الأنبا أوغريس الراهب
"كنت ذات يوم في صحبة القديس مقار الكبير في وقت الظهيرة، وبينما كنت أحترق من شدة العطش استأذنت منه لأشرب ماءً، فأجابني: "أكتفِ بالبقاء في الظل، فإنه يوجد الآن كثيرين من هم مسافرون بالبر أو بالبحر محرومون حتى من هذا الظل المتوفر أمامك". وبينما كنت أحدثه عن الإماتة قال لي: "لقد قضيت عشرين عامًا كاملًا لم أكمل إرادتي في الأكل والشرب والنوم، فما كنت أتناول الخبز إلا بقدر، والماء كنت أشربه بالكيل، أما النوم فكنت استرق القليل منه باستنادي على الحائط على قدر حاجة الجسد"."
"المسيحية هي شريعة مخلصنا يسوع المسيح، تتضمن ما يخص الحياة، وإدراك الأمور على حقيقتها، ومعرفة الله."
"ملكوت السماوات هو أن تكون النفس بلا هوى (بلا شهوات) مع معرفة حقيقية لذاك (الإله) الواحد الكائن."
"ملكوت الله هو معرفة الثالوث القدوس، ويمتد (هذا الملكوت) قدر ما يتسع الذهن، فيمتلئ بحياة أبدية مطوّبة."
"ما يحبه الإنسان يرغب فيه بالتأكيد. وما يرغب فيه يجاهد لأجله، فكل سرور تسبقه رغبة، وكل رغبة تبعثها مشاعر فمن ليس له نصيب في هذه المشاعر، يكون قد تحرر من الانفعالات."
"بالقراءة والسهر والصلاة ُيضبط العقل الشارد (المشتت). وبالجوع والعمل والسكون تنطفئ الشهوة المشتعلة. وبالترتيل بالمزامير وأعمال الخير والرحمة تهدأ ثورة الغضب. هذه جميعها يكون لها آثارها إن اُستخدمت في حينها، وبالقدر المناسب. كل شيء يُستخدم في غير أوانه أو بغير القدر اللازم يصير مضرًا أكثر منه نافعًا."
"عندما تشتهي النفس أطعمة متنوعة، يلزمها أن تكتفي بالخبز والماء، فتصير شاكرة حتى من أجل خبز. فالشَّرِه يشتهي أطعمة متنوعة، أما الجائع فيهنأ حتى عندما يقتات بالخبز."
"من يهرب من الملذات والشهوات العالمية يصير برجًا منيعًا ضد شيطان "التذمر". فالتذمر يسببه الشعور بالحرمان من بعض الملذات الموجودة فعلًا أو المتوقعة. لهذا لا نقدر أن نغلبه مادمنا مربوطين برباطات أرضية. كلما تطلع إلينا الشيطان ورآنا مربوطين بأربطة أرضية، ينصب لنا شباكه ليثير فينا "التذمر"."
"الحقد والكراهية يزيدان لهيب القلب، وأما الرحمة والوداعة فيطفئانه."
"عندما يثار الجزء القابل للإثارة في النفس، لسبب أو آخر، تقدم لنا الشياطين "التوحد" كنصيحة نافعة، لكي به ننزع عنا أسباب الضيق، لكننا لا نكون قد تحررنا (داخليًا) من دافع الغضب. وبالعكس عندما تلتهب الشهوة فينا، تحركنا الشياطين نحو حب الناس (حب الاختلاط بهم)، وتصوّر لنا الانعزال عنهم بربرية وقسوة، وذلك لكي نلتقي بأجساد أخرى فنشتهيها. فليتنا لا نصدق الشياطين في شيء، مجاهدين بكل طاقتنا ضد ما يملوه علينا."
"عمل الغضب الطبيعي هو شن الحرب ضد الشياطين والصراع ضد كل نوع من أنواع اللذة الشريرة. فالملائكة تحثنا نحو اللذة الروحية، وتجعلنا نتذوق بركاتها، وتوجّه غضبنا ضد الشياطين. وأما الشياطين فتجذبنا نحو الشهوات الأرضية، حتى تجعلنا نستخدم الغضب ضد الناس، الأمر الذي يخالف الطبيعة، وهكذا إذ يختل يظلّم ويصير مستهينا خائنًا للفضائل."
