تفسير الكتاب المقدس

الإصحاح الثامن

آية (١):- "١مَنْ كَالْحَكِيمِ؟ وَمَنْ يَفْهَمُ تَفْسِيرَ أَمْرٍ؟ حِكْمَةُ الإِنْسَانِ تُنِيرُ وَجْهَهُ، وَصَلاَبَةُ وَجْهِهِ تَتَغَيَّرُ."

من كالحكيم

= أى ليس مثله . الجامعة يكشف عن أهمية الحكمة في حياة الإنسان.

ومن يفهم تفسير أمر=

الحكيم يدرك ما وراء الأحداث، والحكمة تهبه تفسيراً لمعاملات الله معه ومع غيره فيصبح نافعاً لكل من حوله.

حكمة الإنسان تنير وجهه=

يُعرف الحكيم من وجهه ، وهناك من قال "إن وجه الإنسان هو شباك النفس يُرَى منه النور الداخلي" . ونفهم أن الحكمة هو الأقنوم الثاني (اللوغوس) أي السيد المسيح، فمن يقبل السيد المسيح ساكناً فيه، يعطيه المسيح عذوبة وإتساع قلب، ويرفع الفكر فوق كل المتاعب والصغائر فيسلك بحكمة علوية يفهم بها، ويتعرف الإنسان بها على خطة الله فَيُدْرِكْ لماذا يسمح بالفرج أحياناً وبالضيق أحياناً، فيستنير وجهه بالفرح والرجاء تحت كل الظروف، بل يبعث هذا الرجاء فيمن حوله. وهكذا موسى استنار وجهه حينما نزل من على الجبل.

وصلابة وجهه تتغير=

صلابة الوجه تأتي من الغيظ والغضب والطبيعة العنيفة والضيق والإحتجاج والتذمر. ومن يملأ سلام المسيح قلبه تتغير طبيعته هذه، بل تكون له النظرة الحانية حتى على الخطاة، وبهذا تتميز الحكمة الروحية عن الحكمة العالمية. ومن يملك الحكمة يكون مالكاً لروح الاتضاع التي بها يخضع لمن هم أعلى منه.آية (٢):- "٢أَنَا أَقُولُ: احْفَظْ أَمْرَ الْمَلِكِ، وَذَاكَ بِسَبَبِ يَمِينِ اللهِ. "هنا يعطي نموذج لما تعمله الحكمة الروحية، فالحكيم يخضع للملك فلا يناله أذى، الإتضاع يلزم أن يكون مع الجميع، ويجب أن يكون للسلطات المرتبة من الله، فالله ضابط الكل هو الذي سمح بها. حتى وإن كان الحاكم ظالم.

أنا أقول أحفظ

أمر الملك=

هنا دعوة للخضوع للقوانين وأن نلتزم بإحترامها (طبعاً لو كانت هذه القوانين ليست ضد وصايا الله) "إعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله" + (رو١:١٣ ، ٢).

وذاك بسبب يمين الله=

كان هناك عهد بين الملك والله وبين الملك والشعب، والله شاهد على كليهما. الملك يقسم أن لا يخون أمانة الله والشعب يقسم أن لا يخون أمانة الملك. والإنسان الحكيم يخضع للملك لأنه يؤمن أن يمين الله أي قوته هي التي سمحت بقيامه كملك حتى لو كان ظالماً، فالله هو ضابط الكل، لذلك يخضع الحكيم للملك فهو معين من قبل الرب. وقيل ملَّكوا شاول أمام الرب (١صم١٥:١١) وراجع (١أي٣:١١+ ٢أي٢٣ : ١٦+ ٢صم١:٥-٣+ ٢مل١٧:١١+ ١أي٢٤:٢٩) (هذا ما حدث مع داود/ سليمان/ يوآش). ولذلك إن خالف الملك وصايا الله ودعانا أن نترك الله علينا أن لا نطيعه. وإذا كان احترام الملك وطاعته واجبة، فكم بالأولى طاعة الله ملك الملوك. وإن كان علينا أن لا نعترض على أوامر الملك لئلا يلحقنا ضرر فكم بالأولى لا يجب أن نعترض على الله.آية (٣):- "٣لاَ تَعْجَلْ إِلَى الذَّهَابِ مِنْ وَجْهِهِ. لاَ تَقِفْ فِي أَمْرٍ شَاقّ، لأَنَّهُ يَفْعَلُ كُلَّ مَا شَاءَ. "إذا ثار الملك في وجه أحد، وقال كلاماً لا يرضى من يسمعه فنصيحة سليمان أن لا يثور الشخص في وجه الملك ويخرج من أمام الملك في حالة عصيان وثورة وغضب وذلك لسلامة الشخص=

