَدْ زَنَتِ
: إذن ما يحدث لهم من ألام ليس سببه قسوة الله إنما خطيتهم.صَنَعَتْ خِزْيًا
= هي ذهبت وراء الآلهة الوثنية وهذا هو الخزي فالسجود لساق شجرة ليس إهانة لله فقط بل خزي وعار للبشر. ومن يجري وراء أي خطية لا يناله سوى الخزي. ومن يتمسك بالعالم الذي سيزول، سوف يخزى لأنه تمسك بلا شئ. وهي نسبت لهذه الآلهة أنهم مصدرخُبْزِي
= طعامهاوَمَائِي
= شرابها.صُوفِي وَكَتَّانِي
= كساءها.زَيْتِي
= أي دواءها.وَأَشْرِبَتِي
= أي مصدر سعادتها وبهجتها. مسكين من يعتبر أن مصدر خيراته هو العالم أو أي إنسان في العالم أو ذراعه هو، أو أن الخطية مصدر بهجة وشبع، كل هذا ليس الإّ خداع.آية (٦):- "٦لِذلِكَ هأَنَذَا أُسَيِّجُ طَرِيقَكِ بِالشَّوْكِ، وَأَبْنِي حَائِطَهَا حَتَّى لاَ تَجِدَ مَسَالِكَهَا. "نتيجة الخطية أنبتت الأرض شوكاً. ومن مراحم الله أن الله ترك هذا الشوك لينمو حتى يُتْعِبْ الخطاة ويكتشفوا أن نتيجة خطيتهم لن يقابلهم سوى الآلام.وَأَبْنِي حَائِطَهَا حَتَّى لاَ تَجِدَ مَسَالِكَهَا
= المقصود أن الله يسمح بأن الخطاة يكونوا محاطين بسور من شوك أي آلام، وفشل في تنفيذ مقاصدهم كمن أمامه حائط يحول بينه وبين تنفيذ ما يريد. بل يصير يتخبط =لاَ تَجِدَ مَسَالِكَهَا
آية (٧):- "٧فَتَتْبَعُ مُحِبِّيهَا وَلاَ تُدْرِكُهُمْ، وَتُفَتِّشُ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَجِدُهُمْ. فَتَقُولُ: أَذْهَبُ وَأَرْجعُ إِلَى رَجُلِي الأَوَّلِ، لأَنَّهُ حِينَئِذٍ كَانَ خَيْرٌ لِي مِنَ الآنَ. "ولكن لماذا يسمح الله بذلك؟ حتى تفتش على محبيها فلا تدركهم. ومحبيها هنا للأسف هم أوثانها وشهواتها وخطاياها.مثلاً
: إنسان شهواني يصيبه الله بمرض فيصبح غير قادر أن يتمم شهوته، أو إنسان مادي عابد للمال يسمح الله له بخسارة كبيرة تحول دون أطماعه.. ولماذا يسمح الله بهذا؟ لعلهم يتوبون فتقول النفسأَذْهَبُ وَأَرْجعُ
= وهذا ما حدث مع الابن الضال. لقد كانت المجاعة والأكل مع الخنازير حائط أمامه فلم يجد مسالكه، لم يَعُد قادراً أن يتلذذ بشهواته وأمواله فقال أذهب وأرجع لأبي. ولنلاحظ أن القلوب المادية لا تشتهي سوى الأشياء الحسية. بينما أن من إختبر وصايا الله يجدها أشهى من العسل (مز١٠:١١٩) ومحبة الله أحلى من الخمر (نش١ : ٢) وما قيل هنا تم فعلاً لإسرائيل فهم أرادوا التحالف مع المصريين لحمايتهم وخذلهم المصريون. ولنلاحظ أنه لو وجدنا طريقنا مسدوداً. فلنفكر ونقول لعل هذا بسبب خطايانا، هذه تشبه وقوف ملاك في وجه بلعام ليسد طريقه.