كتب

المديح الخامس عشر



المديح الخامس عشر

المديح الخامس عشر

 

استعارة
الفرع: معلم البر ينبوع مياه حيّة، وبستانيّ الغرس الأبديّ. آلامه الجسديّة
والأدبيّة.

(4)
أمدحك أيها السيّد. فقد جعلتني مخرج أنهار نازلة على اليابسة وينبوع مياه في أرض
عطشى وسقْى (5) بستان في بريّة.

زرعتَ
غرس سرو ودردار مع البقس لمجدك. أشجار (6) في مكان سريّ خبّئت وسط كل أشجار
المياه. وهذه الأشجار أنبتت فرعاً للغرس الأبدي: (7) يتجذّرون قبل أن تنبت
الأغصان، ويرسلون جذورهم نحو السواقي. وجذعه يصل إلى المياه الحيّة (8) فيصبح
معيناً أبدياً. وفي الفرع وقربه يرعى كل حيوان الغاب. وتدوس جذعه أرجل جميع
العابرين (9) في الطريق. وأغصانه تكون لكل طائر مجنّح. وجميع أشجار المياه ترتفع
فوقه، لأنها تنمو في غرسها (10) ولكنها إلى الساقية لا ترسل جذورها. والذي أنبت
فرع القداسة لغرس الحق ظلّ خفياً ولم (11) يفكّر فيه أحد. أخفى سرّه فلم يُعرف.

وأنت
يا الله أغلقت على ثمرك في سرّ الجبابرة الأقوياء (12) وأرواح القداسة وشعلة النار
المدوّمة. لن يشرب من معين الحياة، ومع أشجار الأبد (13) لن يشرب من ماء القداسة.

سحاب
السماء لن يُنجح ثمرَه حتى الامتلاء. لأنهم رأوا ولم يتبيّنوا، (14) وفكّروا ولم
يؤمنوا بمعين الحياة، بالسيل الذي يجري إلى الأبد. وأنا تعرّضتُ لأوساخ الأنهار
(15) الجامحة حين رمت عليّ أوحالها.

(16)
وأنت يا إلهي جعلت في فمي المطر المبكر لجميع بني البشر، وسيول مياه حيّة لا تنضب.
يفتحها (17) الأمراء ولا يغيبون. فتصبح سيلاً جامحاً فوق كل الضفاف وإلى المياه
العميقة تنحدر. (18) تتفجّر فجأة بعد أن اختفت في السرّ، وتجري كأنهار مياه
متواصلة وتصبح غمراً لكل شجر (19) أخضر أو يابس، ولجّة لكل كائن حيّ. وتنغرز أشجار
المياه كالرصاص في المياه القويّة. وتصير (20) فريسة النار وتجفّ. ولكن الغرس
الخصب ينجح فيصبح معيناً أبدياً لعدن المجيد ويعطي ثماراً إلى الأبد.

(21)
بيدي فتحتُ ينبوعهم وسط سيول الماء، ونظّمتُ صفوفهم الخماسيّة حسب حبل أمين،
وغرْسَ (22) أشجارهم حسب اتجاه الشمس لتقوّيها وتجعلها تنتج أغصاناً مجيدة. إن
حرّكتُ يدي لأحفر (23) قنواتها، تنغرز جذورها في الصخر والصوان، وبمتانة تثبّت في
الأرض جذعها. وفي فصل الحرّ تحافظ (24) على قوّتها. وإن سحبتُ يدي تصبح كالوعر في
الفيافي وجذعها كالقرص في أرض مالحة. وفي قنواتها (25) ينبت الشوك والعوسج، وتسلّم
إلى الحسك والقطرب. وتتحوّل أشجار الأطراف إلى أشجار ذي ثمار برية. وأمام (26)
الحرّ تذبل أوراقها. ولكن لم يُفتح لي معين وسط المياه بل منفى وسط الأمراض. وبدل
تفجّر المياه أعطيت لي (27) الضربات. فصرت كإنسان متروك في الغمّ وفي حزن نفسي ولم
تبقَ لي قوّة. لأن عقابي أنبت (28) مرارة وألماً لا شفاء منه، فما عاد لي عزم في
داخلي. وحلّت الحيرة بي كالنازلين إلى الجحيم، ووسط (29) الموتى صار روحي طالباً.
فحياتي بلغت إلى الهاوية وخارت نفسي فيّ نهاراً وليلاً (30) وليس من راحة. ونبتت
نار محرقة ودخلت في غظامي. أكلني اللهيب أياماً عديدة (31) فأفنى عزمي أزمنة وأهلك
لحمي أوقاتاً. وطارت الأمواج إليّ (32) وانحطّت نفسي فيّ حتى التلاشي. فقوّتي زالت
من جسدي، وسال قلبي كالماء، ولحمي ذاب (33) كالشمع، وقوّة حقوقيّ صارت فريسة
الرعب. وانحلّت ذراعي من مفاصلها فما قدرت أن أحرّك يدي. (34) وأخذت رجلي في
الحديد، وزلقت ركبتاي كالماء فما استطعت أن أخطو خطوة، ومُنعت رجلاي الخفيفتان من
المشي (35) لأن ذراعيّ قيّدتا بسلاسل فجعلتني أتعثّر.

ولكنك
أنميتَ لساني في فمي فما تراجع، وما كان لأحد أن يسكته (36). فلي أعطي لسان تلميذ
لكي أنعش روح المتعثّرين، وأشجّع بكلمة المنهكين. فقد صمتتْ جميع شفاه (37)
الكذب…

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى