الأنبا أنطونيوس
"من هم العقلاء؟ يُدعى الناس عادة "عقلاء"، مع سوء استخدام كلمة "عقلاء". فالعقلاء ليسوا هم الذين يدرسون أقوال الآباء الحكماء الأولين وكتاباتهم، بل من كانت نفوسهم عاقلة، تقدر أن تميز بين ما هو خير وما هو شر. فيجتنبون ما هو شر ومُضّر للنفس، ويحرصون بحكمة على ما هو خير ونافع للنفس ويمارسونه بشكر عظيم لله. هؤلاء وحدهم بحق الذين يجب أن ندعوهم "عقلاء"."
"للإنسان العاقل حقًا اهتمام واحد، وهو أن يطيع الله القدير من كل القلب وإن يرضيه. وهو يُعلّم شيئًا واحدًا، واحدًا فقط، وهو كيف يصنع قدر استطاعته ما يوافق الله، شاكرًا إياه على عنايته المتحننة التي تعمل في كل ما يحدث في حياته. وكما إنه لا يليق بنا إلا أن نشكر الأطباء لشفائهم أجسادنا، حتى إن قدموا لنا أدوية مُرّة غير مقبولة، هكذا لا يليق بنا أن نجهل أن كل الأشياء تعمل معًا للخير، وذلك بفضل العناية الإلهية، فننكر معروف الله في الأمور التي تبدو لنا أنها مؤلمة."
"ويهبنا الله ضبط الفكر والوداعة والعفة والثبات والصبر وما يشبه هذا من الفضائل العظيمة، كأسلحة لمقاومة ومواجهة المصائب التي تصادفنا ولمساعدتنا إن أحدقت بنا. فإن درّبنا أنفسنا على استخدام هذه القوى، محتفظين بها على الدوام على أهبة الاستعداد، فإنه لا يصيبنا أمر صعب أو خطير أو مهلك أو غير محتمل، إذ نستطيع بالفضائل التي نملكها أن نغلب كل شيء. لكن ذوي النفوس غير العاقلة، لا يفكرون قط هكذا، لأنهم لا يؤمنون بأن كل ما يحدث هو لخيرنا، إذ تتلألأ الفضائل فينا، ويكلّلنا الله من أجلها."
"فإن كنت تنظر إلى الغنى وكمال التمتع به ليس إلا زهوًا خادعًا لأمد قصير، وتعرف أن الحياة الفاضلة التي ترضي الله هي أفضل من الغنى، وتتمسك بهذا المعتقد، وتحتفظ به في ذاكرتك، فإنك لن تتأوّه ولا تتذمر ولا توبخ أحدًا قط، بل تشكر الله على كل حال حتى إن رأيت أناسًا أشر منك يُمدحون بسبب فصاحتهم أو معرفتهم أو غناهم. إن شهوة الغنى بجشع والملذات، ومحبة الشهوة والمجد الباطل، مقترنتين بجهل الحق، لهما أشر آلام النفس."
"عندما يفحص الإنسان العاقل نفسه، يرى ما يجب عليه أن يفعله، وما هو نافع له، وما هو قريب لنفسه، ويقودها إلى الخلاص، كما يرى ما هو غريب عن النفس، ويقودها إلى الهلاك، وبهذا يتجنب ما يؤذي النفس باعتباره شيئًا غريبًا عنها."
"كلما كان الإنسان معتدلًا في حياته يصير في سلامٍ أكثر، إذ لا يكون ممتلئًا بالاهتمام بأمور كثيرة من خدم وأجراء وأغنام... إلا أننا عندما نتعلق بمثل هذه الأشياء نصير معرَّضين للضيقات التي تنبع عنها والتي تقودنا إلى التذمر على الله. وهكذا فإن الشهوة النابعة عن إرادتنا الذاتية (لاقتناء أشياء كثيرة) تملأنا اضطرابًا، فنتخبط في ظلام حياة الخطية غير عارفين أنفسنا."
"يليق بنا ألا نقول باستحالة السلوك في حياة الفضيلة بالنسبة للإنسان، إنما نقول عنه إنه ليس سهلًا. حقًا إن (حياة الفضيلة) لا ينالها الجميع بقدرٍ متساوٍ، إذ لا يحصل عليها إلا الورعون والذين لهم فكر محب لله. فالفكر العادي أرضي ومتقلب، تخرج منه أفكار صالحة وأفكار شريرة، وهو متغير يميل نحو المادَّيات، أما الفكر المحب لله فيحطم الشر الذي يأتي للبشر بسبب إهمالهم غير المتعمد."
"كما أن السُّذَّج وغير المتعلمين يستهزئون بالعلوم ويرفضون الاستماع إلى شيء منها، لأن المعرفة عندهم جهالة، لهذا يودّون أن يكون الكل جهلاء مثلهم، هكذا أيضًا المنحلّون في حياتهم وأخلاقهم لهم شوق عظيم أن يكون الكل أشر منهم، ظانّين أنهم بهذا يجدون عذرًا لأنفسهم باعتبار أن الأشرار كثيرون."
"العاقل (بالمعنى الوارد في الفقرة الأولى) أو من يكون قد شرع في إصلاح نفسه، هو وحده الذي يليق به أن يدعى إنسانًا... لأن هذه الصفة (عدم القابلية للإصلاح) لا تليق بالإنسان. ومثل هذا الإنسان يجب اجتنابه. أولئك الذين يرضون بالإثم لا يكون لهم نصيب بين الخالدين."
"إننا نصير جديرين بأن ندعى بشرًا، متى اتصفنا بالعقل (حسب المفهوم الوارد في الفقرة الأولى)، فإذا لم يتوفر العقل (بهذا المعنى) فإننا لا نختلف عن الحيوانات العُجم إلا بشكل الأطراف وموهبة الكلام. إذًا، ليعرف الإنسان العاقل أنه خالد، كارهًا الشهوات المخجلة التي هي عِلّة موت البشر."
"وكما يبرز فن الفنان بتشكيل المادة التي يستخدمها تشكيلًا جميلًا، مستخدمًا خشبًا أو ذهبًا أو فضةً... هكذا يلزمنا نحن أن نظهر إنسانيتنا لا بتركيب أجسادنا بل بكوننا "عقلاء" حقًا في أرواحنا، وبطاعتنا قانون الحياة الصالحة، أي الحياة الفاضلة والمقبولة لدى الله. الروح "العاقلة" حقًا والمحبة لله تعرف ما يكون عليه كل شيء في الحياة، وبمحبة تستعطف الله، وتقدم له التشكرات الخالصة، وتجاهد نحوه بكل رغبتها وكل فكرها."
"كما أن الربابنة (مديري الدفة) وسائقي المركبات يكتسبون خبرة في عملهم بالتمييز (الحكمة في التصرف) والجهاد المتواصل، هكذا أيضًا يليق بطالبي الحياة الفاضلة حقًا أن يستخدموا التمييز بيقظة، ويحرصوا أن يعيشوا كما يليق وكما هو مقبول لدى الله. لأن الإنسان الذي يرغب في هذه الحياة الفاضلة ويؤمن إنه يستطيع تحقيق رغبته، ينال بالإيمان عدم الفساد (الحياة النقية)."
"ليس الأحرار، هم الأحرار بحسب مركزهم، بل الذين هم بحق أحرار في حياتهم وطباعهم. فمثلًا لا يجوز لنا أن ندعو المشهورين والأغنياء أحرارًا متى كانوا أشرارًا وشرسين، لأن مثل هؤلاء عبيد الشهوات الجسدية. حرية النفس وطوباويتها، هما ثمرة النقاء الحقيقي والازدراء بالزمنيات."
"ذكِّر نفسك إنه يجب عليك أن تُظهر تعقُّلك دائمًا، وذلك عن طريق الحياة الصالحة وأفعالك نفسها. وبنفس الطريقة فإن المرضى يحترمون الأطباء وينظرون إليهم كمنقذين لهم ومحسنين إليهم بالعمل لا بالكلام."
"يظهر تعقل النفس الحقيقي وفضيلتها في نظرات الإنسان وطريقة مشيه وصوته وابتسامته وأحاديثه وأخلاقه. فإن كل ما في مثل هذه النفس يكون قد تغيَّر، وصار على أفضل وجه، ويكون فكرها المحب لله حارسًا ساهرًا عليها يمنع دخول الأفكار الشريرة المخجلة."
"الذين يقضون حياتهم في جهود صغيرة ومتواضعة (4)، يصيرون أحرارًا من المخاطر وليسوا في حاجة إلى احتياطات خاصة، ويجدون الطريق المؤدي إلى الله بسهولة، وذلك بانتصارهم الدائم على الشهوات."
"يجب على العقلاء ألا يصغوا إلى كل صنوف الأحاديث، بل النافع منها الذي يقود إلى فهم إرادة الله. إذ إرادته هي الطريق الذي يعود بالناس إلى الحياة والنور الأبدي مرة أخرى."
"الذين يجاهدون لكي تكون لهم حياة فاضلة وحياة حب لله، هؤلاء يجب عليهم أن يتخلّوا عن الاعتداد بالذات وعن كل مجد باطل فارغ. كما يلزمهم أن يجاهدوا من أجل إصلاح حياتهم وقلوبهم. الفكر الثابت المحب لله هو مرشد وطريق إلى الله."
