كتب

المكابين الرابع



المكابين الرابع

المكابين
الرابع

من
ابوكريفا الترجمة السبعينية

 

كتاب
المكابيّين الرابع

دوّنه
في اليونانيّة كاتبٌ تغذّى من الفلسفة الرواقيّة، في القرن الأول ب.م.، في مصر أو
في أنطاكية. انتشر في الكنيسة السريانيّة واليونانيّة والأرمنيّة. أمّا النصّ
اليونانيّ فحُفظ في عدد من مخطوطات السبعينيّة ولا سيّمَا الكودكس السينائي
والاسكندراني، كما حُفظ في مخطوطات تتضمّن مؤلّفات يوسيفوس المؤرّخ، لأنّ 4مك نُسب
خطأ إلى يوسيفوس. يرى الأخصّائيّون في 4مك عظة تُليت في المجمع أو مديحًا حول
الشهداء المكابيّين، أو مقالاً فلسفيًّا. حاول الكاتب أن يبيّن أن “العقل
التقيّ يستطيع أن يسيطر على الأهواء”، فذكر الأسبابَ الفلسفيّة. ثمّ انطلق من
سلوك يوسف وموسى ويعقوب وداود، فبيّن أنّ الشريعة والعقل يعيشان في وفاق. وشرح
فكره عائدًا إلى أمثلة مأخوذة من التاريخ اليهوديّ، فتحدّث عن موقف ثابت لدى أونيا
عظيم الكهنة تجاه ابولونيوس، عن استشهاد اليعازر والإخوة المكابيّين السبعة مع
أمّهم. سيطروا على أهوائهم، فثبتوا حتى النهاية لينالوا المجد الأبديّ. أخذ الكاتب
مواد كتابه من 2مك، كما أخذها من مؤلّفات يهوديّة تصوّر الاضطهادات في زمن
المكابيّين. وتوخّى في عمله مواجهة التأثير الهلنستي على الديانة اليهوديّة،
والردّ على الإهمال تجاه الطقوس كما تقدّمها الشريعة. ولقد شدّد الكاتب على مدلول
فضائل رئيسيّة أربع : الفطنة، العدالة، الاعتدال، القوّة. وعبّر عن اعتقاده
بالآخرة، وعن قيمة موت الشهداء. إنّ 4مك هو شهادة ثمينة عن التقوى اليهوديّة في
الشتات، في زمن يسوع المسيح.

 

مدخل الى المكابين الرابع

الكتاب
الذي عُرف معرفة واسعة على أنه سفر المكابيين الرابع (4 مك)، هو خطبة فلسفيّة
يوسّع فيها الكاتب براهينه مستعملاً صيغة المتكلّم. في المقدّمة (1: 1- 6) يُطلق
موضوع كتابه كله: سيطرة العقل على الأهواء. هذا القرار يعود أكثر من مرّة (1: 9،
13، 19، 30؛ 2: 6، 24؛ 6: 31؛ 7: 16؛ 13: 1؛ 16: 1؛ 18: 2). بعد أن أشار الكاتب
إلى ذلك (1: 7- 12) من خلال استشهاد اليعازر والأخوة السبعة وأمهم، بدأ القسمُ
التعليميّ والفلسفيّ (1: 13- 3: 18) الذي فيه يناقش علاقة العقل بالأهواء (أو
الرغبات). ويعطي أمثلة من العهد القديم: يوسف، موسى، يعقوب، داود. ويتبع هذا مطلعٌ
تاريخيّ قصير يتحدّث عن تدخّل ابولونيوس، حاكم سورية، في أمور هيكل أورشليم،
وفشله، وعداوة أنطيوخس ابيفانيوس لليهود (3: 19- 4: 26). ثم يتكرّس القسم الأكبر
من الكتاب للكلام عن الاستشهاد (5: 1- 17: 6) مع تفاصيل عديدة. وكل هذا يتقاطع مع
خطب وُضعت في فم اليعازر والإخوة السبعة، ومديح أليعازر (6: 31- 7: 23)، وخطاب آخر
حول تسلّط العقل التقيّ لدى الإخوة السبعة (13: 1- 14: 10). في 14: 11- 17: 26
تصوّر الأمُ في ألمها وفي موتها، كالمثال الأشهر لسيطرة العقل. وسوف تشجّع
أولادَها قبل موتها على تحمّل الموت من أن يتجاوزوا الشريعة. وينتهي الكتاب بخبر
حول تأثير الاستشهاد على عامة الشعب (17: 7- 18: 5)، وبخطبة توجّهها الأم إلى
أولادها (18: 6- 19). وكل هذا ينتهي بتعبير ايماني حول عدالة الله، مع مجدلة أخيرة
(18: 20- 24).

