تفسير الكتاب المقدس

الإصحاح السابع عشر

آية (١):- "١لُقْمَةٌ يَابِسَةٌ وَمَعَهَا سَلاَمَةٌ، خَيْرٌ مِنْ بَيْتٍ مَلآنٍ ذَبَائِحَ مَعَ خِصَامٍ. "تشير الآية لذبائح السلامة التي كان مقدموها يأكلون منها في بيوتهم. وما أحلى العائلة التي تسكن في محبة بلا حسد ولا خصام فيسودها السلام حتى لو كان طعامها كسرة خبز يابسة فالحب سيجعل كسرة الخبز حلوة، أما الخصام فسيشوه وليمة المحبة هذه (١كو١٧:١١-٢٢). ولكن ذبيحة السلامة يأكل منها المذبح وكثيرين لذلك فهى تشير للشركة مع الله والمحبة بين الناس .آية (٢):- "٢اَلْعَبْدُ الْفَطِنُ يَتَسَلَّطُ عَلَى الابْنِ الْمُخْزِي وَيُقَاسِمُ الإِخْوَةَ الْمِيرَاثَ. "هذا المثل تم حرفياً مع ابن سليمان، فيربعام الذكي اقتسم الميراث مع رحبعام بسبب حماقة رحبعام، بل هو أخذ نصيب الأسد (يربعام كان نصيبه ١٠أسباط). والحكمة ترفع صاحبها لمستوى البنين وهذا ما حدث مع الكنيسة التي سادت على اليهود. والجهالة تضيع الابن المدلل فلنحذر لأنه إن كان الله لم يشفق على الزيتونة الأصلية (اليهود) فهو لن يشفق علينا إذا أخطأنا (رو١٧:١١-٢٤).آية (٣):- "٣الْبُوطَةُ لِلْفِضَّةِ، وَالْكُورُ لِلذَّهَبِ، وَمُمْتَحِنُ الْقُلُوبِ الرَّبُّ. "البوطة والكور هما التجارب التي يسمح بها الله لأولاده (١بط٦:١ ، ٧). والصائغ الحكيم يعرف مقدار النار التي يحتاجها المعدن النفيس فلا يزيد عنها لئلا تحترق (١كو١٣:١٠) والله يضع أولاده في الكور لينقيهم من الزغل والشوائب ولكنه يكون معهم كما كان مع الفتية الثلاثة في أتون النار. ولكن خرج الثلاثة فتية محلولين من الرباطات التى قيدوهم بها ، وهذه هى فائدة التجارب ، حل رباطات الخطية .

ممتحن القلوب

= لا تعنى أن الله لا يعرف فيمتحن ولكن الله يعرف إحتياج القلب لأى نوع من التأديب ليتنقى= مقدار النار التى يحتاجها كل معدن (راجع إش٢٨ :٢٣ -٢٩).آية (٤):- "٤الْفَاعِلُ الشَّرَّ يَصْغَى إِلَى شَفَةِ الإِثْمِ، وَالْكَاذِبُ يَأْذَنُ لِلِسَانِ فَسَادٍ."الإنسان الشرير يعطي أذنه للأقوال الشريرة ويَجِد فيها لذة، والكاذب يميل لمن يخدعه
كذباً. والنفس الظالمة تنسجم مع من هم على شاكلتها (إر٣١:٥ + حز٢٤ + ٢تي٣:٤ ، ٤).آية (٥):- "٥الْمُسْتَهْزِئُ بِالْفَقِيرِ يُعَيِّرُ خَالِقَهُ. الْفَرْحَانُ بِبَلِيَّةٍ لاَ يَتَبَرَّأُ."

لا يتبرأ=

لا ينجو من العقاب. الفرحان ببلية غيره سيجازيه الله (عوبديا١٢-١٦).آية (٦):- "٦تَاجُ الشُّيُوخِ بَنُو الْبَنِينَ، وَفَخْرُ الْبَنِينَ آبَاؤُهُمْ. "صورة حلوة يفرح بها الله فالشيوخ يفرحون ببني بنيهم والأحداث يوقرون الكبار ويطيعونهم.آية (٧):- "٧لاَ تَلِيقُ بِالأَحْمَقِ شَفَةُ السُّودَدِ. كَمْ بِالأَحْرَى شَفَةُ الْكَذِبِ بِالشَّرِيفِ!"

شفة السودد=

شفة الفضل أو الكلام بالمستقيمات. ومعنى الكلام أنه إن كانت شفة الفضل لا تليق بالأحمق فبالأولى جداً لا يليق بالشريف أن يكذب. فالأقوال الحسنة لا تتفق مع شفة اللئيم فأعماله تناقض أقواله (١صم١٠:١٠-١٢). وهكذا لا يليق بالشريف الكذب.آية (٨):- "٨الْهَدِيَّةُ حَجَرٌ كَرِيمٌ فِي عَيْنَيْ قَابِلِهَا، حَيْثُمَا تَتَوَجَّهُ تُفْلِحْ. "هنا لا يتكلم عن الرشوة، بل هدية المحبة والتي تؤصل المحبة بين الطرفين.آية (٩):- "٩مَنْ يَسْتُرْ مَعْصِيَةً يَطْلُبِ الْمَحَبَّةَ، وَمَنْ يُكَرِّرْ أَمْرًا يُفَرِّقْ بَيْنَ الأَصْدِقَاءِ."من يستر على معصية أخيه يتشبه بالله (أبو مقار). ومن يكرر سقطة الآخرين أي يذيعها ويعلنها يتمثل بإبليس (المشتكي). ومثل هؤلاء يفرقوا الأصدقاء.آية (١٠):- "١٠اَلانْتِهَارُ يُؤَثِّرُ فِي الْحَكِيمِ أَكْثَرَ مِنْ مِئَةِ جَلْدَةٍ فِي الْجَاهِلِ. "الحكيم لو أنبته بلطف لن يكف عن تأنيب ذاته (داود) ، والجاهل مهما جلدته لن يتوب (فرعون).آية (١١):- "١١اَلشِّرِّيرُ إِنَّمَا يَطْلُبُ التَّمَرُّدَ فَيُطْلَقُ عَلَيْهِ رَسُولٌ قَاسٍ."الشرير يزعجه كبح جماحه عن طريق أي سلطة شرعية لذلك يتمرد على السلطة القائمة ويغدر ويعصي. ولذلك يجب أن يعامل بقسوة.

الرسول القاسي=

الرسول

بمعنى مرسل

،

هو مرسل القضاء أو الحاكم الذي يرسله لتأديب المتمرد. والشرير الذي يتمرد على الله يؤدبه الله برسول قاسِ فبابل كانت رسول قاسٍ ضد يهوذا (مز٤٩:٧٨) والله يسمح للشيطان بأن يؤدب الأشرار (١كو٥ : ٥) .آية (١٢):- "١٢لِيُصَادِفِ الإِنْسَانَ دُبَّةٌ ثَكُولٌ وَلاَ جَاهِلٌ فِي حَمَاقَتِهِ."الإنسان الجاهل الشهواني يكون كدبة فقدت أولادها لا يمكن وقفها، وهكذا كل غضوب يشتهي الإنتقام. ونلاحظ أن الغضب هو نوع من الجنون المؤقت. والدبة الثكلي خطر جداً.آية (١٣):- "١٣مَنْ يُجَازِي عَنْ خَيْرٍ بِشَرّ لَنْ يَبْرَحَ الشَّرُّ مِنْ بَيْتِهِ. "السيف لم يفارق بيت داود لأنه كافأ أوريا الأمين شراً. واليهود عوقبوا بسبب صلبهم المسيح.آية (١٤):- "١٤اِبْتِدَاءُ الْخِصَامِ إِطْلاَقُ الْمَاءِ، فَقَبْلَ أَنْ تَدْفُقَ الْمُخَاصَمَةُ اتْرُكْهَا."بدء النزاع يشبه بفتحة صغيرة حدثت في سد، ففي بدايتها يمكن وقف إندفاع الماء بحصاة صغيرة، ولكن تركها وإهمالها يتسبب في إندفاع الماء منها ، وبالتالي تزداد الثغرة إتساعاً، إلى أن تجرف المياه المندفعة كل ما في طريقها. وهكذا كل نزاع وخصام يسهل علاجه في بدايته باعتذار رقيق وهذا يمنع سنوات من الألم والخصام والحزن (أف٢٦:٤).آية (١٥):- "١٥مُبَرِّئُ الْمُذْنِبَ وَمُذَنِّبُ الْبَرِيءَ كِلاَهُمَا مَكْرَهَةُ الرَّبِّ. "الله يطلب شهادة الحق. والمسيح لم يبرئنا من ذنوبنا بلا ثمن بل دفع دمه ثمناً. وهذه الآية انطبقت تماماً في موقف بيلاطس من المسيح ومن باراباس.آية (١٦):- "١٦لِمَاذَا فِي يَدِ الْجَاهِلِ ثَمَنٌ؟ أَلاقْتِنَاءِ الْحِكْمَةِ وَلَيْسَ لَهُ فَهْمٌ؟ "هذا يعني أن الجاهل لا يمكنه أن يقتني الحكمة بماله أو ثروته، حتي لو فرض وامتلك الثروة فلن يحاول أن يبحث عن الحكمة ، مادام قلبه منحرفاً ولا يطلبها بصدق. والإنسان لا يعرف الحق إلا بسلوكه فيه وبقلب يطلبه بإخلاص وليس بالمال. ولكننا نلاحظ هنا أن الحمقي لهم مال، والمال وزنة سيحاسبنا الله كيف أنفقناها (سيمون الساحر).آية (١٧):- "١٧اَلصَّدِيقُ يُحِبُّ فِي كُلِّ وَقْتٍ، أَمَّا الأَخُ فَلِلشِّدَّةِ يُولَدُ."هذه عن المسيح الذي أحبنا دائماً فوُلِدَ كأخٍ لنا ليخلصنا من شدتنا. وهو صديق لكل متألم.آية (١٨):- "١٨اَلإِنْسَانُ النَّاقِصُ الْفَهْمِ يَصْفِقُ كَفًّا وَيَضْمَنُ صَاحِبَهُ ضَمَانًا."راجع إصحاح (٦). ووضعت الآية هنا بعد موضوع الصداقة، حتى لا تستغل الصداقة في الضمان.الآيات (١٩-٢٠):- "١٩مُحِبُّ الْمَعْصِيَةِ مُحِبُّ الْخِصَامِ. الْمُعَلِّي بَابَهُ يَطْلُبُ الْكَسْرَ. ٢٠الْمُلْتَوِي الْقَلْبِ لاَ يَجِدُ خَيْرًا، وَالْمُتَقَلِّبُ اللِّسَانِ يَقَعُ فِي السُّوءِ. "من يحب المعصية يجد لذة في الخصام، ومن يخاصم فهو محب للمعصية. والأسوأ هو
من يخاصم وهو يدَّعى أنه يبحث عن الحق ويسعى وراءه.

المعلى بابه=

المتعجرف.

يطلب الكسر=

فهو إذ يتشامخ يكرهه الناس ويكسره الله. وهكذا كل ذي قلب ملتوٍ أو لسان غاش حاقد. بل المتعجرف يثير من حوله فيخططوا لهدمه بسبب تشامخه والله يسمح لهم لتأديبه. أما أولاد الله الطائعين للوصية فقلبهم مملوء سلاما ومحبة لا يميلون للخصام بل للتسامح.آية (٢١):- "٢١مَنْ يَلِدُ جَاهِلاً فَلِحَزَنِهِ، وَلاَ يَفْرَحُ أَبُو الأَحْمَقِ."داود لم يفرح قطعاً لا بإبشالوم ولا بأمنون.آية (٢٢):- "٢٢الْقَلْبُ الْفَرْحَانُ يُطَيِّبُ الْجِسْمَ، وَالرُّوحُ الْمُنْسَحِقَةُ تُجَفِّفُ الْعَظْمَ."الحزن يهدم صحة الجسد. أما الممتلئ من روح الله يمتلئ فرحاً ويصح جسمه.آية (٢٣):- "٢٣الشِّرِّيرُ يَأْخُذُ الرَّشْوَةَ مِنَ الْحِضْنِ لِيُعَوِّجَ طُرُقَ الْقَضَاءِ. "القاضي الذي يقبل رشوة من مذنب سيكون مديوناً له وسيعوج القضاء. ويسميها

من الحضن=

لأنه يأخذها في السر وليس في العلن وكأنه يخبئه حتى عن ضميره (داخل حضنه).آية (٢٤):- "٢٤الْحِكْمَةُ عِنْدَ الْفَهِيمِ، وَعَيْنَا الْجَاهِلِ فِي أَقْصَى الأَرْضِ."من يطلب الرب يجد الحكمة بسهولة فهى فى تنفيذ وصاياه. ومن ينفذ وصايا الله يمتلئ بالروح ، والروح هو روح الحكمة . أما الجاهل لأنه لا يطلب الرب يذهب فيبحث عنها حتى أقصاء الأرض ووراء كل مذهب فلسفي (٢تي٣:٤،٤) وقطعاً لن يجدها. بينمما هي في متناول يده (تث١١:٣٠-١٤). فمن يذهب بعيداً يضل نفسه بينما هو يبحث عن حكمة نفسانية عالمية.آية (٢٥):- " ٢٥الابْنُ الْجَاهِلُ غَمٌّ لأَبِيهِ، وَمَرَارَةٌ لِلَّتِي وَلَدَتْهُ.آية (٢٦):- "٢٦أَيْضًا تَغْرِيمُ الْبَرِيءِ لَيْسَ بِحَسَنٍ، وَكَذلِكَ ضَرْبُ الشُّرَفَاءِ لأَجْلِ الاسْتِقَامَةِ. "

تغريم البريء=

الحكم الظالم على الأبرياء يبغضه الله.

ضرب الشرفاء لأجل الاستقامة=

الشرفاء تترجم الأمراء

أولاد الملوك وهؤلاء لا يصح ضربهم إحتراما لأبيهم الملك ونلاحظ :- ١) بهذا يجب على الملك أن يحسن تربية أولاده . ٢) نحن كأولاد لملك الملوك يجب أن ندقق فى كل تصرف حتى لا نكون سببا فى إهانة تلحق بإسم إلهنا فليس حسن أن يهان أولاد الله بسبب أخطائهم . ٣) هذا أيضاً يبغضه الله أن يضرب المستقيم الشريف بلا سبب حقيقى ولكن بغرض إخافة الناس فلا يخطئوا . ٤) وتفهم أيضاً بأن الأشرار يتمردون على الحاكم المستقيم كما تمرد إبشالوم على أبيه داود البار .الآيات (٢٧-٢٨):- "٢٧ذُو الْمَعْرِفَةِ يُبْقِي كَلاَمَهُ، وَذُو الْفَهْمِ وَقُورُ الرُّوحِ. ٢٨بَلِ الأَحْمَقُ إِذَا سَكَتَ يُحْسَبُ حَكِيمًا، وَمَنْ ضَمَّ شَفَتَيْهِ فَهِيمًا."الأحمق يتكلم كثيراً، فإذا سكت يعتبر هذا حكمة فبسكوته لن تظهر حماقته بل ستكون له فرصة أن يسمع الحكماء فيتعلم منهم. أما الحكيم فلا يتكلم كثيراً وأخلاقه هادئة=

وقور الروح.