"لا فائدة من دراسة العلوم إن كانت النفس ليس لها حياة صالحة ترضي الله. علة كل الشرور هو الغرور وعدم معرفة الله."
"التأمل العميق في الحياة الصالحة والعناية بالروح ينجبان أناسًا صالحين ومحبين لله. من يطلب الله يجده، وذلك بغلبته على كل الشهوات بالصلاة الدائمة. مثل هذا الإنسان لا يخاف الشياطين."
"الذين يدركون تمامًا أن عملهم كله يجب أن يهدف نحو بلوغ الحياة الصالحة، ومع ذلك يلهون بالبركات الزمنية؛ هؤلاء أشبههم بأناس يطلبون العلاج والدواء لكنهم لا يعرفون استخدامه، ولا يضطربون لأجل (جهلهم استخدامه). لذلك ليتنا لا نعتذر عن خطايانا التي نرتكبها بحجة ظروف البيئة أو بنسبها إلى إنسان آخر، بل نلقي باللوم على أنفسنا. لأنه إن كانت نفوسنا تستسلم عن طيب خاطر للكسل، فإنها لا تقدر أن تهرب من الهزيمة."
"الإنسان الذي لا يعرف كيف يميز بين الخير والشر، ليس له أن يحكم في البشر أن هذا صالح وذاك شرير. من يعرف الله يكون صالحًا. وإذا لم يكن الإنسان صالحًا فهذا يعني إنه لا يعرف الله والله لا يعرفه. لأن الصلاح هو الوسيلة الوحيدة لمعرفة الله."
"يواجه الصالحون المحبون الناس في حضرتهم بخصوص أي أمر رديء فيهم، وأما في غيابهم فليس فقط يكفّون عن نقدهم، بل ولا يسمحون لغيرهم به، إن حاولوا النطق به."
"إيّاك والغلظة في الحديث، فإن التواضع والعفة من سمات العقلاء... الفكر المحب لله نور يضيء للنفس، كما تضيء الشمس للجسد."
"عندما تثور فيك إحدى آلام نفسك، اذكر أن الذين يفكرون حسنًا ويرغبون في تأسيس ما لديهم على أساس قويم ثابت، لا يفرحون بالغنى الفاسد، بل بالمجد الحقيقي الذي في السماوات، وبهذا يصيرون مطوّبين. فالثروة قد ينهبها أو يسرقها من لهم سطوة أقوى، أما فضيلة الروح فهي وحدها الممتلكات الأمينة التي لا تُسلب، هذا بجانب أنها تنقذ صاحبها بعد الموت. الذين يفكرون هكذا، لا يخدعهم بريق الغنى الباطل، والمباهج الأخرى."
"يجب على المتزعزعين وغير المختبرين ألا يحاولوا إخضاع العقلاء لمجرد التساؤل (لا يكون همُّهم هو مجرد سؤالهم)، لأن العاقل هو من يسعى في إرضاء الله ويُكثر من الصمت، وإن تكلم يتكلم قليلًا، ينطق بما هو ضروري ومرضى لله."
"المجاهدون نحو الحياة الفاضلة وحياة الحب لله، غيورون نحو (اقتناء) فضائل الروح كممتلكات لا تنتقل ملكيتها إلى آخر، وتجلب الراحة الأبدية. هؤلاء يستخدمون الأمور الزمنية لمجرد أنها ضرورية (وليس عن ترف)، وبحسب إرادة الله وعنايته، ويستخدمونها بفرح وكل امتنان، حتى ولو كان بقدر الكفاف. فالمائدة الفاخرة تطعم الأجساد بكونها مادية، أما معرفة الله والغلبة على الذات والصلاح وصنع الخير مع الجميع والشفقة والوداعة... فهذه تمجد النفس."
"الذين ينظرون إلى فقدان المال أو الأبناء أو العبيد أو أي شيء آخر على إنه كارثة، هؤلاء يلزمهم أولًا أن يعرفوا ضرورة الاقتناع بما يعطيه الله، والاستعداد لرد هذه الأشياء برباطة جأش متى طلبها منّا، دون أن نُزعج أنفسنا بالحزن على فقدانها أو بالأحرى على ردّها، فتكون كمن يستخدمون ما هو ليس ملكهم إلى حين ثم يردونه (إلى صاحبه)."
"يستحيل عليك أن تصير صالحًا أو حكيمًا في لحظة، إنما تحتاج إلى المذاكرة والحرص والتمرن والتدرب والجهاد الطويل (وفوق الكل) الرغبة القوية نحو الخير. الإنسان الصالح المحب لله والذي يعرف الله بحق، لا يهدأ قط عن أن يصنع -بدون استثناء- كل الأمور التي ترضي الله. ولكن مثل هؤلاء يندر أن نلتقي بهم."
"يجب ألا يخور الذين ليس لهم ميل طبيعي نحو الخير ولا ييأسوا، إنما يلزمهم ألا يكفوا عن الجهاد نحو الحياة الفاضلة التي ترضي الله، مهما بدا لهم إنه يصعب الوصول إليها أو بلوغها."
"يتلامس الإنسان بعقله مع القوة الإلهية غير الموصوفة، وبجسده يقترب من الحيوانات. لكن قليلين من هم حقًا عقلاء ومجاهدون في توجيه أفكارهم نحو الله الفادي والتمتع بالقرابة معه، وإظهار هذا في أعمالهم وحياتهم الفاضلة. أما الأغلبية -هؤلاء الذين ينقص أرواحهم الإحساس الصالح- فإنهم يستهينون بالبنوة الإلهية الخالدة ويميلون نحو القرابة الجسدية البائسة قصيرة الأمد التي تنتهي يومًا ما، مفكرين فقط فيما هو جسدي، وقد تحدثنا عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت في أقسام أخرى. ملتهبين بالشهوة كالحيوانات العُجم، حارمين نفوسهم من الله بأفعالهم، منحدرين بأرواحهم من السماء إلى هاوية الشهوات الجسدية."
"الإنسان العاقل الذي يفكر في الشركة مع الله والحياة به لن يلتصق قط بأي شيء دنيء أو أرضي، بل يوجه ذهنه نحو الأمور السماوية الأبدية، عالمًا أن إرادة الله -التي هي علَّة كل صلاح ومصدر كل بركات البشر- هي أن الناس يخلصون."
"عندما تلتقي بإنسان محب للمجادلات، ويبدأ يجادل معك فيما هو بديهي وحق، اقطع الحديث وانسحب سريعًا، إذ تَحوَّل ذهنه إلى حجر."
"فكما أن الماء يفسد أجود أنواع الخمور، هكذا المناقشات الغبية تفسد الفضلاء في السيرة وفي طباعهم."
"إن كنا نستخدم كل وسيلة ونبذل كل جهد لكي نتجنب موت الجسد، فكم بالأحرى يلزمنا أن نجاهد لكي نجتنب موت الروح؟! لأنه لا توجد عقبة أمام إنسان يرغب في الخلاص اللهم إلا إهمال النفس وتراخيها."
"يمكن للإنسان أن يقول عن غير الراغبين في تعلُّم ما هو نافع لهم وصالح أنهم ليسوا في صحة سليمة. أما الذين تعلموا الحق ومع ذلك يغالطون فيه بوقاحة، هؤلاء يُقال عنهم إن إحساسهم مقتول، وطبعهم قد صار حيوانيًا، وإنهم لا يعرفون الله ولا استضاءت نفوسهم بالنور."
"خلق الله بكلمته حيوانات من أنواع مختلفة لفائدتنا: نستخدم بعضها كطعام والبعض في خدمتنا، وقد تحدثنا عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت في أقسام أخرى. أما الإنسان فخلقه الله ليكون شاهدًا لأعمال الله وشاكرًا إيّاه عليها. هذا ما يجب على البشر أن يجاهدوا لأجله، حتى لا يموتوا كالحيوانات العجماوات دون أن يروا أو يدركوا الله وأعماله. كما يجب على الإنسان أن يعرف أن الله قادر على كل شيء، وإنه لا يستطيع أحد أن يقاوم الله القدير. وكما أن الله أوجد كل شيء بكلمته من العدم إلى الوجود حسب إرادته، هكذا (الآن) يصنع كل شيء لأجل خلاص البشرية."
"الكائنات السمائية خالدة بالصلاح الذي فيها، أما الكائنات الأرضية فتصير مائتة بإرادتها الذاتية الشريرة، تلك الإرادة المتزايدة في غير العاقلين بواسطة كسلهم وعدم معرفتهم الله."
"الموت بالنسبة للذين يفهمونه خلود، أما بالنسبة للبُلهاء الذين لا يفهمونه فهو موت. يجب علينا ألا نخاف هذا الموت، بل نخاف هلاك النفس الذي هو عدم معرفة الله. هذا هو ما يُرعب النفس بحق!!"
"تجد الخطية لها عونًا في المادة، ويصير الجسد عرشًا لها. أما النفس العاقلة فإنها إذ تفهم هذا تُلقي عنها عبء المادة وتنهض من تحت ثقلها، وتدرك الله القدير، وتغسل الجسد بحرص من غير أن تأتمنه، إذ هو عدو لها وخصم. بهذا يتوّج الله النفس، إذ تغلب الشهوات والشرور."