1-
نصوص 4 مك

نجد
نص 4 مك في مخطوطات عديدة من السبعينيّة. ولكن أهمّها السينائيّ الذي يعود إلى
القرن الرابع ب م، والاسكندراني الذي يعود إلى القرن الخامس. لا يظهر 4 مك في
الفاتيكاني، بل في مخطوط يرتبط به ويعود إلى القرن 8- 9 ب م (كودكس
Venetus)، ما عدا 5: 11- 12: 1. بالإضافة إلى ذلك، هناك عدد كبير من
المخطوطات تعود إلى مؤلّفات المؤرّخ اليهودي فلافيوس يوسيفوس، التي تتضمّن 4 مك.
لهذا، نُسب هذا الكتاب منذ القرن 6 إلى يوسيفوس ولكن هذه النسبة كانت خاطئة وقيل:
بسودو – يوسيفوس.

تُرجم
النصّ اليونانيّ هذا إلى السريانيّة، في الترجمة البسيطة مع العنوان التالي: كتاب
المكابيين الرابع وأمّهم. وهي نسخة تتبع بشكل عام السينائيّ على حساب الاسكندراني.
وطُبع سنة 1895. وكان تشيرياني قد نشر صورة عن هذا المخطوط، سنة 1871- 1883، في
ميلانو بايطاليا. نشير هنا إلى أن برنس جمع لائحة من 200 مقطع، قابل فيها النصّ
السريانيّ مع النصّ اليونانيّ. أما سويتي، فجعل عدّة اختلافات سريانيّة في ملحق
للنص اليوناني.

لا
نجد 4 مك في الشعبيّة اللاتينيّة، وإن نُسبت إلى روفينوس ترجمةٌ لاتينيّة
قديمة.فلا برهان يُسند هذا القول. فقد أعلن ايراسموس (1469-1536) أنه استعمل هذه
الترجمة من أجل إسهابه اللاتيني. ولكن شيئًا لم يصلنا من هذه الترجمة. وذُكر أكثر
من مخطوط في السلافية القديمة.

أول
مرّة طُبع نص 4 مك في اليونانيّة، سنة 1526، في الجزء الثالث من السبعينيّة، في
ستراسبورغ. هذه الطبعة ستكون أساس طبعات عديدة في القرن 16- 17 مع السبعينيّة: في
بال (سويسرا، 1545، 1550)، فرنكفورت (إلمانيا، 1597)، البندقية (ايطاليا، 1687).
ومع منحولات العهد القديم: في بال (1582). ومع مؤلّفات يوسيفوس: في بال (1544)،
جنيف (سويسرا، 1611، 1634)، كولونيا (المانيا، 1691). وفي مكتبة الآباء اليونان.
سنة 1590، نشر لويدوس في أوكسفورد 4 مك مستندًا إلى طبعة ستراسبورغ وإلى مخطوط
أوكسفورد. جاءت هذه النشرة متفوّقة على نسخة ستراسبورغ. ونشير إلى طبعة 4 مك
انطلاقًا من المخطوط الاسكندراني: في أوكسفورد، في زوريخ (سويسرا)، وفي لايبزيغ
(ألمانيا). ولكننا سننتظر سنة 1871 ليكون لنا نص منقود ومستند إلى أفضل المخطوطات
مع فريتشي. ثم كان نص سويتي الذي انطلق من النصّ الاسكندراني مع اختلافات
السينائي، و
Venetus Graecus وأجزاء تيشندورف. وسنة 1935، ظهرت السبعينيّة بعناية رالفس في
شتوتغارت، على أساس مخطوطين هامّين: السينائيّ والاسكندرانيّ.