"عندما يهاجمنا شيطان الضجر، يلزمنا أن نقسم النفس إلى قسمين: قسم يقدم تعزية، والآخر يتلقاها، باذرين فينا بذار الرجاء الحسن، مرتلين بمزامير داود القائل: "لماذا أنت منحنية في يا نفسي. ولماذا تئنين فيّ؟! ترجِّى الله لأني بعد أحمده لأنه هو خلاص وجهي" مز 5:42."
"في وقت التجربة لا تغادر قلايتك، منتحلًا لنفسك أعذارًا تبدو لك أنها صحيحة، خاصة إن هاجمك شيطان الضجر، الذي هو بالحقيقة أشر جميع الشياطين، لكنه الوحيد من بينهم الذي يقدم للنفس خبرة. إذا ما هربت أو تحاشيت المعركة، يظل عقلك عديم الخبرة، جبانًا، ويهرب بسهولة."
"يصعب عليك الهروب من فكر المجد الباطل، لأن كل ما تصنعه لطرده يمكن أن يكون عاملًا مساعدًا لإنشاء دافع جديد نحو المجد الباطل. هذا والشياطين لا تقاوم دائمًا كل فكر سليم، بل أنها أحيانًا تشجع فينا بعض الأفكار السليمة على رجاء أنها تقدر بعد ذلك أن تخدعنا."
"من يتلامس مع المعرفة ويختبر حلاوتها، لا يعود بعد يثق في شيطان المجد الباطل ولو قدم له كل ما في العالم من إغراءات!! لأنه هل يقدر أن يعده بشيء أعظم من التأمل الروحي؟!! ولكن إن لم نكن بعد قد تذوقنا المعرفة، فليتنا نحيا حياة الجهاد (العمل) بكل غيرة، ونعلن هدفنا أمام الله، وهو أن كل ما نعمله إنما لكي (نختبر) معرفة الله."
"ما نحتفظ به الآن في الذاكرة مثيرًا للشهوة، لابد أن سبق لنا أن قبلناه بشهوة. وأيضًا ما نقبله الآن بشهوة، يصير موضوع ذاكرة مثيرة للشهوة فيما بعد. كذلك يجب على الذين يغلبون الشياطين المثيرين للشهوة، أن يدركوا أن الأشياء موضوع إثارة الشهوة ليست في ذاتها أهم من العدو نفسه (الشيطان) غير المادي، إذ هو أخطر مما هو مادي."
"تستمد آلام النفس دافعها من الناس، أما شهوات الجسد فتستمد دافعها من الجسد. يوقف ضبط النفس حركة الشهوات الجسدية، ويوقف الحب الروحي حركة آلام النفس."
"تقف الشياطين التي تثير النفس بإلحاح وتزعج النفس حتى الموت، أما الشياطين التي تثير حركة شهوة الجسد فتتقهقر بأكثر سهولة من الأولى. أضف إلى هذا أن بعض الشياطين تشبه الشمس المشرقة أو التي تغرب، تلمس جانبًا واحدًا من النفس أو آخر، أما "شيطان الظهيرة" فقد اعتاد أن يغلف النفس كلها ويُغرق الذهن. لهذا السبب فإن العزلة (الوحدة) مع غلبة الشهوات أمر حلو، إذ لا يعود يبقى منها إلا مجرد ذكريات، أما الحرب (الروحية) فلا تكون بعد شديدة بقدر ما نفكر فيها مليًا."
"جدير بالاعتبار أن نفهم إذا كان الفكر هو الذي يجلب الشهوات ويحركها، أم الشهوات هي التي تجلب الفكر. فالبعض ينادون بالرأي الأول، والبعض ينادون بالرأي الثاني. ولكن الشهوات عادة ُتثار وتعمل عن طريق الحواس، فإذا كان الإنسان محبًا وضابطًا لنفسه لا تثور فيه الشهوات، وإذا لم يقتنِها تثور فيه. الغضب أكثر احتياجًا إلى أدوية فعالة عن الشهوة. وُيدعى الحب عظيمًا لأنه يلجم الغضب."
"ليس من المتاح في كل الأوقات أن نستخدم القوانين والقواعد العادية، بل يجب على الإنسان أن يضع في حسبانه الظروف المحيطة به، ويحاول تنفيذ ما هو مستطاع لديه حسب الإمكانيات التي لديه."
"لا تجهل الشياطين هذا، لذلك فإنها في هجومها علينا تمنعنا من أن نعمل حسب طاقتنا، إنما تحرضنا أن نعمل ما هو مستحيل."
"فهي بهذا تحرض المرضى على عدم شكر الله من أجل الآلام التي يعانونها، وتحرمهم من احتمال من يخدمونهم بطيب قلب. كذلك تحث الضعفاء لكي يمارسوا أشق النسكيات، وتحرك الذين أضناهم (العمر والتعب) لكي يسهروا واقفين على أقدامهم في قراءة التسابيح."
"من يريد أن يميز الشياطين الشريرة ويعرفها، ويكتسب خبرة وإفرازًا في طرق خداعها، يجب عليه أن يراقب أفكاره، ويلاحظ ما الذي يؤكدون عليه وما الذي يدعونه يعبر سريعًا، أي الأفكار نشطة؟! في أي الظروف تكون هكذا؟! أي الأفكار تتبع الأخرى؟! أيها لا تتلازم مع بعضها البعض؟! كذلك يجب عليه أن يطلب العون من المسيح يسوع للخلاص منها جميعًا. تغتاظ الشياطين جدًا ممن يمارسون الفضائل عن فهم (ملقين ضوءًا على كل أمر)، لأن الشياطين تريد أن تصوب سهامها خفية نحو الاستقامة التي في القلب (مز 3:1.)."
"الله الذي وحّد النفس مع الجسد، هو وحده في سلطانه أن يفصل الجسد عن النفس. أما انعزال النفس عن الجسد، فيستطيع ذلك من يجاهد لأجل الفضيلة (في وحدة)، لأن آباءنا عنوا بالوحدة تذكر الموت والهروب من الجسد."
"الذين يطعمون أجسادهم بإسراف، ويهيئونه لتتميم شهواتهم (رو 14:13) ليس لهم أن يلوموا أجسادهم بل أنفسهم. أما الذين صاروا غير شهوانيين، وهم بعد في هذا الجسد عينه، وكانوا نشيطين في التأمل في الله الواحد الكائن حقًا، (وذلك بمعاونه صحة جسدهم) قدر المستطاع، هؤلاء يعترفون بفضل الخالق عليهم (إذ وهبهم هذا الجسد)."
"عندما يبدأ العقل يصلى دون تشتيت ينحصر قتال النهار والليل في الصراع مع الجزء الذي يُثار في النفس."
"علامة (اللاهَوَى)، هي أن يبدأ العقل في رؤية نوره (الداخلي)، وذلك عندما لا يضطرب بسبب الأحلام في النوم، ويفهم الأمور بسهولة (على حقيقتها)."
"عندما لا يتصور الذهن شيئًا من الأرضيات أثناء الصلاة، فهذا يعنى أنه قد صار قويًا."
"عندما يقوم العقل بتحقيق نصيب من الحياة العاملة، بمساعدة الله، حتى يبلغ إلى المعرفة (التأمل)، تصير حساسيته للجزء البهيمي من النفس قليلة جدًا أو منعدمة. المعرفة (التأمل) تسمو بالعقل وتفصله عن كل المحسوسات."
"تصير النفس غير شهوانية، ليس فقط عندما لا تأسرها الأشياء (المقتنيات)، بل لا تضطرب حتى لمجرد ذكرها."
"فيعظيم هو أن تصلي بدون تشتيت الفكر، وأعظم أن تسبح بالمزامير بلا تشتيت."
"من يغرس الفضائل في نفسه، ويصير مملوكًا لها بالكامل، لا يعود بعد يذكر الشريعة أو الوصايا أو العقاب، إنما يتكلم ويعمل حسبما تمليه عليه حالته السامية الثابتة فيه."
"تقترن الحكمة بالسكينة (النياح)، ويقترن التمييز الحسن بالعمل. لا نقدر أن نقتنى الحكمة بدون جهاد، ولا نستطيع أن ننتصر في الجهاد بغير التمييز الحسن. من عمل "التمييز الصالح" أن يصد الغضب الذي تثيره الشياطين، وأن يشدد قوى النفس حتى تعمل هذه القوى قدر المستطاع حسب طبيعتها، وهكذا يمهد التمييز الصالح طريق الحكمة."
"التجربة بالنسبة للراهب هي أن يدخل فكر إلى الجانب الشهواني للنفس فيظلم العقل."
"والخطية بالنسبة للراهب هي قبوله للفكر الشهواني الخاطئ الممنوع."
"لا تبطل الفضائل محاربة الشياطين ضدنا، بل تحفظنا منها سالمين."
"الحياة العاملة (لممارسة الفضيلة) هي الطريق الروحي لتنقية الجانب الشهواني للنفس."
"لا يكفي لشفاء قوى النفس شفاءً تامًا الاكتفاء بالأثر المفيد للوصايا، إنما يلزم على العقل أيضًا أن يتمسك بتأملات مناسبة."
"الحب نسل عدم الشهوة، وعدم الشهوة هو زهرة الحياة العاملة التي تقوم بدورها بتنفيذ الوصايا. خوف الله هو الحارس لممارسة الوصايا، وهو ثمرة الإيمان السليم. الاعتقاد (الإيمان النظري العقلي البحت) هو صلاح النفس الداخلي، وهو غالبًا ما يوجد حتى عند الذين لا يؤمنون بالله (إيمانًا عمليًا)."
"العقل الذي يشن حربًا شهوانية لا يرى تدابير الخصم، وهو في هذه الحالة يكون كمن يقاتل ليلًا (في الظلام). ولكن عندما يكون العقل "غير شهواني" فإنه يستطيع أن يميز خداعات العدو بسهولة."
"الحب هو كمال الحياة العاملة. وعلم اللاهوت هو كمال المعرفة. وبدء الاثنين هو الإيمان والتأمل. الشياطين التي تقاتل الجانب الشهواني من النفس تدعى "أعداء الحياة العاملة"، وأما الشياطين التي تقاتل العقل نفسه فتدعى "أعداء الحق وخصوم التأمل"."
"من يتقدم في الحياة العاملة، تتضاءل عنده الشهوات، ومن يتقدم في التأمل يتضاءل عنده الجهل. قيل إنه يمكن أن تنتهي الشهوات في وقت ما، لكن الجهل ينتهي في جانب ما ويبقى في جانب آخر."
"كلًا من الأمور الصالحة والرديئة التي تصادفنا في الحياة، تساعدنا في الفضيلة كما في الرذيلة. فعمل "الإفراز الصالح" هو أن يستخدم هذه الأمور لنمو الأولى وصد الثانية."
"فبذار الفضائل لا تفنى، وأنا مقتنع بذلك بسبب الرجل الغنى الوارد ذكره في الإنجيل، الذي بالرغم من إدانته في الجحيم إلا أنه افتكر بالرحمة في إخوته؛ والرحمة هي أفضل بذار الفضيلة."
"ماتت طبيعتنا العاقلة بالخطية، وأقامها المسيح (للتوبة) بتأمل جميع الأجيال (ما كان وما يكون وما سيكون). وقد أقام الآب (أبوه) هذه النفس من موتها بواسطة معرفة الله، حيث تموت النفس موت المسيح، موتًا عن الخطية، وهذا ما عناه قول الرسول: "إن كنا قد متنا معه فسنحيا أيضًا معه" 2 تي 11:2."
"عندما ينبذ الإنسان آدم العتيق ويلبس الإنسان الجديد، الذي من النعمة، يرى حالته خلال الصلاة كمن ينظر إلى ياقوت أزرق أو جَلَدْ السماء، والذي دعي في الكتاب المقدس "مسكن الله" كما رآه الشيوخ على جبل سيناء (خر 1.:24)."
"لا يرى العقل "مسكن الله" في ذاته، ما لم يسمو فوق كل فكر مادي أو أشياء مخلوقة، ولا يقدر أن يسمو فوق هذا إن لم يتحرر من الشهوات التي تربطه بالمحسوسات والتي تثير الأفكار بخصوصها. ويتحرر العقل من هذه الشهوات بواسطة الفضائل، ويتحرر من الأفكار البسيطة بواسطة التأمل الروحي. لكنه يزدرى حتى بهذه (الأفكار البسيطة) عندما يرى بواسطة الصلاة ذلك النور الذي يميز "مسكن الله"."
"اعتاد معلمنا القديس وعظيم الخبرة جدًا أن يقول: يجب على الراهب أن يضع في نفسه أنه سيموت غدًا، ويتعامل مع جسده كمن يبقى سنوات طويلة. كما قال إنه بالتفكير الأول يتوقف أفكار الضجر ويلتهب الراهب غيرة، وبالتفكير الثاني يحفظ الراهب جسده في صحة، ويكون دائمًا معتدلًا."
"يلزم معرفة الاختلافات القائمة بين الشياطين والتعرف على أوقات هجومها. فمن الأفكار نتعلم أي الشياطين قليلة الهجوم، ومع ذلك فهي خطيرة!! وأي الشياطين دائمة الحرب ضدنا لكنها أقل خطورة من الأولى، وأي الشياطين تباغت الإنسان فجأة وتميل بعقله نحو التجديف. كذلك من الضروري أن نلاحظ متى تبدأ الشياطين في عرض موضوعاتها لكي يكون لدينا الوقت لمحاربتها ونتعرف عليها أية شياطين هي، قبل أن نخرج من حالتنا الطبيعية. بهذه الكيفية ننجح، بعون الله لنا، ونلزمهم بتركنا وهم في غيظ مندهشين منا."
"عندما تتعب الشياطين في قتالها مع الرهبان تنسحب إلى حين، وتراقب أي الفضائل يهملونها في هذه الفترة الهادئة، حينئذ تهجم عليهم بغتة من هذه الناحية وتسلب النفس المسكينة."
"تحارب الشياطين الشعب (العلمانيين) من واقع الأمور المادية، أما بالنسبة للرهبان فغالبًا ما تقاتلهم عن طريق الأفكار، إذ في البرية ليس لهم ما يملكونه. ولما كان من الأسهل والأسرع السقوط في الخطأ بالفكر عن السقوط في الخطأ بالفعل، لذلك فإن القتال العقلي أكثر مشقة من القتال الذي يأتي عن طريق الأمور المحسوسة. لأن العقل سريع الحركة ولا يمكن ضبطه بسهولة وأكثر تأثرًا بالتصورات الشريرة."
"لم نأخذ وصية أن نعمل ونسهر ونصوم بلا انقطاع، لكننا أُعطينا وصية أن نصلى بلا انقطاع. لأن المجهودات الأولى التي تهدف إلى شفاء الجزء الشهواني من النفس تحتاج إلى الجسد لتنفيذها؛ والجسد لا يقدر أن يعمل باستمرار ولا أن يكون في حرمان (من النوم أو الأكل) على الدوام. أما الصلاة فتنقى العقل وتقويه في الحرب، لأنه خلق ليصلى حتى بدون الجسد، وليحارب الشياطين لأجل حماية كل قوى النفس."
"ليتنا نميز علامات اللاهَوَى عن طريق الأفكار نهارًا، والأحلام ليلًا. ولنسمى حالة "عدم الشهوة (اللاهوى)" أنها "صحة النفس"، و"المعرفة" هي غذاؤها. لأنه بالمعرفة وحدها نصير متحدين مع القوات المقدسة، إذ أن اتحادنا مع الكائنات غير الجسدية لا يتم إلا إذا كانت حالتنا تطابق حالتهم."
"توجد حالتان لسلام النفس: الأولى تأتى نتيجة إضعاف شهواتنا الطبيعية وإخمادها. والثانية تأتى من انسحاب الشياطين. الحالة الأولى تكون مصحوبة بالتواضع وانكسار القلب والدموع والأشواق غير المتناهية نحو الإلهيات. أما الحالة الثانية فتكون مصحوبة بالمجد الباطل والكبرياء. وهذه تستولي على الراهب عندما تنسحب بعض الشياطين من قتاله. من يحفظ الحالة الأولى يسهل عليه جدًا أن يفطن إلى هجمات الشيطان وحيله."
"شيطان المجد الباطل يضاد شيطان الزنا. ولا يسوغ للاثنين أن يقاتلا النفس سويًا، لأن أحدهما يعد بالكرامة والشرف، والثاني يجلب العار."
"كلما تقدمت النفس ازدادت قوة الأعداء الذين يهاجمونها. وإني لا أظن أن الشياطين المحيطين بها يبقون كما هم بلا تغيير، والذين يراقبون ذلك بدقة التجارب التي تهاجمهم يعرفون ذلك أفضل، ويرون اللاهَوَى المعتاد بالنسبة لهم يهتز بعنف أكثر بسبب شياطين جدد يأتون خلفًا للشياطين القدامى."
"تبلغ النفس إلى حالة "عدم الشهوة" (اللاهَوَى) الكاملة عندما تقهر كل الشياطين التي تضاد الحياة العاملة. أما إذا كانت لا تزال النفس تحارب الشياطين دون أن ُتهزم منهم، فإنها لم تبلغ بعد إلى حالة "عدم الشهوة" تمامًا."