"عندما تفهم النفس الخطية تكرهها (ناظرة إليها) كحيوان مفترس ذا رائحة فاسدة. ولكن عندما تجهل النفس الخطية، تصير الخطية لها محبوبة، بل وتستعبد النفس التي تحبها وتأسرها. فالإنسان البائس الفقير لا يُرى ما هو قادر على خلاصه، بل ولا يفكر في هذا، إنما يرحب بالخطية بسرور إذ يتصورها أنها تزينه."
"تتقدس النفس النقية وتستنير بالله لأجل صفائها. عندئذ يفكر ذهنها فيما هو صالح، وتنبع عنه ميول وأفعال صالحة. أما النفس التي تتدنس بالخطية، فإن الله يتخلى عنها، بل بالحري هي التي تتركه، فتدخل إلى فكرها الشياطين الرديئة وتقترح عليه (على صاحبها) أشياء مشينة: زنا وقتل وسلب وأفعال أخرى مشابهة شريرة وشيطانية."
"يمتلئ الذين يعرفون الله بكل أنواع الأفكار الصالحة، وباشتياقهم يزدرون بالأرضيات. ولكن مثل هؤلاء الناس نادرًا ما يرضي الناس عنهم، حتى كثير من الأغبياء لا يقفون عند حد كراهيتهم بل يسخرون بهم ويذمّونهم. وهؤلاء مستعدون أن يقبلوا الفقر المدقع، إذ يعلمون أن ما يبدو لكثيرين إنه شر، هو خير بالنسبة لهم. ومن يفكر في الأشياء السمائية يؤمن بالله، ويعرف أن كل الخليقة هي من عمل إرادته. أما الذين لا يفكرون هكذا، فإنهم لا يؤمنون بأن العالم من صنع الله، وإنه مخلوق لأجل خلاص (نفع) الإنسان."
"المملوءون شرًا وقد أسكرهم الجهل لا يعرفون الله، إذ هم ليسوا سامين في الروح. أما الله فلا يُعرف إلا بالذهن (أي بسمو فهمنا الروحي)، ومع إنه غير منظور لكنه يُدرك بوضوح في المنظورات، مثل الروح التي تظهر في الجسد. وكما أن الجسد لا يقدر أن يعيش بدون الروح، هكذا لا يمكن لشيء منظور وموجود أن يثبت بدون الله."
"لماذا ُخلق الإنسان؟ لكي يمجد الله ويراه خلال خليقته، الله الذي أوجد الخليقة من أجل الإنسان. الذهن المحب لله هو عطية غير منظورة يقدمها الله لبلوغ الحياة الصالحة."
"الإنسان الحر هو ذاك الذي لا تستعبده الملذات (الجسدية)، بل يتحكم في الجسد بتمييز صالح وعفة، قانعًا بما يعطيه الله، مهما كان قليلًا، شاكرًا إياه من كل قلبه. عندما يأتي كل من العقل المحب لله والنفس إلى الفهم، عندئذ يسهل ترويضه (الجسد) ولو بغير إرادته، ويمكن للنفس بواسطة العقل أن تخمد كل حركة حيوانية."
"الذين لا يقنعون بالكفاف بل يطلبون المزيد (بشهوة)، يستعبدون أنفسهم للشهوات التي تقلق وتدخل فيها كل الأفكار الرديئة والهواجس، أي كل ما هو شرير، مع إنه يلزمنا أن نحصل على أشياء صالحة جديدة. وكما أن الثياب المغالى في طولها تعوق المسافرين عن السير، هكذا الرغبة المغالى فيها نحو المقتنيات تعوق النفس عن أن تجاهد وتخلص."
"عندما يجد الإنسان نفسه في حالة غير تلك التي تتفق مع إرادته وميوله، يرى نفسه إنه في سجن وعذاب. لذلك يجب عليك أن تكون راضيًا بما لديك حتى لا تتألم (من أحوالك)، وتصير غير شاكرٍ (ومتذمر غير قانع)، فتظلم نفسك بنفسك دون أن تدرى. ولكن يوجد طريق واحد: احتقر العطايا الزمنية."
"عندما تغلق باب مسكنك وتبقى بمفردك، اعلم أن معك ملاكًا، معيّنًا من قِبل الله لكل إنسان، وهو الذي يلقبه اليونانيون "روح البيت". إنه لا ينام، ويرى كل شيء بمرافقته الدائمة لك، ولا ينخدع، ولا يختفي عنه شيء في الظلام. واعلم أن الله بجوارك حالٌ في كل مكان، فإنه لا يوجد مكان أو حيّز ليس الله موجودًا فيه. إنه أعظم من الكل وممسك بيده الجميع."
"إن أردت، تستطيع أن تكون عبدًا للشهوات. وإن أردت، تقدر أن تتحرر منها ولا تخضع لنيرها، لأن الله خلقك وأعطاك هذا السلطان. من يُقهر شهوات الجسد يُتوَّج بعدم الفساد. فلو لم تكن هناك شهوات ما كان يمكن أن توجد فضائل، وبالتالي ما كان يعطي الله أكاليل لمن يستحقونها."
"من لا يرون ما هو نافع لهم، ولا ينظرون ما هو صالح، هؤلاء نفوسهم عمياء وذهنهم هكذا أيضًا. فيجب علينا ألا نتطلّع إليهم لئلا بإهمالنا نسقط في آلامهم بغير إرادتنا كما يحدث مع العميان (الذين يقودهم عميان)."
"اعلم أن الأمراض الجسدية هي أمر طبيعي بالنسبة للجسد، إذ هو مادي وقابل للفساد. لذلك إن حلَّ به المرض، فإنه يجب على النفس المتعلمة (الصلاح) أن تتشجع وتصبر بشكرٍ دون أن تتذمر على الله الذي خلق لها الجسد."
"يُتوَّج المشترك في الألعاب الأولمبية لا بانتصاره على لاعب أو اثنين أو ثلاثة، بل بعد انتصاره على جميعهم. هكذا من يرغب في أن يكلله الله يلزمه أن يتعلم العفة، لا من جهة الشهوات الجسدية فحسب، بل وينتصر عندما تجربة محبة المال والرغبة في التعلق بما ليس له، والحسد ومحبة اللذات والمجد الباطل واتهامه بأمور ذميمة وعندما تحلّ به مخاطر مميتة، وما أشبه ذلك."
"ليتنا نجاهد في الحياة الصالحة والحياة المحبة لله، لا لأجل مديح الناس، بل لأجل خلاص نفوسنا. لأن الموت ماثل أمام أعيننا كل يوم، ولأن كل ما هو بشري غير مستقر."
"يحصل بعض رواد الفنادق على أسِرَّة، بينما لا يجد البعض أسرة فيتمددون أرضًا وينامون بسلام تمامًا كالذين ينامون على الأسرة. وفي الصباح، إذ يعبر الليل، يقوم الكل ويغادرون الفندق حاملًا كل منهم أمتعته. هكذا أيضًا من يسلكون في هذه الحياة، فسيترك الجميع هذه الحياة كمن يتركون فندقًا، سواء كانوا يعيشون في حياة وضيعة، أو كان لهم ثروة وشهرة. فالكل لا يحملون معهم المتع الأرضية والغنى، بل يأخذون معهم ما صنعوه في هذه الحياة، خيرًا كان أم شرًا."
"يستحيل علينا أن نهرب من الموت بأية وسيلة. وإذ يعرف العقلاء بحق هذا، يمارسون الفضائل ويفكرون في حب الله، ويواجهون الموت بلا تنهدات أو خوف أو دموع، مفكرين في أن الموت أمر محتَّم من جهة، ومن جهة أخرى إنه يحررنا من الأمراض التي نخضع لها في هذه الحياة."
"لا تتكلم مع كل أحد عن الرحمة والحياة الفاضلة. وأنا لا أقول هذا حسدًا، إنما لأني أحسب أنك ستكون في عيني الغبي كمازحٍ. يتفق الإنسان مع من يشبهه، والسامعون لمثل هذه الأحاديث (الروحية) قليلون، أو بالحري نادرون جدًا، لهذا من الأفضل ألا نتكلم، إذ ليس هذا (مجرد الحديث) هو ما يريده الله لأجل خلاص الإنسان."
"تتألم النفس مع الجسد، أما الجسد فلا يتألم مع النفس (في جهادها الروحي). عندما يكون الجسد مبتورًا تشاركه النفس آلامه، وعندما يكون قويًا وسليمًا تفرح معه النفس (إذ تستطيع النفس أن تصلّي...). أما النفس فعندما تتأمل من جديد (تتوب)، فإن الجسد لا يشاركها في هذا بل يقف جامدًا ومقاومًا (إذ لا يريد الجسد التوبة)..."