لا تعجل إلى الذهاب من وجهه. لا تقف في أمر شاق

(شرير) أي لا تتآمر وتعصى الملك، لأن له سلطان

أن يفعل ما يشاء.

الآيات (٤-٥):- " ٤حَيْثُ تَكُونُ كَلِمَةُ الْمَلِكِ فَهُنَاكَ سُلْطَانٌ. وَمَنْ يَقُولُ لَهُ: «مَاذَا تَفْعَلُ؟». ٥حَافِظُ الْوَصِيَّةِ لاَ يَشْعُرُ بِأَمْرٍ شَاقّ، وَقَلْبُ الْحَكِيمِ يَعْرِفُ الْوَقْتَ وَالْحُكْمَ. "الحكيم ينصح كل إنسان أن يفهم أن الملك له سلطان وهو يعطي أوامر علينا أن ننفذها ولا أحد له الحق أن

يقول له ماذا تفعل. حافظ الوصية=

أي من يلتزم بأوامر الملك.

لا يشعر بأمر شاق=

أي يحيا حياة هادئة (رو٣:١٣).

وقلب الحكيم يعرف الوقت والحكم=

يسلم الحكيم أمره لله ويحتمل الظلم بالصبر ، وفى الحقيقة هو يسلم نفسه فى يد الله ضابط الكل . فهو يعرف أن الله قد يسمح بالظلم لوقت محدود ثم ينهى حكم الظالم. ولكن أحكام الله لها وقت=

الوقت والحكم=

والحكيم لا يتعجلها ويصبر ، وهذا التوقيت المناسب أسماه بولس الرسول ملء الزمان (غل٤ : ٤). وما دمنا نحفظ وصية الرب ونقبل ونحترم أوامر الرؤساء في الرب يلزمنا أن لا نخاف السلطان.آية (٦):- " ٦لأَنَّ لِكُلِّ أَمْرٍ وَقْتًا وَحُكْمًا. لأَنَّ شَرَّ الإِنْسَانِ عَظِيمٌ عَلَيْهِ،"

لأن لكل أمر وقتاً وحكماً=

الحكيم يدرك أن الله يتدخل في الوقت الذي يحدده هو فكل شئ محسوب عند الله وفق خطة إلهية وبسماح إلهي.