نُقل
النص إلى اللاتينيّة في بداية القرن الرابع عشر، في إيطاليا، ثم في القرن السادس
عشر بيد إيراسموس ثم لويدوس في طبعة اوكسفورد (سنة 1590). وسنة 1672، قدّم
كومبانيس، الدومنيكاني الفرنسي، ترجمة لاتينيّة جديدة، في طبعة باريس سنة 1672.

ترجم
4 مك إلى الفرنسيّة منذ القرن السابع عشر. وكانت ترجمة في القرن الثامن عشر. وسوف
ننتظر القرن العشرين لتكون لنا ترجمة ومقدّمة. أما الترجمات الانكليزيّة فجاءت
عديدة، منذ القرن السابع عشر. نكتفي هنا بذكر ترجمة إمات سنة 1918، وهاداس سنة
1953، وأندرسون سنة 1985. وطُبعت ترجمة ألمانية سنة 1867، وجاءت بعدها ترجمات
عديدة. وهناك أكثر من ترجمة اسبانيّة وايطاليّة… وأخيرًا عبريّة “كتوبيم
أحرونيم”. وها هي الترجمة العربيّة التي نجعلها في مجموعة “على هامش
الكتاب” مع النهج الذي اتّبعناه منذ الكتاب الأول في هذه السلسلة: مقدّمة،
النصّ مع الحواشي، دراسة أدبيّة ولاهوتيّة.

 

دراسة فى المكابين الرابع

أوّل
شهادة عن 4 مك نجدها في التاريخ الكنسيّ (3/10: 6) لأوسابيوس القيصريّ: “هذا
الكاتب (فلافيوس يوسيفوس) ألّف كتابًا آخر رفيع المستوى حول سيادة العقل. سمّاه
بعضهم “كتاب المكابيّين” لأنه يتضمّن، شأنه شأن سفري المكابيّين، خبر
الجهاد البطوليّ للعبرانيّين في سبيل التقوى”. وهكذا نعرف أن 4 مك نُسب إلى
يوسيفوس منذ القرن الرابع. وأنه كان معتبرًا جدًا.

سنة
412، ألّف إيرونيموس “الرجال المشهورين”. في 13، أورد ما قاله أوسابيوس
تقريبًا: “وكتاب آخر له (يوسيفوس) عنوانه: سيادة العقل. رُويت فيه شهادة
المكابيّين”. وفي كتابه ضدّ بيلاجيوس (2: 6): “يوسيفوس كاتب سفر
المكابيّين. لا شيء يزعزع سلطة النفس”. وينسب يوحنا الدمشقيّ أيضًا 4 مك إلى
يوسيفوس، ومثله فوتيوس…

في
القرن الرابع، استعمل غريغوريوس النازينزي في خطبة حول المكابيّين (الآباء اليونان
35: 911-934) سفر المكابيّين الرابع. وألّف يوحنا الذهبيّ الفم أربع عظات حول
الشهداء المكابيّين (الآباء اليونان 50: 617- 628؛ 63: 523- 550). وعاد امبروسيوس
إلى 4 مك في “الدرجات الصغرى” (،1 الآباء اللاتين 14: 627 ي) وفي
“يعقوب والحياة السعيدة (662ي).

اهتمّت
الكنيسة بسفر المكابيّين الرابع، فوصل النصّ إلينا. أما العالم اليهوديّ فلم يُعره
أية أهميّة. وانتظرنا أن نجد تلميحًا عنه في عيد حنوكة. ولكن عبثًا.

ونطرح
أسئلة: ما هي مناسبة تأليف 4 مك؟ وأين دوّن؟ ومتى دوّن؟

 

1-
المناسبة

نحن
أمام عظة تُليت أمام السامعين بمناسبة مديح الشهداء الذين ماتوا في اضطهاد أنطيوخس
إبيفانيوس. قد تكون ألّفت في عيد حنوكه، أو عيد التدشين، الذي فيه يحتفلون بتطهير
الهيكل وعودة شعائر العبادة إليه، على يد يهوذا المكابيّ (1مك 4: 52- 59؛ 2 مك 1:
8؛ 10: 5- 8). وتوسّع الواعظ في معنى هذا التذكار، فتحدّث عن جميع الذين عملوا من
أجل استقلال الشعب اليهوديّ.