"عندما تفكر في الله كن ورعًا، متحررًا من الحسد، صالحًا، عفيفًا، وديعًا، سخيًا قدر المستطاع، صديقًا، غير مجادلٍ، وما أشبه ذلك. فإنك إذ ترضي الله بهذا كله إنما يكون لنفسك ثروة لا تُسلب. علاوة على هذا يجب عليك ألا تدين أحدًا، أو تنطق عنه بشيء غير حسن حاسبًا إيّاه خاطئًا. فإنه من الأفضل للإنسان أن يبحث بنفسه عن أعماله الشريرة ويمتحن حياته إن كانت ترضي الله. لأنه ماذا تستطيع أن تفعل (لمن تدينه) لو تبين لك إنه غير صالح؟!"
"يجاهد الإنسان الحقيقي لكي يكون ورعًا، والإنسان الورع هو الذي لا يشتهي شيئًا غريبًا عنه. والشيء الغريب عنه هو كل ما هو مخلوق. فلكونك صورة الله، يجب عليك أن تزدري بكل الأشياء (المخلوقة). وهذا يستحيل عليك ما لم تقلع عنك كل ما هو شهواني. الإنسان الذي فكره محب لله، له خبرة في كل ما هو نافع للنفس، وفي كل أعمال التكريس التي تُطلب منه. والإنسان المحب لله لا يوبخ أحدًا، إذ يعلم إنه هو أيضًا خاطئ. وهذه هي علامة النفس السالكة في طريق الخلاص."
"من يتقدم في حياة تقوية، لا يسمح للشر أن يدخل إلى نفسه، وعندما تتحرر نفسه من الشر يكون في سلام وأمان. مثل هذا الإنسان، ليس للشياطين الأشرار أو الحوادث الطارئة سلطان عليه، إنما يُخلَّصه الله من كل شر، ويعيش في حماية غير منظورة، لأنه محب الله. إن مدح أحد مثل هذا الإنسان، فإنه لا يكترث بهذا، وإن سبَّه أحد فلا يدافع عن نفسه ضد شاتمه، ولا يسخط على قول من أقواله."
"يلتصق الشر بطبيعتنا كالتصاق الصدأ بالحديد، والتراب بالجسد. وكما أن الصدأ ليس من صنع الحداد، والتراب ليس من وضع الوالدين هكذا الشر ليس من عند الله. بل وهب الله الإنسان ضميرًا وعقلًا لكي يتجنب الشر، يكشفان له أن الشر مضر ويجلب عذابات. لذلك يجب عليك أن تكون أكثر حرصًا. فعندما تقابل إنسانًا ذا عظمة وثروة لا تترك للشياطين مجالًا لكي تخدعك فتنقاد له، بل ضع في الحال الموت نصب عينيك وعندئذ لن تشتهي شيئًا رديئا أو أرضيًا."
"الحياة هي اتحاد بين العقل (الروح) والنفس والجسد، وترابط بينهم، وأما الموت فهو تمزيق لهذه الوحدة، ولكن لا هلاك لهذه (العناصر) كلها بل يحفظها الله حتى بعد الانفصال."
"العقل غير النفس، فهو عطية من قبل الله لأجل خلاص النفس. العقل الذي يرضي الله، يتدفق أمام النفس ويشير عليها أن تزدري بالزمنيات الماديات الفانيات، وإن تحب البركات الروحية الأبدية غير الفاسدة، حتى أن الإنسان وهو بعد في الجسد يدرك السماويات والإلهيات بذهنه ويتأمل فيها. بهذه الكيفية يكون العقل المحب لله نافعًا للنفس البشرية ومنقذًا لها."
"النفوس التي لا يلجمها العقل ولا يسيطر عليها الذهن ويقمع شهواتها من لذات وآلام، ويدبرها ويوجهها (توجيها سليمًا)، هذه النفوس تهلك كالحيوانات العجماوات. لأن عقولهم تسحبها الشهوات، كما تسحب الخيول الجامحة سائقيها."
"إن أخطر أمراض النفس وأشر الكوارث والنكبات، هي عدم معرفة الذي خلق الكل لأجل الإنسان ووهبه عقلًا وأعطاه كلمة بها يسمو إلى فوق وتصير له شركة مع الله، متأملًا وممجدًا إيّاه."
"توجد النفس في الجسد، ويوجد العقل في النفس، وتوجد الكلمة في العقل، وبالكلمة نتأمل الله ونمجده، الذي يعطي خلودًا للنفس ويهبها سعادة أبدية غير فاسدة. لأن الله وهب الوجود بمفرده بصلاح الله."
"يكتسب الإنسان الصلاح من الله، إذ هو صالح. أما الشر فيخضع له من داخله، إذ فيه الشر والشهوة وعدم الحساسية."
"لا يوجد في السماء شر، ولا على الأرض صلاح حقيقي. لكن الإنسان العاقل يختار الأفضل. إنه يتعلم أن يعرف الله القدير، ويشكره ويمجده، وإن يقمع جسده حتى قبل الموت، ولا يشبع مشاعر (شهوات) الجسد، لأنه يعلم ضررها وعملها الخبيث."
"من يحب الخطية يحب المقتنيات الكثيرة، ويهمل البرّ، ولا يفكر في زوال الحياة وعدم ثباتها وقصر أجلها، ولا يتذكر حتمية الموت الذي لا يُرتشى. وإن أظهر الإنسان عدم الحياء هذا، والنقص في الإحساس حتى بلوغه الشيخوخة، فإنه يكون كشجرة متعفنة لا نفع لها."
"الكلمة خادمة للعقل، فما يرغبه العقل تعبر عنه الكلمة."
"يرى العقل كل شيء، حتى الأمور التي في السماء، ولا شيء يجعله مظلمًا سوى الخطية. فالعقل النقي لا يجد صعوبة في فهم شيء، وكلمته لا تجد صعوبة في التعبير عن شيء."
"الإنسان بجسده قابل للموت، أما بذهنه وكلمته فهو خالد. في الصمت ترى عقلك، ولكن عندما تستخدم عقلك فإنك تتكلم في داخل نفسك. لأنه أثناء الصمت يلد العقل الكلمة، وكلمة الشكر التي تقدم لله هي خلاص الإنسان."
"من يتكلم بغباء ليس له عقل، إذ يتكلم دون أن يفكر في كل الأمور. لذلك امتحن ما هو مفيد لك، لأجل خلاص نفسك، لكي تفعله."
"الكلمة العاقلة التي تفيد النفس هي عطية من قبل الله، أما الكلمة الفارغة التي تبحث في مجرد مقاييس السماء والأرض، والبعد بينهما، وأحجام الشمس والنجوم، فإن هؤلاء الذين يعملون في ذلك... يكونون كمن يُخرجون الماء بمنخل، لأن البشر لا يقدرون أن يكتشفوا (كل) هذا (5)."
"لا يرى أحد السماء (الروحية) ولا يقدر أن يعرف ما فيها إلا الذي يجاهد في الفضيلة، فيعرف الله ويمجد ذاك الذي خلق السماء لأجل خلاص الإنسان وحياته. هكذا يعرف الإنسان المحب لله -بدون شك- إنه لا يوجد شيء بدون الله، هذا الذي هو في كل مكان وفي كل شيء، إذ هو الله الذي لا يحده شيء."
"كما يخرج الإنسان من بطن أمه عريانًا، هكذا أيضًا تخرج النفس من الجسد. تخرج بعض النفوس نقية ومتلألئة، وأخرى ملطخة ومتدهورة، وثالثة مدنسة بخطايا كثيرة. لهذا فإن النفس العاقلة المحبة لله، إذ تذكر التجارب والشدائد المنتظرة بعد الموت، وتتأمل فيها، فانها تعيش في بر حتى لا تُدان، ولا تخضع لهذه الشدائد, أما غير المؤمنين فليس لهم مثل هذه المشاعر، إذ يرتكبون الخطايا مستهينين بما ينتظرهم."
"كما أنك عندما تركت الرحم لم تعد تذكر ما كان يحدث لك فيه، هكذا عندما تترك الجسد لا تعود تذكر ما حدث وأنت فيه."
"وكما أنك بتركك الرحم صرت إلى حال أفضل ونمى جسدك، هكذا عندما تترك الجسد وأنت نقي وغير مدنس تصير في حال أفضل غير قابل للفساد."
"وكما أن الجسد يجب أن يُولد عند تمام نموه في الرحم، هكذا يلزم على النفس أن تترك الجسد عندما تصل إلى نهاية الحياة بالجسد في الوقت المعين من قبل الله."
"كما أنك تعالج النفس وهي في الجسد، فإنها هي ستعالجك عندما تترك الجسد. الإنسان المتهاون مع جسده في هذه الحياة، مقدمًا له كل صنوف الراحة، إنما يقدم لذاته مرضًا بعد الموت، جالبًا على نفسه دينونة بغباوة."
"كما لا يقدر الجسد أن يعيش إن ترك الرحم قبل أن يكتمل، هكذا لا تقدر النفس أن تخلص أو يكون لها شركة مع الله عند تركها الجسد ما لم تنل التطلع إلى الله بحياتها الصالحة (وهي في الجسد)."
"اتحاد الجسد بالنفس يعدّه للظهور إلى النور من ظلام الرحم. أما اتحاد النفس بالجسد (خضوعها له) فيحبسها في ظلام الجسد. لهذا يجب علينا ألا نشفق على الجسد، بل نقمعه كعدو للنفس وخصم لها. فالانهماك في المأكولات الشهية يثير الشهوات الشريرة، والمعدة الزاهدة تخمد الشهوات وتنقذ النفس."