لأن شر الإنسان عظيم عليه

= الله حكيم وله خطة حكيمة تحكم كل أحداث الحياة وبتوقيت لا يخطئ ، وإيمان الإنسان بهذا يجعله يثق في الله فلا يتذمر عليه ، حينئذ يملأه الله سلاما وتعزية وقت الضيقة . أما جهل الإنسان بعناية الله الفائقة بالكون فهو شر عظيم عليه، إذ حينما يقع عليه الظلم سيتصور أن الله تخلى عنه ويصطدم مع الله . وجهل الإنسان بأن الله له وقت مناسب يتدخل فيه بحسب خطة الله الأزلية (ملء الزمان) سيجعله يشعر أن الله غير عادل، وبهذا يخطئ الإنسان ويكون شره عظيماً عليه. ومن ناحية أخرى فإن شر الملك الظالم أو أى إنسان ظالم هو شر عظيم لأن الله سيحاسبه عما فعله بسلطانه . والحكيم يعرف أن الله لابد وسيحاسب المخطئ سواء الملك أو أى إنسان عادى. الروح القدس يهب الإنسان إستنارة فيعرف بها أننا كأبناء لله، موضوع حبه، يهتم بنا وسط الأحداث والمظالم ولكن الله طويل الأناة بل يحول كل الأمور للخير ويخرج من الجافى (الظلم) حلاوة .الآيات (٧-٨):- "٧لأَنَّهُ لاَ يَعْلَمُ مَا سَيَكُونُ. لأَنَّهُ مَنْ يُخْبِرُهُ كَيْفَ يَكُونُ؟ ٨لَيْسَ لإِنْسَانٍ سُلْطَانٌ عَلَى الرُّوحِ لِيُمْسِكَ الرُّوحَ، وَلاَ سُلْطَانٌ عَلَى يَوْمِ الْمَوْتِ، وَلاَ تَخْلِيَةٌ فِي الْحَرْبِ، وَلاَ يُنَجِّي الشَّرُّ أَصْحَابَهُ."

لأنه لا يعلم ما سيكون=

المستقبل

بالنسبة للإنسان مجهول بأحداثه وظروفه.

من يخبره كيف يكون=

فلسنا نعرف الشر قبل حدوثه لنتجنبه. ولا نعرف متى سيأتي الموت=

ليس لإنسان سلطان على الموت=

وهذه موجهة للظالم ليعلم أنه سيموت ربما فجأة فيخشى الله، وموجهة للمظلوم فيعلم أن حياته ليست في يد الظالم بل في يد الله "لم يكن لك علىَّ سلطان البتة إن لم تكن قد أعطيت من فوق (يو١١:١٩). وهذه تقال أيضا لمن يتذمر على الله إذ هو لا يعرف ماذا سيحدث فى المستقبل وكيف ستسير الأمور، وكيف سيخرج الله الخير من وسط المظالم ، فلماذا يتذمر على الله ويتصور أن الله تخلى عنه .

ولا تخلية في الحرب=

هل يقدر الجندي أن يهرب من المعركة أو يستعفى من الخدمة والحرب أمامه، هكذا وُضِعَ على الإنسان أن يكون طرفاً في معركة دائرة بين الله وإبليس، ولكن إبليس له أعوانه من أمثلة الحكام الظالمين وغيرهم من الأشرار الذين يسببون ألاماً لشعب الله، والله يزودنا بأسلحة للحروب الروحية . والحكيم يعرف أن الله لابد وسيغلب (٢كو٣:١٠-٥+ أف١٠:٦-٢٠) بل أحد أسلحة إبليس هو الموت والمسيح غلبه فنقول "أين شوكتك يا موت". بل أن الله المحب للبشر ويعرف طبيعتنا المتمردة يسمح بهذه المظالم والضيقات لتنقيتنا وهذا ما نسمعه فى القداس الغريغورى "حولت لى العقوبة خلاصا" . وراجع (١كو٥ : ٥) لتجد أن بولس إستخدم الشيطان كأداة تأديب للزانى .آية (٩):- "٩كُلُّ هذَا رَأَيْتُهُ إِذْ وَجَّهْتُ قَلْبِي لِكُلِّ عَمَل عُمِلَ تَحْتَ الشَّمْسِ، وَقْتَمَا يَتَسَلَّطُ إِنْسَانٌ عَلَى إِنْسَانٍ لِضَرَرِ نَفْسِهِ. "سليمان ما زال يرصد كل ما رآه من أحداث ومظالم وأضرار تحدث للبشر من البشر . ولاحظ سليمان أن من يظلم الآخرين يضر نفسه أولا. فالله عادل وسينتقم للبرئ .
وعلى كل ظالم أن يعلم أنه إذ يمارس أعمال ظلمه فإنما هذا لضرره. فقلب الظالم يتقسى وضميره يموت، وهو يبتعد عن الله، فيفقد الفرح في هذا العالم، بل يفقد حياته الأبدية.الآيات (١٠-١٣):- "١٠وَهكَذَا رَأَيْتُ أَشْرَارًا يُدْفَنُونَ وَضُمُّوا، وَالَّذِينَ عَمِلُوا بِالْحَقِّ ذَهَبُوا مِنْ مَكَانِ الْقُدْسِ وَنُسُوا فِي الْمَدِينَةِ. هذَا أَيْضًا بَاطِلٌ. ١١لأَنَّ الْقَضَاءَ عَلَى الْعَمَلِ الرَّدِيءِ لاَ يُجْرَى سَرِيعًا، فَلِذلِكَ قَدِ امْتَلأَ قَلْبُ بَنِي الْبَشَرِ فِيهِمْ لِفَعْلِ الشَّرِّ. ١٢اَلْخَاطِئُ وَإِنْ عَمِلَ شَرًّا مِئَةَ مَرَّةٍ وَطَالَتْ أَيَّامُهُ، إِلاَّ أَنِّي أَعْلَمُ أَنَّهُ يَكُونُ خَيْرٌ لِلْمُتَّقِينَ اللهَ الَّذِينَ يَخَافُونَ قُدَّامَهُ. ١٣وَلاَ يَكُونُ خَيْرٌ لِلشِّرِّيرِ، وَكَالظِّلِّ لاَ يُطِيلُ أَيَّامَهُ لأَنَّهُ لاَ يَخْشَى قُدَّامَ اللهِ."