"ولا يستطيع العقل أن يعبر إلى حالة "عدم الشهوة" (اللاهَوَى) ولا بلوغ نهاية الطريق في آمان ولا الدخول في عالم غير الجسديين، إن لم يصلح أولًا ما بالداخل. فالاضطراب الداخلي يلزمه العودة إلى الأمور التي تركها وراءه."
"كلًا من الفضائل والرذائل تعمى النفس. فبالأولى لا ترى النفس الرذائل، وبالثانية لا ترى الفضائل."
"الجحيم هو ظلام الجهل، إذ يحيط بالمخلوقات الحسية عندما تفقد التأمل في الله."
"لا يليق بمن يطلب الكرامة أن يكف عن الجهاد اللازم لنوالها."
"أتريد أن تعرف الله؟ تعلم أولًا أن تعرف نفسك!"
"إنه من المتناقض أن يظن إنسان أنه سامٍ وفي نفس الوقت أعماله منحطة."
"في كل إنسان، الاعتداد بالرأي يفقده معرفته لذاته."
"من ليس فيه صراع مع نفسه، فهو إنسان ورع."
"النفس النقية في الله هي إله (تتشبه به)."
"إن أردت أن تتحرر من "التذمر"، اجتهد أن ترضى الله."
"إن أردت أن تعرف حقيقة ذاتك، فلا تنظر إلى ما أنت عليه، بل إلى خلقتك الأصلية."
"النفس المتكبرة وكر للصوص، لا تقدر أن تحتمل كلمة معرفة."
"بدون تجارب لا يخلص أحد."
"صلِ بلا انقطاع وتذكر المسيح الذي ولدك ثانية!"
"توجد ثمانية أفكار رئيسية، عنها تنبع كل بقية الأفكار: الفكر الأول: الشراهة في الأكل، الفكر الثاني: الزنا، الفكر الثالث: محبة المال، الفكر الرابع: التذمر، الفكر الخامس: الغضب، الفكر السادس: الكآبة (الضجر)، الفكر السابع: المجد الباطل، الفكر الثامن: الكبرياء. أما عن كون هذه الأفكار تجعل النفس تضطرب أو لا تضطرب، فهذا لا يتوقف على إرادتنا، إنما بإرادتنا نترك الأفكار تتوانى فينا أو لا تتوانى، وتثير فينا انفعالات أو لا تثير."
"يوحي فكر الشراهة للراهب أن يتخلى بسرعة عن حياته النسكية، موهمًا إياه أنه مصاب بمرض المعدة والكبد والصفراء أو أي مرض آخر من الأمراض المزمنة، وأنه يحتاج إلى علاج مع عدم وجود أدوية طبية أو أطباء لعلاجه. فضلًا عن هذا فإنه يورد إلى ذاكرته الأخوة الذين يعانون من مثل هذه الأمراض فعلًا. بل وأحيانًا يحرك العدو (الشيطان) بعض الأخوة الذين يعانون من هذه الأمراض لكي يزوروا الرهبان الصائمين ويقصون عليهم ما حدث معهم، ويختمون أحاديثهم بأن ما أصابهم لم يكن إلا بسبب حياة النسك الصارمة."
"يثير شيطان الزنا الشهوة الجسدية، ويشن هجومه على النساك، ويجاهد لكي يتخلوا عن نسكهم، زارعًا في نفوسهم بأن نسكهم هذا بلا نفع. فإذا ما استطاع أن يدنس النفس، يبتدئ يهيئها لقول وسماع بعض الأحاديث (الشريرة) حتى يبدو كما لو أن العمل (الشرير) ذاته ماثل أمام أعينهم."
"تصور محبة المال (للمجربين بها) طول بقائهم على الأرض، وعدم القدرة على العمل، والجوع، والمرض، ومصاعب الاحتياج والاستجداء من الآخرين لإشباع حاجات الجسد."
"يأتي "التذمر" في بعض الأحيان من فقدان ما هو مرغوب فيه، وأحيانًا يأتي كرفيق ملازم للغضب. فان كان "التذمر" نابعًا عن فقدان ما هو مرغوب فيه، فانه يحدث هكذا: تأتى أفكار معينة أولًا، ثم تورد إلى النفس ذكريات خاصة بالمنزل والأهل وطريقة الحياة القديمة، وإذ لا تقاوم النفس هذه الأفكار بل تفرح بها، تبتدئ هذه الأفكار تتسع وتستقر في النفس، وعند ذلك تغرق النفس في "التذمر". لأن ما تتصوره غير موجود، إذ لا يقدر الراهب أن يقتنيه بحكم رهبنته. عندئذ يقتنص الشيطان هذه النفس المسكينة ويسقطها في الحزن بقدر ما تنغمس في مثل هذه الأفكار المقلقة."