"العين هي مصدر نظر الجسد، والعقل هو مصدر نظر النفس. وكما يكون الجسد أعمى بدون العينين فلا يعاين الشمس المنيرة على الأرض والبحر، ولا يقدر أن يتمتع بضيائها، هكذا تكون النفس عمياء بدون العقل السليم والحياة الصالحة، فلا يكون لها معرفة بالله، ولا تمجد الخالق صانع الخيرات للبشرية كلها، ولا تقدر أن تتمتع بالفرح عن طريق حصولها على عدم الفساد ونوالها تطويبًا أبديًا."
"عدم الإحساس وعدم التعقل يولد في النفس الجهل بالله، وهذا الجهل يولد الشر. وأما معرفة الله فتجلب الصلاح وتنقذ النفس. لهذا إن بقيت في حالة من السمو مع معرفة بالله ومحاولة عدم إشباع شهواتك الخاصة، يتجه عقلك إلى الفضيلة. لكنك إن سكرت بالجهل بالله وتمتعت بإشباع شهواتك الشريرة، ناسيًا الشدائد التي تنتظرك بعد الموت فإنك تهلك كالحيوان الأعجم."
"من يفهم ما هو الجسد، أي إنه قابل للفساد وقصير الأجل، يفهم أيضًا أن النفس سمائية وخالدة، وأنها نسمة من الله، ومرتبطة بالجسد إلى أن تتقدم وتسمو نحو التشبه بالله. الإنسان الذي يفهم النفس فهمًا سليمًا، يسلك في حياة مستقيمة ترضي الله، ويحذر من الجسد ولا يتهاون معه. كذلك بتأمل الذهن في الله، يرى البركات الأبدية عقليًا (روحيًا)، هذه التي يهبها الله للنفس."
"الله كصالح ومحب (جوَّاد) وهب الإنسان حرية بخصوص الخير والشر، واهبًا إياه عقلًا به يقدر أن يعاين العالم وكل ما فيه، فيعرف الله الذي خلق لأجله كل شيء. أما الإنسان الشرير فإنه قد يرغب في هذا (معرفة الله)، لكنه لا يفهم بل يهلك بعدم إيمانه وبتفكيره المناقض للحقيقة. هذه هي حرية الإنسان فيما يختص بالخير والشر."
"وضع الله قانونًا، وهو إنه كما أن الجسد ينمو، هكذا يجب على النفس أن تمتلئ بالعقل (الفهم الروحي). فيختار الإنسان الصلاح أو الشر، حسب مسرة عقله. والنفس التي لا تختار الصلاح تكون بلا عقل. إذ إنه بالرغم من أن كل الأجساد لها نفوس، لكن ليس كل نفس لها عقل (أي عاقلة). يوجد العقل المحب لله بين الطاهرين، العادلين، الأبرار، الصالحين، الأنقياء، الرحومين، الورعين. وقد وجد العقل ليعين الإنسان في علاقته مع الله."
"أمر واحد مستحيل بالنسبة للإنسان، وهو أن يهرب من الموت. أما إن كان للإنسان شركة مع الله، فهذا ممكن للإنسان إن عرف الطريق. فإن أراد، وعرف الطريق، يستطيع بالإيمان والحق أن يختبر الحياة الصالحة ويجتمع بالله."
"تعاين العين ما هو منظور، ويدرك العقل ما هو غير منظور. فالعقل المحب لله هو نور للنفس..."
"كما أن الجسد بدون النفس ميت، هكذا النفس بدون العقل خاملة (عقيمة) وتعجز عن أن ترث الله."
"يصغي الله إلى الإنسان فقط، وله وحده يكشف ذاته لأن الله يحب البشر، وحيث وجد الإنسان يوجد الله أيضًا. والإنسان (وحده) هو المؤهل لعبادة الله، إذ لأجله تجسد الله."
"كما أن السماء غير منظورة، هكذا الصلاح غير منظور. وكما أن ما على الأرض منظور هكذا الشر أيضًا منظور. الصلاح لا يمكن أن يقارن، وللإنسان بذهنه أن يختار الأفضل..."
"يوجد في النفس عقل يعمل، أما الجسد فتوجد فيه الغريزة. ويجعل العقل النفس إلهية، وتفسد الغريزة الجسد (أي إذا أشبعنا غرائزنا وشهواتنا الطبيعية). تعمل الغريزة في كل جسد، لكن ليس كل نفس يعمل فيها العقل. لهذا ليس كل نفس تخلص."
"النفس التي تعرف حقيقة العالم ما هو، وترغب في أن تخلص، لها قانون صارم، وهو أن تفكر في كل ساعة في داخلها، قائلة: "إنها ساعة يأتي فيها (الموت) وتأتي دينونة (الأعمال)، حيث لا تقدرين (يا نفسي) أن تحتملي (نظرات) الديان، وها أنتِ أوشكتِ على الهلاك". بهذا التفكير تحفظ النفس ذاتها من الملذات المعيبة."
"ما هو مائت ثانوي بالنسبة لغير المائت، ويخدمه، بمعنى أن المادة (الجسد المادي) يخدم الإنسان وذلك بفضل تحنن الله الخالق وصلاح جوهره (إذ أعطى أن يخدم الجسد النفس)."
"بحنان خالقنا توجد طرق كثيرة للخلاص، هذه التي تهدى الأرواح وتقودها نحو السماء..."
"إن كان الذين تلزمهم الضرورة أن يعبروا أنهارًا واسعة، هؤلاء متى كانوا متيقظين يحافظون على حياتهم، لأنه حتى وإن كانت الأمواج هائجة أثناء إبحار قواربهم، فإنهم يُنقذون أنفسهم بأن يمسكوا بأي شيء على الشاطئ، أما إن كانوا سكارى، فإنهم وإن قاموا بمحاولات لا حصر لها لكي يسبحوا إلى الشاطئ، فإن الخمر يغلبهم، فيغرقون وسط الأمواج ويفارقون الحياة. هكذا النفس أيضًا إن سقطت بين أمواج هائجة وسط دوامة تيارات الحياة، فإنها بجهادها الذاتي لا تقدر أن تتغلب على محبة الجسد كما تعجز عن أن تعرف (بذاتها) أنها نفس إلهية خالدة مرتبطة بجسد مادي قابل للموت مملوء شهوات... وإن هذا هو محك لاختبارها، فإن سمحت لنفسها أن تتلوث بالشهوات الجسدية فإنها تهلك ويكون هلاكها وخروجها من دائرة الخلاص نتيجة إهمالها وسكرها بالجهل واستخفافها بالصلاح. إن الجسد كنهر غالبًا ما يبتلعنا بالملذات الدنيئة."
"فالله صالح، ولا يصنع إلا الصلاح. إنه لا يضر أحدًا ويبقى كما هو عليه على الدوام. أما بالنسبة لنا، فإننا عندما نكون صالحين ندخل في شركة مع الله بتشبهنا به. وعندما نصير أشرارًا نحرم أنفسنا من الله بعدم تشبهنا به."
"عندما نعيش حياة فاضلة نكون ملكًا لله، وعندما نصير أشرارًا نهجره، هذا لا يعني إنه يغضب منا بل من خطايانا التي تحجب وجهه عنا وتربطنا بالمضايقين الذين هم الشياطين. أما (عند التوبة) فإنه بالصلوات وصنع الخير (مع الإيمان به) نحصل على نزع الخطايا. هذا لا يعني أننا نسترضيه ونُغيّره، بل إننا بأعمالنا هذه وعودتنا إليه نكون قد ُشفينا (بنعمته) من الشر الذي في أنفسنا، وصرنا قادرين على أن نكون شركاء لله في صلاحه."
"العقل الذي يحيا في نفس محبة لله، يرى بالحق الله غير المنظور ولا موصوف...، يرى الله الذي وحده طاهر بالنسبة للطاهرين."
"العالم تصونه العناية الإلهية، إذ لا يوجد مكان لا تدركه هذه العناية. والعناية الإلهية هي تنفيذ مواعيد الكلمة الإلهية، الذي يهب شكلًا للمادة التي يتكون منها هذا العالم، وهو المهندس والفنان لهذا كله. فالأشياء ما كان يمكن لها أن تأخذ جمالها لولا فطنة قوة الكلمة الذي هو صورة الله (الآب) وعقله وحكمته وعنايته."
"الإنسان الذي يريد ويؤمن، لا يكون طريق إدراكه لله صعبًا. فإن أردت أن تعاين الله، تأمل كمال نظام الخليقة التي أوجدها بكلمته، وعنايته بها، فإنه خلق هذا كله من أجل الإنسان."
"من يتنقّى من الشر والخطية يدعى قديسًا. وهكذا فإن غياب الشر عن الإنسان هو كمال أعظم للنفس ويرضى الله جدًا."