مكان القدس

= قد تفهم أنه مكان القضاء والرؤساء الذين يحكمون (تث١٧:١ + مز١:٨٢) ، وقد تفهم أنه الهيكل حيث العبادة وحيث يسكن الله وسط شعبه . وفى كل مكان منهم (القضاء أو الهيكل) ستجد الأبرار وستجد الأشرار .

الذين عملوا بالحق ذهبوا من مكان القدس ونسوا=

هذه تفهم بطريقتين:
١.

الذين عملوا بالحق

هم القضاة المنحرفين ، أو الكهنة الأشرار أو أى رئيس أو متسلط على الشعب ، الذين كان عملهم أن يحكموا بالحق أو يشهدوا لله بالحق، ولكنهم لم يحكموا بالحق، بل ظلموا المساكين. هؤلاء وإن كان لهم كرامة وهيبة في حياتهم وكرامة في زمنهم، إلا أنهم بعد موتهم نسيهم الناس أو تناسوهم بسبب ظلمهم، فهم كرموهم في حياتهم خوفاً من سلطتهم. والآن هم ذهبوا للقبر، وهم أمام الله، فأين كرامتهم إذ نساهم الناس، بل هم في خوف ينتظرون عدل الله.
٢.

الذين عملوا بالحق=

الأبرار

الذين كانوا يحكمون بالحق ، وطردهم الأشرار من أماكنهم ليتسلطوا هم بالظلم. وهؤلاء نسيهم الناس ونسوا برهم السابق .

لأن القضاء على العمل الردئ لا يجري سريعاً=

الله يصبر على الظالمين والأشرار، ولا يجري الحكم عليهم سريعاً، لعلهم يتوبون، ولكن كثيرين عوضاً عن التوبة يستهينون بطول أناة الله . وسليمان هنا وجد أن البطء فى عقاب الأشرار شجع آخرين على الشر =

فَلِذلِكَ قَدِ امْتَلأَ قَلْبُ بَنِي الْبَشَرِ فِيهِمْ لِفَعْلِ الشَّرِّ .