الآيات (٨-١٣):- "٨«وَهِيَ لَمْ تَعْرِفْ أَنِّي أَنَا أَعْطَيْتُهَا الْقَمْحَ وَالْمِسْطَارَ وَالزَّيْتَ، وَكَثَّرْتُ لَهَا فِضَّةً وَذَهَبًا جَعَلُوهُ لِبَعْل. ٩لِذلِكَ أَرْجعُ وَآخُذُ قَمْحِي فِي حِينِهِ، وَمِسْطَارِي فِي وَقْتِهِ، وَأَنْزِعُ صُوفِي وَكَتَّانِي اللَّذَيْنِ لِسَتْرِ عَوْرَتِهَا. ١٠وَالآنَ أَكْشِفُ عَوْرَتَهَا أَمَامَ عُيُونِ مُحِبِّيهَا وَلاَ يُنْقِذُهَا أَحَدٌ مِنْ يَدِي. ١١وَأُبَطِّلُ كُلَّ أَفْرَاحِهَا: أَعْيَادَهَا وَرُؤُوسَ شُهُورِهَا وَسُبُوتَهَا وَجَمِيعَ مَوَاسِمِهَا. ١٢وَأُخَرِّبُ كَرْمَهَا وَتِينَهَا اللَّذَيْنِ قَالَتْ: هُمَا أُجْرَتِي الَّتِي أَعْطَانِيهَا مُحِبِّيَّ، وَأَجْعَلُهُمَا وَعْرًا فَيَأْكُلُهُمَا حَيَوَانُ الْبَرِّيَّةِ. ١٣وَأُعَاقِبُهَا عَلَى أَيَّامِ بَعْلِيمَ الَّتِي فِيهَا كَانَتْ تُبَخِّرُ لَهُمْ وَتَتَزَيَّنُ بِخَزَائِمِهَا وَحُلِيهَا وَتَذْهَبُ وَرَاءَ مُحِبِّيهَا وَتَنْسَانِي أَنَا، يَقُولُ الرَّبُّ.هنا نرى كيف يدنس الإنسان عطايا الله ومواهبه وما نتيجة ذلك. فالله يعطينا خيرات زمنية مادية ومواهب وخيرات روحية =الْقَمْحَ وَالْمِسْطَارَ
= أي الخمر. وهذه ما يسميها المسيح وزنات سوف يسألنا عنها فيما بعد. ماذا فعلنا بها. وكيف تاجرنا بها، وهل ربحنا أو خسرنا. ولكن هناك من يتصوَّر أن عطايا الله له ، هي لنفسه وليستغلها فقط للذة جسده (وهذا ما يسمى مال الظلم) أو كمن أعطاه الله صحة جسدية وأضاعها في التدخين والخمر وخطايا الجسد =وَكَثَّرْتُ لَهَا فِضَّةً وَذَهَبًا جَعَلُوهُ لِبَعْل
= في العهد القديم كانوا يدفعون ذهباً كثيراً لآلهتهم. أما في العهد الجديد فمعنى هذا هو تبديد المواهب في الخطايا. والنتيجة أن الله يحرمنا من عطاياه =لِذلِكَ أَرْجعُ وَآخُذُ قَمْحِي
. بل سينزع عن الخطاة ما كان يسترهم، فهو سيتخلى عنهم وهو لباس برهمفيفتضحون أمام عيون محبيهم
= أي من مارسوا معهم الشر. وستفقد النفس الخاطئة أيضاً أفراحها وسلامها. آية (١١)فالأعياد والمواسم
هي أيام فرح وهذا سيكف وينتهي. وآية (١٢)وَأُخَرِّبُ كَرْمَهَا وَتِينَهَا
= الله يرى كنيسته كرماً يفرح بخمره . وتينته يتلذذ بثمرها. والله أعطاها كروم أي أفراح فالخمر رمز للفرح. وأعطاها تيناً رمز المحبة الأخوية. ولكنها قدمت ثمارها لإبليس عوضاً عن أن تُفرِح بها الله. لذلك هو سيخرب هذه الكرمة وهذه التينة ، فلا تعود تَفرَح داخلياً، ولا يعود هناك محبة بين الناس (التينة ببذارها الكثيرة) داخل غلاف واحد، وطعمها الحلو، تشير للمحبة التي تجمع الناس معاً، هذا هو نفس التهديد في (إش١:٥-٧) وفي (رؤ٥:٢) " فتب وإلاّ.. أزحزح منارتك" فهي إعتبرت أن كل ما لها من عطايا الله هو ملكها، بل هو أجرتها ومن محبيها أي من العالم أو الذات.أُجْرَتِي
= حرفياً هو أجر الزانية وهذه تصوِّر الانحطاط الذي وصلت إليه إسرائيل، فهى ظنت أن أفراحها راجعة لخطاياها.والله
سيعاقبها على أيام بعليم
=لأنها كانت تبخر لهم وتتزين وتنسى
الرب
تبخر لهم أي تصلي والمعنى أنها ذهبت وراء الأصنام بقلبها وتزينت لترضي العالم ونسيت الرب.وبعليم