"الغضب أسرع كل أنواع الشهوات. فإن الإنسان يثور ويلتهب ضد من أساء إليه أو من يبدو كمن قد أساء إليه. 1. الغضب يقسي النفس شيئًا فشيئًا. 2. والغضب يأسر العقل أثناء الصلاة ويورد حالًا للذاكرة صورة المعتدى. 4. وفي بعض الأحيان يتباطأ الغضب في النفس فينشأ عنه عداوة في القلب. 5. والغضب يسبب الأحلام (المقلقة)، فيصور له العذابات الجسيمة ومخاوف الموت وهجمات الحيات السامة والوحوش. هذه المظاهر الأربعة تصاحب ميلاد العداء، وتجلب أفكارًا كثيرة كما يلاحظ كل إنسان واعٍ لنفسه."
"يأتي هذا الفكر للسالكين في حياة البرّ، ويبتدئ الإنسان يمجّد جهاده ويجمع لنفسه مديح الآخرين له. فيتصور فزع الشياطين منه، شفاءه للنساء، ازدحام الجماهير حوله يلمسون هدب ثوبه، وأخيرًا يتنبأ له بتكريسه للكهنوت، وأن الناس يفدون إليه ليجعلوه كاهنًا، وعندما يرفض الكهنوت يقيدونه ويقودوه رغمًا عنه."
"بعدما يشعل الشيطان فيه هذه الآمال الكاذبة، ينسحب تاركًا المجال لمحاربات أخرى يقدمها شيطان الكبرياء أو شيطان التذمر، الذي يأتي حالًا ويعرض عليه أفكارًا مضادة لهذه الآمال، حتى أنه في بعض الأوقات يستسلم لأفكار شيطان الزنا، هذا الذي منذ لحظات كان يرى في نفسه أنه قديس وكاهن وقور!!"
"أما "شيطان الكبرياء" فهو سبب سقوط النفس المحزن للغاية. إنه يشير على النفس ألا تنظر إلى الله كمعين لها، بل تنسب إلى ذاتها كل ما هو صالح. فتبتدئ تنتفخ أمام الإخوة، وتحسبهم جهلاء، لأنهم لا يعرفون منزلتها السامية. الكبرياء يتبعه الغضب والتذمر. والشر الأخير يتبعه خروج الإنسان عن وعيه والغيظ ورؤية شياطين كثيرة في الهواء."
"توجد خمسة أعمال تساعد على جلب عطية الله: الأول: الصلاة النقية. الثاني: التسبيح بالمزامير. الثالث: قراءة الأسفار المقدسة. الرابع: تذكر الإنسان خطاياه والموت والدينونة المخيفة. الخامس: عمل اليدين."
"إن كنت وأنت بعد في الجسد لك رغبة أن تخدم الله مثل الروحانيين (الملائكة)، فجاهد أن يكون لك في قلبك صلاة سرية بلا انقطاع، فإنك بهذا تقترب من أن تتشبه بالملائكة قبل أن تموت."
"كما أن جسدنا عندما تفارقه النفس يصير ميتًا ومملوء نتنًا، هكذا النفس التي بلا صلاة حارة تصير ميتة ومملوءة نتانة. حرمان النفس من الصلاة أشر من الموت. وقد أوضح ذلك دانيال النبي الذي كان مستعدًا أن يموت ولا يُحرم من الصلاة في أي وقت. ينبغي على الإنسان أن يتذكر الله، أكثر مما يتنسم الهواء ويستنشقه."
"مع كل نفس تستنشقه اذكر اسم يسوع مبتهلًا، مع تذكر الموت وأنت متواضع. هذان التدريبان كفيلان بتقديم نفع عظيم للنفس."
"هل تريد أن تكون معروفًا لدى الله؟ حاول قدر المستطاع أن لا تكون معروفًا لدى الناس. إن كنت دائمًا تذكر الله الذي يرى كل أفعال النفس والجسد، فإنك لا تخطئ بأي نوع، ويكون الله رفيقًا لك."