ولكن الله وإن أبطأ في القصاص فهو حتماً سيعاقب وبصرامة. وربما يسأل أحد وما ذنب المظلومين خلال هذه الفترة التي فيها يتأنى الله؟ والإجابة

إني أعلم أنه يكون خير للمتقين الله

فالله قادر أن يحول الشر إلى خير لخائفي الرب كما حدث مع أيوب فالتجربة خرج منها قديسا نقيا، بل يكون الله مع المظلوم مرافقاً له أثناء فترة تنقيته، فترة الشر هي شر بالمفهوم البشري، لكن بالمفهوم الإلهي "كل الأشياء تعمل معاً للخير" . ونلخص الآن سبب طول أناة الله :-
١) الله يعطى فرصة للظالم ليتوب .
٢) التجربة تنقى المظلوم ، وفى أثناء التجربة يعزيه الله ويسنده خلالها . والله لا يطيل المدة أكثر من إحتماله.
٣) حين تتم تنقية المظلوم ، يعاقب الظالم إن لم يقدم توبة ، كما عاقب الله بابل بعد أن أدبت يهوذا .
ونعود لبداية الإصحاح فنجد أن الحكيم يفهم تفسير أمرٍ (آية١). وسيفهم هذا الحكيم لماذا سمح الله بالضيق له. بل سيرافقه الله ويعزيه، فلن تهتز سعادة أولاد الله وسط الضيقة بسبب التعزية الإلهية كقول بولس الرسول "يعطى مع التجربة المنفذ" (١كو١٠ : ١٣) ، ولا شئ يفصل شركتهم مع الله، فهم واثقين أنهم في يد الله محفوظين وأن الله سينجيهم فيتهللون وسط الضيقة وتنير وجوههم (آية١) (رو٣٥:٨) . أما الأشرار فعلي العكس وإن بدوا يانعين لكن أعماقهم مملوءة بؤساً، واللعنة تكون ثمرة طبيعية لأفعالهم، تحل بهم حتماً ما لم يتوبوا (إش١٠:٣ ، ١١).

وكالظل لا يطيل أيامه=

حياته تنتهي بلا منفعة، فالظل لا نفع له، وهي كالظل غير حقيقية ومائلة للزوال، إذا غربت شمس حياتهم سيصيرون لا شيء وبلا نفع كالظل الذي سيختفي، لن يتركوا وراءهم إسماً صالحاً. ونلاحظ الترمومتر الذي به نتعرف على الأبرار والأشرار، فالحكيم يدعو الأبرار

متقيا الله

وعن الشرير يقول

أنه لا يخشى الله

. فخوف الله هو الترمومتر. وماذا عن حال كلٍ منهم خارجياً = قد يبدو الشرير فى سلطة ونعيم والبار مظلوم مقهور . وماذا عما فى داخل كل منهم = الشرير بلا تعزية داخلية والبار فى سلام وتعزية كما كان بطرس فى نوم عميق وهو ينتظر القتل على يد هيرودس (أع١٢) ، وبولس فى السجن يسبح ، ودانيال فى جب الأسود فى سلام وربما كان نائما ، بينما الملك الذى ألقاه فى الجب نجده وقد طار النوم من عينيه .آية (١٤):- "١٤يُوجَدُ بَاطِلٌ يُجْرَى عَلَى الأَرْضِ: أَنْ يُوجَدَ صِدِّيقُونَ يُصِيبُهُمْ مِثْلَ عَمَلِ الأَشْرَارِ، وَيُوجَدُ أَشْرَارٌ يُصِيبُهُمْ مِثْلَ عَمَلِ الصِّدِّيقِينَ. فَقُلْتُ: إِنَّ هذَا أَيْضًا بَاطِلٌ. "بعد أن كان النور الإلهي قد أضاء ذهن سليمان، فإكتشف أن الله قد يسمح للشرير بأن يَظلِم البار ولكن إلى حين، وأن الله سيحول الشر للخير للمظلوم البار، عاد إلى حكمته الإنسانية فعاد وتساءل، وعاد للحيرة قائلاً