= جمع لفظ بعل. فالوثنيين كان لهم آلهة كثيرة مثل بعل زبوب أي إله عقرون وإله الذبان وبعل بريث إله العهود وبعل فغور إله الزنى (٢مل٢:١+ قض٣٣:٨+ عد٣:٢٥) حقاً من يترك الله يضل وراء آلهة كثيرة. ومن ينسب أي خير يأتيه لغير الله ، يصبح في درجة أقل من الحيوان. "فالحمار يعرف معلف صاحبه" (أش٣:١) . وقارن بين آية (٥) وآية (٩) فهم نسبوا كل خيراتهم لأنفسهم وقالوا خبزي ومائي ، بينما هي لله "أخذ قمحي في حينه" والله يأتمننا على ما بين أيدينا كوكلاء محتفظاً بالملكية له (راجع مثل وكيل الظلم) . وهو لا يمتلك فقط خيراتنا بل يمتلكنا نحن أيضاً. وإذا نزع الخيرات من أحد فهذا لئلا يسئ استعمالها فيما بعد. ولاحظ التدرج في العقاب، ففي آية (٩) ينزع الخيرات ثم في (١٠) يكشف عورتها أي يفضحها ويفضح كل شرورها. فبينما إدعت أن الخطية شئ طبيعي، سيقوم الله بإعلان كم أن الخطية خاطئة جداً، ويظهر قبحها وفسادها. ثم تأتي درجة أصعب يحرمهم فيها الله من كل أفراحهم. وكون أن اليهود قد نسبوا الخيرات التي بين أيديهم للآلهة الوثنية فهذا يظهر في (أر١٦:٤٤-١٨).الآيات (١٤-٢٣):- "١٤«لكِنْ هأَنَذَا أَتَمَلَّقُهَا وَأَذْهَبُ بِهَا إِلَى الْبَرِّيَّةِ وَأُلاَطِفُهَا، ١٥وَأُعْطِيهَا كُرُومَهَا مِنْ هُنَاكَ، وَوَادِي عَخُورَ بَابًا لِلرَّجَاءِ. وَهِيَ تُغَنِّي هُنَاكَ كَأَيَّامِ صِبَاهَا، وَكَيَوْمِ صُعُودِهَا مِنْ أَرْضِ مِصْرَ. ١٦وَيَكُونُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، يَقُولُ الرَّبُّ، أَنَّكِ تَدْعِينَنِي: رَجُلِي، وَلاَ تَدْعِينَنِي بَعْدُ بَعْلِي. ١٧وَأَنْزِعُ أَسْمَاءَ الْبَعْلِيمِ مِنْ فَمِهَا، فَلاَ تُذْكَرُ أَيْضًا بِأَسْمَائِهَا. ١٨وَأَقْطَعُ لَهُمْ عَهْدًا فِي ذلِكَ الْيَوْمِ مَعَ حَيَوَانِ الْبَرِّيَّةِ وَطُيُورِ السَّمَاءِ وَدَبَّابَاتِ الأَرْضِ، وَأَكْسِرُ الْقَوْسَ وَالسَّيْفَ وَالْحَرْبَ مِنَ الأَرْضِ، وَأَجْعَلُهُمْ يَضْطَجِعُونَ آمِنِينَ. ١٩وَأَخْطُبُكِ لِنَفْسِي إِلَى الأَبَدِ. وَأَخْطُبُكِ لِنَفْسِي بِالْعَدْلِ وَالْحَقِّ وَالإِحْسَانِ وَالْمَرَاحِمِ. ٢٠أَخْطُبُكِ لِنَفْسِي بِالأَمَانَةِ فَتَعْرِفِينَ الرَّبَّ. ٢١وَيَكُونُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ أَنِّي أَسْتَجِيبُ، يَقُولُ الرَّبُّ، أَسْتَجِيبُ السَّمَاوَاتِ وَهِيَ تَسْتَجِيبُ الأَرْضَ، ٢٢وَالأَرْضُ تَسْتَجِيبُ الْقَمْحَ وَالْمِسْطَارَ وَالزَّيْتَ، وَهِيَ تَسْتَجِيبُ يَزْرَعِيلَ. ٢٣وَأَزْرَعُهَا لِنَفْسِي فِي الأَرْضِ، وَأَرْحَمُ لُورُحَامَةَ، وَأَقُولُ لِلُوعَمِّي: أَنْتَ شَعْبِي، وَهُوَ يَقُولُ: أَنْتَ إِلهِي»."يعود الله هنا في حنان ولطف ويعلن رغبته في عودتها إليه. هو عريس عجيب في محبته، فبعد أن تخونه عروسه يعود ويلاطفها لتعود إليه =أَتَمَلَّقُهَا وَأَذْهَبُ بِهَا إِلَى الْبَرِّيَّةِ
= كما أخرج الشعب من عبودية وأسر فرعون إلى الحرية. والمعنى أن الله سيقودنا إلى الحرية. ومعنى أن الله يتملقها أي تحايله عليها، كما يتحايل الأب على إبنه المتمرد. وكان المتوقع بعد آية (١٣) وقوله "وتنساني أنا يقول الرب" أن يقول الرب ولذلك سأنتقم منها ، ولكننا نجده يقولولكِنْ