"لا شيء يجعلنا مشابهين لله مثل فعلنا الخير للآخرين. لكن في عمل الخير يجب أن يحترس الإنسان جدًا ألا تتحول أعمال الخير هذه إلى فكر مجرد."
"إذ لا تصنع شيئًا لا يليق بالله، تصير في النهاية مستحقًا لله."
"إن كنت بالفضائل تطبع شبه الله عليك، بهذا تقدم كرامة مجيدة لله."
"كلما اقترب البشر إلى الله يصيرون إلى حال أفضل."
"الإنسان الحكيم العاقل الذي يقدم المجد والعبادة لله يكون معروفًا من الله، لهذا فإنه لا يضطرب أبدًا لو بقى مجهولًا من الناس. إن عمل "الإفراز الصالح" هو توجيه الجانب من النفس الذي يكمن فيه الغضب نحو الحرب الداخلية. وعمل "الحكمة" هو أن تحث العقل على السهر الدائم الواعي. وعمل "البر" هو توجيه الشهوة نحو الفضيلة والله. وأخيرًا فإن عمل "الشجاعة" هو أن نسيطر على الحواس الخمس، ولا نسمح لإنساننا الداخلي (الروح) والخارجي (الجسد) أن يتدنسا من خلال هذه الحواس."
"النفس كائن حي، بسيط، لاجسدي، غير منظور بالعين الجسدية، غير مائت، وهب له الذهن والعقل. العقل بالنسبة للنفس كالعين بالنسبة للجسد."
"ليس للشر كيان روحي، بل هو غياب الخير. كالظلمة التي ليس لها كيان، إنما هي غياب النور."
"اشغل نفسك بالقراءة بروح هادئ، فيرتفع عقلك دائمًا ليتأمل في أحكام الله العجيبة، ترتفع كما بيدٍ ما ممتدة إليه."
"يمكن بواسطة نعمة الروح القدس، مع العمل والجهاد أن توّحد كل النفس وتجمع في داخلها الصفات التالية: الكلمة مع الذهن، العمل مع التأمل، الفضيلة مع العلم (المعرفة)، الإيمان مع المعرفة المتحررة من كل نسيان، ويتحقق هذا بطريقة لا تكون فيها أية صفة من هذه الصفات أسمى أو أقل من زميلتها. عندئذ تتحد النفس بالله وحده، الذي هو صالح وحق."
"الإيمان هو بداية الحب، وأما نهاية الحب فهو معرفة الله."
"صبر الإنسان يلد الرجاء، والرجاء الصالح يمجد الإنسان."
"من يقمع جسده بحكمة يصير بلا شهوة (بلا هوى)، لكنه عندما يطعم جسده (بإسراف) يعانى من الشهوة."
"السكون (الانفراد) مع الحب ينقيان القلب، بينما الهروب من الناس مع البغضة يهيجان القلب."
"خير لك أن تبقى بين ألوف من البشر وقلبك محب، عن أن تختفي في الكهوف بمفردك وفيك كراهية."
"من يعصى ناموس الله يهين الله، ومن يطيعه يمجد خالقه."
"حيثما تدخل الخطية يلازمها الجهل، أما قلوب المستقيمين فمملوءة معرفة."
"الفقر ومعه معرفة، خير من الغنى ومعه جهل."
"زينة الرأس العليا هي الإكليل، وزينة القلب السامية هي معرفة الله."
"من يصلى فغالبًا ما يهرب من التجربة، أما قلب المهمل فيضطرب بالأفكار."
"إن هاجمك روح الضجر، لا تترك قلايتك. وإن هاجمك روح "التذمر" لا تبقى على انفراد، لأنه كما أن الفضة تتنقى بالاحتكاك، هكذا تنير قلوبكم إن ثبتم في الجهاد."
"روح الضجر ينزع الدموع، وروح التذمر يخنق الصلاة."
"يسبق الحب اللاهَوَى وتسبق المعرفة الحب."
"لتمجد الله، عندئذ تعرف ما هو ليس جسديًا. اخدمه عندئذ يظهر لك فهم الأجيال (جميعها)."
"جسد المسيح هو الفضائل العاملة، من يذقها يتحرر من الشهوات."
"دم المسيح هو تمييز الأفعال، من يشربه يستنير."
"حضن الرب هو معرفة الله، من يستريح فيه يصير لاهوتيًا."
"عندما يلتقي ذاك المملوء معرفة بذاك الذي يمارس للصلاح يكون الرب بينهما."