أن ما يحدث هو باطل=

أي أن يُظلم البار وأن الشرير يجد خيراً. ولكن عموما فهذا هو حُكْم الإنسان على الظلم الذى يقع على الأبرار ، إذ لا يعرف الإنسان خبايا الآخرين . فالإنسان يحكم بحسب ما تراه عينيه . ولكن الله يحكم بحسب ما فى القلوب، فهو فاحص القلوب والكلى (رؤ٢ : ٢٣) ، وليس بحسب ما تراه العين كالبشر (إش١١ : ٣) .الآيات (١٥-١٦):- " ١٥فَمَدَحْتُ الْفَرَحَ، لأَنَّهُ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ خَيْرٌ تَحْتَ الشَّمْسِ، إِلاَّ أَنْ يَأْكُلَ وَيَشْرَبَ وَيَفْرَحَ، وَهذَا يَبْقَى لَهُ فِي تَعَبِهِ مُدَّةَ أَيَّامِ حَيَاتِهِ الَّتِي يُعْطِيهِ اللهُ إِيَّاهَا تَحْتَ الشَّمْسِ. ١٦لَمَّا وَجَّهْتُ قَلْبِي لأَعْرِفَ الْحِكْمَةَ، وَأَنْظُرَ الْعَمَلَ الَّذِي عُمِلَ عَلَى الأَرْضِ، وَأَنَّهُ نَهَارًا وَلَيْلاً لاَ يَرَى النَّوْمَ بِعَيْنَيْهِ، "الواجب على كل مؤمن بالله أن لا يفقد فرحه الداخلي، بل يشكر الله على كل الظروف حاسباً أكله وشربه وتعبه فى عمله عطية من الله ، وأن ألامه هى إعداد له وتنقية ليخلص ، وواثقاً في حياة أبدية فيها الفرح الحقيقي للأبرار، حيث العدل مكان الظلم والراحة عوضاً عن التعب، ومثل هذه الحياة تمدح=

فمدحت الفرح

الناشئ عن الإيمان والثقة بالله.
ولكن سليمان هنا كان في حيرته لا يقصد هذا. وقوله

فمدحت الفرح=

يقصد به أنه طالما أن الأبرار لا يكافأون بعدل والأشرار في سعادة. إذن فلينعم الإنسان بأفراحه الزمنية قدر ما يستطيع، وهذا التفسير يتفق مع باقي الإصحاح. فهو إذ عاد لتفسير الأمور في ضوء حكمته الإنسانية تعب وطار النوم من عينيه=

إنه نهاراً وليلاً لا يرى النوم بعينيه.

والسبب أنه عاد للتفكير البشري

لما وجهت قلبي لأعرف الحكمة.

والسبب أن الحكمة البشرية عاجزة عن فهم كل أسرار معاملات الله مع البشر وعنايته الفائقة بأولاده. فهذه الأمور لا يجدي فيها التفكير بالعقل البشري ، بل بروح الصلاة والحكمة الإلهية نعرف إرادة الله فيستضئ الوجه ونسلم لله كل الأمور. وهنا نفهم معنى ما قاله سليمان من قبل أن من إزداد علما إزداد غما (جا١ : ١٨) .آية (١٧):- " ١٧رَأَيْتُ كُلَّ عَمَلِ اللهِ أَنَّ الإِنْسَانَ لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَجِدَ الْعَمَلَ الَّذِي عُمِلَ تَحْتَ الشَّمْسِ. مَهْمَا تَعِبَ الإِنْسَانُ فِي الطَّلَبِ فَلاَ يَجِدُهُ، وَالْحَكِيمُ أَيْضًا، وَإِنْ قَالَ بِمَعْرِفَتِهِ، لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَجِدَهُ."

لا يجد العمل=

أي يفهم كل ما يعمله الله ويوفق بين عدل الله وصلاحه وألام الأبرار.

والحكيم أيضاً ، وإن قال بمعرفته=

أي إن إدَّعى الحكيم الحكمة والمعرفة =

لا يقدر أن يجده

أي لا يستطيع أن يجدها ويفهمها. فأسرار الله أعمق من أن يكتشفها الإنسان بعقله. أما الروح القدس روح الحكمة فيشرح لنا كل شئ (١كو٦:٢-١٦).
زر الذهاب إلى الأعلى

معاني الكلمات في الأصحاح

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

Please consider supporting us by disabling your ad blocker!