= أي مع هذا فمحبتي لها كبيرة. وماذا سيقدم لها؟أُعْطِيهَا كُرُومَهَا
= أي يعيد لها فرحها. وإذا فهمنا أن المسيح هو الكرمة الحقيقية، فهو سيعطينا ذاته كسر فرح لنا.وَوَادِي عَخُورَ
= كلمة عخور تعني ضيق. والمعنى فمع كونها مازالت في العالم وادي الضيق أو الضيقة العظيمة كما في (رؤ١٤:٧) إلاّ أنه سيفتح الله لنا باب الرجاء في الفرح الأبدي. وبعد الحرية وهذا الرجاء تسبح النفس المبتهجة =وَهِيَ تُغَنِّي هُنَاكَ كَأَيَّامِ صِبَاهَا
= فالإنسان في طفولته قبل أن يتدنس من العالم يستطيع أن يسبح بسهولة ولكن بعد أن يتعلم الخطية يصعب عليه التسبيح. وبعمل المسيح يعود كما كان طفلاً فرحاً ويستطيع أن يسبِّح. ولم يَعُدْ الضيق الذي في العالم قادراً أن ينزع منّا فرحنا وتسبيحنا (يو٢٢:١٦). بل صار الألم هبة (في٢٩:١) فيه نشترك مع المسيح في صليبه فنتذوق بهجة قيامته. وكتب بولس الرسالة لفيلبي وهي رسالة الفرح بينما كان في سجنه، والثلاثة فتية في الأتون كانوا يسبحون.. ولكن وادي عخور يشير لأهمية ترك الخطية أولاً، ففيه رجم الشعب عاخان بن كرمي مُكدِّر إسرائيل (يش٢٤:٧) . فلنرجم خطايانا وندفنها حتى نستطيع أن نفرح. ونلاحظ أن يعقوب أبو الأباء بعد ن طمر الآلهة الغريبة تحت البطمة (تك٤:٣٥) ظهر له الله وباركه (تك٩:٣٥). فلن نفرح بالله قبل أن نتخلى عن خطايانا أولاً، هنا يتحولوادي عخور
(العالم الذي نحيا فيه) إلىباب للرجاء
. والفرح الحالي هو عربون فقط.تَدْعِينَنِي رَجُلِي، وَلاَ تَدْعِينَنِي بَعْلِي
= رجلي هي نفسها بعلي، لكن كلمة بعلي تشير لمحبتهم السابقة لأوثانهم. والله في محبته التي سيسكبها سينزع من القلب كل محبة غريبة لآخر=وَأَنْزِعُ أَسْمَاءَ الْبَعْلِيمِ، فَلاَ تُذْكَرُ أَيْضًا بِأَسْمَائِهَا
= وقتها تنسب كعروس لله وليس لإله غريب. ولاحظ أن هذا لم يتم إلاّ فيالبرية
(١٤) أنه في عزلة عن العالم الشرير. ومرة أخرى فيعقوب قد رأى الله وباركه (تك٩:٣٥) بعد أن ترك مدينة شكيم وذهب إلى بيت إيل (تك٣٥ : ١ ، ٣).تَدْعِينَنِي رَجُلِي
، يصير المسيح عريساً لنفوسنا ونتحد به. وهذا التملق وهذه الملاطفة التي أعطتنا الله عريساً لنا بدأت بالصليب وهذا الكلام لا يمكن تطبيقه إلاّ على الكنيسة. وفي آية (١٨) نرى عهد السلام، العهد الجديد، السلام الذي يعطيه الله، والذي هو ليس من هذا العالمفنضطجع آمنين
= فالله ملك السلام يعطي لأحبائه نوماً. هذا السلام سيكون بين الإنسان والله وبين الإنسان والإنسان وبين الإنسان والحيوان، فهناك سلطان لأولاد الله على الوحوش سواءحَيَوَانِ الْبَرِّيَّةِ وَطُيُورِ السَّمَاءِ
= والوحوش قد تكون حقيقية (وقد كان للقديسين سلطان عليهم، وكان للإنسان سلطان على كل الحيوانات فقده بالخطية وعاد للقديسين) وقد تكون الوحوش إشارة للناس الأشرار الذين لهم طبع وحشي، كما قال بولس الرسول " حاربت وحوشاً في أفسس" عموماً هؤلاء الأشرار الوحوش ليس لهم سلطان علينا إن لم يكن هذا السلطان معطى من فوق كما قال السيد لبيلاطس (يو١١:١٩) هنا نرى اللعنة التي ذُكِرَت في آية (١٢) أن حيوان البرية كان يأكل الأجرة، قد تحولت إلى بركة، فصار سلام مع حيوان البرية.وَأَكْسِرُ الْقَوْسَ