"عندما تنام على سريرك، تذكر بركات الله، وعنايته بك، وأشكره على هذا، فإذ تمتلئ بهذه الأفكار تفرح في الروح. وعندئذ يكون في نوم الجسد سموًا لنفسك، وإغلاق عينيك بمثابة معرفة حقيقة لله، وصمتك وأنت مشحون بمشاعر صالحة هو تمجيد لله القدير من كل القلب وكل القوة، مقدما لله تسبيحًا يرتفع إلى الأعالي. لأنه عندما لا يوجد شر في الإنسان، فإن الشكر وحده يرضي الله أكثر من تقدمات ثمينة، هذا الذي له المجد إلى دهر الدهور. آمين."
"إني أرى أن نعمة الروح القدس على أتم استعداد لكي تملأ أولئك الذين يعزمون منذ البداية أن يكونوا ثابتين في محاربتهم للعدو (الشيطان) غير مستسلمين في أي أمر من الأمور، حتى يغلبونه."
"فمن جهة الجسد، فإنه يكافح في أصوام مستمرة وجهاد وأسهار دائمة، وأما النفس فتجاهد في تداريب روحية مع مثابرة في كل أنواع الخدم (الطاعة) منفذة ذلك خلال الجسد. لذلك يجب علينا أن نراعي (ألا نصنع شيئًا بإهمال بل يكون كل شيء بحرصٍ دائمٍ وفي خوف الله) وذلك في كل عمل نقوم به بالجسد، حتى يأتي بالثمر."
"الروح القدس الذي يدعو الإنسان التائب إلى التوبة، يمنحه تعزياته أثناء قيادته للقيام بالعمل الروحي، ويعرفه عدم التراجع إلى الوراء، وعدم التعلق بشيء من أمور العالم.. ويفتح عيني نفسه حتى ترى (النفس) جمال النقاوة التي تصل إليها بأعمال التوبة."
"على أي الأحوال، إن تسلح الإنسان بالصبر والإيمان المستقيم بوصايا الله، فإن الروح القدس يعلَّم عقله كيف تتنقى نفسه ويتنقى جسده من مثل هذه الحركات. لكن إن غفل الإنسان في أي لحظة وسمح لنفسه بالتهاون في الوصايا والتعاليم التي سمعها، تتسلط الأرواح الشريرة (الخطية) عليه، وتفسد أعضاء جسده وتدنسها بهذه الحركات، وتقف النفس المعذبة تائهة لا تعرف أن تتوجه، إذ في وسط يأسها لا ترى عونًا من أي جانب."
"والروح القدس يعلم الإنسان أن يحفظ جسده كله -من الرأس إلى القدمين- في تناسق: فيحفظ العينين لتنظرا بنقاوة. ويحفظ الأذنين لتصغيا في سلام، أو تنصتا إلى الأمور الخاصة بالسلام دون أن تتلذذا بالأحاديث عن الآخرين والافتراءات وذم الغير. ويحفظ اللسان لينطق بالصلاح فقط، معطيًا وزنًا لكل كلمة، فلا يسمح لشيء دنس أو شهواني أن يختلط بحديثه. ويحفظ اليدين لتتحركا طبيعيًا فترتفعان للصلاة ولصنع الرحمة والكرم. ويحفظ المعدة ليكون لها حدود مناسبة للأكل والشراب، وذلك حسب القدر الكافي لقوت الجسد، فلا يترك الشهوة أو النهم ينحرفا بها فتتعدى حدودها. ويحفظ القدمين ليسلكا ببر حسب إرادة الله، بهدف القيام بالأعمال الصالحة. بهذا يكون الجسد كله قد اعتاد على كل عمل صالح، وصار خاضعًا لسلطان الروح القدس، فيتغير شيئًا فشيئًا حتى يشارك -إلى حد ما- في النهاية في صفات الجسد الروحي الذي يناله في القيامة العادلة."
"إنه ليس بخافٍ عليكم أن أعداء الحق (الشياطين) لن يكفوا عن العمل على إفساد الحق. لكن الله افتقد خليقته في كل زمان، ففي بداية الخليقة علّم الذين اقتربوا لخالقهم كيف يعبدونه. غير أن كثافة الجسد الشهواني ومكر الأعداء المحاربين لنا عطّلتا الميول الصالحة للنفس، وصار الناس غير قادرين حتى على التمسك بما يليق بطبيعتهم وتمييزهم، لكي يرجعوا إلى حالتهم الأولى متحررين من الخطية، لذلك أظهر الله رحمةً وعلّمهم العبادة الحقيقية بالناموس المكتوب. لكن حتى بهذا لم تأتِ الثمرة... ورأي الله أن الجرح يتزايد ويتسع ويحتاج إلى علاج حاسم، لذلك أرسل ابنه الوحيد، الذي هو طبيبنا الوحيد."
"عندما أغلب بحب يسوع المسيح، انظر إلى الحال الذي وصلنا إليه، فأشعر بسرور، كما أشعر بحزن وبكاء."
"كثيرون جدًا من جنسنا لبسوا شكل العبادة، لكن بعضهم يصنعون هذا بكل قلوبهم بعدما تحرروا بمجيء ربنا يسوع المسيح، هؤلاء هم موضوع سروري ويهمل البعض قوة نذرهم، ويتبعون مشيئة الجسد وشهوات قلوبهم، وقد صار مجيء الرب بالنسبة لهم عقوبة، هؤلاء موضوع حزني. وأخيرًا البعض خارت قلوبهم بسبب تفكيرهم في طول جهادهم (حياتهم) فنزعوا الرحمة من قلوبهم، وصاروا كحيوانات عجماوات، هؤلاء أبكي عليهم لأن مجيء ربنا يسوع المسيح صار لهم دينونة."
"يستطيع كل بحار أن يعتز بذاته ويفخر بخبرته عندما تهب الرياح بطريقة ثابتة (متوقعة)، لكن إن حدث تغير مفاجئ للرياح، عندئذ تبطل خبرة الربابنة المحَّنكين."
"يرشد الله الكل بعمل نعمته، فلا تملّوا ولا تخور قلوبكم، بل اصرخوا إليه ليلًا ونهارًا لتقتنوا حنو الله فيعلمكم من الأعالي ما يجب أن تفعلوه. لا تعطوا لأعينكم نومًا، ولا لأجفانكم نعاسًا (مز 4:131) حتى ترفعوا نفوسكم ذبائح محرقات طاهرة، وتعاينوا الله. لأنه بدون قداسة لا يقدر أحد أن يعاين الله (عب 4:12)، كقول الرسول."
"لذلك أطلب إليكم باسم ربنا يسوع المسيح أن لا تستهينوا بحياتكم وخلاصكم ولا تدعوا هذا الزمان اليسير يسرق منكم الأبدية اللانهائية، ولا هذا الجسد الهيولي أن ُيبعدكم عن ملكوت النور الذي لا ُيحد ولا ُيوصف."
"بالحقيقة إن نفسي مضطربة وروحي ساهية، لأنه بالرغم من أنه قد وهب لنا الحرية لنقوم بما يقوم به القديسون، إلا أننا قد سكرنا بالآلام (الشهوات) كمن يسكر بالخمر، ولا نريد أن نرفع عقولنا إلى الأعالي ونطلب المجد السماوي، ولم نقتدِ بأعمال القديسين ولا سلكنا على آثار خطواتهم، حتى نصير ورثة لأعمالهم ونشاركهم الميراث الأبدي."
"يا لها من ربوات الشياطين الشريرة، ووحوش مفترسة بلا عدد، تلك التي تحثنا أن ننطق بالشر ضد الآخرين، أو نتفوه بكلمات معسولة تخفي مرارة في قلوبنا، وندين أخوتنا حسب المظاهر الخارجية... فنخفي في داخل نفوسنا حيوانًا مفترسًا يحرّضنا على مقاومة بعضنا البعض حتى يزكي كل منا طريقه الخاص على أنه أكثر الطرق استقامة."
"يتلذذ كل إنسان بأفكاره الشريرة فيسقط بإرادته، لأنه يفرح بما يلقيه الأعداء (الشياطين) فيه، مزكيًا نفسه بأفعاله المنظورة، بينما هو مسكن للروح الشرير الذي يشير عليه بكل الشرور، وجسده مملوء نجاسة دنيئة إذ هو فريسة للشهوات الشيطانية التي لم يتخلص منها."
"ليس للشياطين أجساد منظورة، لكننا متى قَبِلت أرواحنا أفكارهم المظلمة، نكون نحن بمثابة أجساد لها، لأننا إذ نقبل أفكارها إنما نقبلها هي بذاتها، ونجعلها ظاهرة جسديًا (فينا)."
"تختفي الطبيعة العاقلة الخالدة في جسدنا البالي، وتوحي بكل أفعالها فيه وخلاله. وهكذا إذ لكم هذا الجسد الذي صار مذبحًا يُقدم عليه البخور، لذلك ضعوا عليه كل أفكاركم ومشوراتكم الشريرة قدام وجه الرب، رافعين عقولكم وقلوبكم إليه، متوسلين أن يرسل ناره المقدسة لتحرق كل ما هو على هذا المذبح وتنقيه، فيخافكم خصومكم (الشياطين والخطايا) -كهنة البعل- ويهلكون على أيديكم، كما حدث مع إيليا النبي (1 مل 25:18 - إلخ.) حينئذ تشاهدون المعزى القدوس في الماء الإلهي (المعمودية) الذي يمطر عليكم مطرًا روحيًا 1."
"وهكذا فإن من ينقصه التواضع العميق من كل القلب والفكر والروح والجسد، لا يرث ملكوت الله."
"سقط الشيطان من رتبته السماوية بسبب كبريائه، لهذا فإنه يعمل كل جهده دومًا لكي يسقط كل الراغبين في التقدم نحو الله بكل قلوبهم، مستعينًا بنفس الوسيلة التي سقط بها هو، أعنى العظمة ومحبة المجد الباطل. بهذا وما يشبهه يحاربنا على رجاء أن يبعدنا عن الله."
"إن أراد أحد أن ينال حب الله، فليكن فيه مخافة الرب، لأن الخوف يولِّد بكاء، والبكاء يولد قوة. وإذا ما كملت هذه كلها في النفس، تبدأ النفس تثمر في كل شيء. وإذ يرى الله في النفس هذه الثمار الحسنة، فإنه يشتمها رائحة بخور طيبة، ويفرح بها هو وملائكته، ويشبعها بالفرح، ويحفظها في كل طرقها حتى تصل إلى موضع راحتها دون أن يصيبها ضرر."
"حقًا أن كثيرين من الرهبان والعذارى في المجامع، لم يتذوقوا هذه الحلاوة الإلهية، ولم يقتنوا القوة الإلهية، ظانين أنهم قد نالوها، بالرغم من عدم جهادهم، أما من يجاهد لأجلها فينالها حتمًا خلال المراحم الإلهية، لأن الله لا يحابي الوجوه."
"فمن يريد أن يكون له نور الله وقوته، يلزمه أن يستهين بكرامات هذا العالم ودنسة، ويبغض كل أمور العالم ولذة الجسد، وينقى قلبه من كل الأفكار الرديئة. ويقدم لله أصوام ودموعًا ليلًا ونهارًا بلا هوادة كصلوات نقية، عندئذ يفيض الله عليه بتلك القوة."
"اجتهدوا أن تنالوا هذه القوة، فتصنعوا كل أعمالكم بسهولة وُيسر، وتصير لكم دالة عظيمة قدام الله، ويهبكم كل ما تطلبونه."
"صلوا لكي يهبكم الله نعمة الإدراك السليم في كل الأمور، فتقدروا أن تميزوا بين الخير والشر تمييزًا حسنًا."
"لقد كتب الرسول بولس "وأما الطعام القوى فللبالغين" (عب 14:5). هؤلاء الذين بواسطة العمل المتواصل والجهاد" تُدرَّب حواسهم وميولهم على التمييز بين الخير والشر، وقد أحصوا كأبناء الملكوت وصاروا من عداد أبناء الله، هؤلاء يعطيهم الله الحكمة والتمييز الحسن في كل أعمالهم، فلا يقدر إنسان أو شيطان أن يخدعهم."
"حقًا إن كثيرين من الرهبان والعذارى في المجمع لم يقتنوا الفهم بهذه الدرجة، وأما أنتم فإن أردتم أن تحصلوا عليه بهذا المقدار الذي فيه كمال، فاهربوا من أولئك الذين يحملون اسم "رهبان وبتوليين" دون أن يكون لهم الإدراك الحقيقي والتمييز الحسن. لأنكم إن اختلطتم بهم، لن يدعوكم تتقدمون، بل وربما يطفئون حرارة غيرتكم، إذ لا حرارة لهم، بل برودة، وهم يسيرون وراء أهوائهم. فإن أتوا إليكم وتحدثوا معكم في أمورٍ أرضيةٍ حسب أهوائهم الخاصة، لا تستكينوا لهذا، إذ كتب الرسول بولس: "لا تطفئوا الروح، لا تحتقروا النبوات" (1 تس 2.:5)، عالمين أنه لا شيء يطفئ الروح أكثر من الكلام الباطل."
"فالعدو يحارب المؤمنين تحت صورة الخير، وينجح في خداع كثيرين، هؤلاء الذين ليس لهم حكمة ولا تمييز حسن. لهذا علّم الرسول بولس عن غنى الفهم الذي لا حد لعظمته، المخصص للمؤمنين، إذ كتب إلى أهل أفسس يقول: "كي يعطيكم إله ربنا يسوع المسيح أبو المجد روح الحكمة والإعلان في معرفته مستنيرة عيون أذهانكم لتعلموا ما هو رجاء دعوته وما هو غنى مجد ميراثه مع القديسين" أف 17:1،18، كاتبًا هذا بدافع حبه العظيم المتزايد نحوهم، ولعلمه أنهم إن اقتنوا الفهم لا يعود يكون بالنسبة لهم شيء فيه صعوبة، ولا يمسهم خوف، بل يعزيهم فرح الرب نهارًا وليلًا، وتصير الأعمال بالنسبة لهم عذبة في كل حين."
"الذين يحبون الإلهيات ينقّون قلوبهم من النجاسات ومن كل أعمال (ارتباكات) هذا الدهر الزائل، فيبغضون العالم (أي ليس للأمور الزمنية مكان في القلب) وينكرون أنفسهم ويحملون الصليب تابعين الرب، وسالكين حسب إرادة الله في كل شيء، لذلك يسكن الله فيهم معطيًا إياهم فرحًا وعذوبة يغذيان النفس ويقوتانها ويجعلانها تنمو. فكما أن الأشجار لا تقدر أن تنمو بدون ماء طبيعي، هكذا النفس أيضًا لا تنمو ما لم يكن لها عذوبة سمائية، أي تقبل الروح القدس (يعمل فيها) وتروى بالعذوبة السمائية."
"لكل الخليقة الناطقة -الرجال والنساء- ينبوع حب، به تقدر أن تحتضن كلًا من الإلهيات والجسديات. فرجال الله يحبون ما يخص الله، وأبناء الجسد يحبون ما يخص الجسد."
"إذا ما مات سلطان الخطية في إنسان ما يطهر الله نفسه مع جسده. ولكن إن كانت مملكة الخطية لازالت قائمة في جسده، فإنه لا يقدر أن يعاين الله، لأن نفسه التي في جسده (المظلم بالخطية) لا يوجد فيها مكان للنور لكي تعاين الله."
"يقول داود "بنورك يا رب نعاين النور". ما هو هذا النور الذي به نعاين النور؟ إنه ذاك الذي تحدث عنه ربنا يسوع المسيح في الأناجيل قائلًا: "إن كان جسدك كله نيرًا ليس فيه جزء مظلم يكون نيرًا كله" (لو 36:11)، كذلك يقول "ليس أحد يعرف الابن إلا الآب ولا أحد يعرف الآب إلا الابن ومن أراد الابن أن يعلن له" (مت 27:11)، والابن لا يعلن عن أبيه لأبناء الظلمة بل لأبناء النور السالكين في النور، الذين استضاءت عيون قلوبهم بمعرفة الوصايا."
"كما أن كمال الجسد -والنفس حالة فيه- ينمو في مراحل ثلاث: الشبوبية والنضوج والشيخوخة؛ هكذا أيضًا النفس -وهي مختفية في الجسد- تنمو في مراحل ثلاث هي: بداية الإيمان، التقدم فيه، الكمال."
"في البداية عندما يبدأ الإنسان في الإيمان، يولد في المسيح كما هو مكتوب في الأناجيل. وقد أعطانا القديس يوحنا الرسول علامات هذا الميلاد الجديد، كما قدم لنا الحالة الوسطى وحالة الكمال، فقال "أكتب إليكم أيها الأولاد... أكتب إليكم أيها الآباء... أكتب إليكم أيها الأحداث" (1 يو 12:2-14). وهو لم يكتب هذا لأصدقائه حسب الجسد بل للمؤمنين، راسمًا لهم المراحل الثلاث التي يعبر خلالها أولئك الذين يطلبون دائرة الروح وينالون الكمال ويُمنحون ملء النعمة."
"كل من يريد أن يكون إنسانًا روحيًا (2)، يلزمه أن يجتهد في الابتعاد عن اضطرابات الجماهير وشركتهم، حتى يكون بعيدًا عن دوامة الناس وشغبهم جسديًا وقلبيًا وذهنيًا، لأنه حيثما وُجدت الجماهير يوجد الصخب."
"قدم لنا ربنا مثالًا للاعتزال عن البشر والوحدة، إذ اعتاد أن يذهب بمفرده إلى الجبل ليصلى. كذلك انتصر على الشيطان في البرية، إذ تجاسر الشيطان ليصارعه مع أنه لم يكن (الرب) عاجزًا عن قهره حتى بين الجموع، لكنه صنع هذا ليعلمنا أنه في السكون والوحدة يمكننا أن ننتصر على العدو ونبلغ الكمال بسهولة."
"لم يُظهر الرب مجده لتلاميذه وسط البشر، بل قادهم إلى الجبل وهناك كشف لهم مجده."
"ففي العالم يسهل على العدو أن يضايقنا بأسلحته الخفية والظاهرة، متخذًا بعض الناس المطيعين له كمساعدين له في إثارة الحرب ضد المؤمن. فيمكنه أن يستخدم بعض النسوة قليلات الحياء كسلاح قوى ضد المؤمن ناشرًا شباكهن الخادعة على نطاق واسع."