ولكن
ما نعرف عن عيد حنوكه لا يشير إلى الشهداء المكابيّين. لا شكّ في أن 4 مك يتحدّث
عن الذين حرّروا الوطن ودمّروا الطاغي، بآلامهم وموتهم. ولكنه لم يربط استشهادهم
بعيد التدشين. عندئذ نفكّر بعيد تكرّس خاصة ليذكر هؤلاء الشهداء. لهذا يشير الكاتب
أكثر من مرّة إلى “اليوم” القاسي واللاقاسي الذي فيه تعذّب السبعة في
سبيل الإيمان. قال في 1: 10: “الأبطال الذين في هذا اليوم، ماتوا مع أنهم في سبيل
الحقّ” (1: 10). كما تحدّث عن اليوم الذي يدعوه لكي يتكلّم عن العقل العفيف
(3: 19).

 

2-
أين ومتى كتب 4 مك؟

وهكذا
نفهم أننا أمام موضع فيه يكرّمون هؤلاء الشهداء. في 17: 8 نقرأ: “يجدر بنا أن
نكتب حتى على قبرهم الكلمات التالية كذكرانة لأعضاء شعبنا”. ثم النصّ:
“هنا دُفن شيخ جليل…” (آ 9). إذن، عُرف هذا القبر ومضى المؤمنون إليه.
فأين كُرّمت عظام الشهداء، بحيث ألّف هذا المقالُ من أجلهم؟ أشار إيرونيموس إلى
مودين في فلسطين. ولكنه قال أيضًا إنهم كانوا يرون ذخائرهم في إنطاكية. وفي الوقت
نفسه، أفهم الذهبيّ الفم (في عظته الرابعة حول المكابيّين القدّيسين) أنه يعظ أمام
قبور الشهداء (الآباء اليونان 50: 617). وفي العظة نفسها قال إن المسيح لم يأت إلى
الحلبة بمقاتلين أشدّاء، بل بفتيان مع شيخ اسمه أليعازر وأم هؤلاء الشبّان التي
كانت عجوزًا (50: 618- 619). وفي القرن السادس، تحدّث أحد الرحّالة عن إنطاكية.
وسيرةُ الشهداء السريانيّة التي دُوّنت سنة 411- 412 (بعد أن نقلت عن نصّ يوناني
يعود إلى سنة 362) تقدّم الشهادة عينها. وحدّدت الموضع: كيراتايون حيث وُجد مجمع
لليهود. هنا نتذكّر شهادة يوسيفوس حول عدد اليهود الذي كان كبيرًا في إنطاكية
(الحرب 7/3: 3، أقاموا في أحد الأحياء).

في
الواقع، لا نجد في 4 مك شيئًا يحدّثنا عن الكاتب أو مكان الكتابة أو زمنها. ولكن
النصّ ككلّ يتيح لنا أن نقدّم الملاحظات التالية:

أ-
وُجد 4 مك في عدد من مخطوطات يوسيفوس، ذاك المؤرّخ اليهوديّ. ونسب أوسابيوس وايرونيموس
الكتاب إلى يوسيفوس. ولكننا نرفض أن يكون يوسيفوس مؤلّف 4 مك. فأسلوب 4 مك يختلف
كل الاختلاف عن أسلوب يوسيفوس. في 4 مك البلاغة والفلسفة. أما عند يوسيفوس فالسرد
“التاريخيّ” الذي قد يبدو ناشفًا. ثم إن يوسيفوس اتّخذ اسم فلافيوس،
إكرامًا لفلافيانس قيصر، وتزوّج امرأة وثنيّة. فكيف يمجّد أبطال المقاومة كما فعل
4 مك. في العاديات (12: 4) قال يوسيفوس إن أنطيوخس هو شقيق سلوقس الرابع، فكيف
يقول في 4 مك 4: 15 إنه ابنه.

ب-
إن الطريقة التي بها يعود الكاتب إلى هيكل أورشليم وخدمته (4: 11ي)، تفترض أن
الهيكل ما زال قائمًا. وهذا ما يجعلنا في تاريخ يسبق سنة 70 ودمار الهيكل. ولكنه
لا يتعدّى سنة 63 ق.م. ونلاحظ أن الكاتب يقول إنه في أيام سلوقس الرابع (175 قم)
ظلّ أونيا الكاهن الأعظم، في وظيفته مدى الحياة. هذا الكلام لم يعد ضروريًا قبل 63
ق.م، ساعة زال الاستقرار مع سقوط السلالة الحشمونيّة.