والسيف
هو تعبير يعني أن الله يُعطي سلاماً "سلامي أترك لكم سلامي أنا أعطيكم" لكن السيد أكمل بقوله "ليس كما يعطى العالم أعطيكم" فسلام الله ليس من الخارج بل سلامه يملأ العقل والقلب مهما كان العالم مضطرباً " إن قام علىَّ جيش ففي هذا أنا مطمئن" فالله لا يعِدْ بنزع الحروب من العالم، بل هو نبَّه أن العالم سوف يبغض أولاد الله لأنهم ليسوا من العالم. ولكنه سيعطى سلاماً داخلياً قادراً أن يتغلب على المخاوف الخارجية، سلاماً يفوق كل عقل (في٧:٤).وفي (١٩) هذه الخطبة تمت بالصليب الذي ظهر فيه
الْعَدْلِ وَالْحَقِّ وَالإِحْسَانِ وَالْمَرَاحِمِ
وباتحادنا بعريسنا السماوي نحصل على هذه الصفات عينها. وهذه الخطبة أبدية. وفي (٢٠) أساس الخطبة هو الإيمان الذي به نتحد مع العريس ، فنعرفه المعرفة التي تفرح القلب . والله أمين الذي دعاهم سيفعل أيضاً (١تس٢٤:٥) فبالتوبة نعرف الله وفي (٢١ ، ٢٢) نجد سلسلة من الاستجابات. فبسبب الخطية لا تستجيب السماء للأرض، والأرض لا تستجيب لزراعة الإنسان، بل تصير السماء نحاس والأرض حديد لأنه لا توجد بركة (تث٢٣:٢٨) أي أن الله لا يستجيب ولكننا هنا نرى الله يستجيب فتستجيب السماء وتعطي مطرها، وتستجيب الأرض وتنبت ما يزرعه الإنسان =تَسْتَجِيبُ يَزْرَعِيلَ
. هذه سلسلة مباركة من الإستجابات تعلن بركة الله ورضاه. وهنك تأمل آخر:فالله يستجيب السموات
فالسمائيين يشفعون فيناوالسماء
تستجيب الأرض
= هذه الصورة نراها في (رؤ٨:٥) حيث الأربعة وعشرون قسيساً يقدمون أمام الله بخوراً الذي هو صلوات القديسين. فالأرض أي الكنيسة الأرضية تصلي والسماء تشفع فيها، ولاحظ أن المسيح جعل الاثنين واحداً أي السماء والأرض. وأمام هذا الحب يستجيب الله ويفيض ببركاته.الْقَمْحَ
= شبع .وَالْمِسْطَارَ
أي خمر = فرح .وَالزَّيْتَ
= إمتلاء من الروح القدس.وهي تَسْتَجِيبُ يَزْرَعِيلَ
= (في٤:١) كان يزرعيل يعني لعنة وعقاب وإبادة، وهنا يعني زرع الله. وزرع الله هو كلمته داخل النفس. والمسيح زرع الكنيسة زرعاً جديداً =وَأَزْرَعُهَا لِنَفْسِي
وصار يستجيب له (آية ٢٣)وهناك تأمل آخر :- أن السموات تشير للنفس التي تحمل المسيح في داخلها عريساً لها. وهذه النفس يستجيب لها الله قطعاً. والأرض تشير للجسد والمسيح قَدَّس الجسد وصارت أعضاؤه آلات بر تعمل لحساب الله. فالنفس التي تتقدس لتصير سماءً يستجيب لها الله ويمطر عليها أمطاراً سماوية أي يفيض من روحه القدوس عليها، على أرضها أي جسدها فيثمر. مثل هذا الإنسان يتمتع بمراحم الله =
وَأَرْحَمُ لُورُحَامَةَ
. ويصير له علاقة خاصة، علاقة حب باللهوَأَقُولُ لِلُوعَمِّي: أَنْتَ شَعْبِي، وَهُوَ يَقُولُ: أَنْتَ إِلهِي
= هذه تشبه أنا لحبيبي وحبيبي لي.