"اجتهدوا إذًا أن تكونوا مؤسسين على السكون تأسيسًا صالحًا، حتى ننقاد إلى رؤية الله، أي التأمل الروحي العظيم."
"أريد أن أخبركم: ماذا تشبه النفس عندما تقطن النار الإلهية فيها. إنها تشبه طائرًا ذا جناحين يحلق في العلاء في جو السماء. فالطير هو الوحيد من بين المخلوقات له أجنحة، إذ هذا من ملامحها الخاصة. هكذا النفس المطيعة لله بأجنحتها هي قفزات النار الإلهية التي تعطيها القوة لكي ترتفع إلى السماء. فإن نزعت عنها الأجنحة لا تعود تقدر على الطيران."
"علاوة على هذا فإن نفس الإنسان تشبه الطائر أيضًا، من حيث أن الحرارة (الدفء) هو سر وجودها في الحياة. فبدون تدفئة البيض لا يخرج الفرخ الحي، هكذا أيضًا بالنسبة للنفس، إذ يحيط الله بها، يدفئها مطيعة هي له، فتخرج إلى الحياة الروحية."
"وإذ نتحقق أن النفس المطيعة لله، والملتصقة به، هي أشبه بالطائر الذي تكمن حياته في الدفء، لهذا ليتكم لا تنفصلون قط عن هذه النار."
"هذه النار يقدمها الله لكم، وبسببها يشن الشيطان هجمات كثيرة لكي يحرمكم منها، إذ هو يعلم أنه لا غلبة له عليكم مادامت هذه النار (عاملة) فيكم."
"قاوموا الشيطان، واجتهدوا أن تعرفوا خداعاته، فقد اعتاد أن يخفي المرارة وراء مظهر العذوبة حتى لا تنكشف، مقدمًا أوهامًا تبدو لناظريها جميلة، غير أن حقيقتها تختلف عن مظهرها. هذا كله يفعله لكي يخدع القلوب بدهائه المتشبه بالحق وله جاذبيته."
"يوجه الشيطان كل جهوده لهذا الهدف، مقاومًا كل النفوس المتعبدة لله حسنًا، بجميع الطرق الممكنة. وما أكثر أنواع الشهوات التي يبثها في النفس لعله يطفئ النار الإلهية، مستعينًا بالقصور الذاتي للجسد وكل ما يتعلق به."
"عندما يرى البعض متحفظين منه، لا يقبلون منه شيئًا، ولا يسمعون له في شيء، يُولّى عنهم في خزي، عندئذ يعطيهم روح الله راحة ويجعل لهم لذة في كل عمل، يصير حمل نير الرب حلوًا، كما هو مكتوب في الإنجيل: "فتجدوا راحة لنفوسكم" (مت 29:11). رغم قبولهم النير وحملهم إياه لا يعودون يكلِّون من التدريب في الفضيلة أو القيام بالخدمة والسهر الليلي، ولا يشعرون بالغضب من جهة أي مضايقة بشرية، ولا يخافون إنسانًا أو حيوانًا مفترسًا أو روحًا شريرًا، لأن فرح الرب يستقر فيهم نهارًا وليلًا، معطيًا الحياة لعقولهم، فيكون الفرح طعامهم، وبه تنمو نفوسهم وتقترب من كل شيء ومن كل كمال، وبه ترتفع إلى السماء."
"إننا نرى الطفل في نموه يأخذ في البداية لبن أمه، بعد ذلك يأخذ بعض الأطعمة الأخرى، وأخيرًا يأخذ كل صنوف الأطعمة التي يأكلها البشر، هكذا ينمو الإنسان حتى يصير قويًا ناضجًا قادرًا على مقاومة الأعداء (الأمراض) ببسالة... ولكن أن أصابه مرض في طفولته، حرمه من طعامه وأنهك قوته، ينشأ ضعيفًا، ويغلبه أي عدو.. ولكي يهزم عدوه (المرض) يجب عليه أن يستعيد صحته طالبًا القوة، وذلك باعتناء أحد الأطباء المختبرين به."
"هكذا أيضًا بالنسبة للنفس البشرية، متى فقدت فرحها الإلهي تصير مريضة وتعانى من جراحات كثيرة. فإن اجتهدت في طلب إنسان -خادم الله- مختبر في الطب الروحي، وتمسكت به، فإنه يشفيها من الآلام ويقيمها ويعلمها أن تحصل على ذلك الفرح الذي هو طعامها بواسطة العون الإلهي، عندئذ تقدر أن تقاوم أعداءها الذين هم الأرواح الشريرة، وتقهرهم وتطأ مشوراتهم تحت قدميها، وتمتلئ بملء الفرح الكامل."
"اعرفوا مشورات الشرير، فإن جاءكم في زيّ من يعلم بالحق لكي يخدعكم ويقودكم بمكر، أو جاءكم كملاك نور، فلا تصدقوه ولا تطيعوه، لأنه يفتن المؤمنين بمظاهر مغرية لها صورة الحق."
"أني أخبركم عن عمل، به وحده يصير الإنسان ثابتًا في الصلاح من البداية حتى النهاية، وهو أن تحبوا الله من كل نفوسكم وقلوبكم وأفكاركم وأن تصنعوا كل شيء لأجله وحده، فيعطيكم الله قوة عظيمة وفرحًا وتصير كل الأعمال الصالحة حلوة كالعسل، وكل أتعاب الجسد والهذيذ والأسهار وكل نير الرب يصير حلوًا وهينًا."
"على أي الأحوال، فإن الرب من أجل محبته للبشر، يرسل لهم أحيانا ضيقات حتى لا يتكبروا بل يكملوا مجاهدين، وعوض الشجاعة يشعرهم بالثقل والضعف، وعوض الفرح يشعرون بالحزن، وعوض السلام والهدوء يشعرون بالهياج، وبدلًا من الحلاوة يشعرون بالمرارة، وما على شاكلة هذا."
"هذا يحدث بالنسبة للذين يحبون الله. لكن بالجهاد والغلبة يصيرون شيئًا فشيئًا أقوياء، وأخيرًا إذ ينتصرون، لأن الروح القدس يكون معهم في كل شيء، ولا يعودون يخافون شيئًا رديئًا."
"وصايا الله هي: النقاوة، السلام الدائم غير المتغير، الامتلاء بالرحمة، وغير ذلك من الفضائل الجميلة المتوَّجة بالتَّطويب."
"جاهدوا أن تنفذوا وصايا الروح، التي تهب حياة لنفوسكم، وبها تتقبلون الله في نفوسكم. إنها الطريق الأمين..."
"فبدون نقاوة القلب والجسد، لا يقدر أحد أن يكون كاملًا أمام الله، إذ مكتوب في الإنجيل: "طوبى للأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله" (مت 8:5)."
"فالكمال مصدره نقاوة القلب. إذ القلب هو مركز الخير الطبيعي والشر غير الطبيعي. والشر هو مصدر آلام النفس من ذمٍ وبغضةٍ ومجدٍ باطل وما أشبهه. أما الخير فيولد معرفة الله والقداسة ونقاوة النفس من كل الآلام."
"فإن سعى الإنسان في إصلاح طريقه، وبدأ يهرب من الشر متسلحًا بالجهاد: من بكاٍء وانسحاق قلب وأصوام وأسهار وفقر (اختياري) وصلوات كثيرة؛ فان الرب يساعده بنعمته ويحرره أيضًا من كل آلام النفس."
"وإني أكتب هذا لأني أتوق إلى خلاصكم، حتى تكونوا أحرارًا، وأمناء وعروسًا طاهرة للمسيح عريس النفوس، كقول الرسول بولس "خطبتكم لرجلٍ واحدٍ لأقدّم عذراء عفيفة للمسيح" (2 كو 2:11)."
"إذًا، فلنستيقظ من النوم ونحن بعد في الجسد، ولنتأوه على أنفسنا، ونحزن عليها من كل قلوبنا نهارًا وليلًا حتى نخلص من العذاب المرعب والتنهد والبكاء والغم الأبدي."
"ليتنا ندرك أن الباب رحب، وأن الطريق المؤدى إلى الهلاك سهل وكثيرون يدخلون منه، فندخل من الباب الضيق والطريق الكرب المؤدى إلى الحياة، الذي يدخل منه قليلون."
"فمن يدخل في الطريق الأخير، هو عامل حقيقي، ينال جزاء عمله بفرح ويرث الملكوت."
"وإنني أتوسل إلى الذين لم يقتربوا بعد من هذا الطريق ألا يهملوا طالما يوجد وقت، لئلا في ساعة الحاجة يجدون أنفسهم بلا زيت، ولا يقبل أحد أن يبيع لهم زيتًا. هذا ما حدث مع الخمس عذارى الجاهلات اللواتي لم يجدن من يشترين منه زيتًا، عندئذ صرخن باكيات قائلات "يا سيد يا سيد افتح لنا، فأجاب وقال الحق أقول لكن إني ما أعرفكن" (مت 11:25، 12). هذا حدث لهن ليس إلا بسبب الكسل. لقد استيقظن في النهاية وبدأن يعملن، لكن بلا جدوى، لأن سيد البيت دخل وأغلق الباب كما هو مكتوب."