ج-
نحن هنا في حضارة هلينيّة، بحيث نعتبر أنه يستحيل أن يكون الكاتب يهوديًا من
فلسطين. فمعرفته العميقة بالفلسفة اليونانيّة، وتشديده على سموّ الشريعة، واهتمامه
بالبلاغة اليونانيّة، كل هذا يجعله يعيش خارج فلسطين. أما الكاتب فمجهول. وأما
الزمن فبين 63ق. م و70 ب.م. ولكن إن كنا لا نعرف اسم الكاتب، إلاّ أننا نستشفّ أنه
شخص تكرّس للشريعة، لاهوتيّ عميق، فيلسوف بليغ، وراوٍ مليء بالحماس.

ونعود
إلى السؤال: أين دُوّن 4 مك؟ أشرنا إلى إنطاكية. ولكن بدا رأي آخر: الإسكندرية،
هذه المدينة التي عرفت مستوطنة واسعة من اليهود الذين تأثّروا بالفلسفة
اليونانيّة، منذ سفر الحكمة، إلى فيلون الذي جاءت بعض أقواله قريبة من 4 مك.

غير
أن هناك عناصر ترفض أن يكون 4 مك قد قيل على مدفن الشهداء. فالشريعة تمنع منعًا
واضحًا أي اتّصال بالموتى (21: 1- 5؛ 10- 11؛ عد 6: 6- 9؛ تث 18: 9- 12؛ 26: 14).
وموقف التقليد اليهوديّ من شعائر عبادة للموتى موقف سلبيّ. لهذا، قال البعض إننا
أمام موقف مهليَن ترك التحفّظ في هذا المجال، فكرّم أبطاله. وتبع المسيحيّون هذا
التكريم.

 

3-
أهميّة 4 مك التاريخيّة

إن
4 مك هو المؤلّف الوحيد الذي بقي لنا من هذا النوع من الكتابة اليهوديّة. لهذا،
كانت قيمته التاريخيّة كبيرة جدًا. اختلف هذا الكتاب عن آثار فيلون الاسكندراني
والمؤرّخ يوسيفوس في نظرتهما، فقدّم لنا نظرة جذّابة إلى العالم الفكريّ لشتات
يهوديّ عاش في القرن الأوّل المسيحيّ وتحضّر بالحضارة اليونانيّة. نجد هنا فنّ البلاغة.
كما نجد معرفة عميقة بمبادئ الفلسفة اليونانيّة، واستعمالها للدفاع عن سلطة
الشريعة وإلقاء الضوء على هذه الشريعة في كلام عن سيطرة العقل على الأهواء. ولكن
يبقى 4 مك ذات قيمة بسيطة كينبوع معلومات حول التاريخ الذي عاش فيه الكاتب. فهو لا
يضيف شيئًا على 1مك و2 مك.

فكاتب
4 مك ليس مؤرّخًا. فهو ما توخّى أن يقدّم لقرّائه تقريرًا دقيقًا عن أحداث ماضية
من الحرب المكابيّة. بل هو سعى، عبر قوّة بلاغيّة يمتلكها، أن يروي هذه الأخبار
ليُشعل مخيّلة قرّائه ويحرّك أعماق عقولهم وقلوبهم، ويقنعهم بأن يقبلوا بسيادة
العقل الذي ترافقه التقوى. والمواد الأساسيّة لأخبار الشهادة هذه، جاءت من 2 مك.
أخذها الكاتب وزيّنها لكي توافق هدفه الفلسفيّ واللاهوتيّ، ولا سيّما في خطب وضعها
على شفتي هؤلاء الشهداء الذاهبين إلى الموت. هل كان لهذه الأخبار أساس في التاريخ
الصحيح؟ هنا يبقى السؤال مفتوحًا. فإن لم تكن لنا الوسائل لكي نبرهن عن
تاريخيّتها، لا يحقّ لنا أن نرفضها كلها ونعتبرها من عالم الأسطورة.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى